الخميس، 6 ديسمبر 2018

الإشهار القرآني والمعنى العرفاني في ضوء النظرية العرفانية والمزج المفهومي والتداولية سورة يوسف نموذجا


جاكندوف ضد تشومسكي





جاكندوف ضد تشومسكي

Jackendoff, R (2003) “Précis of Foundations of Language:Brain, Meaning, Grammar, Evolution” BEHAVIORAL AND BRAIN SCIENCES . 26, 651–707.pp. 651-655.

هذه ترجمة انتقائية لقسم من مقال جاكندوف أعلاه، ينتقد فيه هذا الأخير مواقف تشومسكي بخصوص المكانة المبالغ فيها التي توليها لسانياته للتركيب. وهو مقال رئيس في مسار جاكندوف العلمي. فجاكندوف ظل لوقت طويل يدافع عن أطروحات تشومسكي. وفي هذا المقال يعلن رفضه الصريح لكثير من تلك الأطروحات، ويُحمل تشومسكي مسئولية التراجع الذي عرفته اللسانيات اليوم إذا ما قورنت بالعلوم المعرفية (أو العرفانية) الأخرى. (والمقال موجه في هذه المدونة أساسا إلى طلبتي).
*****
يتحدث جاكندوف مسترجعا ذكرياته في الستينات حين كان طالبا جامعيا عن المكانة التي كان يحتلها النحو التوليدي في النقاش عند ظهوره، فيقول:
في الستينات حينما صرت طالبا جامعيا أَدْرُس اللسانيات، كان النحو التوليدي يمثل حينئذ الموضوع الجديد الساخن. فالناس، من الفلاسفة إلى علماء النفس إلى الأنثروبلوجيين إلى علماء التربية إلى منظري الأدب، كانوا جلهم يقرأون عن النحو التحويلي ويتابعون ما يجري فيه من نقاش. لكن مع نهاية السبعينات بدأ الاهتمام بهذا النحو يخف ويضعف، على الرغم من أن اللغويين في عمومهم لم يدركوا ذلك. وفي التسعينات أصبحت اللسانيات عمليا على الهامش، بعيدة عن النشاط الذي يقع في العلم العرفاني. إن هذا الخفوت لا يعدو في بعض جوانبه أن يكون راجعا إلى تغير في موضة العصر، وإلى ظهور مناهج جديدة كالنزعة الاقترانية وطرائق تصوير الدماغ. غير أن هناك أسبابا أخرى أعمق من هذه وراء فقدان اللسانيات مكانتها. بعض هذه الأسباب تاريخي، وبعضها الآخر علمي. والأسئلة الرئيسة التي أود مناقشتها هنا هي الآتية:
* ما الذي كان صحيحا في النحو التوليدي إبان الستينات، بحيث كان يجعل من هذا النحو نحوا واعدا؟
* ما الذي كان خاطئا فيه، بحيث حال بينه وبين تحقيق وعوده؟
* كيف بإمكاننا أن نُثَبِّتَه ثانية، ونبرز قيمته من جديد بالنسبة إلى العلوم العرفانية الأخرى؟
إن الهدف هنا هو أن نحدث تكاملا بين اللسانيات والعلوم العرفانية الأخرى، لا أن نضرب صفحا عن النتائج التي توصلت إليها هذه العلوم ونتنكر لها. فلكي نفهم اللغة ونسبر أغوار الدماغ نحتاج إلى كل الأدوات الممكنة. لكن على كل علم أن يأتي بما يستطيع لكي تكتمل الصورة وتستوي.
إن الموقف الذي عرضته في كتابي أسس اللغة Foundations of Language (جاكندوف 2002) يقضي بأن برنامج النحو التوليدي كان في عمومه صحيحا، كما أن الطريقة التي رُبط بها هذا البرنامج بعلم النفس وبالبيولوجيا كانت صحيحة أيضا. غير أن هناك خطأ تقنيا رئيسا يقع في قلب التنفيذ الصوري للبرنامج. ويتمثل هذا الخطأ في الدور المبالغ فيه الذي أسند إلى التركيب. فهذا الإعلاء من شأن التركيب في النحو هو الذي جعل النظرية النحوية عاجزة عن الاقتران على نحو كاف بالنظرية اللغوية وبالحقول الجارة على حد سواء. في أسس اللغة اقترحت بديلا، أسميته الهندسة المتوازية، يعرض فرصا قوية جدا لتحقيق الاندماج في المجال. ولكي نفهم بجلاء الدافع الذي حركني لاقتراح الهندسة المتوازية، لا بد من العودة إلى بعض الأمور التاريخية.
المحاور الثلاثة التي ينهض عليها النحو التوليدي
لقد حدد الفصل الأول من كتاب تشومسكي مظاهر نظرية التركيب برنامج كل ما جرى في النحو التوليدي منذ ذلك الحين. فالمشروع يرتكز إلى ثلاثة أعمدة نظرية هي: النزعة الذهنية، والتأليفية، والاكتساب.
النزعة الذهنية
الرؤية التي كانت شائعة بين اللغويين قبل المظاهر كانت تقول إن اللغة شيء يوجد إما وجودا مجردا في النصوص، وإما يوجد بمعنى من المعاني "في إطار أو حضن الجماعة" (التصور الأخير يعود إلى سوسير). وقد دافع تشومسكي عن رؤية تقضي بأن الموضوع الملائم للدراسة هو النسق اللغوي القائم في ذهن/دماغ المتكلم الفرد. وحسب هذا الموقف لا تكون للجماعة لغة مشتركة إلا لأن المتكلمين الذين ينتمون إليها يملكون النسق اللغوي نفسه ممثلا في أذهانهم/أدمغتهم.
الاصطلاح الذي طغى استعماله للدلالة على هذا النسق اللغوي هو "المعرفة"، وهو اصطلاح غير موفق ربما. بيد أننا إذا رجعنا إلى الخطاب النظري الذي كان سائدا في ذلكم الوقت، وجدنا أن البديل الذي كان يُعرَضُ في مقابل تصور تشومسكي كان يرى في اللغة استعدادا أو مهارة، بالمعنى الذي كان رايل (1949) قد طوره؛ وهو بديل يحمل في ثناياه شحنات من النزعة السلوكية ومن الموقف الذي يربط التعلم بالمنبه والاستجابة، وهو ما كان تشومسكي ينأى بنفسه عنه، ويحتاط احتياطا من الوقوع فيه لأسباب كلها معقولة وراجحة. وينبغي التشديد هاهنا على أننا بغض النظر عن الاصطلاح الذي يمكن أن نستعمله لتعيين هذا النسق اللغوي الذي يوجد في ذهن/دماغ المتكلم، فإنه يظل نسقا ضاربا في اللاشعور ومتمنعا عن البلوغ من طريق الاستبطان، مثله في ذلك مثل العمليات التي تعالج في دماغنا العلامات البصرية. فاللغة إذن خاصية تميز الذهن/الدماغ، يصعب ربطها أو وضعها تحت لفظ "المعرفة" الذي يستفاد من معناه في الاستعمال الشائع الوجود في متناول الاستبطان. في كتابي أسس اللغة عقدت تسوية مع التراث واستعملت بطريقة منهجية اصطلاح "معرفة ـ و" (f-knowledge)، أي معرفة وظيفية، لأسمي به كل ما يوجد في رؤوس المتكلمين مما يمكنهم من الكلام بلغتهم أو لغاتهم وفهمها.
.....
التأليفية
لقد بدأ تشومسكي منذ كتابه بنيات تركيبية (1957)، وهو كتابه الأول من حيث النشر، يلاحظ أن اللغة تحتوي عددا لا يحصى من الجمل. فإلى جانب لائحة الكلمات النهائية إذن، يتعين على التخصيص المضبوط للغة أن يتضمن مجموعة من القواعد (أي نحوا) تصف أو "تولد" جمل اللغة. وقد بين تشومسكي في بنيات تركيبية أن قواعد اللغة الطبيعية لا يمكن تخصيصها استنادا إلى عمليات ماركوف المبنية على الحالة المحدودة؛ كما بين أيضا أن هذه القواعد لا تقبل التخصيص باعتماد النحو المركبي غير المقيد بالسياق. وارتأى حلا يقضي بأن تكون الصورة الملائمة لقواعد اللغة الطبيعة مستندة إلى نحو مركبي غير مقيد بالسياق، مرفوق بقواعد تحويلية. إن الاتجاهات التي أفرزها النحو التوليدي لاحقا (كالنحو المركبي الرأسي لبولار وساغ، أو النحو المعجمي الوظيفي لبريزنان) لم تحافظ كلها على آلية القواعد التحويلية؛ لكنها تضمنت كلها آلية معينة صُممت أساسا لدرء النواقص اللصيقة بالأنحاء المستقلة عن السياق التي شرحها تشومسكي بتفصيل في بنيات تركيبية سنة 1957.
عندما ننقل مفهوم التأليفية إلى الإطار الذهني (من النزعة الذهنية) الذي وضعه تشومسكي سنة 1965 في كتابه مظاهر نظرية التركيب، تكون النتيجة كالآتي: يتعين على متكلمي اللغة أن يمتلكوا في رؤوسهم قواعد لغوية (أنحاء) تكون جزءا من معرفتهم الوظيفية (f-knowledge). وهنا أيضا أثير نقاش حول المقصود بلفظ "قواعد". قواعد النحو كما تُتصور في النحو التوليدي لا تشبه أي نوع من أنواع القواعد أو القوانين المتعارف عليها في الحياة العادية: كقواعد الآداب، أو قواعد الشطرنج، أو قوانين المرور، أو قوانين الفيزياء. قواعد النحو كما يتصورها تشومسكي تعد مبادئ لا شعورية تلعب دورا في إنتاج الجمل وفهمها. ودرءا للخلط أيضا، استعملتُ في كتابي أسس اللغة لفظ "القواعد ـ و" ( (f-rules للإشارة إلى المبادئ التأليفية القائمة في الرأس، بغض النظر عن ماهيتها. إن اللسانيات التوليدية تترك الباب مفتوحا فيما يخص الكيفية التي تعمل بها القواعد الوظيفية؛ إنها لا تقطع برأي في كيفية هذا العمل. لكن اللغويين لا يلتزمون الحيطة والحذر في هذا الشأن. والنظرية التي عرضتُها في الأسس تسمح لنا بأن نقول إن هذه القواعد تلعب دورا مباشرا في تلك العمليات.
إن من أهم الأسباب التي جعلت الناس يستقبلون النحو التوليدي استقبالا حسنا يرجع إلى أن هذا النحو ذهب أبعد من مجرد الادعاء بأن اللغة تحتاج إلى قواعد. إنه تخطى ذلك باقتراحه تقنياتٍ صوريةً دقيقة تمكن من تخصيص تلك القواعد، استنادا إلى مقاربات جرى تطويرها من قبل في أوائل القرن تناولت أسس الرياضيات والحوسبة.
....
الاكتساب
عندما نجمع بين النزعة الذهنية والتأليفية ضمن تصور واحد ننقاد إلى وضع السؤال الآتي: كيف يتوصل الأطفال إلى حيازة هذه القواعد الوظيفية في رؤوسهم؟ وإذا سلمنا بأن هذه القواعد الوظيفية لا شعورية، فإن الآباء والأقارب لا يستطيعون صوغها في الكلام. وحتى إذا سلمنا بإمكان ذلك، فإن الأطفال لن يفهموا عنهم؛ لأنهم لم يتوصلوا بعد إلى معرفة اللغة. أرقى ما يمكن للمحيط أن يقوم به بالنسبة إلى متعلم اللغة هو أن يعرض عليه أمثلة من اللغة مدرجة في سياق. وهذا ـ لعمري ـ كاف بالنسبة إلى متعلم اللغة لينطلق على رسله وحده في بناء المبادئ، بكيفية لا شعورية بالطبع.
لقد وضع تشومسكي (1965) السؤال الآتي: ما الذي ينبغي أن يعرفه الطفل سلفا لكي يقوم بهذه المهمة (يكتسب اللغة)؟ وقد عبر عن هذا المشكل بحدود "فقر المنبه": فهناك تعميمات مختلفة شتى تكون كلها متلائمة مع المعطيات التي يواجهها الطفل؛ لكن هذا الأخير يتوصل بطريقة من الطرق إلى التعميمات "الصحيحة"؛ أي إلى التعميمات التي تجعله في تناغم تام مع تعميمات المجموعة اللغوية التي ينتمي إليها. أحب دائما أن أضع هذا المشكل على النحو الآتي: إن جماعة اللغويين كلَّها التي تعمل على اللغة منذ عقود باستعمال كل أنواع المعطيات النفسية واللغوية المقارنة التي لا تكون في متناول الأطفال، لم تستطع إلى حد الآن أن تتوصل إلى التخصيص المضبوط لنحو لغة واحدة. وفي مقابل هذا نجد كل الأطفال يصلون إلى تخصيص أنحاء لغتهم في سن العاشرة تقريبا. الأطفال ليسوا ملزمين بالاختيار بين الأنحاء مثلنا. إنهم ليسوا مجبرين على البت فيما إذا كان ينبغي للنحو الصحيح أن يكتسي طابع النحو التحويلي أو البرنامج الأدنى أو النظرية القصوى أو النحو العرفاني أو الشبكات الاقترانية أو بديلا آخر لَمَّا تتضح ملامحه. الأطفال يعرفون النحو (معرفة وظيفية) سلفا قبل أن يواجهوا المعطيات.
أحد أهداف النظرية اللغوية قائم إذن في حل هذه المفارقة، "مفارقة اكتساب اللغة"، بالكشف عن مظاهر المعرفة-و اللغوية غير المتعلمة، والتي تمثل الأساس الذي يستند إليه الطفل في تعلمه. الاصطلاح المعيار الذي استعمل لتعيين هذا المكون غير المُتعلَّم هو النحو الكلي، وهو اصطلاح يحمل طيه أيضا أمورا كثيرة مضللة. فينبغي أن لا نخلط النحو الكلي بالكليات اللغوية. النحو الكلي هو الذي يوجه اكتساب اللغة. وأحب من زاويتي أن أنظر إلى النحو الكلي بوصفه مجموعة من الأدوات لبناء اللغة، أي مجموعة من الأدوات ينتقي الطفل (أو دماغه على الأصح) منها بكيفية وظيفية الأدوات الملائمة أو المناسبة للقيام بما يتعين القيام به. فإذا حصل أن كانت اللغة الموجودة في محيط الطفل تملك نسقا إعرابيا (كالألمانية مثلا)، فإن النحو الكلي سيساعد الطفل على اكتساب الإعراب؛ وإذا كانت اللغة لغة تنغيم (كالصينية) فإن النحو الكلي سيساعد الطفل على اكتساب التنغيم؛ وإذا حصل أن كانت اللغة التي توجد في محيط الطفل هي الأنجليزية، التي لا تعول على الإعراب ولا على التنغيم، فإن الأجزاء المتصلة بالإعراب والتنغيم في النحو الكلي لن تعمل.
....................
من السابق للأوان إنكار فرضية النحو الكلي كما أقدم على ذلك بعض الباحثين (ديكون 1997؛ إيلمان وآخرون 1996)، الذين تذرعوا بأننا لا نعرف كيف يمكن للجينات أن ترمز اكتساب اللغة. وهذه ـ لعمري ـ ذريعة باطلة؛ لأننا لا نعرف أيضا كيف ترمز الجينات شدو العصافير أو السلوك الجنسي أو حتى العطس؛ لكن هذا ليس كافيا للطعن في وجود أساس جيني وراء هذه الظواهر السلوكية كلها.
إخلاف الوعد: البنية العميقة مفتاح الذهن
النقطة الرابعة الهامة التي وردت في كتاب المظاهر وأثرت تأثيرا كبيرا في وعي الجمهور تتصل بفكرة البنية العميقة. فقد ذهب تشومسكي سنة 1965 إلى الدفاع عن صيغة في النحو التوليدي تقول إن هناك إلى جانب الصورة السطحية التي تكون عليها الجمل، أي الصور التي نسمعها، مستوى نحويا آخر يسمى البنية العميقة، يعبر عن الاطرادات التركيبية التحتية التي تتمتع بها الجمل. فالجملة المبنية على غير الفاعل (1) ترتد إلى بنية عميقة مبنية على الفاعل (2):
1) قُتل زيد.
2) قَتل أحد زيدا.
والشيء نفسه بالنسبة إلى الجملة الاستفهامية (3)، التي تعود إلى البنية العميقة الشبيهة جدا بتلك التي تقترن بالجملة الخبرية (4):
2) أي وردة قطف خالد؟
3) قطف خالد هذه الوردة.
في السنوات القليلة التي سبقت نشر كتاب المظاهر، وُضع السؤال عن الكيفية التي تقترن بها البنية التركيبية بالمعنى. وأجابت المظاهر عن هذا السؤال، استنادا إلى فرضية كان قد اقترحها كاتز وبوسطال (1964)، تقضي بأن المستوى التركيبي المؤهل لتحديد المعنى هو البنية العميقة.
إن هذه الدعوى في صيغتها المعتدلة لا تقول أكثر من أن الاطرادات الدلالية التي تكشف عنها الجمل توجد مرمزة بكيفية مباشرة في البنية العميقة. وهذا أمر يمكن ملاحظته في الجمل السالفة. لكن الدعوى كانت تكتسي أحيانا طابعا أكثر إقداما وتطرفا، كأن يقال مثلا إن البنية العميقة هي المعنى، وهو بالمناسبة قول لم يكن تشومسكي يعترض عليه في البداية. وهذا القسم من اللسانيات التوليدية تحديدا، أي القسم المتصل بالمعنى، هو الذي لفت إليه انتباه الجمهور أكثر من غيره. فإذا كانت تقنيات النحو التحويلي تمكننا من الإمساك بالمعنى، فإننا نستطيع أن نطمئن إلى إمكان القبض على طبيعة الفكر البشري. وإذا كانت البنية العميقة بنية فطرية ـ بنية يخولها النحو الكلي ـ فإن النظرية اللغوية تسمح لنا على نحو غير مسبوق بالإمساك بجوهر الطبيعة البشرية. فلا عجب إذن أن ينكب الناس طرا على تعلم اللسانيات ويسارعوا إلى الإفادة منها.
إن الذي حصل بعد هذا هو تشكل فريق من الباحثين التوليديين، في مقدمهم جورج لاكوف، وجون روبيرت روس، وجيمس ماكولي، وبوول بوسطال، أخذ على عاتقه الدفاع باستماتة وعنفوان منقطعي النظير عن الفكرة التي تقضي بأن البنية العميقة هي التي ينبغي أن تُرَمِّز بكيفية مباشرة المعنى. وأسفر القول بهذه الفكرة عن ظهور نظرية الدلالة التوليدية (راجع: لاكوف 1971؛ ماكولي 1968؛ بوسطال 1970) التي ضاعفت من تجريد البنية العميقة وتعقيدها إلى حد جعل بعضهم يقترح ثمان بنيات عميقة للجملة الشهيرة (Floyd broke the glass)، كل بنية من هذه البنيات تطابق سمة من سمات الجملة الدلالية. وأغلب الناس الذين رحبوا بما ورد في كتاب المظاهر عن المعنى، أحبوا الدلالة التوليدية وشايعوا أصحابها وانتصروا لهم. ولهذا السبب انتشرت نظرية الدلالة التوليدية بين الناس كالنار في الهشيم. بيد أن تشومسكي وقف موقف المعارض، وشن رفقة من كانوا آنئذ تلامذته (ومن بينهم كاتب هذه السطور) حملة شعواء على نظرية الدلالة التوليدية. وعندما وضعت الحروب اللغوية أوزارها في سنة 1973، كان تشومسكي هو المنتصر. لكن انتصاره كان مصحوبا بتعديل في الموقف: إذ لم يعد يدافع عن أن البنية العميقة تمثل المستوى الوحيد الذي يحدد المعنى (راجع تشومسكي 1972). وبعد أن ربح تشومسكي المعركة، لم يواصل الاهتمام بالمعنى بل أقلع عن ذلك، وانصرف إلى البحث عن القيود التقنية الموضوعة على تحويلات النقل (راجع تشومسكي 1973؛ 1977).
لقد كان لهذا الانصراف عن الاهتمام بالمعنى أثر سلبي في الصورة التي كونها الناس عن النحو التوليدي. فتشومسكي وعد الناس بإمكان القبض على المعنى، ثم تراجع وأخلف وعده. لقد أدى هذا بكثير من الباحثين اللغويين وغير اللغويين إلى الانصراف عن النحو التوليدي بإحساس مشوب بالمرارة. ولم يتنكروا للبنية العميقة فحسب، بل للنزعتين الذهنية والفطرية أيضا، وأحيانا طال الإنكار حتى خاصية التأليفية ذاتها. وحينما عاد تشومسكي في نهاية السبعينات إلى الحديث مجددا عن المعنى، في نطاق الصورة المنطقية (راجع تشومسكي 1981)، كان الوقت قد فات. ومنذ هذه الفترة لم يعد الجهاز التقني المجرد للنحو التوليدي يثير فضول الناس ما عدا فئة قليلة جدا من العلماء العرفانيين، وفئات قليلة من جمهور المثقفين.
.....
أحس أن أغلب اللغويين عادوا إلى الاهتمامات التقليدية التي كانت طاغية في حقل اللسانيات: وصف اللغات بأقل ما يمكن من المتاع النظري والعرفاني....
الارتكاز على التركيب خطأ علمي
نكتفي من التاريخ بهذا القدر، ونعود إلى ما أعتقد أنه الخطأ الذي يقع في صلب النحو التوليدي. أقصد الخطأ الذي يقف وراء ابتعاد النظرية اللغوية عن العلوم العرفانية واغترابها. فقد برهن تشومسكي على أن اللغة تتطلب نسقا توليديا يسمح بإنتاج ما لا حصر له من الجمل المتنوعة. لكنه دافع دون دليل في كتاب المظاهر عن أن خاصية التوليدية هذه توجد في صلب المكون التركيبي للنحو ـ بناء المركبات من الكلمات ـ وأن الصوتيات (نظام أصوات الكلام) والدلاليات (نظام المعنى) هما مكونان تأويليان فقط؛ أي أن خصائصهما التأليفية لا تعد أصلية، بل مشتقة بكيفية صارمة من تأليفية التركيب.
لقد كانت هذه الدعوى سائغة في سنة 1965. فالهدف في تلكم الأيام كان قائما في الاستدلال على أن اللغة تنطوي على شيء مخصوص ميزته أنه توليدي. وقد مكن التركيب التوليدي من اكتشاف أدوات قوية جديدة قادت إلى تحقيق نتائج مذهلة. ففي ذلك الوقت كان يبدو كما لو أن الصوتيات تقبل المعالجة بوصفها مستوى فرعيا أو أدنى مشتقا من التركيب: التركيب يعرض الكلمات وفق ترتيبها الصحيح، وتتكلف الصوتيات بما يسمح بنطقها على نحو متناغم مع محيطها المحلي. أما الدلالة، فقد كانت المعرفة بها قريبة من الصفر. الأشياء البسيطة التي كانت في المتناول آنذاك هي الاقتراحات التي تضمنها كاتز وفودور (1963)، وبعض الأعمال الواعدة الأخرى التي كان يقوم بها أشخاص مثل بيرويتش (1967؛ 1969) و وينريتش (1966). وهكذا لم يكن الوضع الذي كانت عليه النظرية يعرض أسبابا تسمح بالطعن أو التشكيك في أن التعقيد التأليفي يصدر كله عن التركيب.
إن النقلات اللاحقة التي حدثت في اللسانيات التوليدية الرسمية أحدثت فروقا هامة في المنظور. لكن هناك شيئا واحدا لم يطله التغيير، وظل على حاله كما كان أول مرة، وهو الزعم بأن التركيب يمثل المصدر الوحيد الذي تفيض عنه التأليفية. نجد هذا الزعم في نموذج المظاهر وفي نموذج "المبادئ والوسائط" (أو ما يسمى أيضا بنظرية الربط العاملي)، ونجده أيضا في البرنامج الأدنى.
إن هذه النقلات النظرية أثرت في المكونات التركيبية وفي علاقتها بالصوت والمعنى. لكن ما ظل على حاله فيها كلها هو (أ) أن هناك مرحلة أولى في الاشتقاق يقع فيها التأليف بين الكلمات أو المورفيمات لبناء بنيات تركيبية؛ (ب) وأن هذه البنيات تخضع لعدد من العمليات التركيبية المتنوعة، (ج) وأن بعض هذه البنيات يجري إرساله إلى الواجهة الصوتية ليتحول إلى متواليات منطوقة، وبعضها الآخر يرسل إلى الواجهة الدلالية لكي يتحول إلى متواليات مفهومة. فالتركيب باختصار شديد ظل مصدر النظام اللغوي في تفاصيله كلها.
وأعتقد أن هذا الزعم القاضي بـ مركزية التركيب (syntactocentrism)، الذي لم يقم عليه دليل كما أشرت إلى ذلك أعلاه، هو الذي مثل الخطأ الأكبر في مجال اللسانيات. المقاربة الصحيحة تقضي بأن ننظر إلى البنية اللغوية من حيث إنها ناتجة عن عدد من القدرات التوليدية المتوازية والمتداخلة في الآن نفسه، قدرات صوتية وتركيبية ودلالية. وكما سيتضح لنا ذلك، فإن عناصر هذه "الهندسة المتوازية" كانت دائما موجودة على نحو ضمني في الممارسة اللسانية منذ سنوات. الجديد في هذا العمل هو الخروج بهذه الممارسات إلى العلن، والدفاع عن أنها تمثل المبدأ المؤسس للنظام اللغوي، واستثمار النتائج بعيدة المدى التي تترتب عليها.

 http://mustafahaddad.blogspot.com/2007/05/blog-post_15.html

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018

تهنئة بمناسبة المولد النبوي الشريف

أجمل التهاني لرواد مدونتي

 بمناسبة المولد النبوي الشريف

 

  1
ولد    الهدى    فالكائنات    ضياء   ***   وفم     الزمان     تبسم      وثناء
  2
الروح    والملأ    الملائك    حوله   ***   للدين     والدنيا     به      بشراء
  3
والعرش   يزهو   والحظيرة   تزدهي   ***   والمنتهى     والسدرة      العصماء
  4
وحديقة   الفرقان   ضاحكة    الربا   ***   بالترجمان       شذية        غناء
  5
والوحي  يقطر  سلسلا  من  سلسل   ***   واللوح    والقلم     البديع     رواء
  6
نظمت أسامي الرسل فهي  صحيفة   ***   في  اللوح   واسم   محمد   طغراء
  7
اسم  الجلالة   في   بديع   حروفه   ***   ألف   هنالك   واسم   طه    الباء
  8
يا  خير  من  جاء  الوجود   تحية   ***   من مرسلين إلى الهدى  بك  جاؤوا
  9
بيت   النبيين   الذي   لا    يلتقي   ***   إلا    الحنائف    فيه     والحنفاء
  10
خير   الأبوة    حازهم    لك    آدم   ***   دون    الأنام    وأحرزت     حواء
  11
هم   أدركوا   عز   النبوة   وانتهت   ***   فيها     إليك     العزة     القعساء
  12
خلقت  لبيتك  وهو   مخلوق   لها   ***   إن    العظائم    كفؤها    العظماء
  13
بك   بشر   الله   السماء   فزينت   ***   وتضوعت    مسكا    بك    الغبراء
  14
وبدا    محياك    الذي     قسماته   ***   حق     وغرته     هدى     وحياء
  15
وعليه   من   نور   النبوة   رونق   ***   ومن    الخليل    وهديه     سيماء
  16
أثنى  المسيح  عليه  خلف  سمائه   ***   وتهللت       واهتزت       العذراء
  17
يوم  يتيه  على   الزمان   صباحه   ***   ومساؤه        بمحمد        وضاء
  18
الحق  عالي   الركن   فيه   مظفر   ***   في  الملك  لا   يعلو   عليه   لواء
  19
ذعرت  عروش  الظالمين   فزلزلت   ***   وعلت   على    تيجانهم    أصداء
  20
والنار   خاوية   الجوانب    حولهم   ***   خمدت   ذوائبها   وغاض    الماء
  21
والآي    تترى    والخوارق    جمة   ***   جبريل     رواح     بها      غداء
  22
نعم  اليتيم   بدت   مخايل   فضله   ***   واليتم    رزق     بعضه     وذكاء
  23
في المهد  يستسقى  الحيا  برجائه   ***   وبقصده      تستدفع       البأساء
  24
بسوى الأمانة في الصبا والصدق لم   ***   يعرفه    أهل    الصدق    والأمناء
  25
يا من له الأخلاق  ما  تهوى  العلا   ***   منها    وما     يتعشق     الكبراء
  26
لو  لم  تقم  دينا   لقامت   وحدها   ***   دينا    تضيء     بنوره     الآناء
  27
زانتك  في  الخلق  العظيم   شمائل   ***   يغرى    بهن     ويولع     الكرماء
  28
أما  الجمال  فأنت  شمس   سمائه   ***   وملاحة    الصديق    منك    أياء
  29
والحسن  من  كرم  الوجوه   وخيره   ***   ما     أوتي     القواد     والزعماء
  30
فإذا  سخوت  بلغت  بالجود  المدى   ***   وفعلت   ما   لا    تفعل    الأنواء
  31
وإذا    عفوت     فقادرا     ومقدرا   ***   لا    يستهين    بعفوك    الجهلاء
  32
وإذا  رحمت   فأنت   أم   أو   أب   ***   هذان  في   الدنيا   هما   الرحماء
  33
وإذا  غضبت  فإنما   هي   غضبة   ***   في  الحق  لا  ضغن  ولا   بغضاء
  34
وإذا  رضيت  فذاك   في   مرضاته   ***   ورضا    الكثير     تحلم     ورياء
  35
وإذا    خطبت     فللمنابر     هزة   ***   تعرو    الندي    وللقلوب     بكاء
  36
وإذا   قضيت   فلا   ارتياب   كأنما   ***   جاء  الخصوم  من  السماء  قضاء
  37
وإذا  حميت  الماء  لم  يورد   ولو   ***   أن    القياصر    والملوك    ظماء
  38
وإذا  أجرت  فأنت   بيت   الله   لم   ***   يدخل   عليه    المستجير    عداء
  39
وإذا  ملكت   النفس   قمت   ببرها   ***   ولو  ان  ما  ملكت   يداك   الشاء
  40
وإذا   بنيت   فخير   زوج    عشرة   ***   وإذا    ابتنيت     فدونك     الآباء
  41
وإذا  صحبت  رأى  الوفاء  مجسما   ***   في   بردك   الأصحاب    والخلطاء
  42
وإذا   أخذت   العهد   أو   أعطيته   ***   فجميع    عهدك    ذمة     ووفاء
  43
وإذا  مشيت  إلى   العدا   فغضنفر   ***   وإذا     جريت     فإنك     النكباء
  44
وتمد    حلمك    للسفيه     مداريا   ***   حتى   يضيق   بعرضك   السفهاء
  45
في  كل  نفس  من  سطاك  مهابة   ***   ولكل   نفس   في    نداك    رجاء
  46
والرأي   لم   ينض   المهند   دونه   ***   كالسيف  لم   تضرب   به   الآراء
  47
يأيها     الأمي     حسبك     رتبة   ***   في  العلم  أن  دانت  بك   العلماء
  48
الذكر   آية   ربك   الكبرى    التي   ***   فيها   لباغي    المعجزات    غناء
  49
صدر البيان  له  إذا  التقت  اللغى   ***   وتقدم      البلغاء       والفصحاء
  50
نسخت  به  التوراة  وهي   وضيئة   ***   وتخلف    الإنجيل    وهو    ذكاء
  51
لما  تمشى  في   الحجاز   حكيمه   ***   فضت   عكاظ   به   وقام    حراء
  52
أزرى    بمنطق    أهله    وبيانهم   ***   وحي    يقصر     دونه     البلغاء
  53
حسدوا  فقالوا  شاعر   أو   ساحر   ***   ومن   الحسود   يكون   الاستهزاء
  54
قد  نال  بالهادي  الكريم  وبالهدى   ***   ما  لم   تنل   من   سؤدد   سيناء
  55
أمسى   كأنك   من   جلالك   أمة   ***   وكأنه     من      أنسه      بيداء
  56
يوحى  إليك   الفوز   في   ظلماته   ***   متتابعا    تجلى     به     الظلماء
  57
دين    يشيد    آية     في     آية   ***   لبناته       السورات       والأدواء
  58
الحق فيه  هو  الأساس  وكيف  لا   ***   والله     جل      جلاله      البناء
  59
أما  حديثك  في   العقول   فمشرع   ***   والعلم   والحكم    الغوالي    الماء
  60
هو  صبغة  الفرقان  نفحة   قدسه   ***   والسين    من    سوراته     والراء
  61
جرت الفصاحة  من  ينابيع  النهى   ***   من    دوحه    وتفجر     الإنشاء
  62
في   بحره   للسابحين   به   على   ***   أدب    الحياة    وعلمها     إرساء
  63
أتت  الدهور  على   سلافته   ولم   ***   تفن  السلاف   ولا   سلا   الندماء
  64
بك يا ابن  عبد  الله  قامت  سمحة   ***   بالحق   من   ملل   الهدى   غراء
  65
بنيت  على  التوحيد  وهي   حقيقة   ***   نادى    بها    سقراط     والقدماء
  66
وجد  الزعاف  من  السموم  لأجلها   ***   كالشهد    ثم    تتابع     الشهداء
  67
ومشى  على  وجه  الزمان  بنورها   ***   كهان    وادي    النيل     والعرفاء
  68
إيزيس  ذات  الملك  حين  توحدت   ***   أخذت    قوام    أمورها    الأشياء
  69
لما   دعوت   الناس   لبى   عاقل   ***   وأصم    منك    الجاهلين     نداء
  70
أبوا  الخروج  إليك   من   أوهامهم   ***   والناس   في    أوهامهم    سجناء
  71
ومن   العقول    جداول    وجلامد   ***   ومن    النفوس    حرائر     وإماء
  72
داء  الجماعة  من  أرسطاليس  لم   ***   يوصف   له   حتى   أتيت    دواء
  73
فرسمت   بعدك    للعباد    حكومة   ***   لا    سوقة    فيها    ولا     أمراء
  74
الله   فوق   الخلق   فيها    وحده   ***   والناس    تحت    لوائها     أكفاء
  75
والدين    يسر    والخلافة    بيعة   ***   والأمر   شورى   والحقوق   قضاء
  76
الإشتراكيون      أنت       إمامهم   ***   لولا    دعاوي    القوم     والغلواء
  77
داويت    متئدا     وداووا     ظفرة   ***   وأخف  من  بعض   الدواء   الداء
  78
الحرب   في   حق   لديك   شريعة   ***   ومن    السموم    الناقعات    دواء
  79
والبر    عندك    ذمة     وفريضة   ***   لا     منة      ممنونة      وجباء
  80
جاءت   فوحدت    الزكاة    سبيله   ***   حتى   التقى   الكرماء    والبخلاء
  81
أنصفت أهل الفقر من  أهل  الغنى   ***   فالكل   في   حق   الحياة    سواء
  82
فلو   ان    إنسانا    تخير    ملة   ***   ما   اختار   إلا    دينك    الفقراء
  83
يأيها   المسرى   به   شرفا    إلى   ***   ما   لا   تنال   الشمس   والجوزاء
  84
يتساءلون   وأنت    أطهر    هيكل   ***   بالروح    أم    بالهيكل     الإسراء
  85
بهما   سموت   مطهرين    كلاهما   ***   نور        وريحانية         وبهاء
  86
فضل  عليك  لذي   الجلال   ومنة   ***   والله   يفعل    ما    يرى    ويشاء
  87
تغشى  الغيوب  من  العوالم   كلما   ***   طويت    سماء    قلدتك     سماء
  88
في  كل   منطقة   حواشي   نورها   ***   نون    وأنت     النقطة     الزهراء
  89
أنت  الجمال  بها  وأنت   المجتلى   ***   والكف       والمرآة       والحسناء
  90
الله   هيأ    من    حظيرة    قدسه   ***   نزلا    لذاتك    لم    يجزه    علاء
  91
العرش    تحتك    سدة     وقوائما   ***   ومناكب   الروح    الأمين    وطاء
  92
والرسل دون العرش  لم  يؤذن  لهم   ***   حاشا    لغيرك     موعد     ولقاء
  93
الخيل  تأبى   غير   أحمد   حاميا   ***   وبها   إذا   ذكر    اسمه    خيلاء
  94
شيخ   الفوارس   يعلمون    مكانه   ***   إن    هيجت    آسادها    الهيجاء
  95
وإذا     تصدى     للظبا     فمهند   ***   أو    للرماح     فصعدة     سمراء
  96
وإذا   رمى   عن   قوسه   فيمينه   ***   قدر   وما   ترمى   اليمين   قضاء
  97
من  كل  داعي  الحق  همة  سيفه   ***   فلسيفه   في    الراسيات    مضاء
  98
ساقي الجريح ومطعم الأسرى  ومن   ***   أمنت    سنابك    خيله    الأشلاء
  99
إن  الشجاعة  في  الرجال  غلاظة   ***   ما    لم    تزنها    رأفة    وسخاء
  100
والحرب من شرف الشعوب فإن بغوا   ***   فالمجد     مما     يدعون     براء
  101
والحرب    يبعثها    القوي    تجبرا   ***   وينوء   تحت    بلائها    الضعفاء
  102
كم   من   غزاة   للرسول    كريمة   ***   فيها   رضى   للحق   أو    إعلاء
  103
كانت   لجند    الله    فيها    شدة   ***   في     إثرها     للعالمين     رخاء
  104
ضربوا الضلالة  ضربة  ذهبت  بها   ***   فعلى   الجهالة   والضلال    عفاء
  105
دعموا على الحرب  السلام  وطالما   ***   حقنت  دماء   في   الزمان   دماء
  106
الحق   عرض    الله    كل    أبية   ***   بين   النفوس   حمى   له   ووقار
  107
هل  كان  حول  محمد  من   قومه   ***   إلا     صبي      واحد      ونساء
  108
فدعا  فلبى   في   القبائل   عصبة   ***   مستضعفون      قلائل      أنضاء
  109
ردوا ببأس  العزم  عنه  من  الأذى   ***   ما   لا   ترد    الصخرة    الصماء
  110
والحق  والإيمان  إن   صبا   على   ***   برد     ففيه     كتيبة      خرساء
  111
نسفوا  بناء  الشرك   فهو   خرائب   ***   واستأصلوا   الأصنام   فهي   هباء
  112
يمشون تغضي الأرض منهم  هيبة   ***   وبهم    حيال    نعيمها    إغضاء
  113
حتى   إذا   فتحت   لهم   أطرافها   ***   لم   يطغهم    ترف    ولا    نعماء
  114
يا  من  له  عز   الشفاعة   وحده   ***   وهو   المنزه    ما    له    شفعاء
  115
عرش  القيامة  أنت   تحت   لوائه   ***   والحوض   أنت    حياله    السقاء
  116
تروي  وتسقي  الصالحين   ثوابهم   ***   والصالحات      ذخائر       وجزاء
  117
ألمثل هذا  ذقت  في  الدنيا  الطوى   ***   وانشق   من   خلق   عليك   رداء
  118
لي في  مديحك  يا  رسول  عرائس   ***   تيمن    فيك     وشاقهن     جلاء
  119
هن  الحسان   فإن   قبلت   تكرما   ***   فمهورهن      شفاعة       حسناء
  120
أنت   الذي   نظم   البرية    دينه   ***   ماذا    يقول    وينظم     الشعراء
  121
المصلحون   أصابع   جمعت   يدا   ***   هي  أنت  بل  أنت  اليد   البيضاء
  122
ما  جئت  بابك  مادحا  بل   داعيا   ***   ومن    المديح    تضرع    ودعاء
  123
أدعوك عن قومي  الضعاف  لأزمة   ***   في   مثلها   يلقى   عليك    رجاء
  124
أدرى   رسول   الله   أن   نفوسهم   ***   ركبت    هواها    والقلوب     هواء
  125
متفككون   فما    تضم    نفوسهم   ***   ثقة   ولا   جمع   القلوب    صفاء
  126
رقدوا     وغرهم     نعيم      باطل   ***   ونعيم   قوم   في    القيود    بلاء
  127
ظلموا   شريعتك   التي   نلنا   بها   ***   ما  لم  ينل   في   رومة   الفقهاء
  128
مشت الحضارة في  سناها  واهتدى   ***   في  الدين  والدنيا   بها   السعداء
  129
صلى عليك الله  ما  صحب  الدجى   ***   حاد     وحنت     بالفلا     وجناء
  130
واستقبل  الرضوان   في   غرفاتهم   ***   بجنان    عدن    آلك     السمحاء
  131
خير الوسائل من  يقع  منهم  على   ***   سبب    إليك    فحسبي    الزهراء