الخميس، 21 أبريل 2022

قراءة في كتاب البناء الاجتماعيّ للهويّة الجنسيّة


فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب البناء الاجتماعيّ للهويّة الجنسيّة

نقدّم إلى القارئ العربيّ كتابًا يُعدّ حسب حسن احجيج مُراجع الترجمة العربيّة وواضع مقدّمة لها، "أوّل عمل يترجم لإرفينغ غوفمان إلى اللّغة العربيّة" (ص: 8). فقد اختارت الباحثة المغربيّة هدى كريملي مقالين نشرهما غوفمان في السبعينيات من القرن العشرين، ونقلتهما عن الترجمة الفرنسيّة، وجمعتهما بين دفّتي هذا الكتاب الذي صدر خلال هذه السنة (2019) في 143 صفحة من القطع الصغير عن "مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع". ونحاول في هذا التقديم، أن نضع هذين المقالين في سياقهما، وفيما لهما من صلة بأعمال غوفمان، مفيدين من المقدّمة المستفيضة التي كتبها حسن احجيج، إفادتنا من بعض أعمال غوفمان وبعض المراجع الإنجليزيّة التي تناولت أعماله، ساعين قدر المستطاع أن نعبّر بطريقتنا عن فحوى هذا الكتاب، وأهمّ ما جاء فيه من قضايا وأفكار.

ولعلّه من المفيد أن نذكّر -في بداية هذا التقديم- بأنّ ولادة إرفينغ مانيال غوفمان (Erving Manual Goffman) كانت عام 1922 في قرية من قرى مدينة مانفيل (Mannville) الكنديّة من أب يهوديّ مهاجر من أوكرانيا، وأنّ وفاته كانت سنة 1982. وكان التحاقه بجامعة مانيتوبا (University of Manitoba) عام 1939 أين بدأ بدراسة الكيمياء، ليتحوّل بعد ذلك إلى العلوم الاجتماعيّة، ولينتقل في مرحلة لاحقة إلى جامعة تورنتو (University of Toronto)، وبعدها إلى جامعة شيكاغو (University of Chicago)، كي يتابع دراسات الدكتوراه، بإذن من قسم الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة بجامعة أدنبرة (university of Edinburgh) الجهة العلميّة المدعّمة للعمل الميدانيّ الذي قام به غوفمان في شتلاند (Shetland)، واستغرق عامين (1949-1951). وبعد أن حصل غوفمان على الدكتوراه عام 1953، ظلّ يدرس لمدة سنة في جامعة شيكاغو خصائص التفاعل الاجتماعيّ رفقة ويليام سوسكين (William Soskin) الأستاذ بقسم علم النفس، ليصبح في أواخر عام 1954 عالما زائرا في المعهد الوطنيّ للصحّة العقليّة بولاية ماريلاند (Maryland)، وليلتحق بداية من عام 1958 بقسم علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا ببيركلي.

وقد عرفت الكتب التي بدأ غوفمان في نشرها في مطلع الستّينيات من القرن العشرين انتشارا واسعا؛ فقد فاز كتابه "عرض الذات في الحياة اليوميّة" بجائزة أفضل كتاب في علم الاجتماع الأمريكيّ في عام 1961. ولقي كتاب "وصمة: ملاحظات حول إدارة الهويّة المصابة" (Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity) الصادر سنة 1963، وكتاب "ملاذات: مقالات في الوضع الاجتماعيّ للمرضى العقليّين وغيرهم من النزلاء" (Asylums) الصادر عام قبله بسنتين (1961)، والذي كان ثمرة جهود شاقّة بذلها في مستشفى سانت إليزابيث بمدينة واشنطن، لقي الكتابان صدى كبيرا جعلا من غوفمان كاتبا يحظى بشهرة واسعة عند جمهور القرّاء، وباحثا اقترن اسمه بالنظريّات الجديدة التي خرجت عن المألوف وبالحركة التي ناهضت وقتئذ الطبّ النفسيّ.

وقد توفّرت لغوفمان خلال العام الجامعيّ (1967-1966) الذي قضاه في جامعة هارفارد الفرصة، ليتحاور مع رموز نظريّة اللّعبة التي سيوظفّها بدوره في دراسة الحياة الاجتماعيّة وفهم جانب مهمّ من كيفيّة سيرها. وفي عام 1968، انتقل غوفمان إلى جامعة بنسلفانيا، ليشغل خطّة أستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، حيث أُتيحت له فرصة لقاء علَمين مهمّين من أعلام اللّسانيات الاجتماعيّة، سيكون لهما دور كبير في تنبيهه إلى أهمّية الأبعاد اللّغوية الاجتماعيّة في دراسة المجتمع، وهو ما سيظهر بوضوح في كتابه الموسوم بـ"أشكال الحديث"، نعني بذينك العلَمين دال هايمز (Dell Hymes) ووليام لابوف (William Labov).

وفي جامعة بنسلفانيا أيضا، بدأ غوفمان يولي اهتماما إلى قضايا الجندر بتأثير من عُصبة من الطلّاب الذين كانوا وقتئذ نزّاعين إلى الحركة النسويّة. وكان من ثمار هذا التأثّر مقال "الجندر في الإشهار" (Gender Advertisements) الصادر عام 1976 في مجلّة "دراسات في أنثروبولوجيا التواصل البصريّ"، ومقال "ترتيبات الجنسين" الصادر عام 1977 في مجلّة "النظريّة والمجتمع".

ولا يمكن -ونحن نعرض شيئا من سيرة غوفمان الفكريّة- ألّا نذكّر بأنّه واحد من أبرز ممثّلي التفاعليّة الرمزيّة (symbolic interactionism) التي ظهرت في جامعة شيكاغو، والتي قدّم أصحابها في إطار الدراسات الاجتماعيّة إطارا نظريّا، اتّجهت همّة الباحثين فيه إلى تدبّر العلاقات التي تنعقد بين الفاعلين الاجتماعيّين على وجه أعمّ، وإلى الكيفيّة التي يبني بها هؤلاء معنًى للعالم الاجتماعيّ الذي يقيمون فيه على وجه أخصّ. فليس المجتمع -من منظور تفاعليّ رمزيّ- كيانا موضوعيّا يوجد بشكل مستقلّ عن الفاعلين الاجتماعيّين، بلْ المجتمع بناء يُشيّده الفاعلون الاجتماعيّون ويعملون -من خلال التفاعلات الحاصلة بينهم- على تعزيزه وتثبيته.

من هنا نفهم العلّة التي جعلت غوفمان يكرّس جهوده وأعماله السوسيولوجيّة لدراسة التفاعلات اليوميّة التي يلتقي فيها الأفراد وجها لوجه، والتي تكون لها استتباعات وآثار بليغة على الكيفيّة التي تتشكّل بها ذوات أولئك الأفراد، والتي يعتبرها غوفمان نظاما قائما بذاته اكتفى به، ومضى على امتداد مؤلَّفاته يتناول عيّنات منه بالدراسة والتحليل، تاركا الأسئلة الكبرى التي ينشغل بها -في العادة- كبار علماء الاجتماع، والتي تنصبّ على فهم طبيعة المجتمع الحديث وما شهده من تطوّر وتغيّر. وإذا كان نظام التفاعل يمثّل الإطار العامّ الذي ينتظم أعمال غوفمان الاجتماعيّة، فإنّ مفهوم الذات (self) هو نقطة الارتكاز في تلك الأعمال التي لم ينفكّ غوفمان يبيّن لنا فيها كيف أنّ هذه الذات تتشكّل ملامحُها عبر تدفّق الأحداث التي تجري لحظة بلحظة أثناء التفاعلات. وراء ذلك اعتقادٌ راسخ بأنّ الذات لا يمكن تناولها بمعزل عن دراسة التفاعل.

فالغاية التي تجري إليها مختلف أعمال غوفمان هي السعي الدؤوب إلى تطوير مجال جديد في الدراسات الاجتماعيّة، والذي يتمثّل في دراسة التفاعلات التي يلتقي فيها الأفراد وجها لوجه، والتي تُكوّن بطبيعتها وحدة، وتُعتبر في حدّ ذاتها حقلا قابلا لكي يكون موضوع تحليلات منسجمة. أجل، يمثّل التفاعل وجها لوجه نظاما قائما بذاته ومجالا من الحياة الاجتماعيّة أهمّ ما يسمه "التواجد المشترك". فنحن -أثناء التفاعل- نجد أنفسنا في حضرة الآخرين ننقلُ لهم شيئا ما عن ذواتنا من خلال فحوى كلامنا، والطريقة التي نتحدّث بها إليهم، والوقفة التي نقفها أمامهم، ونوع النظرات التي نرسلها إليهم، وما نُظهره من استعداد للتفاعل معهم، بل إنّه لا مفرّ لنا -عندما نكون في حضرة الآخرين- من تسرّب هذا النوع من التعابير التي تُخبر عن ذواتنا. فحتّى ملازمتنا الصمت التام، وكفّنا عن الحركة يُنبئان الآخرين بشيء ما حول شخصنا. ومن هنا يمكن القول، بأنّ الدراسة الاجتماعيّة عند غوفمان تنهض بالأساس على الكشف عن ذلك التمازج الذي يحدث في المواقف الاجتماعيّة التي ما هي -في نهاية الأمر- سوى تلك الأطر التي يجد فيها شخصان أو أكثر أنفسهم في مواجهة مباشرة.

ويمكن أن نعتبر هذين المقالين وكتاب "وصمة" الجانب التطبيقيّ لسوسيولوجيا غوفمان القائمة على دراسة نظام التفاعل. فهذه الدراسات التطبيقيّة تسلّط الضوء على أشكال عديدة من الإقصاء الاجتماعيّ تتجلّى -أوضح ما تتجلّى- في التفاعلات اليوميّة. أجل، لقد درس غوفمان في كتابه "وصمة" فئات من الأفراد يعانون أنواعا من النبذ والإقصاء، شأن الذين شوّهت خلقتهم، والذين تتخوّنهم عاهة أو إعاقة بدنيّة، والذين فقدوا السمع أو النظر، والذين أجرموا وسجنوا في وقت سابق، والذين أدمنوا عل الكحول، والذين ينتمون إلى أقلّية عرقيّة. فجميع هؤلاء الأفراد يجدون أنفسهم في المواقف التي يتعرّضون فيها للوصم مُستبعدين لا يلقون من المجتمع القبول والاستحسان الكاملين.

ومن الجدير بالذكر، أنّ مسألة الوصم عند غوفمان مسألة تُدرج في باب الاختلاف. ولا تُصنّف في خانة الانحراف، وهي عنده ليست مجرّد أوصاف خلْقيّة أو خُلقيّة يتّصف بها الفرد، بل هي أدوار تفاعليّة يتفاوت الأفراد في أدائها، وهي وضعيّة تجدُنا -في وقت من الأوقات- نعيشها ونوضع فيها. ولهذا، فبدل السؤال عمّا إذا كان الفرد قد عاش هذه التجربة لأنّه موصوم بوصمة ما، يجدر بنا أن نسأل عن تجربة ذلك الفرد مع الوصم في تنويعاته، وعن الوضعيّات التي وجد نفسه فيها، والتي كانت بسبب من هذه الظاهرة.

نعم، جميعنا نعيش لحظات نحسّ خلالها بأنّنا أفراد مهمّشون، أو بأنّنا نحمل علامة الغريب الذي جاء من بعيد ليحطّ في أرض غير أرضه، هذا يحدث لنا في الأيّام الأولى التي ندخل فيها المدرسة أو الجامعة التي سنكمل فيها دراساتناالعليا، أو مقرّ العمل الذي نعيّن فيه. ولعلّ لكلّ واحد منّا ذكرى منقوشة في صدره، يستعيد من خلالها تلك اللّحظات التي تزعزع فيها كيانه، ودبّ الشكّ إلى نفسه، حتّى إنّه لم يعد واثقا من ذاته. نعم، هي لحظات يجد المرء فيها نفسه في وسط لم يألفه، وقد أحاط به أفراد سبقوه إلى ذلك المحيط، لا يملك إلاّ أن يشعر بأنّهم يحظون -على خلافه- بالاعتراف والقبول الكاملين. من هذا المنطلق ينحو غوفمان باللّائمة على علماء الاجتماع الذين لم يتريّثوا في استعمال مصطلح "الانحراف" (deviation)، عندما أطلقوه على الطرائق التي يتوخّاها المرء في سلوكه، وهم لا يدرون أنّ في ذلك استسهالا يترتّب عليه اعتبار الشخص الموصوم منحرفا مألوفا.

كلّا، ليس الانحراف صفة يتّسم بها الفرد، بل هو في تقدير غوفمان "انحراف اجتماعيّ" تجاه مجموعة من الأشخاص ينخرطون في ضروب شتّى من رفض النظام الاجتماعيّ، شأن المومسات والمُدمنين على المخدّرات والمنحرفين والمجرمين. وانحراف هؤلاء الأشخاص -هو عند غوفمان- نوع من المقاومة التي يستوحيها هؤلاء من الحياتين السياسيّة والثقافيّة، والتي يعبّرون بها عن اعتراضهم على المسالك المعبّدة التي يرسمها المجتمع لأفراده، كي يمرّوا بها، وعلى ما يُسمّى بخطاطات التبرير (motivational schemes) التي يستبطنها أفراد المجتمع، والتي تُعدّ محفّزا لهم فيما يأتونه من أفعال وما يسلكونه من سلوك.

فالوصم في نهاية المطاف، نظام تصنيفيّ يعتمد على خصائص مكتسبة وأخرى موروثة تظلّ تتابع الفرد أينما حلّ، كأن يكون المرء أسمر اللّون أو من الطائفة اليهوديّة. وإذا كان غوفمان لا ينزّل النساء في خانة الموصومين، فإنّ في كتابه "تحليل الإطار" (1974) ما يفيد بأنّ الأنوثة قد تمّ التعامل معها على أنّها صيغة منحرفة من قاعدة الذكورة الأساسيّة، ومن ثمّ، فهي تعدّ علامة ووسما على منزلة دنيا للكائن البشريّ. ولعلّ هذاما يفسّر لنا عدم خروج غوفمان عن النهج الذي نهجه في كتاب "وصم" عندما درس في هذين المقالين اللّذين يتكوّن منهما هذا الكتاب.

ففي المقال الموسوم بـ"ترتيبات الجنسين" كان منطلق البحث في العلاقات الجندريّة هي الممارسات التفاعليّة. وفي المقابل، لم يول غوفمان أهمّية للسلوكيات والممارسات في حدّ ذاتها وفيما تنطوي عليه من معان بالنسبة إلى الذات والمواقف الاجتماعيّة. فالذي يهمّ غوفمان ما يترتّب على الممارسات الجندريّة من آثار في إنتاج الجندر، باعتباره مؤسّسة اجتماعيّة. وقد كان غوفمان -وهو يحلّل مصادر الفروق الجندريّة- مناهضا للتصوّر الجوهرانيّ الذي يعتبر الجندر كيانا ثابتا وليس بناء اجتماعيّا، والذي قام على فرضيّة لم يتوان غوفمان في دحضها، نعني بذلك تسويغ اعتبار المرأة تابعا للرجل بتبريرات بيولوجيّة.

صحيح أن النساء -وليس الرجال- هنّ اللّواتي يحملن ويُرضعن ويحضْن، وأنّ ذلك جزء من شخصيتهنّ البيولوجيّة، وأنّ الرجل -في العموم- أضخم من المرأة، وعضلاته مفتولة أكثر منها (ص: 34). ولكن هل لهذه الحقائق المادّية للحياة نتائج وآثار اجتماعيّة ملموسة؟ يكشف لنا غوفمان كيف أنّ المجتمعات وسّعت نطاق هذه الحقائق المادّية، وبالغت فيها أيّما مبالغة، وصيّرتها مصدرا أساسيّا في التفرقة الاجتماعيّة بين الرجال والنساء. وهكذا حدث ما يُشبه عمليّة الاستيلاء على الجنس، كي يقع تحويله إلى علامة على فروقات اجتماعيّة ثابتة بين الأشخاص. وهذا ما عبّر عنه غوفمان بقوله: "إنّ الاختلافات الجسديّة بين الجنسين ليس لها في حدّ ذاتها صلة تُذكر بالقدرات البشريّة التي تقتضيها غالبيّة مشاريعنا. وعليه، يصبح السؤال المهمّ هو: كيف أصبحت هذه الاختلافات البيولوجيّة غير الحاسمة القائمة بين الجنسين في مجتمعنا الحديث تحظى بهذه الأهمّية الاجتماعيّة؟ كيف من دون تبرير بيولوجيّ بُنيت هذه الاختلافات البيولوجيّةاجتماعيّا؟" (ص: 74).

والرأي عند غوفمان أنّ الجواب عن هذه الأسئلة يستدعي الاستعانة بنظريّة الانعكاسيّة المؤسّساتية (institutional refexivity) التي يفسّر بها كيف تُبنى البيئات الاجتماعيّة على نحو يقع فيه تضخيم الفروق بين الجنسين. فهذا هو المسار الذي يُنتج المعاملة التفاضليّة على أساس الجنس، والتي يتمّ تبريرها باستخدام مفاهيم الاختلافات البيولوجيّة الفطريّة بين الذكور والإناث. ويبيّن لنا غوفمان بدقّة أكثر كيف أنّ "الممارسات المؤسّساتية المتجذّرة بعمق تمارس تأثيرا في تحويل الأوضاع الاجتماعيّة إلى مشاهد يعرض فيها الجنسان سلوكيات جندريّة، حيث يتّخذ كثير من تلك الاستعراضات شكلا طقوسيّا يعبّر عن معتقدات حول الطبيعة البشريّة المتمايزة للجنسين" (ص: 87).

فنحن إزاء ممارسات شائعة تدخل في باب العادات التقاليد. ونحن أيضا أمام معتقدات شعبيّة سائدة تنطوي على تصوّر جوهرانيّ يُسند المجتمع بمقتضاه إلى كلّ من الرجال والنساء جملة من الصفات والأمزجة. وتلك الممارسات والمعتقدات هي التي تسوّغ معاملة الذكور والإناث على أساس تفاضلّي، وهي التي تحوّل الأوهام إلى بداءة لا يشكّ فيها الناس، أو قلْ هي التي تصيّر الجندر من صناعة اجتماعيّة إلى شيء طبيعيّ متجذّر في عقول الأفراد لا يُساورهم شكّ في حقيقته.

ويقدّم لنا غوفمان خمسة أمثلة يستدلّ بها على الكيفيّة التي تشتغل بها الانعكاسية المؤسّساتية، وهي عبارة عن خاصّيات يتّسم بها التنظيم الاجتماعيّ و"يتمثّل مفعولها في ترسيخ صورنا النمطيّة الجندريّة" (ص ص: 73-74). أمّا المثال الأوّل، فهو نظام تقسيم العمل على أساس الاختلاف الجنسيّ، وهو تقسيم يساعد على طريقة في تكوين الزوج (couple) تكوينا يخلق بينهما تبعيّة متبادلة، ويجعل لكلّ واحد منهما سببا مقنعا، كي يبحث عن شريكه. ويترتّب على هذا التقسيم تعريف أنواع معيّنة من العمل المنزليّ بأنّها غير مناسبة للرجال، وتعريف أنواع أخرى من العمل مدفوعة الأجر بأنّها تخرج عن دائرة المألوف من الأعمال التي تأتيها النساء. على هذا النحو، يصبح العثور على شريك طريقة للحصول على مكافآت يجنيها الزوج من زوجته، وتجنيها الزوجة من زوجها.

أمّا المثال الثاني، فهو "الإخوة والأخوات كعناصر اجتماعيّة"، ويعني به غوفمان التنشئة الاجتماعيّة السائدة داخل الأسر؛ فالصور النمطيّة الجندريّة يتمّ ترسيخها في هذا المستوى بسلوكيات سائدة عند كثير من الأسر، شأن إعطاء الفتاة سريرا أكثر نعومة، ومنح الصبيّ جزءًا أكبر من الطعام. فبمثل هذه السلوكيات تتعلّم المرأة منذ نعومة أظافرها المكانة التي يجب أن تحتلّها، ويتعلّم الرجال منذ الصغر المكانة المخصّصة لهم. أمّا المثال الثالث الذي يقدّمه غوفمان، فيتعلّق بالحمّامات الموجودة في الأماكن العامّة، وما يتّصل بها من ممارسات وترتيبات تقوم على الفصل بين الجنسين، من غير أن يوجد شيء في البيولوجيا يحتّم مثل هذا التوزيع "فجهاز الفصل ذاك هو في كلّيته ظاهرة ثقافيّة، إذ يتعلّق الأمر بانعكاسيّة مؤسّساتية. فالفصل بين المراحيض يُقدّم بصفته نتيجة طبيعيّة للاختلاف بين الطبقات الجنسيّة، بينما هو في الواقع وسيلة لتطبيق -إن لم يكن إنتاج- هذا الاختلاف" (ص: 68).

ويمثّل نظام تحديد الوظائف القائم على الانتقاء، المثال الرابع الذي يبيّن من خلاله غوفمان كيف أنّ هذا النظام يضمن للنساء أن ينهضن بدور بارز في "اللّقاءات العامة" أين يكون لظهورهنّ أهمّية كبرى. أمّا المثال الخامس الذي يضربه غوفمان على كيفيّة انتظام المجتمع على نحو يخلق أشكالا مهيمنة للترتيبات بين الجنسين، فيتمثّل في نظام تحديد الهويّة، وهو نظام يقوم على تمييز الأشخاص على أساس الجنس والمظهر ونبرة الصوت والاسم الأوّل. وفي ذلك تصنيف للأشخاص على أساس الفئة الجنسيّة لا يخلو من تحيّز ومحاباة لجنس دون آخر.

هذه أمثلة من الانعكاسيّة المؤسّساتية التي توضّح لنا كيف أنّ الفروقات الجندريّة يقع إنتاجها وإعادة إنتاجها من خلال الممارسات والاعتقادات الاجتماعيّة التي يعدّها غوفمان هي المصدر الحقيقيّ الذي تنبع منه تلك الاختلافات المزعومة فيما يُسند إلى الجنسين من طبائع وهويّات جندريّة. وإلى هذه النتيجة خلُص غوفمان في آخر بحثه قائلا: "وبديهيّ أنّ البيولوجيا ليست مضمونة ودقيقة إلّا لفرز أعضاء المجتمع. إنّ الأحداث والأجوبة -التي تبدو وكأنّها مستمدّة بشكل طبيعيّ من خطوط التوزيع نفسها- هي نتيجة لتنظيم المجتمع" (ص: 96).

ويمكن اعتبار الفصل الثاني من هذا الكتاب المعنون بـ"طقسنة الأنوثة"، بل الكتاب الذي اقتطف منه هذا الفصل، والذي يحمل عنوان "الجندر في الإشهار" تناولا للهويّة الجندريّة، لا من جانب الممارسات المؤسّساتية والمعتقدات الشعبيّة التي تُنتج هذه الهويّة على غرار الفصل السابق الذي كنّا بسبب منه، بل من حيث طرائق استعراض الهويّة الجندريّة أثناء التفاعلات. فنحن -حسب غوفمان- نتوخّى طرائق في قيادة أنفسنا. وهذه الطرائق التي تُصبح بفعل العادة والزمن في عداد المسلّمات هي التي تكشف عن الأنوثة، شأن إمالة الرأس بطريقة أنثويّة مميّزة، وهي التي تترجم عن الرجولة، ومثل إمساك شيء من الأشياء بطريقة ذكوريّة فيها عناد وإصرار.

ويتناول غوفمان -في هذا الفصل المعرّب وسائر فصول الكتاب- بالتحليل الطرائق التي يتمّ بها تمثيل الجنس، وتمثيل الأنوثة على وجه أخصّ في الإعلانات الإشهاريّة، وفي أنواع أخرى من الصور العامّة. وقد قاد تقليب غوفمان النظر في تلك الإعلانات والصور إلى استخلاص جملة من الخصائص التي تميّز الاستعراض الجنسيّ، والتي نذكر منها المرأة التابعة أو المساعدة للرجل، والمرأة المختفّية خلف شيء ما أو خلف شخص ما، والمرأة البعيدة المنسحبة من مجرى التواصل، والمرأة الخاضعة، والمرأة الطيّعة، والمرأة الطفل، والمرأة اللّعبة، والمرأة اللّاعبة.

ومثلما كانت غاية غوفمان من الفصل السابق، أن يبيّن لنا كيف أنّ الجندر تصنعه الممارسات المؤسّساتية والمعتقدات السائدة التي تكرّس فكرة الربط بين الجندر والجنس الطبيعيّ، وتجعل الناس يعتقدون في أنّ الأوّل نتيجة طبيعيّة وحتميّة للثاني، كانت غايته في هذا الفصل أن يفتح أعيننا على حقيقة مهمّة، ألا وهي كون تلك الوضعيّات الاجتماعيّة التي تعرضها الإعلانات الإشهاريّة ليست تعبيرات طبيعيّة لتلك الطبيعة الجوهرانيّة المفترضة حول الأنوثة والذكورة، بل هي -عند تفحّصها- لا تعدو أن تكون "نماذج توضيحيّة لوحدات سلوكيّة من النوع الطقوسيّ تقدّم تصورا مثاليّا للجنسين وللعلاقة البنيويّة القائمة بينهما" (ص: 137).

فمدار الأمر على أجندة تضبط للرجال والنساء طرائق تمثيل الجنس؛ فالأشخاص باعتبارهم أفرادا يحملون هويّة جنسيّة يؤدّون مجموعة من الاستعراضات الجنسيّة تمثّل جداول تناسب الهويّة التي يحملونها. وفي ذلك دليل على أنّ تلك الاستعراضات الجنسيّة طريقة يعزّز بها المجتمع الترتيبات التي أقامها بين الجنسين، ويمكّن -بين الحين والحين- للتصوّرات التي انتهى إليها بشأن طبيعة الأشخاص، ويثبّت النساء في مواقعهنّ، حتّى لا يبرحنها.

ولعلّ أطرف ما في هذا الفصل، دفع غوفمان هذه الفكرة إلى منتهاها، نعني مفهوم "طقسنة الأنوثة" الذي استعمله عنوانا لهذا الفصل، والذي عبّر عنه بوضوح في خاتمة الفصل التي قال فيها: "زدْ على ذلك، أنّ المُعلنين لا يفعلون غير إكساب اتّفاقاتنا طابعا تقليديّا، وتنميط ما هو منمّط سلفا، واستعمال صور مجتثّة من سياقها استعمالا طائشا. باختصار إنّ سلعتهم التافهة هي الطقسنة الفائقة" (ص: 139). وقد وجد غوفمان في طبْع الوضعيّات الاجتماعيّة والفروق الجنسيّة بطابع احتفاليّ وطقوسيّ القاسم المشترك بين ما يقوم به المجتمع، وما يفعله المُعلنون في عالم الإشهار. أجل، تنهض الطقوس والحفلات داخل المجتمعات بدور مهمّ في إبراز مواقع الأشخاص والتعريف بهويّاتهم، وفي ترسيخ الترتيبات الاجتماعيّة وتكريس الفروقات الجنسيّة. فهي -في نهاية المطاف- طريقة يُضفي بها المجتمع مشروعيّة على الأبنية التي أقامها والتصوّرات التي شيّدها، وهي أيضا فرصة يجدّد فيها الأفراد انخراطهم في تلك الأبنية وثقتهم فيها.

ولا يخرج عمل المُعلن الإشهاريّ عن هذا النهج، إذ هو يحوّل الأوضاع الاجتماعيّة إلى مشاهد يتمّ فيها بطريقة طقوسيّة عرض سلوكيات جندريّة على نحو يرسّخ ما يحمله المجتمع من اعتقادات حول الطبيعة البشريّة المختلفة لكلّ من الرجل والمرأة. فتلك المشاهد هي بمثابة الأطر التي توضع فيها الشخصيّات لإنجاز الاستعراضات الجنسيّة التي تتوافق ومعتقدات المجتمع السائدة.

وما من شكّ في أنّ تصوّر غوفمان الجندر هذا التصوّر يجعله قريبا من النظريّات النسويّة المتطوّرة التي جاوز أصحابها الفهم الذي كان سائدا في الموجة الأولى، والذي يعتبر النسويّة مسألة سياسيّة في جوهرها. نعم، نحن أمام تناول يكشف لنا كيف تتورّط المؤسّسات الثقافيّة في جعل المرأة تابعة للرجل، وكيف تنحاز أبنية المجتمع ومؤسّساته للذكور، حتّى يظلّ الوضع على ما هو عليه، ويستمرّ التوزيع غير العادل للثروات الرمزيّة والمادّية بين الرجال والنساء. فالذكورة والأنوثة -في آخر الأمر- صناعة اجتماعيّة يتعلّمها الأفراد، أو قلْ هما صورٌ يتراءى فيها الشخص للآخرين، ويتدرّب منذ صغره على كيفيّة تقديمها. وهذا ما عبّر عنه غوفمان بوضوح في مقدّمة كتابه "الجندر في الإشهار" حين سأل عن الطبيعة البشريّة لكلّ من الذكورة والأنوثة، وعمّا يميّز أحدهما عن الآخر، وأجاب عن ذلك السؤال بقوله: إنّ الأمر يرجع إلى قدرة الشخص -ذكرا كان أو أنثى- على أن يتعلّم كيف يؤمّن صور الذكورة والأنوثة، وكيف يفكّ شفرتها، رجوعه كذلك إلى استعداد ذلك الفرد للالتزام بجدول معيّن لتقديم هذه الصور، بل إنّ غوفمان ينفي أن تكون هناك هويّة جنسيّة، إذ ليس هناك -في تقديره- سوى جدول يضمّ تمثيلات الجنس وكيفيّة عرضه. وهذه لعمري، فكرةٌ مُغرية ستدفع بها بوتلر (Judith Butler) في بداية التسعينيات من القرن العشرين إلى حدّ بعيد، حين نفتْ أن يكون الجندر شيئاموجودا لدى الإنسان وجوهرا كامنا فيه، وأنكرت أن تكون هناك سمة ثابة للهويّة الجنسية، مُقرّة في المقابل بأنّ الجندر عمليّة أدائيّة؛ أيْ هو شيء نفعله، وأعمال نؤدّيها، وصور نعرضها، ونتيجة لطرائق نتعلّمها ونتوخّاها، حين نتحدّث مع الآخرين ونتصرّف أمامهم.

 https://www.mominoun.com/articles/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-7069

 

 

 

الخطاب الجامعي من منظور جديد

كتب التقرير: زيدان عودة

نظّمت الندوة العلميّة في قسم اللّغة العربيّة وآدابها بجامعة الملك سعود يوم الثلاثاء 27/12/1435 محاضرة علميّة بعنوان: "الخطاب الجامعيّ من منظور جديد: السؤال ودوره في تنمية مهارة الكتابة عند طلاّب المراحل العليا" أ.د. حاتم عبيد أستاذ اللّسانيّات وتحليل الخطاب. وقد أدار اللّقاء الأستاذ الدكتور أحمد حيزم والدكتورة أمل الراشد وكيلة القسم النسائيّ . وفي بداية اللّقاء رحّب الدكتور هاجد الحربي بالدكتور المحاضر وبالضيوف. ثمّ استفتح الأستاذ الدكتور أحمد حيزم بتقديم نبذة مختصرة عن الأستاذ الدكتور حاتم عبيد، تلا ذلك تقديم المحاضر ورقته بعنوان : الخطاب الجامعيّ من منظور جديد: السؤال ودوره في تنمية مهارة الكتابة عند طلاّب المراحل العليا".

أشار الدكتور المحاضر إلى أنّه ينطلق في محاضرته من اقتناع مفاده ضرورة الخروج بالدرس اللّسانيّ من سماء النظريّات إلى أرض الواقع وساحة الخطاب. وبيّن أنّ خير سبيل إلى ترويج المعارف اللّسانيّة وإلى جعل الطلاّب يقبلون عليها هي إقامة الدليل على أنّ للّسانيّات فوائد ومنافع على اللّغة العربيّة وعلى ما يُنتج من خطابات بهذه اللّغة التي أكّد المحاضر أنّ لها علينا حقوقا منها أن نفيد من اللّسانيّات لنيسّر تعلّمها على غير الناطقين بها، حتّى تأخذ حظّها من الانتشار وتتّسع دوائر تداولها.

 ومن حقوق العربيّة على أهلها أن تتمّ الاستعانة باللّسانيّات لتطوير الخطابات المكتوبة بالعربيّة، كي تعبّر عمّا تشهده المعارف من تطوّر، وكي تستجيب تلك الخطابات لتطلّعات من يكتبون في اختصاص معيّن. وقد عرّف المحاضر الاختصاص بكونه خطابا، أو هو في تعريف أدقّ طريقة في تشكّل الخطاب وصناعته يستأثر بهما جماعة من الأفراد يُعرفون بأهل الاختصاص، مقابل أفراد آخرون يسعون إلى التمكّن من تلك الصناعة، حتّى يصبحوا بدورهم من تلك الجماعة الخطابيّة ومن أهل الاختصاص. وقد أشار المحاضر في هذا السياق إلى أنّ عددا من أولئك الأفراد يُوفّق في هذه المهمّة، بينما يُخفق آخرون. فلا تتمّ عمليّة انضمامهم إلى الجماعة الخطابية التي أرادوا الالتحاق بها.

وفي هذا السياق بيّن الدكتور حاتم عبيد أنّ الخطاب الجامعيّ لا يخرج عن هذه الحال، مؤكّدا أنّه خطاب ينتج ويتداول في فضاء مؤسّساتي هي الجامعة. وهو يتّخذ أشكالا وأجناسا  مختلفة، شأن الدروس والمحاضرات والمناقشات والمقالات المنشورة والورقات المقدّمة في المؤتمرات...

وقد ذكّر المحاضر أنّ الطلاّب في شتّى المستويات وفي مستوى الدراسات العليا يواجهون صعوبات كثيرة تحول بينهم وبين إنتاج خطاب جامعيّ موفّق يستجيب لمعايير الكتابة العلميّة، أي على النحو الذي ينتج به الجامعيّون المتمرّسون خطاباتهم. ونبّه المحاضر هنا أنّ الاستعانة بالدرس اللّسانيّ من أجل تذليل تلك الصعوبات والأخذ بيد الطلاّب وتنمية قدرتهم على إنتاج الخطابات الجامعيّة ممكنة، بل مطلوبة.

ومن النظريّات اللّسانيّة التي ذكرها  المحاضر وأشار إلى أنّه أفاد منها في النظر إلى الخطاب الجامعيّ من منظور جديد اللّسانيّات التداوليّة التي يعود الفضل إليها في التأكيد على قيمة البعد التداوليّ في اللّغة والجانب التفاعليّ في الخطاب الذي لا يمكن إدارك دوره الجليل في تحقيق نجاح الخطاب ونجاعته، إلاّ إذا كففنا عن النظر إلى اللّغة على أنّها مجموعة من القواعد من يحذقها يمتلك قدرة لسانيّة، وإلى عمليّة التخاطب على أنّها مجرّد تبادل للمعلومات.

 فالرأي عند المحاضر أنّ إضافة التداوليّة تكمن أساسا في تلك المبادئ العامّة التي تقع في مستوى أعلى والتي يساعد استبطانها على امتلاك قدرة تداوليّة تمكّن المتكلّم من استعمال اللّغة استعمالا ناجحا يناسب المقام ويخدم الغايات التواصليّة التي يريد تحقيقها. وقد ذكّر المحاضر في هذا الإطار بمؤلّفات مهمّة ومعروفة كتبها كلّ من ليتش وليفنسون ويول، وذكّر أيضا بأنّ في الوظائف الثلاث التي ضبطها هاليداي للّغة وظيفة تنخرط في البعد التفاعليّ للخطاب الذي نبّه التداوليوّن إلى قيمته، وقد عنى المحاضر بذلك الوظيفة البين شخصيّة أو العلائقيّة (interpersonal function) والتي يستخدم فيها المتكلّم اللّغة من أجل بناء علاقات مع الآخرين  وتمتين الصلة بمحاوريه.

من هذا المنطلق جاءت إفادة المحاضر من الدرس اللّسانيّ. واستنادا إلى ما سبق أشار المحاضر إلى أنّ العودة إلى هذه النظريّات اللّسانيّة كشفت له عن بعد لطيف في الخطاب الجامعيّ، هو البعد التفاعليّ الذي شدّد المحاضر على ضرورة فتح أعين الطلاّب عليه، لأنّ ذلك من شأنه أن يطوّر مهاراتهم على تحرير الرسائل الجامعيّة، ومن شأنه أن يكشف للأساتذة الذي يدرّسون مناهج البحث نوعا من المشاكل يعترض سبيل الباحث الناشئ أثناء تحرير بحثه. وهي مشاكل لا تتعلّق بالأخطاء اللّغوية ولا بالمسائل التقنيّة والشكليّة التي أفاضت الكتب الدائرة على مناهج الكتابة والبحث في الحديث عنها (خطّة البحث، طرائق الإحالة، إعداد الفهارس، إعداد الجذاذات...).

من هذا المنظور التفاعليّ دعا المحاضر إلى تجديد النظر في الخطاب الجامعيّ. وهو يرى أنّ كتب مناهج البحث على كثرتها ورغم فوائدها الجمّة صدرت عن منظور يشترك في جملة من السمات منها: إنّ هذه الكتب لم تر من أصول كتابة الرسائل الجامعيّة إلاّ ما تعلّق بالجوانب التقنيّة والشكليّة. وهي لم تر في الخطاب الجامعيّ إلا أفكارا وأطروحات يعبّر عنها الباحثون وواقعا يصفونه. وهو ما قاد أصحاب هذه الكتب إلى الحديث عن اللّغة التي تحرّر بها الرسائل حديثا فيه تبسيط كثير لم يتعدّ مجرّد النصائح والتوجيهات التي تذكّر بقواعد اللّغة ووضوح العبارة ودقّة الأداء.

وقد استخلص المحاضر مّا سبق أنّ اللّغة كانت عند أصحاب تلك الكتب مجرّد وعاء توضع فيه الفكرة حتّى لا تكون غامضة. ومن خصائص المنظور التقليديّ أنّه نظر إلى الخطاب الجامعيّ الذي يحرّره طلاّب الماجستير والدكتوراه من زاوية ما ينبغي أن يكون من غير النفاذ إلى داخل ذلك الخطاب. وهذا ما جعل تلك الكتب شبيهة بكتب التعليمات.

لهذه الأسباب دعا المحاضر إلى ضرورة الخروج من هذا المنظر الشكليّ الضيّق إلى منظور آخر يجعل الخطاب الجامعيّ بسبب من الذات التي تنتجه (الطالب الذي يسعى إلى الانضمام/الانتماء  إلى أهل الاختصاص وهي غاية لا تتحقّق إلاّ إذا كان خطاب الطالب ينتسب بوضوح إلى ما يكتبه أهل الاختصاص ) والجمهور الذي يستقبله ويتفاعل معه (أهل الاختصاص) والاختصاص الذي ينضوي فيه (إنتاج الخطاب الجامعيّ يختلف بعض الاختلاف من اختصاص إلى آخر) والمؤسّسة التي ترعاه (الجامعة).  

وقد ذكّر المحاضر في هذا الصدد بأعمال سابقة له نشرها في مجلاّت علميّة محكّمة تنخرط في هذا المنظور الجديد الذي يولي أهمّية للبعد التفاعليّ في الخطاب الجامعيّ. وأشار المحاضر إلى أنّه اهتمّ في تلك الأعمال بظواهر لغويّة يسهم استعمالها في إضفاء قدر من التفاعل مطلوب على الخطاب الجامعيّ من قبيل ظاهرة التلطيف (hedging)  وما يعرف بالخطاب على الخطاب (metadiscourse)  واستعمال ضمير المتكلّم. ووضّح المحاضر أنّه سيتناول فيما بقي من المحاضرة ظاهرة لغويّة أخرى لها دور كبير في جعل كتابة الطلاّب تفاعليّة. وقد عنى بذلك استخدام السؤال.

وقد رأى المحاضر من المفيد ومن باب تقريب هذا البعد التفاعليّ من الأذهان أن يذكّر بثلاثة مستويات موجودة في ما ينتجه الطلاّب من خطابات: فكرة يعبّر عنها الطالب وقارئ يخاطبه ويتفاعل معه ونصّ ينشئه ويبنيه. وقال المحاضر إنّ في كلّ مستوى من هذه المستويات مشاكل يواجهها الطالب لأنّه لا يحسن إدارة البعد التفاعليّ في الخطاب. فعدد من تلك المشاكل تتعلّق بالكيفيّة التي يبسط بها الطالب الأفكار وما يعبّر عنه من مواقف وأحكام تجاه الفكرة التي يعرضها. وعدد آخر من المشاكل كامن في الكيفيّة التي يتفاعل بها الطالب مع قائه (أستاذ، مصلح امتحان، عضو لجنة مناقشة، محكّم...). وجزء ثالث من تلك المشاكل ذو صلة بالنصّ الذي يحرّره (مدى تماسك هذا النصّ وانسجامه).

 وبناء على ما سبق تساءل المحاضر عن كيفيّة توظيف السؤال والتفنّن في إلقائه لإنتاج خطابات جامعيّة يظهر فيها الباحث متفاعلا مع الأفكار التي يعبّر عنها والقارئ الذي يتّجه إليه بالخطاب والنصّ الذي هو بصدد بنائه.

وقد وضّح المحاضر أنّه سيتناول السؤال في ثلاثة مستويات: المستوى الأوّل يبرز فيه كيف يضفي السؤال قدرا من التفاعل على الفكرة، المستوى الثاني: السؤال ودوره في توثيق الصلة مع القارئ، المستوى الثالث: السؤال ودوره في بناء النصّ.

وقد اكتفى المحاضر ربحا للوقت بالمستوى الأوّل. وبدأ بالقول بأنّه من المفيد أن يعرف الطلاّب أنّ الأفكار التي يعرضونها في رسائلهم ليست من صنو واحد وأنّ التفاعل معها وكيفيّة التعبير عنها يختلفان بحسب نوع الفكرة (هناك فكرة نضجت، هناك فكرة تبلورت واتّضحت في ذهن صاحبها، هناك أفكار عامّة وأخرى أشبه بالحقائق والبديهيّات. ولكنّ هناك أفكارا من قبيل الزاعم، وأفكارا غير واضحة، وأفكارا يكتنفها الغموض، وأفكارا لم تكتمل بعد لأنّها في طور التخلّق والتهيّؤ للوجود. هناك فكرة ملك لصاحبها، وأخرى لا يستطيع أن ينسبها لنفسه. هناك فكرة يؤمن الباحث بها ويحاول الدفاع عنها. وهناك فكرة لا يسلّم بصحّتها، ومن ثمّ يحاول دحضها....).

وقد وضّح المحاضر أنّ الفكرة لا توجد إلاّ وهناك موقف منها وتوجيه لها وتفاعل معها. وهنا يدخل السؤال وتظهر قيمته ويكون أحسن أداة يعبّر بها الطالب عن نوع تفاعله مع  الفكرة  التي يعبّر عنها. وقد ضرب المحاضر أمثلة على ذلك جاء بها من كتب نشرها أساتذة جامعيّون. وبيّن من خلال عدد من تلك الأمثلة أنّ استخدم السؤال بذكاء طريقة أشار بها الكاتب إلى أنّه يعيش لحظة من القلق المعرفيّ، وأنّه لا يمتلك جوابا شافيا وكافيا للمسألة التي يثيرها. وضرب المحاضر أمثلة أخرى بيّن فيها أنّ السؤال كان أداة ناجحة عبّر بها الكاتب عن كونه لا يستطيع أن يحسم في القضيّة التي يبسطها ولا يمكنه أن يعبّر عنها بأسلوب خبريّ تقريريّ، إلاّ  إذا أراد أن يجازف ويكون عرضة للنقد، إن ثبت في دراسات لاحقة بطلان رأيه.

   ومن مزايا استخدام السؤال في هذا المستوى التفاعليّ الأوّل أنّه طريقة تمكّن الطالب من أن يقدّم أطروحته على أنّها افتراض لا على كونها من الحقائق الثابتة وهو ما يتماشى والروح العلميّة. والسؤال أيضا ومن خلال أمثلة ضربها المحاضر أداة مفيدة حين تكون الفكرة المعبّر عنها من قبيل تلك الأفكار التي تتعلّق بظواهر وموضوعات يصعب تصنيفها ووضعها في خانات من غير أن يثير ذلك اعتراض المعترضين. والسؤال يستخدم أيضا للتعبير عن كون الفكرة المعبّر عنها لا يوجد حولها اتّفاق، ومن ثمّ يصعب القول فيها برأي قاطع ونهائيّ.

وقد ختم المحاضر محاضرته بقوله إنّ الأمثلة التي ضربها أظهرت الباحث الذي يحسن استخدام السؤال كاتبا لا ينفكّ يتفاعل مع الأفكار التي يعبّر عنها  بروح علميّة قلقة وبنبرة غير مطمئنّة، بعيدا عن الوثوق الذي يجافي العلم والطابع التقريريّ الذي يجعل الكتابة باردة لا روح فيها.      

https://news.ksu.edu.sa/ar/node/103779


 


الدكتورة: أم السعد حياة
جامعة الجزائر2
 

لم تعد الدراسات اللسانية بعد تفتحها على مجالات من طبيعة تحاقلية Interdisciplinaires قادرة على رؤية النص في حدوده الضيقة، لقد طورت بذلك الكثير من مقولاتها مع الدراسات التداولية والدراسات العرفانية، التي فتحت العديد من العوالم الممكنة باستحضار مقولة الوظيفة والآخر والممكن، أي الاستعمال والتفاعل والبنيات المعرفية، لأن الظاهرة النصية أصبحت تُرى في كليتها، وما موادها الأساسية إلا مكونات لا مفر من استخدامها، لأنها ليست الوحيدة لبناء النص، فالنص أكبر من المواد التي تكونه، النص هو الملقي والمتلقي، هو سيرورات من الحوارات والتفاعلات والوظائف والبنيات الذهنية والاجتماعية والثقافية التي تسهم في إنتاجه، لتصبح بذلك المعطيات النحوية جزءا من المعرفة القابعة في لا وعينا نستخدمها في حدود استعمالاتنا التلفظية، أي في التحويل  الذي ينتاب تجاربنا وآراءنا المحملة بأبعاد وظيفية وتواصلية ومعرفية. 



طفت على السطح، من هذا المنطلق، مقولات مركزية كبلت مجالات معرفية متنوعة إلى مركز واحد يكمن في ضرورة الاهتمام بالإنسان في أبعاده المتعددة: الاجتماعية والثقافية والمعرفية، في ممارساته وليس في إنتاجاته القولية الثابتة التي ينقلها مكتوبة فيفقدها روحها وبعضا من دلالاتها. مالت الدراسات اللسانية التداولية المعاصرة إلى الكلام والتأدية الفردية التي من خلالها نصل إلى أفكار المتكلم، إلى طبيعة تعاملاته مع الآخر ومقاصده، إلى تنوع  إنتاجاته التلفظية المرتبطة بسياقات تعددت بتعدد وظائف  استعمالها.
إن الأسئلة التي تطرحها هذه الورقة وتناقشها وتفتح بها مجالا للمساءلة والبحث هي:
-      كيف استفادت تعليمية اللغات من التطور المعرفي الحاصل في التداولية والعلوم المعرفية؟
-       ما الذي نُعلمه من اللغة العربية للناطقين بغيرها؟ هل القواعد النحوية، أم أسس التحاور والتواصل والتفاعل؟ كيف نتجنب السقوط في سوء الفهم le malentendu في تعليمنا لهذه اللغة لآخر يختلف عنا في بنائه الثقافي والجمالي والاجتماعي والمعرفي؟
-      ما هي القفزة النوعية التي سيحققها تعلم وتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها باعتمادها على أسس التحليل التداولي والمعرفي؟
إن التطور الحاصل في مجال اللسانيات تنوعت منابعه ومجالاته؛ فهو أشد تعقيدا مما نعلم، لأنه لمس وفكك العديد من المقولات المركزية والثابتة في اللسانيات السوسيرية، فلو عدنا إلى البدايات للاحظنا، في مجال تحليل الخطاب والدراسات التداولية، أن ميخائيل باختين Mikhaïl Bakhtine أشار مبكرا، أي سنة 1924، إلى النقائص التي تعتور الدرس اللساني السوسيري1، حينما وجه نقدا لما سماه الموضوعية المجردة، وأبرز ضرورة تجاوزها مقدما البديل المتمثل في الدراسة عبر اللسانية la translinguistique، التي يتم من خلالها الاهتمام بمختلف مكونات الخطاب، مركزا على البعد الاجتماعي وبالتالي الحواري، لأن العلامة في حد ذاتها كيان اجتماعي إيديولوجي بامتياز، كما أعاد إلى السطح مقولات الأنا في حواره مع الآخر كجزء فاعل في توليد خطاباتنا وفهمها وتأويلها، واستفاد عدد غير قليل من الباحثين في مجال تعليم وتعلم اللغات2 من جهود هذا الباحث الفذ، خاصة فيما يتعلق بالحوار وأسسه، وأهمية الآخر، والتعدد اللغوي، وسياق التلفظ، ومقولة التفاعل القولي، ليكون باختين بذلك من التداوليين الأوائل الذين أدخلوا الجانب الإستعمالي والسياقي لفهم الظاهرة النصية.
 نضيف إلى باختين جهودا معرفية أخرى أثرت الساحة التعليمية مستجيبة لسؤال لا مناص من طرحه حينما يتعلق الأمر بتعليم وتعلم لغة أجنبية: ما الذي يجب تعلمه من اللغة الثانية؟
تعكس الإجابة عن هذا السؤال اختلاف المنظور المنطلق منه في رؤية اللغة. فهناك من ينظر إلى اللغة باعتبارها كائنا Est، هذا يصدق على المنظور النحوي3، وهناك من ينظر إليها باعتبارها فعلا Fait، هذا يصدق على المنظور التداولي الوظيفي والتفاعلي4.
استمد المنظور التفاعلي أسسه من المجال التداولي، تتبين قواعد هذا المنظور من خلال مفهوم الملكة التواصلية كما شرحها هايمس5 Hymes واستفادت منها كربرات لسنّ قواعد المحادثة المستلهمة عند التعليميين لوضع استراتيجيات التعلم وتطوير وفتح مجال اكتساب اللغة الثانية، انطلاقا من ضرورة معرفة السياقات الاجتماعية والتنوعات الثقافية، التي قد يتسبب جهلها أو إبعادها عن الحيز التَعَلُمي والتعليمي الكثير من سوء الفهمLe malentendu ، فهذه السياقات قد تكون حبلى بالمضمرات الثقافية   les implicites culturel.

نظرا لأهمية المحادثة في المجال التعليمي والتعلُمي سنجلي في العنصر اللاحق قواعدها ومقوماتها، انطلاقا مما قدمته كاترين كربرات أركيوني Catherine Kerbrat-Orecchioni  في كتابها الذي غذى أرضية خصبة بالعودة إلى أعمال باختين وكذا هايمس، وباستحضارها للمقولات التداولية وربطها بين المتحدثين وسياقاتهم الثقافية والمعرفية مركزة على المقولة التفاعلية.
    1- قواعد المحادثة واستراتيجيات التعلم والتعليم:
لا يزال مجال تعليم وتعلم لغة أجنبية يحفه الكثير من التعقيد، ما يفسر تواجد بعض المساحات المظلمة التي يجري بحث دؤوب لسبر أغوارها في العصر الحالي، الذي تولدت فيه تصنيفات متعددة لاستراتيجيات التعلم بعدما تم الانتقال من قطب التعليم إلى قطب التعلم. وهي: إستراتيجية معرفية، وإستراتيجية ميتا معرفية، وإستراتيجية اجتماعية، إستراتيجية انفعالية وإستراتيجية تعاونية 6.
كل هذه الاستراتيجيات طورها الاشتغال على المجال التفاعلي والمعرفي وما قدمته التداولية اللسانية من مقولات استثمرت لسَن أسس جد متطورة في مجال تعلم وتعليم اللغات الأجنبية، وكان طبعا ما قدمه باختين وهايمس وكثير من الدارسين الأثر الكبير في توسيع هذا المجال وفتح أفاق دراسات جديدة تهتم بالملقي والمتلقي وحوارهما معا، في إطار زماني ومكاني من أجل تعلم ناجح.
من بين الذين استفادوا من هذا الطرح وطوروا مجال التعليم والتعلم نجد الباحثة الفرنسية كاترين كربرات أركيوني Catherine Kerbrat-Orecchioni ، قدمت الباحثة طرحها لتوطين قواعد مضبوطة للمحادثة، وعدتها من بين أهم أسس تعلم وتعليم اللغات الأجنبية. في كتابها المهم7 La Conversation سنعرض النقاط المهمة الواردة فيه، خاصة أنه استفيد منه كثيرا لضبط استراتيجيات التعلم والتعليم مع دارسين آخرين.
 تركز كربرات أركيوني على أهمية التفاعل فـ "أن تتكلم هو أن تتبادل وهو أن تتغير وأنت تتبادل" فتظهر الحياة في المجتمع  كأنها عمل متواصل لبناء هوية اجتماعية، فلا معنى للجمل المجردة في اللسانيات الحديثة لأن الحضور أصبح للخطابات المتزامنة في مواضع وسياقات تواصلية محددة؛ لتوضيح مجمل هذه الفكرة افتتحت الباحثة نصها بثلاثة أقوال مهمة، تلخص من خلالها جوهر عملها الذي ينطلق من التواصل الذي تركز فيه على نوع من أنواعه وهو التفاعل، يعد الحوار جوهره، والمحادثة شكلا له، هذه الأقوال مهمة جدا تلخص مسار الكتاب:
"لا يمكننا أن لا نتواصل" Watzlawick. فالزلفيك
"أردت ذلك أم لا فقد أُخذت في دائرة  تفاعلية" بارت.
 "الحوار، تبادل للكلمات، وهو الشكل الأكثر طبيعية للغة" باختين.
  سيقف هذا الكتاب عند أهمية التواصل والتفاعل والحوار وتحديدا المحادثة التي هي الشكل المباشر للحوار.



 تنطلق الباحثة مُجلية ما تريد دراسته: الموهبة التواصلية للغة اللفظية، la vocation communicative du langage verbal التي تتم وفق أسس ثلاثة حسبها: الحضور الفزيائي، والتبادل الحواري والتفاعل قصد التأثير والتأثر، هذه عناصر مهمة في التواصل القولي توظفها كأساسيات في تعليم اللغات تستحضر ضمنها الملقي والمتلقي والسياق كعناصر أساسية لصحة المحادثة، تتحدث لتفصل مقولة التفاعل ومقولة التحادث وقوانين المحادثة كأساسيات مهمة لنجاعة التواصل.
أ- المقاربة التفاعلية ومقولة المحادثة:
 تركز الباحثة في تحديدها لـمقولة التفاعل La notion d’interaction، على أهمية التناوب بين متكلمين، يكون مشروطا بتوليد علامات خاصة بالتبادل، فلكي نصل إلى المصادقة التخاطبية la validation interlocutoire لا بد من توفر عوامل مهمة وأساسية تتعلق بـالملقي l'émetteur والمستقبلle récepteur  والتزمين التفاعلي la synchronisation interactionnelle .
 يتوجب على الملقي، بالإضافة إلى كلامه، أن تظهر عليه علامات كأن يوظف جسده، ليتبين أنه يتحدث إلى شخص، أن ينظر إليه، أن يوظف بعض الكلمات التي تجلب اهتمام متلقيه مثلا، أتسمعني،  قلت لك، أليس صحيحا.... وهي ما تضمن تتبع المتلقي لما يقوله المتكلم. على المتلقي بدوره أن ينتج بعض العلامات الدالة ليبين أنه على تواصل بما يقوله المتكلم بطريقة قولية أو غير قولية، كأن يهز رأسه، أن يقوس حاجبيه...أو أن يقول نعم، أوافقك، أخالفك....هذه العلامات جد مهمة من أجل ممارسة جيدة للتبادل اللفظي وغيابها يطرح العديد من المشاكل التواصلية 8.
يعد التزمين التفاعلي la synchronisation interactionnelle مجموع الميكانيزمات المضبوطة التي تظهر في كل التفاعلات الحاصلة بين المتخاطبين وترجع أهميته لتعلقه: باشتغال التناوب على الكلام والسلوكات الجسدية أثناء التبادل، وفي اختيار الموضوعات وأسلوب التبادل، وسجل اللغة، والألفاظ المستعملة، وحتى المواد الخطابية المنتجة أثناء التفاعل التي يمكن أن تكون موضوع تفاوض صريح أو مضمر.
فأثناء تفاعل مباشر تتم عملية الاشتراك في إنتاج coproduit الخطاب وفق مبدإ الكلية، لأنه ثمرة عمل تعاوني متواصل ودائم ومستمر، حينما نصل إلى هذا المستوى فنحن أمام فكرة المقاربة التفاعلية للإنتاجات اللغوية التي لا مناص فيها من استحضار قطبي التحادث المساهمين معا في إنتاج المحادثة بشروطها الخاصة المعتمدة على التناوب ضمن تزمين تفاعلي يتحكم في سير المحادثة.
إلا أن أركيوني تحدد مقولة المحادثة la notion de conversation كنوع من أنواع التفاعلات التواصلية (القولية وغير القولية)  التي تختلف قواعدها  بحسب السياق المحدد بـ: طبيعة الإطار المكاني والزماني، وطبيعة المشاركين، والهدف من التفاعل، ودرجة الاهتمام بالشكليات، والأسلوب،(جاد، متساهل، فيه نزاع أو تصالح...).
تضم المحادثة عددا محدودا من المتحدثين، لهم حقوق وواجبات، لديهم مدة للتبادل، وترتيب للتناوب، يتم هذا وكأنه بطريقة عفوية وحرة. إلا أن المحادثات مهما كانت حتى تلك التي تبدو الأكثر فوضوية تخضع لبعض قواعد الإنتاج، وتترك للمتخاطبين هامشا من الحرية أكثر من أشكال أخرى من التواصلات اللفظية. فالمحادثات نوع خاص من أنواع التفاعل اللفظي، المنتمي إلى التفاعلات الاجتماعية.
ب-القواعد المحادثاتية: les règles conversationnelles
ترى الباحثة أن الهدف من التحليل المحادثاتي "استخراج القواعد والمبادئ التي تتحكم في اشتغال أو صياغة المحادثة وكل أنواع التبادلات التواصلية الملاحظة في الحياة اليومية"9، إلا أن هذه القواعد ليست كونية أو عالمية بل تختلف من مجتمع إلى آخر حتى داخل المجتمع نفسه، تضرب أمثلة من ثقافات مختلفة في طريقة البيع والشراء، فتتحكم في المحادثة البيئة والثقافة والسياقات، فعلى التاجر مثلا أن ينوع في طريقة محادثته لزبائنه من أجل كسبهم لشراء المنتوج، كما عليه أن يعرف من أين هم ليحدد طريقة وطبيعة الكلام الذي سيوجهه لهم.
         إن كانت أركيوني في إشارتها لأهمية الأبعاد الاجتماعية والثقافية في التواصلات القولية وغير القولية التي تغذي ملكة التواصل المهمة جدا في هذه التبادلات، إلا أنها تشير في نفس السياق إلى أهمية الملكة اللسانية التي لا تتعارض مع الملكة التواصلية بل هي مكملة لها، لأن نجاح الكفاءة التواصلية يتم أيضا بمعرفة السجل التركيبي للمتكلم..10، لكن هذا لا يكفي، فلو كانت المحادثات مكونة من كلمات فهي أيضا تنبيرات وحركات تختلف دلالتها من بيئة اجتماعية لأخرى11.
توقفت كربرات عند هذه الاختلافات، عند سرعة التخاطب، فالإيطاليون مثلا أسرع في حديثهم من الفرنسيين، هناك أيضا احترام المسافة بين المتحدثين...حتى نوع الحركات ومعناها يختلف في المحادثات من مجتمع لآخر، وربما هذا الذي يجب أن يطرح في صياغة المحادثات لتعليم العربية للناطقين بغيرها، علينا معرفة البيئة التي ينحدر منها المتعلم لتفادي مشاكل المحادثة، حتى طريقة الضحك والابتسامة ونظرات العينين كلما تختلف من مجتمع إلى آخر...12
         لهذه الأسباب تتنوع قواعد المحادثة وتختلف طبيعتها، لأن المحادثات أشياء objets معقدة تشتغل على مستويات متعددة، بعض قواعد المحادثات يتماشى مع كل نماذج التفاعلات، وبعضها خاص بجنس محدد. تعقد قواعد المحادثات علاقات وشيجة بالسياق الذي يلعب دورا مركزيا في فهم وسوء فهم المحادثات، التي تتنوع بحسب المجتمعات والثقافات، فتكون نسبيا مرنة، أكثر ليونة من القواعد النحوية التي تحكم الجملة. تصبح للإنسان خبرة في قواعد المحادثة بطريقة لا واعية لأنها تتطور فينا من البداية، دون أن نتعلمها بآلية.
يهدف التحليل المحادثاتي استظهار القواعد التي تتحكم في اشتغال التبادلات التواصلية وتوجيه تصرفات المشاركين في هذه التبادلات البوليفونية المعقدة، لأن الأمر يتعلق بمسار التحادث المتنوع بحسب المجتمعات والثقافات. هنا تستفيد كربرات من إتنوغرافيا التواصل التي بينت ضرورة الاهتمام بما تحظى به ظاهرة تنوع السنن في المجتمعات وانتشار اللهجات، حتى ضمن نفس الجماعة، فلا يمكننا الحديث عن جماعة منسجمة، هذا ما لا تراه اتنوغرافيا التواصل عيبا، فبرهنت انطلاقا من عدت دراسات لهذه المجتمعات أن اختلاف الأساليب واللهجات وحتى اللغات المستعملة يعد أمرا إيجابيا فـ: "تنوع الأنظمة التواصلية لا يمكن أن يرى فقط من الناحية السلبية، لأنه يلعب دورا جد إيجابي في تحديد هوية المتكلم، وبناء علاقة بين الأشخاص(بينية شخصية) interpersonnelle "13.
من ثمة يتوجب الاهتمام بسياق المحادثة لاكتشاف قواعدها التي لا يمكن سنها ما لم نعرف إطار التشاركle cadre participatif   الذي تحدد كربرات من خلاله:
1- الأدوار التخاطبية Les rôles interlocutifs الأساسية، ففي كل تبادل تواصلي يشترط حضور متكلم أو ملقي، واحد أو مجموعة من المتلقيين المستقبلين الذين يتناوبون على التبادل اللفظي، وتختلف طبعا نماذج المتلقين، استعانت كربرات هنا بتقسيم قوفمان Goffman14: -أولا: المشاركون المؤيدون  ينتمون إلى المجموعة المتحادثة، نجد المستقبلين المباشرين أو المخاطَبين، وهناك عدد من المؤشرات الدالة عليهم، سواء القولية غير القولية، كما نجد المستقبلين غير المباشرين، تسميهم كربرات المستقبلين المميزين والمستقبلين الثانويين. -ثانيا: المشاهدون البسطاء، شاهدون على المحادثة ولا يشاركون فيها فهم خارجون عنها.
         2- المجاز التواصلي::le trope communicationnel يعتمد أيضا سن قواعد المحادثات على طبيعة هذه المحادثات خاصة ما يطال أبعادها الاستعارية، فبعض المحادثات نخال ظاهريا أن الخطاب موجه إلى مخاطب مباشر، لكن الحقيقة أن ذلك الخطاب يوجه إلى المخاطَب غير المباشر، فما يظهر على سطح المحادثة شيء والواقع شيء آخر،لأن الخطاب يكون موجها إلى شخص ثان حاضر والمتكلم لا يظهر أن الحديث موجه له. فكثيرة هي المحادثات التي تظهر أنها توجه الخطاب لمتلق ظاهر والأصل أنها توجهه لمتلق آخر.
3-الأدوار التفاعلية: تتعلق بنماذج التفاعلات، فتلعب المكانة الاجتماعية دورا مهما في التفاعل، وإن صح التعبير هناك دائما ميثاق تواصلي يخضع له المتحاوران في إطار محادثة محددة يلعب فيها دائما السياق دورا مهما.
توقُف أركيوني عند سياق المحادثة وأهميته مكنها من اكتشاف أدواره التي ترتبط بسيرورتين مهمتين: سيرورة إنتاج و وسيرورة تأويل، فيما يتعلق بـالإنتاج، يحدد السياق مجموع الاختيارات الخطابية  التي على المتكلم تحقيقها: اختيار الموضوعات، أشكال توجيه الخطابformes d’adresse، مستوى اللغة، أفعال اللغة...أما ما يتعلق بسيرورة ـتأويل الملفوظات من قبل المتلقي فهي مهمة لإيضاح المعنى المضمر للخطاب الموجه. لهذا لا بد للتحليل من العودة إلى المعطيات السياقية الكلية، لأن العلاقة بين السياق والنص المحادثاتي هي علاقة جدلية فـ "الخطاب هو نشاط مشروط من جهة بالسياق، ومحول من جهة أخرى بهذا السياق"15، ففي افتتاحية التفاعل يكون السياق معطى، ثم  يبنى أثناء التفاعل، فإن كان محددا في البداية، فيعاد تحديده حسب الوضعية وما يجري فيها من أحداث محادثاتية.
 يحكم سير المحادثة نظام أدوار الكلام Système des tours de parole . فـ "كل الممارسات الخطابية والمحادثاتية هي قنوات منتظمة، تجري وفق مخططات مقررة سلفا، تخضع لبعض القواعد الإجرائية 16 les règles de procédure" كما أن طبيعة القواعد التي تسير التفاعلات القولية مختلفة، أشارت الباحثة إلى ثلاثة منها:
-قواعد تسمح بتسيير تناوبات أدوار الكلام.
-قواعد تسير الانتظام البنائي للتفاعل.
-قواعد تحضر في مستوى العلاقة بين-الشخصية interpersonnelle.
تخلق هذه القواعد عند المتفاعلين نظام الحق والواجب، أي نظام انتظار، قد يحدث الرضى أو السخط بينهم، ففي بعض التفاعلات القولية تحدث انتهاكات تؤدي إلى تسيير سيئ للمحادثة بالخروج عن القواعد التي يتحكم فيها:
 أولا: مبدأ التناوب: متضمن في التعاون المحادثاتي، يفرضه وجود متخاطبين يتكلمان بتبادل الأدوار، يخضعان لنظام الحق والواجب، هناك نوع من التفاوض في أخذ الكلمة، تفاوض صريح وآخر ضمني. حين يتخلل الصمت المحادثة يأخذ متكلم واحد زمام المبادرة والتكلم، هذا ما يجعل وجود تباعد تناوب الأدوار. لكن لا يمكن الحديث عن قواعد التناوب الصارمة لأنها ذات طبيعة احتمالية، خاضعة للمفاوضات التي تتم بين المتحادثين.
ثانيا: التنظيم البنيوي للمحادثات: تعرف المحادثة من خلال ما قدم سابقا باعتبارها تتاليا من أدوار الكلام، هذا التتالي لا يحتكم فقط لقواعد التناوب لكن أيضا إلى بعض مبادئ الانسجام الداخلية التي تقننها قواعد، دلالية، وتركيبية، وتداولية، كما تنسجها العلاقات القائمة بين المتحدثين المشروطة بنظام انتظار ردود الأقوال: فـ "من أجل الحديث عن حوار حقيقي، لا يشترط فقط وجود متحاورين... لكن أن تكون ملفوظاتهم المتبادلة محددة، فالمحادثة بمثابة نص منتج جماعيا"17. تنتظم كل محادثة وفق مستويين: كلي ومحلي:
 -الكلي: بمثابة سيناريو يضم كل المحادثة.
- المحلي: تتبع طريقة المحادثة جزئياتها مع مختلف مكونات الخطاب، هذا الحوار يخلق مستويين صريح وضمني، فالاعتماد على الضمني يعيننا على الفهم.
ثالثا: العلاقات بين-الشخصية تتعلق بالأنا والآخر أثناء تواصل مباشر، فكل تفاعل قولي يحدث في إطار معين، له شخصيات محددة بخصائص، تكون لها بعض نماذج العلاقات السوسيو-انفعالية socio-affective، تحدث بينهم مفاوضات أثناء المحادثة، من أجل الهيمنة أو فرض الرأي، كما أن الباحثة اشتغلت على نموذج من التفاعلات القولية المجسدة في المحادثات اليومية التي من خلالها تحدد العلاقات بين-الشخصية ومدى تأزم بعض المحادثات الذي يعود سببه إلى سوء استخدام أشكال اللباقة la politesse وهو ما يهدد التفاعل بين-الشخصي.
لهذا ترى الباحثة أنه من الضروري اكتشاف التمظهرات اللسانية والتداولية للباقة لتقليص شدة التوترات الحاصلة في المحادثات اليومية، فعادة ما يكون سبب الفتن فيها لغويا محادثاتيا أكثر منه مقصديا، للإخلال بأسس المحادثة واللباقة، لعدم استعمال الملينات: "من فضلك لا تدخن هنا...هل ترى ذلك الشيء هناك أحضره من فضلك...أريد فقط أن أسألك إذا أمكن.
         كما أن الباحثة، حينما تبحث في ما تصنعه أشكال اللباقة السلبية والإيجابية من تأزمات لا تعود فقط إلى البناء اللساني بل الإستعمالي والثقافي أيضا، فما نعده لبقا في ثقافتنا هو في ثقافة الآخرين فض18، لذا تركز الدراسات اللسانية التداولية الحديثة على أشكال اللباقة في المحادثة بحثا عن سبل اشتغالها في سياقاتها المختلفة، لأن "اللباقة هي ظاهرة ملائمة لسانيا"19، نظّر لها كل من قوفمان ولابوف وبراون ولفيسون. ترتبط هذه الظاهرة بالعناصر القولية وغير القولية، ستهتم باللباقة اللسانية، وتشرح نموذج براون وليفيسون Brown et Levinson للباقة الإيجابية والسلبية.
         فأن تحترم قواعد اللباقة هو أن تعطي للتفاعل حظا من النجاح، دون لباقة تصبح الحياة مستحيلة فهي قانون كوني، كما أن أغلب الصراعات العالمية ليست دائما بسبب القوة والانتصار لكن هناك عوامل تعود إلى الاستعمالات القولية، كاللباقة التي لها أوجه جد مختلفة، لذا جدير في تعلم وتعليم لغة أجنبية الاهتمام بـالتنوع الثقافي للمعلم والمتعلم والبيئة التي يكونان فيها.
 لم تقف الباحثة عند المظاهر الثقافية العامة المؤدية للتنوع في الرؤية والحكم والقيمة بل توقفت عند مظاهر أخرى للتنوع الثقافي في استعمال الضمائر، في ترتيب الابتداء بالاسم أو اللقب، حتى في الأفعال الموظفة، وفي تقاليد الافتتاح أي افتتاح المحادثة فتختلف من مجتمع لآخر، التحية مثلا يمكنها أن تجر إلى سوء تفاهم بسبب استخدامها بمعزل عن تنوعات ثقافية جد ضرورية في سياقات ما20.
إن التفكير في شروط اللباقة أدى بكربرات أركيوني إلى التفكير في سوء التفاهم أثناء التواصلات بين-الثقافية، لتبين ضرورة نزع المركزية في اعتبار آداب المحادثة قانونا عاما بل يختلف من مجتمع إلى آخر، استنادا على هذا أصبح الاهتمام الآن في مجالات تعليم اللغات الأجنبية يركز على أهمية وخطورة ما يمكن أن يجره سوء الفهم le malentendu جراء الاختلافات الثقافية، كما أن حضور سوء الفهم في تعليم اللغة الأجنبية رهيب أكثر من حضوره في نوع آخر من التفاعلات، مولداه هما اللسانيات والثقافة.

2-  سوء الفهم والمضمرات الثقافية:
 يحضر سوء الفهم بشكل قوي في استعمالاتنا اللغوية لذا علينا استخدامه واستغلاله من أجل بناء المعارف، ومعرفة التعلم، ومعرفة كينونة المتعلمين في اللغات. فاللغات ليست شفافة وملفوظاتنا لا تتطابق مع معانيها لهذا يحدث سوء الفهم، وسوء الفهم في تعلم اللغة الأجنبية ناجم:
 1-عن نقص في الملكة اللسانية، أي سوء السماع le mal entendu21، ينطبق هذا على المراحل التعليمية الأولى، لكن الأمر سيزداد تعقيدا لأنه لا يتعلق فقط بالملكة اللسانية.
2- الملكة التواصلية وأبعادها التداولية، سيصبح سوء الفهم خطيرا حين يدخل المتعلم في التواصلات والتفاعلات والمحادثات الاجتماعية وبين-الثقافية، يجمع الباحثون المعاصرون في مجال الاشتغال في تعليم اللغات الأجنبية مهما كانت مشاربهم، على ضرورة تكثيف الدراسات المتعلقة بـالمضمرات، التي على العموم، تعد دوما منبع سوء الفهم في التواصل بين الأفراد من ثقافات أخرى22:
 ما هي خصائص المضمر ذي الطبيعة الثقافية أثناء التواصل بين الثقافات؟ ما هي مكانته في تعليم وتعلم لغة أجنبية؟
يلعب توظيف المضمر23 في حياتنا اليومية دورا أساسيا في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، فالناس مثلا لا يعبرون في كثير من الأحيان بطريقة صريحة وواضحة، بل يعتري الغموض الكثير من كلامهم، من أجل مراعاة شعور المخاطبين، من باب اللباقة "التي يعدها براون Brown ولفيسونLevison  وسيلة من وسائل المواساة لحفظ الشعور المتبادل لمراعاة ماء الوجه وعدم جرح الآخرين"24، لأن الكثير من أفعال اللغة فيها كمون يهدد هذه العلاقات، فتصبح اللباقة كما أشارت أركيوني وهؤلاء الباحثون، من بين أهم الوسائل التي تبني استراتيجيات لهدف تواصلي (قول ما نريد قوله)، ولتحقيق هدف اجتماعي، ومن أجل عدم جرح المتلقي توظف اللباقة إذا باعتبارها مضمرا واعيا.
بالنسبة للمضمر غير الواعي، لا يكون للمتكلم قصد لإخفاء شيء ما فينجز خطابه بشفافية وصراحة، لكن كلامه هذا قد يحمل في سياقات تواصلية ثقافية معينة معنى لم يقصده المتكلم ذاته، يضرب بو زيهونغ مثالا من اللغة الصينية حين يسأل المتكلم مخاطبه: إلى أين أنت ذاهب؟ أو هل أكلت؟ فيُفهم من كلامه مباشرة ضمن ثقافته وكأنه يقول صباح الخير، فلا يحتاج الصيني شرح معنى ما يقول، ولا يَفهم غير هذا المعنى حين يتلفظ بهذين السؤالين. لكن إذا كان المتلقي مثلا فرنسيا لا يعرف السنن الثقافي الصيني فسيحس حين يُسأل هذا السؤال أو ذاك أن هذا تعد على خصوصياته، ونوع من الجوسسة أن يُسأل إلى أين هو ذاهب، فيصبح الخطاب مليئا بالمضمر، وإن كان المتكلم لم يحمل خطابه بهذا الإضمار، فيسمى المضمر اللاواعي.
حسب الكاتب بو زيهونغ يحدث المضمر غير الواعي في الهابتوس25 أي العادات المبنية ضمن بيئة اجتماعية وثقافية محددة، فتؤثر العوامل الاجتماعية والثقافية لهذه البيئة على المتكلم، تولد لديه أبيتوسا/ عادة، يوظف المتكلم هذه العادات بطريقة طبيعية غير مفكر فيها، متوقعا أن محاوره سيفهم بشفافية وتطابق ما يقوله، لكن لا يمكن لمتلقيين من ثقافة أخرى ربط هذه الملفوظات بدلالتها الثقافية، لهذا قد لا يفهمون الخطاب، أو يسيئون فهمه.
فحين يتلقى المتلقي رسالة شفهية كانت أو كتابية يفك شفراتها بحسب اللغة وبحسب المعايير الاجتماعية والثقافية والتواصلية التي يملكها، وفق سجله اللساني والثقافي، لكشف معنى الرسالة ومقصد مرسلها، متى يقع الإشكال؟ حين لا يفهم المتلقي معنى الرسالة التي لم يجد في سجله ما يوضحها، ينتقل عندئذ إلى المضمر لأنه لم يفهم، هنا يتبدى الإشكال لأنه سيلجأ إلى الاستدلال L’interférence  فيتولد سوء الفهم Le malentendu.
انطلاقا من تجربة الباحث المذكور أعلاه في تعليم اللغة الفرنسية للأجانب وصل إلى أن الإشكال الذي وجده مع المتعلمين: "لا يتعلق بمعرفة الصيغ اللسانية، لكن المضمر في هذه الصيغ وتنوعها وفق الموقف التواصلي والسياق الثقافي، لهذا يدعو بعد تقديم أمثلة إلى ضرورة الاهتمام بتعليم المضمر أيضا، كهدف في عملية التعلم والاكتساب، اكتساب نظام مرجعي ثقافي ينظم ويُبَنْيِنُ المعرفة المضمرة المكتسبة أثناء التعلم اللساني والثقافي، المنظمة للحاجات الخاصة بالمتعلم في مواقف تفاعلية مع الأصليين في اللغة الأجنبية"26.
اقترح الباحث طريقة لتعليم المضمر:
أولا ضرورة توعية المتعلمين بأهمية المضمر في تعلمهم للغة أجنبية.
ثانيا تحسيسهم بالمعنى الحرفي في التواصلات وأيضا بالمعنى المضمر، وبمقاصد المتخاطبين.
ثالثا ضرورة إفهامهم بأن معرفة وفهم نظام الدلالات لا يمنحهم سوى وجه واحد من أوجه المنطق، لأن أهمية المدلولات هو محتواها الإيديولوجي والانفعالي، فيمكن أن نصل إلى قيم المجتمعات بدراسات هذه المعاني التحتية.
من خلال ما تقدم تصبح دراسة المضمرات الثقافية ضرورية في تعليم اللغات الأجنبية، والتركيز على اللاوعي الثقافي، باستخراج البنيات الثقافية للغة الهدف، كما يجب تدريس اللسان ضمن السياق الثقافي والتواصلي: "كل كلام باللغة الأم لا يمكن أن يكون كما هو في لغة أجنبية، فلا يجد معنى إلا في الدينامية التواصلية التي سجل فيها"27، إن لم يكن الأمر كذلك قد يحمّل بدلالات تصل إلى حد التناقض.
يرى صاحب المقال أن تعليم اللغة الأجنبية يلزمنا ضرورة توعية المعلم والمتعلم بالثقافة الغيرية، عليه أن يكتسبها لاكتشاف المضمرات الثقافية، فهل يا ترى نعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها انطلاقا من سياقاتها الثقافية والتواصلية وبمضمراتها ومقاصدها؟ فكثير من المعلمين مثلا يعلمون اللغة العربية في فرنسا وهم أصلا لم يقيموا في بلد عربي، معرفتهم باللغة العربية مثلا مستمدة من الكتب فقط أو من الإعلام، لديهم هم أنفسهم مشكل في اكتشاف الدلالات المتخفية، الحفر في المقاصد الحقيقية للمتخاطبين، وهنا يصبح دور المعلم أساسيا من أجل نجاح توجيه عملية التعلم.

كخلاصة مهمة علينا تطوير عاداتنا التعليمية وفتحها على الأبعاد الثقافية والمعرفية والتفاعلية، والاهتمام بسياقات المتعلم ومكان تعلمه، لأن "اللغة موضوع اجتماعي قبل كل شيء"28 فما يكون واضحا في ثقافاتنا ولا يطرح إشكالا في تواصلاتنا اليومية قد يشكل عائقا في الفهم عند متعلم أجنبي يريد اكتساب لغتنا، هذا ما يولد لديه سوء فهم ويشكل عائقا في التفاعلات الثقافية، فلأجل تكوين ملكة صحيحة عند متعلم اللغة الأجنبية من المهم الأخذ بعين الاعتبار المضمر أثناء التعليم والتعلم، لتفادي سوء الفهم في المحادثات المباشرة ومختلف التواصلات اليومية باللغة الأجنبية.
إن البحوث المتعلقة باكتساب اللغات الأجنبية مازالت مفتوحة الآفاق باختلاف التصورات والمنطلقات، لكن يمكن الإقرار والجزم: "باستحالة فهم مسألة استراتيجيات التواصل والتعلم خارج منظور محادثاتي ومعرفي"29، لأن اكتساب وتعلم لغات أخرى يختلف بتنوع سياقات وسيرورات امتلاك اللغات الأجنبية، هذا ما يدعو إلى إدراك ديناميكي ومتطور لمفهوم المتعلم أو الذات المتعلمة ضمن تعقد وتنوع اتصالاتها باللغة الأجنبية، كما أن مفهوم التعلم تطور الآن، لأن المتعلم أصبح ضمن فعل التعلم، يتحكم في مستويات جديدة في اكتسابه للغة الأجنبية داخل التفاعل، هناك دراسات خرجت من التعليم إلى المتعلم وبنياته الذهنية والإدراكية التي لن يسمح لنا المسار المخطط لهذه الورقة الخوض فيها، لكن يمكن الرجوع إلى كتاب أندرسون Anderson معمارية المعرفة  The Architecture of Cognition30، أين توقف عند البعد المعرفي ودوره في تعلم اللغات الأجنبية. في هذا السياق لا ننكر دور المعلم الأساسي والمركزي في علاقته الانفعالية والتفاعلية بعناصر الدورة التعليمية للغة الأجنبية المكونة من: المعلم، المتعلم، النص التعليمي، السياقات الثقافية والمعرفية التي تحفهم، اللغة الأم، مكان التعلم، القصد من التعلم.

الهوامش :
1  Voir Mikhail Bakhtine: Marxisme et philosophie du langage: Essai d'application de la méthode sociologique en linguistique, Traduit du russe et présenté par Marina Yaguello, les éditions de minuit;1977.
2 ينظر أم السعد حياة: أهمية النص والحوارية والبوليفونية في المجال التعليمي، انطلاقا من تنظيرات ميخائبل باختين، مجلة تعليميات، مخبر تعليمية اللغة والنصوص، العدد الثاني، ديسمبر، 2012. 
3 يهتم النحو التوليدي La grammaire générative  بالاكتساب المتدرج للميكانيزمات أو للآليات المورفوتركيبية morphosyntaxiques  على مستوى الجملة، فامتلاك اللغة في هذا التوجه يعتمد على المسار الذي يسلكه المتعلم في استيعاب التمثيلات التركيبية المتتالية التي تضعها هذه النظرية، وبالتوجه نحو استيعاب الحدث النحوي فقط يقزم هذا المنظور ظواهر أخرى للتعلم واكتساب اللغة.

4 يدخل المنظور التفاعلي ضمن المفهوم الحواري الذي يبين التشارك في بناء الخطاب la co-construction du discours ، حيث يصبح للتركيب فهما حواريا، فتنتقل أهمية النحو هنا من كونها مهمة في البناء الصحيح للمعلومة المراد إيصالها بشكل صحيح (كما يعتقد بذلك الوظيفيون) لكن في الوقت نفسه مهمة في ربط الأفعال القولية  بالأفعال القولية للآخر، هذا يختلف طبعا عما تقدمه المقاربة النحوية، لأن الإجابة عن السؤال المطروح: ماذا علينا أن نتعلم من اللغة الثاني ل2؟ تجيب اللسانيات التفاعلية: تعلم ربط الأفعال القولية مع الآخر بواسطة الوسائل التركيبية للغة الثانية ل2 ، هذا ما يفرض ضرورة بناء أدوات لسانية أخرى لا تلك المستعملة من قبل الوظيفيين أو النحويين. للمزيد من الإضافات العودة إلى المقال التالي:
Marinette Matthey et Daniel Véronique, « Trois approches de l’acquisition des langues étrangères : enjeux et perspectives », Acquisition et interaction en langue étrangère[En ligne], 21 | 2004, mis en ligne le 01 mars 2007,consulté le 19 janvier 2016. URL : http://aile.revues.org.
5 Brigitte Juanals, Jean-Max Noyer. D. H. Hymes, vers une pragmatique et une anthropologie communicationnelle (version longue). HERMES CNRS, 2007.
طبعا لم يكن هايمس سباقا في دراسة اللغة في علاقاتها بالمجتمع، بل هناك العديد من الباحثين من ركز على هذه الأساسية ، في فرنسا نجد دوركايم، في أمريكا فرانس بووا وإدوارد سابيير، في انجلترا مالينوفسكي، كل هذه الأعمال كانت تعتمد العلاقة بين البنية ووظائف اللغة.
6 كما يصنفها صاحب المقال، ينظر:
Giséle Holtzer: Stratégie d’apprentissage une notion en mouvement; université de Franche-comté; in Didactique comparée des langues et etudes terminologiques; Actes du 2eme colloque du R D E; Francfort; 2000.p89 .
7Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; Seuil ;1996.
8مشاكل أغلبها يتعلق بسوء الفهم Le malentendu الذي ينجر منه العديد من الانتهاكات ويسبب قطع التواصلات ونفي الآخر، هناك مقال مهم يتعلق أصلا بسوء الفهم في العملية التواصلية والتعليمية، خاصة حين يكون المتكلمان من بيئة لغوية وثقافية واجتماعية مختلفة، ينظر:
Nathalie Auger, Des malentendus constructifs en didactique des langues-cultures, In Le malentendu-Actes du colloque du Département de français, Texte réunis par, Jacqueline Bacha, Guy Larroux, Amor Souad, Sousse 2004.
9 Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; P65.
10في هذا السياق تطرح كربرات سؤالا مهما : ما هي أهمية تكوين جمل جد صحيحة نحويا لكنها تهرب من انتباه المتلقي؟ أو لا تستحوذ على انتباهه؟ لتبرر أهمية الملكة التواصلية انظر : Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; p25
11لهذا خصصت المؤلفة فصلا كاملا اهتمت فيه لا بالكلام لكن بالصمت الذي يعقب الكلام أثناء المحادثات، فالصمت هو تنغيمات، وإشارات، ومحاكاة، فالمحادثة توظف العديد من الأنظمة السميائية.
12 Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; p69 , 70. 71.
3 1Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; p 12.
14 Voir Ibid: p17,18
15 Catherine Kerbrat-Orecchioni : P22.
16 Ibid: p28;
17 Ibid: p35
18تتحدث هنا عن نظام تفضيل التبادلات l’organisation préférentielle des échanges و قانون التواضع la loi de modestie كما تتناول وظائف اللباقة، وتتحدث عن اللباقة في علاقتها بالإخلاص والصدق، ما بين احترام الآخر وصدق الأنا، قضية الأنانية والغيرية، وتستحضر كربرات مقولة شوبنهاور" أن الأنانية فظيعة لذا أبدعنا اللباقة من أجل إخفائها" ومن أجل تخفيف أضرار المحادثات وتفادي صدامات ينظر:
 Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; p64
19 Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; p50;
20 Voir:Ibid : p90
أخذت الكاتبة نصين لشابتين اسبانية وكورية وكيف تلقتا التحية في فرنسا بكل استغراب، لأن الأولى لاحظت أن الفرنسيين يستعملون كثيرا، أعطني الملح من فضلك... يستعملون عبارات اللباقة في كل موضع، فإن هي فعلت هذا في مجتمعها سيسخرون منها... لهذا ما نقوم به من عادات تواصلية نعتقده الأنسب الآخرون لا يرونه كذلك، وما نعده قاعدة للباقة قد يعده الآخرون تافها... والمثال الثاني بين كيف يمكن لسوء التفاهم أن ينجم بسبب مكان التواصل المتداخل ثقافيا.

21Nathalie Auger, Des malentendus constructifs en didactique des langues-cultures, In Le malentendu-Actes du colloque du Département de français, Texte réunis par, Jacqueline Bacha, Guy Larroux, Amor Souad, Sousse 2004. P286.
22 ينظر مثلا هذا البحث الجاد لصاحبه الذي انطلق من مفاهيم المضمر التي وضعتها أركيوني، وطبقها على الصعوبات الموجودة في تعليم اللغات الأجنبية واستند إلى أمثلة جد مهمة مابين الثقافة الفرنسية والصينية وما تحدثه المضمرات الواعية واللاواعية من سوء فهم عند المتلقي الأجنبي، ينظر:
Pu Zhihong; L’implicite culturel et sa place dans l’enseignement d’une langue étrangère. In Synergies Chine N.03; 2008; p 164.
23  ألفت كربرات مؤلفا ضخما عنوانه "المضمر" L'implicite; Armand Colin; 1998.  ترجمته إلى اللغة العربية، ريتا خاطر، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 2008. تجدون ضمنه مختلف قوانين الخطاب وجدوى المضمر.
24  Pu Zhihong; L’implicite culturel et sa place dans l’enseignement d’une langue étrangère: p161.
25 الهابتوس مصطلح نحته السوسيولوحي المشهور بيار يورديو وهو مجموع الاستعدادات التي تحث  الأفراد الفاعلة على التعبير أو العمل بذريعة معينة، ينظر:
Pierre Bourdieu: Langage et pouvoir symbolique; Eedition Fayard; 1982;preface, John B. Thompsem; p24.
26 Voir: Pu Zhihong; L’implicite culturel et sa place dans l’enseignement d’une langue étrangère: p165.
27 IBid; p165.
28 Michel Pendanx: Les activités d'apprentissage en classe de langue; Hachette F.L.E.; 1998; p10.
29Giséle Holtzer: Stratégie d’apprentissage une notion en mouvement; p92.
30 ينظر المقال المهم الذي عرض بجدية مفهوم معمارية المعرفة لأندرسون لـ:
Peter Griggs, Rita Carol , et Pierre Bange :La dimension cognitive dans ’apprentissage des langues étrangères ; paris Revue française de linguistique appliquée ; 2002 Vol7 .

المراجع :
-               أم السعد حياة: أهمية النص والحوارية والبوليفونية في المجال التعليمي، انطلاقا من تنظيرات ميخائبل باختين، مجلة تعليميات، مخبر تعليمية اللغة والنصوص، العدد الثاني، ديسمبر، 2012. 
-                Brigitte Juanals , Jean-Max Noyer. D. H. Hymes, vers une pragmatique et une anthropologie communicationnelle (version longue). HERMES CNRS, 2007.
-        Catherine Kerbrat-Orecchioni ; La Conversation; Seuil ;1996.
-                Giséle Holtzer: Stratégie d’apprentissage une notion en mouvement; in Didactique comparée des langues et etudes terminologiques; Actes du 2eme colloque du R D E; Francfort; 2000.
-                Marinette Matthey et Daniel Véronique, « Trois approches de l’acquisition des langues étrangères : enjeux et perspectives », Acquisition et interaction en langue étrangère[En ligne], 21 | 2004, mis en ligne le 01 mars 2007,consulté le 19 janvier 2016. URL : http://aile.revues.org
-                Michel Pendanx: Les activités d'apprentissage en classe de langue; Hachette F.L.E.; 1998;
-                Mikhail Bakhtine: Marxisme et philosophie du langage: Essai d'application de la méthode sociologique en linguistique, Traduit du russe et présenté par Marina Yaguello, les éditions de minuit;1977.
-        Nathalie Auger, Des malentendus constructifs en didactique des langues-cultures, In Le malentendu-Actes du colloque du Département de français, Texte réunis par, Jacqueline Bacha, Guy Larroux, Amor Souad, Sousse 2004.
-        Peter Griggs, Rita Carol , et Pierre Bange :La dimension cognitive dans ’apprentissage des langues étrangères ; paris Revue française de linguistique appliquée ; Vol7; 2002 .
-                Pierre Bourdieu: Langage et pouvoir symbolique; Eedition Fayard; 1982.
-                Pu Zhihong; L’implicite culturel et sa place dans l’enseignement d’une langue étrangère. In Synergies Chine N.03; 2008.