الأحد، 8 يونيو، 2014

التفاعل الاجتماعي

أهدافه ، أسسه ، خصائصه ومستوياته

مدخل الى مفهوم التفاعل الاجتماعي :

يعد التفاعل الاجتماعي من أكثر المفاهيم انتشاراً في علم الاجتماع وعلم النفس على السواء ، وهو الاساس في دراسة علم النفس الاجتماعي الذي يتناول دراسة كيفية تفاعل الفرد في البيئة وما ينتج عن هذا التفاعل من قيم وعادات واتجاهات . وهو الاساس في قيام العديد من نظريات الشخصية ونظريات التعلم ونظريات العلاج النفسي . إذ يعد التفاعل الاجتماعي بشكل عام نوعاً من المؤثرات والاستجابات ، وفي العلوم الاجتماعية يشير الى سلسلة من المؤثرات والاستجابات ينتج عنها تغيير في الاطراف الداخلة فيما كانت عليه عند البداية ، والتفاعل الاجتماعي لا يؤثر في الافراد فحسب بل يؤثر كذلك في القائمين على البرامج أنفسهم بحيث يؤدي ذلك الى تعديل طريقة عملهم مع تحسين سلوكهم تبعاً للاستجابات التي يستجيب لها الافراد .
لذا تعددت وتباينت استخدامات التفاعل الاجتماعي ، فهو مثلاً يستخدم كعملية لأنه يتضمن نوعاً من النشاط الذي تستثيره حاجات معينة عند الانسان ومنها الحاجة الى الانتماء والحاجة الى الحب والحاجة الى التقدير والنجاح . وهو حالة أنه يستخدم في الاشارة الى النتيجة النهائية التي يترتب عليها تحقيق هذه الحاجات عند الانسان ، وهو مجموعة من الخصائص التي هي نوع من الاستعدادات الثابتة نسبياً تميز استجابات الفرد في سلوكه الاجتماعي التي تدعى بالسمات التفاعلية والسمات الاولية للاستجابات الشخصية المتبادلة وهو سلوك ظاهر لأنه يحوي التعبير اللفظي والحركات والايماءات . وهو سلوك باطن أنه يتضمن العمليات العقلية الاساسية كالادراك والتذكر والتفكير والتخيل وجميع العمليات النفسية الاخرى ان التفاعل كلمة مستعارة من العلوم لطبيعية عني التأثير المتبادل بين عنصرين أو أكثر ، لكل عنصر منها خصائص وتركيب وصفات مفيدة . ونتيجة للاتصال المباشر والتأثير المتبادل بين هذه العناصر يتم الحصول على ناتج للتفاعل يمثل مركباً له من الخصائص والصفات ما يجعله مختلفاً عن العناصر المتفاعلة .لكن التفاعل الاجتماعي يختلف عن التفاعل في العلوم الطبيعية لكونه يتضمن مفاهيم ومعايير واهداف ، فالفرد حين يستجيب لموقف انساني انما يستجيب لمعنى معين يتضمنه هذا الموقف بعناصره المختلفةوالتفاعل الاجتماعي يتضمن مجموعة توقعات من جانب كل من المشتركين فيه ، وكذلك يتضمن التفاعل الاجتماعي ادراك الفرد الاجتماعي وسلوك الفرد في ضوء المعايير عن طريق اللغة والرموز والاشارات وتكون الثقافة للفرد والجماعة نمط التفاعل الاجتماعي .

أهداف التفاعل الاجتماعي

  1. ييسر التفاعل الاجتماعي تحقيق اهداف الجماعة ويحدد طرائق اشباع الحاجات .
  2. يتعلم الفرد والجماعة بوساطته انماط السلوك المتنوعة والاتجاهات التي تنظم العلاقات بين افراد وجماعات المجتمع في اطار القيم السائدة والثقافة والتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها .
  3. يساعد على تقييم الذات والآخرين بصورة مستمرة .
  4. يساعد التفاعل على تحقيق الذات ويخفف وطأة الشعور بالضيق ، فكثيرا ما تؤدي العزلة إلى الاصابة بالأمراض النفسية .
  5. يساعد التفاعل على التنشئة الاجتماعية للافراد وغرس الخصائص المشتركة بينهم .

يقوم التفاعل الاجتماعي على أربعة أسس أو محددات هي :

الاتصال :

لا يمكن بطبيعة الحال ان يكون هنالك تفاعل بين فردين دون ان يتم اتصال بينهم او يساعد الاتصال بسبله المتعددة على وحدة الفكر والتوصل الى السلوك التعاوني . فالاتصال تعبير عن العلاقات بين الافراد ، ويعني نقل فكرة معينة أو معنى محدد في ذهن شخص ما الى ذهن شخص آخر أو مجموعة من الاشخاص ، وعن طريق عملية الاتصال يحدث التفاعل بين الافراد .وعملية الاتصال لايمكن ان تحدث أو تتحقق لذاتها، ولكنها تحدث من حيث هي اساس عملية التفاعل الاجتماعي حيث يستحيل فهم ودراسة عملية التفاعل في أية جماعة دون التعرف على عملية الاتصال بين افرادها .

التوقع :

هو اتجاه عقلي واستعداد للاستجابة لمنبه معين . ويؤدي التوقع دوراً اساسياً في عملية التفاعل الاجتماعي حيث يصاغ سلوك الانسان وفق ما يتوقعه من رد فعل الاخرين . فهو عندما يقوم بأداء معين يضع في اعتباره عدة توقعات لاستجابات الآخرين كالرفض أو القبول والثواب أو العقاب ثم يقيم تصرفاته ويكيف سلوكه طبقاً لهذه التوقعات . واذا كان التوقع هو المحدد للسلوك ، فهو ايضاً عامل هام في تقييمه ، ذلك ان تقييم السلوك يتم على اساس التوقع ، فسلوك الفرد في الجماعة يقيمه ذاتياً من خلال ما يتوقعه عن طريق استقبال الزملاء له ، سواء أكان هذا السلوك حركياً أم اجتماعياً . ويبنى التوقع على الخبرات السابقة أو على القياس بالنسبة الى احداث مشابهة . ويعد وضوح التوقعات أمراً لازماً وضرورياً لتنظيم السلوك الاجتماعي في أثناء عمليات التفاعل ، كما يؤدي غموضها الى جعل عملية التلاؤم مع سلوك الآخرين أمراً صعباً يؤدي الى الشعور بالعجز عن الاستمرار في انجاز السلوك المناسب .

ادراك الدور وتمثيله :

لكل انسان دور يقوم به ، وهذا الدور يفسر من خلال السلوك وقيامه بالدور ، فسلوك الفرد يفسر من خلال قيامه بالادوار الاجتماعية المختلفة في أثناء تفاعله مع غيره طبقاً لخبرته التي اكتسبها وعلاقته الاجتماعية فالتعامل بين الافراد يتحدد وفقاً للأدوار المختلفة التي يقومون بها ولما كانت مواقف التفاعل الاجتماعي التي يلعب الفرد فيها أدواراً تتضمن شخصية أو أكثر تستلزم اجادة الفرد لدوره والقدرة على تصور دور الآخرين ، أو القدرة على القيام به في داخل نفسه بالنسبة لدوره مما قد نعبر عنه بالقول الدارج : محاولتنا وضع أنفسنا مكان الغير ويساعد انسجام الجماعة وتماسكها ان يكون لكل فرد في الجماعة دور يؤديه مع قدرته على تمثيل ادوار الآخرين داخلياً يساعد ذلك على ادراك عملية التوقع السابق ذكرها . إذ ان الشخص الذي يقوم بنشاط في الجماعة ويعجز عن توقع افعال الآخرين لعجزه عن ادراك ادوارهم وعلاقة دوره بدورهم لن يتمكن من تعديل سلوكه ليجعله متفقاً مع معايير الجماعة

الرموز ذات الدلالة :

يتم الاتصال والتوقع ولعب الأدوار بفاعلية عن طريق الرموز ذات الدلالة المشتركة لدى افراد الجماعة كاللغة وتعبيرات الوجه واليد وما الى ذلك . وتؤدي كل هذه الاساليب الى ادراك مشترك بين افراد الجماعة ووحدة الفكر والاهداف فيسيرون في التفكير والتنفيذ في اتجاه واحد. ويشير (يونج) الى ان الانسان يعيش في عالم من الرموز ، هي شكل من اشكال التعبير عن الافكار والمشاعر التي بداخلها ومن خلالها نستطيع ان نعبر عن خبراتنا خصائص التفاعل الاجتماعي :
  1. يعد التفاعل الاجتماعي وسيلة اتصال وتفاهم بين افراد المجموعة فمن غير المعقول ان يتبادل افراد المجموعة الافكار من غير ما يحدث تفاعل اجتماعي بين افرادها .
  2. ان لكل فعل رد فعل مما يؤدي الى حدوث التفاعل الاجتماعي بين الافراد .
  3. عندما يقوم الفرد داخل المجموعة بسلوكيات واداء معين فانه يتوقع حدوث استجابة معينة من افراد الجماعة اما ايجابية أو سلبية .
  4. التفاعل بين افراد المجموعة يؤدي الى ظهور القيادات وبروز القدرات والمهارات الفردية.
  5. ان تفاعل الجماعة مع بعضهاالبعض يعطيها حجما اكبر من تفاعل الاعضاء وحدهم دون الجماعة .
  6. الى جانب ما تقدم فإن من خصائص التفاعل الاجتماعي توتر العلاقات الاجتماعية بين الافراد المتفاعلين مما يؤدي الى تقارب القوى بين افراد الجماعة

مستويات التفاعل الاجتماعي :

التفاعل بين الافراد :

ان نوع التفاعل القائم بين الافراد هو أكثر أنواع التفاعل الاجتماعي شيوعاً . فالتفاعل الاجتماعي القائم ما بين الاب والابن ، والزوج والزوجة ، الرئيس والمرؤوس ...الخ . وبيئة التفاعل في هذه الحالة الافراد الذين يأخذون سلوك الآخرين في الحسبان ومن ثم يؤثر عليهم وعلى الآخرين . وفي عملية التطبيع الاجتماعي مثلا نجد ان التفاعل الاجتماعي يأخذ هذا التسلسل : الطفل - الأم - الطفل واخوته - الطفل واقرانه – الشباب والمدرسة - الشاب والعاملين معه - الشاب ورؤساؤه ...الخ . وفي كل تلك الصلات الاجتماعية نجد ان الشخص جزء من البيئة الاجتماعية للآخرين الذي يستجيب بنفس الطريقة كي يستجيبون له . كل فرد بالآخرين ومن ثم يتفاعل معهم.

التفاعل بين الجماعات :

ان التفاعل القائم بين القائد واتباعه أو المدرس وتلاميذه أو المدير ومجلس الادارة ، فالمدرس في مثل هذه الحالة يؤثر في تلاميذه كمجموعة وفي نفس الوقت يتأثر بمدى اهتمامهم وروحهم المعنوية والثقة المتبادلة بينهم ، ومن ناحية اخرى نجد ان الشخص المتفاعل مع مجموعة معينة من الاشخاص في مرات متكررة ينجم عنه وجود نوع من المتوقعات السلوكية من جانب الجماعة اي سلوك معين متعارف عليه .

التفاعل بين الافراد والثقافة :

المقصود بالثقافة في هذه الحالة العادات والتقاليد وطرائق التفكير والافعال والصلات البيئية السائدة بين افراد المجتمع ويتبع التفاعل بين الفرد والثقافة منطقياً اتصال الفرد بالجماعة إذ ان الثقافة مماثلة الى حد كبير للتوقعات السلوكية الشائعة لدى الجماعة . وكل فرد ينفعل للمتوقعات الثقافية بطريقته الخاصة . وكل فرد يفسر المظاهر الثقافية حسب ما يراه مناسباً للظروف التي يتعرض لها . فالثقافة جزء هام من البيئة التي يتفاعل معها الفرد ، فالغايات والتطلعات والمثل والقيم التي تدخل في شخصية الفرد ما هي الا مكونات رئيسة للثقافة . كذلك فان التفاعل الاجتماعي بين الافراد والثقافة يأخذ مكاناً خلال وسائل الاتصال الجماهيرية التي لا تتضمن بدورها صلة تبادلية مثل الراديو والتلفاز والصحف والسينما .

التفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية :

العلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي مصطلحان مرتبطان ببعضهما بحيث لا يحدث أحدهما دون الآخر. حتى انهما اصبحا كمترادفين . فعد البعض التفاعل الاجتماعي شكلاً من اشكال العلاقات الاجتماعية ، في حين عد البعض الآخر العلاقات الاجتماعية مظاهر لعمليات التفاعل الاجتماعي . فعندما يلتقي فردان ويؤثر أحدهما في الآخر ويتأثر به يسمى التغيير الذي يحدث نتيجة لتبادل التأثير والتأثر بالتفاعل ، وعندما تتكرر عمليات التأثير والتأثر ويستقران ، يطلق على الصلة التي تجمع بين الفردين العلاقات المتبادلة . وكلما ازدادت العلاقات الاجتماعية المنتشرة داخل الجماعة ازداد اتصال الافراد مع بعضهم البعض وزادت ديناميكية التفاعل الاجتماعي ولهذا يدل مجموع العلاقات على مدى التفاعل الاجتماعي فاذا طلب من كل فرد من افراد الجماعة ان يختار من يشاء من زملائه دون ان يتقيد بعدد في اختياره هذا ، أمكننا ان نتعرف بطريقة احصائية عددية النسبة المئوية للتفاعل الاجتماعي وذلك بقسمة مجموع العلاقات القائمة على النهاية العظمى لتلك العلاقات ثم ضرب الناتج في مائة لتحويل النسبة الى نسبة مئوية ان هذا يعني ان العمليات الاجتماعية ماهي الا علاقات اجتماعية في مرحلة التكوين أي انها تشير إلى الجانب الوظيفي الدينامي ، في حين تشير العلاقات الاجتماعية إلى الجانب التركيبي الاستاتيكي أساليب قياس التفاعل الاجتماعي :لدراسة التفاعل الاجتماعي كما يأخذ مجراه في الحياة اليومية للافراد استخدم الباحثون تكنيكات مختلفة لجمع البيانات أبرزها التقارير الذاتية ( والملاحظة السلوكية والتسجيل الذاتي للتفاعلات اليومية ( حيث ان اسلوب التقارير الذاتية يعتمد على استبيانات تقيس تقديرات الافراد الذاتية وتقويمه لتفاعلاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية ( وان أسلوب الملاحظة السلوكية يعتمد على ملاحظة التفاعلات الاجتماعية للافراد في مكان وزمان محددين ( أما أسلوب التسجيل الذاتي للتفاعلات اليومية الذي هو عبارة عن تسجيل مباشر للتفاعلات الاجتماعية التي يمارسها الأفراد يومياً . ان المفاضلة بين هذه التكنيكات ونوعها يتحدد من البيانات التي يرغب الباحث في جمعها وبقدرة هذه التكنيكات على توفير البيانات المطلوبة . فالتقارير الذاتية تعتمد بالدرجة الاولى على استبيانات تقيس تقديرات الافراد الذاتية لجوانب تفاعلاتهم الاجتماعية اليومية . وعند استخدام هذا التكنيك يتطلب من الفرد ان يجمع ويلخص ويقيم الاحداث والعلاقات الاجتماعية التي يعيشها عبر فترات زمنية مختلفة واشخاص مختلفين والبيانات التي يتم جمعها لا تمثل بالتالي صورة موضوعية لحياة الفرد الاجتماعية وانما تمثل انطباعاته وتقييماته الخاصة لها ، التي تخضع لتأثير مكنزمات المعرفية والدافعية المختلفة التي تكتنف عملية معالجة المعلومات فهناك ما يبين ان ذاكرة الافراد والاشخاص والاحداث تتعرض لعمليات تحريف وتسرب واضحة عند مقارنة التفاعلات التي يجدونها موضوعياً بالتفاعلات المتذكرة ، او تطغى التفاعلات ذات الشحنة الانفعالية البارزة على غيرها في التذكير والتقييم أما الملاحظة السلوكية فتقوم على الملاحظة الموضوعية للتفاعلات الاجتماعية للافراد في امكنة وأزمنة محددة . وهذا التكنيك يوفر بيانات موضوعية ، وان تكون محدودة حول التفاعل الاجتماعي وليست بيانات لا تعطي سوى الصورة الخارجية لظاهرة التفاعل الاجتماعي وليست الصورة الداخلية التي تمثل الخبرة الشخصية للأفراد المتفاعلين . أما التكنيك الثالث وهو تكنيك التسجيل الشخصي اليومي للتفاعلات الاجتماعية فانه يلاقي الكثير من عيوب التكنيكات الاخرى ، ويساعد على الوصول إلى صورة التفاعل الاجتماعي اليومي بمظهريه الكمي والنوعي . فمن حيث ان يتطلب تسجيلاً مباشراً لما يجري في الحياة اليومية فانه يحد من تأثير التحيزات المعرفية التي تتاثر بها مقاييس التقدير الذاتي ذات الأسئلة العامة. ومن حيث أنه يترك المجال لقياس الخبرة الذاتية بما تنطوي عليه من مشاعر وتعلميات، فانه يتلافى نقيصة الملاحظة السلوكية التي لا يتم بها سوى وصف السلوك الظاهري القابل للملاحظة

 http://ejtema3e.com/social-concepts-and-terminology/1-2013-07-27-21-17-32.html

مظاهر التفاعل بين اللغة والسياق الأجتماعي



مقدمة في المنهج:

يعتد مدي تحليل الخطاب في تعامله مع النص اللغوي الى ما هو أبعد من معاني الكلمات والجمل ومقاصل كاتبيها والسياق القريب الذي كتبت فيه ليشمل أساسا رؤية اللغة كممارسة اجتماعية فعلية ترتبط أساسا بمستويات اجتماعية أعلى كالسلطة والتغير الاجتماعي وصراع القوى داخل المجتمع الواحد. النص اللغوى يغدو هنا مفتاحا لقراءة الواقع الاجتماعي. وهذا هو سنحاول القيام به في هذه الدراسة، أي رؤية اللغة بحس نقدي يظهر ما تعكسه من عمليات اجتماعية كالتغير الاجتماعي والصراع وغيرهما.

قبل أن انتقل الى متن الدراسة ينبغي أن أتوقف عند أمر يفرضه على التراث النظري الذي تسير عليه هذه الدراسة وهو التحليل النقدي الاجتماعي للغة، هذا الأمر يتمثل في وجوبا توضيح موقفي كباحث من منهج البحث. ان المنهج النقدي يتجاوز الوصف البسيط للبنى اللغوية كالنحو والصرف وغيرهما ويتعمق الرؤية الفعل الاجتماعي للغة، أي اللغة بوصفها عاملا فاعلا في الحياة الاجتماعية، ويمضي هذا المنهج ليحاول ابرأن القوى التي تعمل خلف اللغة، وأشكال التفاعل والصراع بين هذه القوى، إن تحليلي لكتاب "بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود" للامام نور الدين

عبدالله بن حميد السالمي من منظور التحليل النقدي للخطاب، أي التحليل الذي يتعامل مع مؤسسات وقوى اجتماعية وبمفاهيم وتصورات لا تخلو من الحساسية الاجتماعية، لا يخل أبدا بموضوعية التحليل والطرح. يقول كل من نورمان فيركلاف وروث ودكاد (1997) في دراسة حديثة.

لا يرى التحليل النقدي للخطاب نفسه علما اجتماعيا محايدا وموضوعيا بل انه مشارك ومسؤول، انه شكل من أشكال التدخل في الممارسة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية... والتحليل النقدي للخطاب ليمر استثناء للموضوعية العلمية المعتادة في العلم الاجتماعي : فالعلم الاجتماعي مرتبط على نحو جذري بالسياسات وأشكال صياغة السياسة، كما أثبته على نحو مقنع فوكو ( 1971 - 1979) على سيبل المثال.... غير أن هذا بكل تأكيد لا يوحي بأن التحليل النقدي للخطاب أقل علمية من أنواع البحث الأخرى، فمقاييس التحليل الدقيق والصارم والمنظم تنطبق على التحليل النقدي للخطاب بنفى المستوى من القوة كما هو معهود في الرؤى (العلمية ) الأخرى. (ص 258- 259، ترجمتي: الحراصي).

معنى هذا أن الحقيقة العلمية والموضوعية المطلقة التي تعلن فروع العلم السعي اليها عادة ليمت هدف التحليل النقدي للخطاب هذا التحليل موف أحاوله في هذه الدراسة. ان هذه الدراسة التحليلية لخطابين ظهرا في عمان في مطلع القرن تمسى بهذا المعنى الى "التدخل" معرفيا في الممارسة الاجتماعية في المجتمع العماني. الذي شهد حركة تطور كبيرة في مناحيه الحياتية، بدراسة تسهم في توضيح الجوانب الاجتماعية للفة ورؤية الأدوار التي تساهم فيها في ميدان التفاعل الاجتماعي، سعيا وراء هدف أعم يتمثل في تعزيز الحمى النقدي تجاه اللغة.
كتاب" بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود"

الكتاب الذي تتكون منه مادة هذه الدراسة هو "بذل المجهود في مخالفة النصاري واليهود" للامام ( 1) نور الدين عبدالله بن حميد السالمي. ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وهي التي اعتمدناها في هذه الدراسة في عام 1995، وقد نشرته مكتبة الامام نورالدين السالمي، ويقع الكتاب في 80 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة وستة فصول وخاتمة (2). الفصل الأول حمل عنوان "في التحذير من مدارس النصاري"، والثاني "في لباس النصاري"، والثالث "في تعليم اللغة الأجنبية"، والرابع "في حلق اللحى"، والخامس "في السبب الذي أدخل النصاري بلاد الاسلام "، أما الفصل السادس فحمل عنوان "في الشر على التناصر والتآزر والاستعداد للعدو بما يستطاع من قوة والتنبيه على غوائله". أما خاتمة الكتاب فقد احتوت على تنبيهات حول التحذير من مطبوعات النصاري ونحوها، وفي الطريق لتهذيب الأطفال.

قبل أن نله مباشرة في تحليل الكتاب نرى أنه من المهم أن نتعرض بالتحليل لقصة تدوين هذا الكتاب كما يرويها الامام السالمي حيث انها تحمل كثيرا من الدلالات التي تعين على اضاءة بعض التقاط الرئيسية في هذه الدوامة. يقول الامام السالمي في مقدمة الكتاب.

"هذا جواب لكتاب وملني من زنجبار، مجادلا فيا عن اخوان الكفر،

عبدة الدرهم والدينار، وذلك حين نزع الله حكومة زنجبار من أيدي المسلمين بما كبت أيديهم. وسلط عليهم عدوهم، بما تركوه من أوامر ربهم، فاحتلها النصاري بالمكر والخدائع ونصبوا لهم أنواع الحيل السالبة للدين، رغبة في سلب دينهم، كما سلبوا دنياهم فيكونون سراء، فمال اليهم من لا خلاق له من جهال السلمين، ومن زاغ عقله عن منن الدين، فتزينوا بملابسهم، وعوجوا السنتهم بلغاتهم، وخالطوهم في مدارسهم وعاو نوهم في محاكمهم التي هي بيت الظلم وستقر البوار، فصدرت مني اليهم إشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج، ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج، فصدر منهم هذا الهذيان، الذي يزعمون انه من الاحتجاج، فلم أر بدا من جوابهم، خوف الوعيد المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم : "إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه معرف ولا عدل.." (ص 6).

تشير هذه المقدمة بوضوح الى السبب الذي من أجله كتب هذا الكتاب. وان نظرنا الى تسلسل الأحداث المؤدية الى هذا التأليف لوجدناها تتكون من البنية التتابعية التالية :

- الحياة في زنجبار (قبل وممول الكفار) حياة اسلامية.

. وصول الكفار، وفرضهم لنمط حياة مغاير للنمط الاسلامي الموجود.

. محاولة تكيف مكان زنجبار المسمين مع هذا النمط الجديد المفروض من قبل سلطة أعلى.

. نصيحة اعتراضية من قبل الامام السالمي الى مكان زنجبار تدعوهم الى رفض نمط الحياة الجديد والعودة الى النمط الاسلامي المألوف.

. احتجاج من قبل بعض سكان زنجبار على نصيحة الامام السالمي.

- تدوين الكتاب كرد فعل على هذا الاحتجاج.

تسلسل الأحداث هذا يكثف لنا الكثير عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تلك الفترة، غير أن تركيزنا هنا سينصب على ما يمكن تسميته بصدام خطابين داخل الثقافة العمانية والظروف التي أدت الى هذا الصدام. فالقضية الأمامية التي تشغل "بذل المجهود" ليست مجرد استفتاء ورفض فتوى وانما هو حالة تاريخية مر بها المجتمع العماني تأثر فيها بالمتغيرات التاريخية المتمثلة في التأثير الاستعماري الأوروبي والنمط الحياتي الذي نشأ في المجتمعات التي وجد فيها، هذا التأثير جاء على ثكل محاولة لما أسميه بالتكيف الثقافي والحضاري مع النمط الجديد، حيث كما يتول الامام السالمي "مال اليهم من لا خلاق له من جهال المسمين ومن زاغ عقله عن سنن الدين، فتزينوا بملابسهم، وعوجوا ألستنهم بلغاتهم، وخالطوهم في مدارسهم، وعاونوهم في محاكمهم".

ان نظرنا الى الأمر من ناحية خطابية لرأينا بوضوح خطابين في حالة صدام : خطاب الالتزام الديني والثبات الحياتي الذي يمثله الامام نور الدين السالمي والمؤلفون الذين يقتبس منهم في كتابه، وخطاب التكيف الذي يمثله محتجان من زنجبار. واشارة الامام السالمي الى "هذا الهذيان الذي يزعمون انه من الاحتجاج" تدل دلالة كبيرة ليس فقط على حدوث هذا الصدام فحصب وانما على تغير في بنية المجتمع بطرحه خطابات حياتية جديدة تحاول خلخلة ميادة الخطاب الديني وسيطرته المعهودة. فالرسالة القادمة من زنجبار ليست رسالة وصفية لنمط الحياة الجديد ومحاولة تبرير التعايش معه فقط، وانما كانت كما لاحظ الامام السالمي نفسه، مما "يزعمون انه من الاحتجاج" وهو ما نرى انه يفترض جرأة من قبل كتابه على الاحتجاج، وهي جرأة إن نظرنا اليها في سياقها التاريخي وفي شخصية المحتج عليه لرأينا أهميتها فقد كان الخطاب الديني هو السيطر في عمان، سيطرة لم يتجرأ على "الاحتجاج" عليها أحد طوال قرون عديدة، وكون الاحتجاج كان ضد الامام السالمي نفسه، فالقضية في غاية الأهمية والدلالة، ذلك ان الامام نور الدين السالمي كان يعتبر من أهم ممثلي مؤسسة العلماء الدينيين الذين كانوا في الواقع المسيطرين على النمط الحياتي المعيشي العماني بأكمله، حيث امتدت سلطتهم الى تعيين الامام وخلعه اضافة الى وظائفهم التقليدية في الاشراف على المستويات الحياتية العادية للمجتمع من خلال القضاء والافتاء. اذن ان صدور هذا الاحتجاج ضد الامام السالمي نفسه يعني أن تغيرا ما قد حدث في المجتمع جعل من حدوث هذا الاحتجاج ممكنا وعلنيا.

ومن الدلالات الأخرى التي تثير اليها هذه المقدمة القصيرة ارتباط مؤسسة العلماء في تلك الفترة بالواقع المعيشي للناس. فلس ذلك من استجابة الامام السالمي للتغير الذي حدث في النمط المعيشي لعمانيي زنجبار في أمرين هما استجابته الأولى التي تمثلة على شكل "اشارة بالنصيحة"، واستجابته الثانية التي تتجلى في كتاب "بذل المجهود" نفسه. وهنا يتوجب ان نثير الى نقطة غاية في الأهمية، وهو حياتية الوضع الثقافي انذاك، فاقضا يا التي كانت تطرح لم تكن أمورا نظرية عقائدية فحصب، وانما ظواهر حياتية معاشة كالمدارس وتعلم اللغات والملابس وغيرها. وعلى الرغم من ان رد الامام السالمي كان يمثل الثبات الديني وقياس الواقع بمقياس النصوص الدينية الأصلية المتمثلة في النص القرآني والسنة النبوية إلا أن التفاعل مع الأمور الحياتية للمجتمع ومحاولة التأثير في الواقع هو أمر ينبغي الاشارة اليه هنا باعتباره دلالة على مستوى من مستويات الالتزام الاجتماعي.

هذه الاشارة ذات أهمية لسبب اخر وهو أن المجتمع كان يتفاعل داخليا وان رؤية الذات وتحديد الهوية القومية والدينية كانت تتم من خلال صارمات هذه الذات الاجتماعية، أي ما يقوم به المسلمون العمانيون في زنجبار وليس من خلال خطاب تضادي مع الاخر، مواء أعان هذا الاخر مذهبيا أو دينيا أو قوميا.

إن نظرنا الى الكتاب من منظور حضاري أعلى، سنجد أنه رد فعل على التقاء حضارتين : الحضارة الاسلامية المتمثلة في مسلمي زنجبار ونمط حياتهم العربي الاسلامي، والحضارة الغربية المتمثلة في الانجليز ونمط الحياة الذي أوجد وه في زنجبار. ان الكتاب اذن محاولة للدفاع عن الهوية القومية (العمانية ) والدينية (الاعلامية ) ازاء هجمة من هوية تختلف في قوميتها (الانجليز) ودينها (النصاري واليهود). الكتاب بهذا المستوى يمثل اذن لحظة مهمة من لحظات التاريخ العماني، فهو يصور لحظة لقاء (أو، ان شئت، صدام ) حضارتين، ودفاع الحضارة الاسلامية عن ذاتها، ويعبر عن صراع بقاء حضاري.

الا أن هذا المستوى الحضاري ليسر ما يشغلنا هنا، حيث اننا سنركز على الداخل العماني فقط ومنعا ول تقديم رؤية لما نعتبره صدام خطابين داخل الثقافة العمانية، الخطاب السيطر وهو الخطاب الديني والخطاب الجديد وهو خطاب التكيف الاجتماعي، ما تبقى من هذه الدراسة سيخطو الخطوات التالية : متندم أولا الخطابين المتصادمين من خلال اطروحات كل منهما، والنسق التصوري الذي يجعل كل خطاب منهما مترابطا في ذاته ومتميزا عن الخطاب الاخر، ومن خلال الآليات الخطابية (اللغوية ) التي يقدم عبرها كل منهما أطروحاته. بعد هذا العرض سنحاول تشكيل صورة لما نسيه بلحظة الصدام الخطابي، ويتمثل هذا في وصف ديناميكية الصدام وحركيته من خلال تحليل للاليات التي عمد كل من الخطابين الى استخدامها، ثم ننتقل الى الاستنتاجات التي توصلت اليها هذه الدراسة.
الخطاب الديني: اطروحاته ونسقه التصوري

الخطاب الديني الذي يمثله الامام نورالدين السالمي هو فطاب يعتمد أساسا على قوة السلطة الدينية في عمان آنذاك، هذه السعلة التي اعتمرت زمنا طويلا في عمان اعتمدت على القوة الاجتماعية والسياسية النابهة من النصوص الاسلامية الأهلية وهي النص القرآني والنص النبوي اضافة الى التجارب الماضية في تطبيق الدين في الحياة الانسانية كفترة الخلفاء الراشدين أو الأئمة في عمان مثلا. واذا كان اهتمامنا ينصب على الجانب الاجتماعي من اللغة فاننا نرى أن هذه النصوص قد كان لها دور أساسي في وضع السلطات الاجتماعية في عمان، حيث كان دورها تبريريا لمكانة علماء الدين اضافة الى الدور الدفاعي. الهجومي الذي يتجلى خير تجل في الحالات التي يتعرض فيها  هذا الخطاب الى تحد أو "احتجاج" من خطابات أخرى، لا تنبع أساسا في طرحها من نفى المصادر الأهلية، وإنما من ممارسات وتجارب حياتية مغايرة كما سنرى لاحقا.

 تعتمد بنية الخطاب الاعلامي اذن على الاطروحات الكبرى (3) التالية :

- النصوص الأهلية تمثل حقيقة (الهية ) ولذا فهي صحيحة في ذاتها.

- صحة هذه النصوص تجلت أيضا في تطبيقها الذي اعتمر قرونا عديدة في عمان (فترة الائمة ).

- أي محاولة لتطيل هذه النصوص ودلالاتها وانعكاسها على الواقع الحياتي للناس هو بعد عن طريق الدين.

- أي بعد عن الدين يجب ايقافه.

إضافة الى هذه الاطروحات التي تميطي على الخطاب الاعلامي معوما فإن نظرة على نسته التصوري تضيء لنا جانبا مهما في هذا الخطاب. يقوم هذا الخطاب على مجموعة من الاستعارات التصورية،(4) الأساسية وهي ما أسميها بالاستعارات الاستراتيجية (5). الاستعارات التصورية الاستراتيجية للخطاب الديني هي كما يلي:

- الاسلام فضاء ذو حدود: هذه الاستعارة استراتيجية ليس في الخطاب الديني للامام السالمي فقط، وانما في الخطاب الديني الاسلامي على وجه العموم. وتنوم هذه الاستعارة على معرفتنا بالفضاءات المغلقة، كالغرفة، أو السيارة أو قاعة الدرس أو السينما، كما يوضح الشكل التالي الذي يمثل منططا تصوريا للفضاء المغلق :

فنجد أن الفضاءات المحدودة تحدد الداخل والخارج والحدود، فالشكل يوضع مستطيلا محدودا من جميع الجوانب، وثمة نقطتان نقطة تقع "داخله" والنقطة الأخرى "خارجه".

لقد أوضحت النظرية التجريبية (6) للاستعارة ان خبرتنا بالأشياء  المادية البسيطة في حياتنا ومعرفتنا بها تعيننا ملي تشكيل المفاهيم المجردة، ولهذا فإن معرفتنا بكون جسنا مثلا داخل غرفة معينة أو خارجها (كما يرضع الشكل بالنسبة لوضع النقطتين ) تنقل حصب مقتضيات الخطاب الديني لتثكل تصور الدين، فكما أنك قد تكون داخل الغرفة أو خارجها، كذلك فإنك اما أن تكون داخل الدين أوانك تخرج منه. ان هذه الاستعارة استراتيجية في الخطاب الديني فبنيتها تمكن ممثلي الخطاب الديني من تحديد الذات بصفتهم داخل فضاء الدين، وتحديد الاخر الذي يرى اما أنه يمارس حياته داخل اطار الدين أو انه قد جاء بفعل "يخرجه" من الدين.

ان نظرنا الى خطاب الثبات الذي يطرحه الامام السالمي فسجد تجليات هذه الرؤية التي تتحكم في تعامله مع التفاعل والصراع الاجتماعي. لنتأمل مثلا العبارتين التاليتين :

* دواهي عظمي ومصائب كبرى، يعلم ذلك جميع العقلاء، ولا يخفى الا على الجهلة الأغبياء فمن فوائدهم أنهم يخرجون هؤلاء الصبيان الذين يتعلمون في مدارسهم من دين الاعلام اخراجا حقيقيا بقلوبهم. (النبهاني: ص 10).

* وأما لبس ما كان شارا للكفر من يهودية أو نصرانية أو هجومية كالزنار ونحوه فهو شرك اجماعا، وخروج عن الملة الاسلامية. (ص 30).

- الاسلام طريق (أو صراط ) ستتيم والاسلام تحرك من موضع لاخر: وهنا فإن خبرتنا بالطرق والاتجاهات تنقل لتشكيل رؤية معينة ايديولوجية للدين. فتنقلنا من موضع لاخر، يفترض أن ثمة نقطة بداية وان ثمة طريقا ينبغي عبوره، وان ثمة هدفا نصل اليه. كما يثير المخطط التالي:

ان ربط الخط المستقيم بالتنقل الى هدف معين يعني ان الطريق للوصول الى الهدف يغدو طريقا مستقيما (السهم الأسود الداكن ). يثير المخطط أيضا الى الطرق المنحرفة عن الطريق المستقيم (الاسهم المنقطة ). ان هذا يعني انك اذا أردت الوصول الى الهدف فإن عليك أن تستخدم الطريق المستقيم (طريق الهداية أو الهدى)، أما اذا زغت عن الطريق وانحرفت فانك لن تصل الى الهدف المنشود، بل انك متصل الى أهداف غير محبذة كالكفر والجحيم (طريق الضلال ). ان معرفتنا بهذه الأمور البسيطة كالتنقل والطرق المستقيمة والانحراف عن الطرق تعيننا لتشكيل تصورات عن مفاهيم مجردة كالدين، فالدين هنا طريق يقود الانسان الى هدف السعادة الأبدية، وهو طريق ستقيم اذا ما انحرف عنه الانسان لن يمل الى النهاية المرجوة.

على المستوى الاجتماعي فإن هذه الاستعارة (الاسلام طريق ستقيم يوصل الى الجنة ) ترتبط أساسا بالوضع الاجتماعي للسطة الدينية في المجتمع العماني. فهذه الاستعارة التصويرية توفر الامكانية لتحديد الصحيح والخاطيء دينيا، وتحديد الذات والاخر الاجتماعي. ولذا فإنها عادة ما يستخدمها الخطاب الديني في محاولة تحديده للأطراف الأخرى، فهي توفر أخيرة يمكن بها تحديد الاخر "المنحرف " الذي "يضل" الناس، أي يبعدهم عن الطريق الصحيح.

ان لغة الامام السالمي في كتابه تظهر بجلاء تحكم هذه الرؤية التصورية للدين ودوره في الحياة في خطابه :

* فصدرت مني اليهم اشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج. (ص 6).

* فآمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، واستبدلتم بالرشد غيا، وبالهدى ضلالا (ص 29).

* وقوله تعالى : "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السيل ". (ص 31).

هذه فيما نرى، وحسب مقتضيات هذه الدراسة هي الاستعارات الاستراتيجية التي تتحكم في الخطاب الديني للامام نور الدين السالمي. ان هذه الاستعارات تتماشى كما رأينا مع الطروحات الامامية للخطاب الديني وهو ما يجعله خطابا واضح المعالم منسجما تصوريا وخطابيا مع أطروحاته الكبرى وتفاصيل تلك الاطروحات كما هو موجود في الرؤية التي يطرحها الامام السالمي في "بذل المجهود". هذا الانسجام والترابط الداخلي للخطاب يعتمد أساسا على النسق التصوري الذي يقوم على تصورات."جغرافية" تحدد موقع الاطراف المشاركة في الصراع أو التفاعل الاجتماعي.
خطاب التكيف: أطروحاته ونسقه التصوري

يطرح المحتجان الزنجباريان رؤية مخالفة لرؤية الامام السالمي. هذه الرؤية، رغم اقرارها بأهمية النصوص الأصلية في تحديد نمط الحياة، إلا أنها تبرز عوامل حياتية تؤثر تأثيرا مباشرا في حياتهم. هذه العوامل هي عوامل حياتية تعتمد على التجربة والمعايشة وعلى الظرف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي كانت تعيشا زنجبار آنئذ من خلال الاطروحات التالية :

- في زنجبار متغيرات حياتية اجتماعية واقتصادية وسياسية انتجت وضعا معيشيا مختلفا.

- الالتزام بالنصوص المقدسة كما يقدمه الخطاب الديني أمر غير ممكن بسبب المتغيرات.

- البقاء اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا يفترض مجاراة هذه المتغيرات، بسبب عدم ضرر هذه المتغيرات ضررا كبيرا من جانب وبسبب عدم وجود وسيلة أخرى غير هذه المجاراة والتكيف مع المتغيرات.

- في هذا الوضع لا سيبل الا التكيف والتغير.

كما سرى لاحقا أن خطاب التكيف يتميز بأمر غاية في الأهمية هو أنه لا يعتمد فقط على فكرة التكيف الذي لا مفر منه، رغم انها الاطروحة الرئيسية فيه، فهو يطرح أيضا رؤية أخرى مغايرة تماما للخطاب الديني، رؤية تعتمد على المشاهدة وتتمركز أساسا على اظهار الجوانب الايجابية للتغير. معنى هذا ان خطاب التكيف هو، فيما نرى، جزء بسيط من عملية تغير اجتماعي كبرى للخطاب فيها دوران أماميان : دور العاكس لهذا التغير ودور المشارك فيه. إن النصوص الاحتجاجية التي يوردها الامام السالمي في الكتاب تكثف بوضوح عن هذا التغير الذي كانت تعيشه زنجبار، لكنه في الوقت ذاته كان يعد جزءا مهما في عملية التغير ذاتها، فالتغير هنا قد أنتج خطابا (تنظيريا اجتماعيا) ومعرفة خاصة به، تؤسس لما سيستجد من مراحل عملية التغير هذه.

واذا نظرنا الى النسق التصوري لخطاب التكيف فاننا نلاحظ أمرا في غاية الأهمية وهو عدم وجود نسق تصوري متكامل مثلما هو عند الخطاب الديني الذي أمس نسته التصوري على مدى أجيال وجراء وجود فاعلية النصوص المقدمة التي كان لها دور أساسي في تشكيل النسق التصوري وليس للخطاب الديني فقط وانما للفرد العادي في المجتمع. ان مراد بعض مظاهر الاضطراب الداخلي لخطاب التكيف هو ما جادلنا فيه سابقا من أن خطاب التكيف مرحلة انتقالية فقط في عملية تغير اجتماعي كبرى.

في خطاب التكيف نجد أن الاستعارة الاستراتيجية الأمامية هي التكيف. وقبل أن أوفه كيف عملت هذه الاستعارة في المستوى الاجتماعي لمصلحة ممثلي هذا الخطاب ومنتجيه، سأوضح أولا بنيتها التصورية. ان هذه الاستعارة تقوم أساسا على وضعنا الجسمي في تفاعله مع البيئة حوله. فالوضع الأساسي الذي نعيش فيه هو الوضع العادي الذي تمارس فيه أجسامنا وظائفها دون الحاجة الى القيام بأفعال أخرى غير معتادة، ولكن نجد أحيانا أنفسنا في أوضاع تتطلب منا تغييرا في وضعية جسمنا لمناصبة وضع خارجي. لنأخذ مثلا الأوضاع الطقسية غير الطبيعية مثل البرودة الشديدة. ان البرودة الشديدة تفرض علينا التعامل معها بحيث نمنع ضررها على جسمنا، ولذا نبادر الى التكيف معها من خلال الملابس الثقيلة التي تمنع تعرض الجسم لدرجة البرودة غير الطبيعية. مثال اخر: تخيل أنك تحاول الدخول في أحد أنفاق قلعة الحزم : إن النفق، وهو الظرف الخارجي، يفرض عليك الحركة جسميا بوضع معين، ذلك انه لا يمكنك الحركة في النفق قياما كما هي جسميا بوضع معين، ذلك انه لا يمكنك الحركة في النفق قياما كما هي العادة، لذا فانك تشكل وضع جسمك كاملا (وضع الرأس، وضع القدمين...الخ ) بحيث يتلاءم مع الظرف الخارجي المتمثل في بنية النفق (التي تشمل شكله وحدوده المساحية على وجه المثال ). فيما يلي سنحاول تقديم مخطط مبسط لتصور التلاؤم والتكيف.

يظهر االمخطط(1) شكلا معينا هو المربع (مجازيا هو الفرد في زنجبار) الموجود في ظرف يناصبه (2)، أي وضع المربعات (النسق الاجتماعي التقليدي القائم على مركزية الخطاب الديني)، ثم (3) يحدث تغير في الظرف الخارجي يتمثل في تحول مجموعة المربعات الى مثلثات (المتغيرات التي حدثت في زنجبار بد مقدم الاستعمار وما صاحبه من تغيرات ). هنا فإن الثكل، لكي يكون منسجما مع الوضع الجديد، لا يجد أمامه من سيبل إلا التحول الى مثلث (4). هذا التحول (محاولة التأقلم مع الظروف الاجتماعية الجديدة من خلال أفعال اجتماعية غير معهودة في الوضع السابق ) تجعل منه في وضع منسجم مع الظرف الخارجي الجديد (أي أن الفرد يصبر منسجما مع المتغيرات الاجتماعية ). نثير هنا الى أن هذا المخطط يبسط عملية التكيف الاجتماعي التي تتكون من بنية معقدة ومن عمليات تفاعلية اجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية عميقة، لكنه مع ذلك يظاهر المراحل الأساسية لتصور التكيف الاجتماعي.

ان هذه البنية البسيطة للتكيف تثكل الجزء التصوري الجوهري في خطاب التلاؤم والتكيف الزنجباري. حيث انها تمكن المتحدث من محاولة فهم الظواهر غير المادية والتعامل العقلاني والتفاعل معها وتبرير الفعل الاجتماعي على المستوى الأعم. ان هذا المخطط التصوري ذو أبعاد تكمن في لب عملية التغير الاجتماعي وصراع القوى داخل المجتمع العماني، فبنية التكيف تفترض أن التغير الأمامي لا ينبع من تغير في ذات الفرد نفعمه وانما في الظرف الخارجي الذي يتلزم تغيرا في الذات والصارمة الاجتماعية التي قد لا تتفق ومتطلبات الخطاب الديني الذي يصر على الثبات.

أضيف الى ذلك نقطة مهمة أخرى، وهي أن القيام بإعمال هذه الاستعارة وليس غيرها أمر مهم في دلالته الخطابية، فهو نوع من التحدي التصوري للخطاب الديني، ذلك ان الخطاب الزنجباري هنا لا يوظف نفس

الاستعارات السيطرة ملي الخطاب الديني (مثل الاسلام فضاء مغلق، والاعلام رحلة في خط مستقيم ) بل انه يتجاوزها ليشكل نسقه التصوري الخاص به. ان هذا التحدي لا تتمثل أهميته في تقديم تصور جديد فقط، بل إن أهميته الكبرى تكمن في كونه فعلا اجتماعيا في ذاته. انه فعل فهم جديد للعالم ولتفاعل الانسان العماني والسلم عموما مع متغيرات الواقع. فهو يمثل رفضا للتصورات الاستراتيجية المشكلة للخطاب الديني وتقديما لتصور جديد يعكس الأبعاد الاجتماعية الجديدة والصراعات والتفاعلات داخل المجتمع العماني ويكرس عملية التغير.

آليات الصدام

يعكس الكتاب كما أشرنا لحظة صدام بين خطابين وجدا في المجتمع العماني الحاشر. ولكن قد يسأل البعض "لماذا هو صدام ؟ أليس الأمر أكثر من خلاف في الاراء بين عالم دين وشخص عادي؟ بين شخص لا يعرف في أمور الدين وعالم دين يحاول أن يشرح الأمر كما يراه الشرع ؟". ان هذه الدراسة لا تنفي مستوي العلم بالدين الذي يميز الامام نور الدين السالمي وهو لعير محل أدنى شك وليس مجال الحدث عنه هنا، لكن للأمي (الأمر الاجتماعي تحديدا) زوايا مختلفة ليمر العلم بالدين الا احداها. الزاوية التي أطرحها في هذه الدوامة زاوية مختلفة وتنطلق من منطلقات نظرية مختلفة، فالدراسة هذه تنطلق من رؤية ترى في اللغة فعلا، أو ممارسة فعلية لها أهدافها واثارها، وهي رؤية تتجاوز ما ساد من ان اللغة ليست الا وسيلة اتصال محايدة بين بني البش. مثال بسيط على الفعل اللغوي. حينما يتول الزوج (المعلم ) لزوجته "أنت طالق"  فإنه لا يخبرها، أي أنه لا يوصل معلومة منه اليها، بل إنه أساسا يمارس فعلا اجتماعيا هو الطلاق، وهو فعل له دلالاته وعواقبه الاجتماعية. نفى هذه النظرة (أي اللغة كفعل ) تسري على كل صارمة لغوية. أضف الى ذلك انني انطلق من بعض ما توسلت اليه الدراسات النقدية المعاصرة والتي لها تراث فلفي خاص بها يتمثل بعضه في دراسات ميشيل فوكو حول الخطاب ودوره في التفاعل الاجتماعي، ودراسات التحليل النقدي للغة كما هو عند روجر فاولر ونورمان فيركلاف وغيرهما ممن طوروا النظريات الاجتماعية النقدية في ميدان اللسانيات (7). هذه الدراسات مجتمعة أوضحت ان اللفة تعكر الواقع الاجتماعي وصراع التوى المختلفة فيه من جانب، وتشارك في هذا الواقع من جانب اخر. وهذا بتلخيص، هو المنطلق النظري الذي تنطلق منه هذه الدراسة، فالدراسة اذن محاولة في التحليل النقدي للغة في سياق عماني.

بهذا الاطار النظري في الذهن، فإن قراءتي لكتاب "بذل المجهود في مخالفة النصاري واليهود" للامام نور الدين السالمي قد أقنعتني بإمكانية دراسته من هذه الزاوية، فالكتاب، كما سأرضع لاحقا، موظف في سياق اجتماعي ويؤدي بهذا وظيفة اجتماعية.

ان فهم الصدام الخطابي الذي يعكسه الكتاب فهما أعمق يتطلب مني تتبع الآليات التي عمد كل من الخطابين الى توفيقها في مستوى النص.

ان كلمة الصدام التي استخدمها هنا تفترض انني استخدم استعارة (المناظرة الفكرية معركة ) في فهمي لتفاعل طرفي الكتاب. وأنا هنا على وعي تام بذلك وأرى أن استخدام تصور المعركة ليسر عفويا وانما استخدمه لأسباب متعددة. فأولا أن تصور المعركة يمكنني كباحث من رؤية جوانب مهمة في الكتاب لا يمكنني رؤيتها فيما لو استخدمت مجالا تصوريا مختلفا كأن أقول أن المناظرة هنا (تبادل ) لوجهات النظر. فكل من الخطابين هنا يعكسان روحا تنزع نحو التشكيك في شرعية وجود الاخر، فالخطاب الديني يرى أن لا شرعية دينية تسند خطاب التكيف ذلك أنه منبت تماما من السند الشرعي، فيما يرى خطاب التكيف ان الخطاب الديني منبت عن الواقع ومتغيراته التي لا يمكن ردها ولذا فإن وجوده بصورته تلك أمر غير عملي الا اذا تكيف هذا الخطاب الديني نفسه مع الواقع ومقتضياته. فنحن اذن إزاء خطابين لا يمكن وصفهما الا بأنهما متصادمان، وهنا فان رؤية هذه المناظرة باعتبارها معركة تمكن من رؤية الاستراتيجيات والتكتيكات التي قام بها كل من الخطابين على مستوى النص لطرح أفكارهما الأساسية لنزع شرعية الخطاب الاخر، وبهذا فان (المعركة ) هي وسيلة كاشفة بحثيا.

أضيف الى ذلك أني أرى الأمر من منظور المعركة لسبب منهجي يحكم هذه الدوامة بأكملها وهو أني أدرس هذا الكتاب وصدام الخطابين فيه من منظور اجتماعي يمثل الصراع الاجتماعي على السعلة وتفاعل القوى الاجتماعية المختلفة فيا جزء محوري. وهنا أكرر اني لا أنظر الى اللغة باعتبارها نظام اشارات يستخدم لوظيفة تواصلية بل من منظور اجتماعي، فاللغة (مثل كتاب "بذل المجهود") تكثف الصراع الاجتماعي عن طريق ابراز أطرافه ومحاوره المختلفة من جانب، فيما تشارك من جانب اخر في عملية الصراع. ان هذا الكتاب بالسبة لي كباحث هو وسيلة استخدمها لرؤية صراع أو صدام اجتماعي شهدته تلك الفترة، أما بالنسبة لمستخدميه فانه كان وسيلة تعبيرية ذات وظيفة اجتماعية تكرس أو تزعزع الواقع الاجتماعي. وعلى هذا فان الصراع والمعركة هما أمران منهجيان يفرضهما الاطار النظري الذي يحكم رؤيتي وقراءتي للكتاب من ناحية والمنهج الذي أتبعا في قراءتي وتحليلي له من ناحية أخرى.

هذا الاطار النظري لم يفشل، حسبما أرى، حينما حاولت قراءة الكتاب من خلاله. فالكتاب يشير بوضوح الى الواقع الاجتماعي والصراع الذي شهده. فان نظرنا فقط الى أطرافه لوجدنا ان الأمر يتجاوز الفردية في الطرح، ذلك ان الكتاب يقدم طرح الامام السالمي نفعمه اضافة الى انه يثير الى ويقتبس من كتاب اسمه "ارشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصاري" للشيخ يوسف بن اسماعيل النبهاني، فنحن هنا ازاء صوتين عمانيين يمثلان الخطاب الديني، أما خطاب التكيف فيمثله محتجان من زنجبار هما المحتج الرئيسي على نصيحة الامام نور الدين السالمي هو المشار اليه في الكتاب "المعترض" (ص 7) أو "المعترض المجادل عن الذين يختانون أنفسهم" (ص 28)، اضافة الى معترض اخر يثير اليه الامام السالمي في الفصل المخصص حول حلق اللحى بقوله "غير" (أي غير المعترض الأول ) ممن كان على شاكلته من أهل فاحيته"(ص54)   اذن نحن ازاء طرفين واضحي المعالم طرف يرى انه يقوم بوظيفة النمس، وطرف يحتو على ذلك. هذان الطرفان لا يثكلان الخطابين بأكملهما بالطبع وانما يعبران عنهما، فليس في وسعنا الان معرفة كمية النصائح الموجهة الى أهالي زنجبار وأيضا الاحتجاجات القادمة من قبلهم، ولكن يمكننا باطمئنان القول أن ثمة خطابين واضحي المعالم يحددان طرفي التفاعل والصراع الاجتماعي في تلك الفترة.

فاذا اتفقنا ان رؤية الاختلاف في الرأي الذي يطرحه الكتاب من منظورا لمعركة أو الصدام بين طرفين وجدا في المجتمع العماني في تلك المرحلة التاريخية فاني سأستخدم منهجا تحليليا ينبع من متطلبات المعركة ذاتها، وأهمها مفهوم الآليات (الاستراتيجية والأسلحة المستخدمة في الصراع ). دلالية بهذا الفهم مي اذن أسلوب خطابي يمكن تقصيه من خلال اللفة ويستخدمه الكاتب من أجل تعزيز أطروحاته الكبرى ورؤيته للكون والمجتمع والكيفية التي يتم بها تنظيمهما.
الاليات الخطابية في طرح الخطاب الديني

يستخدم الخطاب الديني اليات عدة في صدامه مع خطاب التكيف، سنختار منها ما نعتقد أنه أهمها وأكثرها اظهارا لأطروحاته ولمواجهة أطروحات خطاب التكيف، حيث سنتعرض لأربع اليات هي الاعتماد على قوة السلطة نفسها، وموضعة التغيرات الجديدة وتفسيرها ضمن الامكانيات التي يطرحها الخطاب الديني، واستخدام لغة صحة جسدية ونفعية وعقلية، والتشكيك في الواقعية والفرضية التي يطرحها خطاب التكيف.
1- التركيز على السلطة الدينية باعتبارها مرجعية للصواب والخطأ

كما هو متوقع من أي خطاب في موقع الهيمنة على الخطابات الأخرى في المجتمع فإن الخطاب الديني يقدم نفسه في هذا الكتاب كسعلة اجتماعية. واذا تتبعنا دلائل ذلك في الكتاب فاننا منجد مظاهر مشتى لذلك. فالنصيحة التي قدمها الامام السالمي لأهل زنجبار بعد ساعة عن التغيرات الاجتماعية التي لم يعهدها هذا الخطاب في تنظيمه المثالي للمجتمع حسب مخططه، كتعلم اللغات الاجنبية ولبس الملابس الغربية، والدراسة في مدارس أجنبية أو في مدارس يعمل فيها الاجانب أو حتى في حلق اللحية، هذه النصيحة هي محاولة من قبل السلطة الدينية لاعادة الامور الى طبائعها قبل التغيير الاجتماعي. وقد يجادل البعض مرة أخرى هنا بأن ما كتبه الامام السالمي ليس أكثر من "نصيحة" كما يذكر هو في قوله : ط"فصدرت مني اشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج ومطالبة الرجوع الى اقوم المنهاج" (ص 9)، بمعنى انها مبادرة لا هدف من وراثها. غير أني أود هنا أن أرضه أمرين :

أولهما أن ما يشغلنا هنا ليس ما يقوله الخطاب الديني أو ما يعتقد انه يفعله، وانما التفسير الاجتماعي لذلك الفعل في سياق البنية الاجتماعية الموجودة والتغيرات التي كان يمر بها المجتمع. فالنصيحة جاءت من الطرف الأقوى اجتماعيا وهو طرف العالم الذي كان تأثيره كبيرا في المجتمع انذاك وكانت موجهة الى طرف ليس ذي سلطة، فالطرفان ليسا في مستوى اجتماعي واحد (أي مستوى القوة الاجتماعية ). فهذا اذن يحقق جانبا أساسيا من جوانب النظرة الاجتماعية التي نحاول تطيبقها في قراءتنا هنا، ثانيا، ان هذه النصيحة جاءت كرد فعل على فعل اجتماعي غير مرغوب من وجهة نظر الامام السالمي، فعل يضاد تخمير الخطاب الديني للنصوص الدينية الأمامية وهي النص القراني والمعنة النبوية اضافة الى ميرة المعلف الصاع، وهو ما يعني أن الامام السالمي قد دون فصيحته تلك استجابة لفعل قام به الطرف الاخر. فالنصيحة هنا انما هي تجل لخطاب يحاول ايقاف هذا التغير، فنحن اذن ازاء فعل ورد فعل، الفعل الأصلي، التغير الاجتماعي كتعلم اللغة الاجنبية، قام به الكثير من العمانيين في زنجبار تكيفا مع الأوضاع الجديدة، أما الاستجابة المانعة، أي "النصيحة عن الاعوجاج ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج "، فقد جاءت من قبل الامام السالمي.

الأمر الاخر هو اني لا انظر الى الأمر، في هذا المستوى، باعتباره أمرا يتعلق باصدار أحكام تقييمية، كما قد يتوهم البعض خطأ، فاني عندما أقول ان الامام السالمي كان في موقع السعلة الاجتماعية وانه يمار مر من خلال الخطاب الديني هذه السعلة، وعندما أقول أن عمانيي زنجبار، في المستوى الديني على الأقل، كانوا "رعايا" لهذه السعلة، فإني لا أقصد أن أحدد طرفا حسنا وطرفا سيئا في العملية الاجتماعية، وانما أرى أن هذا المشهد من مشاهد التفاعل الثقافي في عمان كان جزءا من عملية تغير حدثت في تلك الفترة كان لها أطرافها وأوضاعها كأي عملية اجتماعية أخرى، وتم تمثيلها في مستوى الخطاب اللغوي. وان كان أحد الأطراف في هذه العملية أحد أهم العلماء الذين مشهدهم التاريخ العماني، فان الأمر لا يلفي التغير الاجتماعي، البعيد عن الأحكام القيمية، لتك الفترة وما شهدته من تفاعل.

إذن فنحن إزاء عملية فعل ورد فعل اجتماعيين، واذا كان الامام السالمي قد دون فصيحته الى أهل زنجبار كرد فعل على ما رأى في تغيرهم من ضرر على دينهم، فان النصيحة قد جاءت برد فعل من قبل بعض أفراد المجتمع العماني في زنجبار، كانت على مشكل احتجاج، وهو فعل آخر ذو أهمية في التخمير الاجتماعي للتاريخ، واللغة، فهذا الاحتجاج انما هو فعل هدفه تحدي نصيحة الامام السالمي، وهو ما أدى بالامام السالمي الى فعل آخر هو تدوين كتاب "بذل المجهود". وهذا الكتاب كفعل يدل على محاولة فرض رؤية محددة لكيفية تنظيم العالم (المجتمع ) والتفاعل بين اطرافه كما يطرحها خطاب الثبات الديني. فالكتاب كله اذن هو فعل اجتماعي يقصد منه ليس كبر التغير الاجتماعي في زنجبار فقط وانما أيضا الرد على خطاب التكيف الذي تجلى في رسائل الاحتجاج القادمة من زنجبار.

ان حديثنا السابق يعني أن تأليف الكتاب بأكمله يمثل تجليا لآلية استخدام السعلة الدينية لممثل الخطاب الديني (الامام السالمي). واذا كان هذا التجلي قد جاء على مستوي تأليف الكتاب بأكمله فإننا نجد الكثير من مظاهر استغلال الية الفرض المباشر للسلطة في مواضع كثيرة في رد الامام السالمي (ومن يقتبس منهم ) على رسالة المعترضين الزنجباريين.

الية اظهار السلطة الدينية وأهميتها الاجتماعية تتجلى بوضوح في كتاب "ارشاد الحيارى في تعليم المسلمين في مدارس النصارى" للشيخ يوصف بن اسماعيل النبهاني الذي يقتبس منه الامام السالمي بعض ارائه حول عدم جواز تعليم أولاد السلمين في هذه المدارس، فالنبهاني يحدث الاب الذي يأخذ ابنه الى مثل هذه المدار مر قائلا:

"فما بالك تفرط في دين ابنك هذا التفريط العظيم، بل تفرط في دين نغمك أيضا، وترتع انت وابنك في هذا المرتع الوخيم، فإن كان قد حسن لك الشيطان وأعوانه هذا الأمر القبيح، فها أنا وأمثالي نرضع لك قبحه ووباله غاية التوضيح. فلم تطيعهم وتعصينا؟ ونحن ندعوك الى الجنة، وهم يدعونك الى النار، ونحن نتسبب بنجاحك وهم يتسببون لك بالهلاك والدمار، مع معرفتك يقينا اننا أعرف منك فيما يصلع الدين ويفسده وما يقرب الانسان من الله وما يبعده فالله الله اتق الله في نغمك وولدك، ولا حول ولا قوة الا بالله العظيم (ص 20).

تظهر الفقرة عرض السلطة الدينية هنا لقوتها ووعيها التام بالعملية الاجتماعية والتغير الذي تأتي به في موازين القوى الاجتماعية. يتجلى هذا مثلا في استخدام الضمائر "أنا وأمثالي" و"هم... ونحن..." حيث يعرض الخطاب الديني ممثليه باعتبارهم السلطة التي تحدد كيفية عمل المجتمع، كذلك فإن هذه الفقرة تظهر بوضوح وعي الخطاب الديني بالمنافسة القائمة من الـ"هم" ولذا يبدأ في تفعيل بعض استعاراته الاستراتيجية في المقارنة بين السلطة. الذات والسعلة. الاخر، كاستعارة (الحياة تحرك الى الجنة ) فيقول : "انحن ندعوك الى الجنة، وهم يدعونك الى النار". ان استخدام ضمير الجمع في الاشارة الى الذات والى الاخر يظهر ان الأمر يتجاوز النصائح الشخصية وان ثمة عمليات اجتماعية كبرى كالصراع الاجتماعي بين القوى والخطابات الاجتماعية هي التي تتحكم في تفاصيل حياة المجتمع، وقيما يقدمه الخطاب الديني من طروحات تعرض باعتبارها معرفة مطلقة غير مرتبطة بسياق اجتماعي تاريخي.

أما أكثر مظاهر آلية عرض السلطة تجليا في هذه الفقرة فهي في قوله،"فلم تطيعهم وتعصينا؟"، وفي قوله "اننا أعرف منك فيما يصلح الدين وما يغمده". ففي الأولى نجد أن الخطاب الديني يتحدث عن أهم آلية من آليات عمل أي سلطة اجتماعية وهي فرض الطاعة ومنع العصيان، والطاعة تعني وجود طرفين في العملية الاجتماعية : طرف يفرض رؤيته للعالم والمجتمع، وهو السطلة الدينية وخطابها الثباتي في حالة هذا الكتاب، وطرف اخر يطلب منه تنفيذ هذه الرؤية في الواقع وعدم رفضها بإتيان رؤية أو فعل اخر مختلف عنها.

أما قوله اننا أعرف منك فيما يصلح الدين وما يفسره"  فيبرز سمة أخرى في عملية الصراع الاجتماعي هذه، وهي تقديم الخطاب الديني لنفسا باعتباره في موقع الأكثر خبرة بالعالم وتنظيمه، وتقديم الاخر باعتباره جاهلا بذلك ينبغي ساعدته.

لقد أظهرت دراسات في تحليل الخطاب والمعرفة مثل كتاب أركيولوجيا المعرفة لميشيل فوكو (1972: Fcoucault) وكتاب اللغة والسيطرة لروجر فاولر واخوين (1979:Fowler et al ) ارتباط المعرفة بالقوة والسلطة الاجتماعية فالمعرفة هنا ليست معلومات مجردة كما قد يتبدى ( من طرح الأمور من منظور التعاليم الدينية والعلم بها) وانما تفترض أن المتحدث هو العارف بالسلوك الاجتماعي المناصب (عدم تعليم الأطفال في مدارس أجنبية لم ويحاول نقل هذه المعرفة التي يمتلكها الى شخص لا يعلمها. ان المعرفة بهذا المفهوم تغدو مصدرا من مصادر سلطة الخطاب الديني في المجتمع، تلك السعلة التي تحدد السلوك الاجتماعي المقبول.

ان عرض السلطة الدينية لقوتها "المعرفية" بهذه الطريقة المباشرة تعتمد على تقنيتين، هما القناص والافتراضات المسبقة.

بعبارة عامة فإن القناص يعني أن نصا ما يؤدي وظيفته من خلال ارتباطه بنص اخر، ففي تقنية القناص غير المباشر يتم توظيف لنص مقدس هو النص القرآني، فعبارة "اننا أعرف منك" تثير الى الأية الكريمة "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (الزمر:9). أما تقنية الافتراضات المسبقة فتقوم على عملية منطقية استقرائية هي:

- من يعرف أفضل (بالتالي أقوى في تأثير فعله الاجتماعي) ممن لا يعرف (مقدمة كبرى)

- س يعرف وص لا يعرف (مقدمة صغري)

- اذن :س، أفضل (وأقويا جتماعيا)من ص  (نتيجة )

ان استغلال الافتراضات المسبقة يعتبر من أهم الطرق التي تعمل بها السلطات الاجتماعية، فهي تعرض النتيجة وتوظفها اجتماعيا دون أن تشير الى مقدماتها المنطقية أو بدون أن تضع هذه المقدمات المنطقية موضع التساؤل. وهنا فان المقدمة الكبرى (من يعرف أفضل. وبالتالي أقوى اجتماعيا. ممن لا يعرف ) تغفل تماما مع انها لا تطرح حقيقة مثل قولنا ان (سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت )، وان (جامعة الدول العربية تأسست عام 1945 م ) وانما تطرح حكما قيمية يصب في المصلحة الاجتماعية  "من يعلمون" ذلك انها تفرض طاعة من لا يعلم لمن يعلم (وعدم الاحتجاج عليه )، وهو بالتأكيد فعل اجتماعي يرتبط بنسق القوى في المجتمع.
2- الموضعة الجاعزة لمتغيرات الواقع الجديد واحتواؤها

الالية الأساسية الثانية التي استخدمها الخطاب الديني لحظة اصطدامه بخطاب التكيف هي محاولة موضعة التغير الاجتماعي ضمن حدود التفسيرات الجاهزة لدى الخطاب الديني، وهذا ينطوي مباشرة على ايحاء وافتراض مسبق أن لا تغير حقيقي قد حدث في النسق الاجتماعي،. وان التغيير الاجتماعي الذي حدث قد حدث ضمن توقعات الخطاب الديني.

فالخطاب الديني لديه كما قلنا مسلمات حول وضع المجتمع المسلم (مجتمع الا متتامة ) ووضع المجتمع الكافر (مجتمع الضلال والكفر)، ووضع وسيط يحاول فيه ممثلو المجتمع الكافر التأثير في طبيعة المجتمع المسلم بحيث ينحرف عن الطريق المستقيم ويتحول الى مجتمع كافر في ذاته (يتخلى عن الاسلام كليا) أو مجتمع يظهر الاسلام لكنه ليسر مسلما في جوهره.

ان نظرنا الى حالة التغير الاجتماعي التي حدثت في زنجبار لوجدنا ان بنيتها توفر للخطاب الديني موضعته ضمن هذا المخطط التعميمي للتغيير، فالمجتمع كان مجتمعا مسلما الى أن جاء النصارى واليهود (أعوان الشيطان لم الذين بدأ تأثيرهم السلبي في الظهور على أفراد المجتمع المسلم. ويمكننا أن نصف هذا التفسير لحركة المجتمع والتاريخ باعتباره تفسيرا لا تاريخيا يخرج بالأحداث التاريخية من سياقها ليضعها في تصنيفات عمومية كالفعل الايماني وفعل الكفر وفعل التأثر بالكفر، وهو بهذا يخفي النظر تماما عن الظروف التاريخية لهذا التغيير، بمعنى أن الخطاب الديني لا يهتم بالأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية المباشرة التي قادت وساهمت في إحداث التغيير الاجتماعي، تلك الظروف التي حاول خطاب التكيف شرحها والتركيز عليها من خلال اليته الواقعية والفرضية (المنفعية ) كما سنرى لاحقا.

اننا إن نظرنا الى كتاب "بذل المجهود" لوجدنا الية الموضعة الجاهزة من أهم الآليات التي استغلها الخطاب الديني في رده على خطاب التكيف، فعلى سيبل المثال يقول الامام السالمي حول رؤيته لحقيقة المدارس الأجنبية أو المدارس التي يعلم فيها نمد السلمين.

"فهو ذريعة الى تدريجكم في المهاوي وإلقائكم في المهالك، ولابد للفخ من عب يقع عليه الطائر، فلو جاهرركم بمرادهم وكثفوا لكم أغراضهم، لوقفت شوركم، واقشعرت جلودكم واشمأزت قلوبكم، ونفرتم عنهم كل نفرة لكن القوم أدري بمصائدكم، وأعرف بمكانتكم، فهم أثما من الأفعى لينا وعداوة، وأروغ من الشعب، واخدع من السراب ولهم في المكر أبواب يعجز عنها الشيطان " (ص 8).

نرى هنا أن الامام السالمي يحاول تفسير التغيير الاجتماعي المتمثل في تعليم أولاد السلمين في مدارس غير اعلامية أو في مدارس يعلم فيها غير السلمين بتغيرات جاهزة فنجد السلم البسيط الذي يحاول الشيطان بمكائده وحيله المختلفة جلبه في صفه، وهو تخمير ينطبق على أي فعل يخالف ما يطرحه الخطاب الديني (وهو ما يجعلنا نتول انه تفسير غير تاريخي ). أضف الى جاهزيته فهو تفسير سهل لا يتطلب إعطاء أهمية لعمليات الفعل والتغير الاجتماعيين، حيث ينعدم في هذه الرؤية الطابع الديناميكي للحياة الانسانية والتفاعل الاجتماعي من خلال تصوير التفاعل بين أطراف معدودة هي الشيطان النصراني الكافر والمسلم البسيط، ويتم ذلك من خلال عملية مثالية بسطة هي خضوع السلم غير الواعي حصب هذه الرؤية لحبائل الشيطان ومكائده.

نجد نفى دلالية تعمل في تغير الخطاب الديني للبس المسمين في زنجبار للملابس الأجنبية كآلكوت والزنار كما يلي:

"أما المنع الاجمالي فهو قوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين قالوا سعنا وهم لا يسعون" أي لا تكونوا مثلهم، ولا تتبعوهم في أحوالهم وقوله تعالى : "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا من سواء السبيل"  وهؤلاء القوم هم أعلاف اليهود والنصارى، وصفهم الرب تعالى بالضلال والإضلال وانهم يتبعون أهواءهم، وقوله تعالى : "ان تطيعوا فريقيا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين" (ص 32).

الخطاب الديني هنا يقوم بالاستفادة من النص القرآني كرصيد احتياطي يمكن به موضعة وتفسير أي فعل بشري، فعملية التغير الاجتماعي المتمثلة في لبس الملابس الغربية يتم اختزالها الى ضرب من التأثر بالكفار، ويتم التعامل مع غير السلمين من المسيحيين واليهود في زنجبار آنذاك باعتبارهم "أسلاف اليهود والنصارى" الذين أمر النص القرآني بعدم اتباعهم لضلالهم (وهنا نجد تأثير استعارة التحرك من موقع لاخر والتي أعثرنا اليها سابقا).

نلخص ما قلناه حول الية الموضة الجاهزة : ان الخطاب الديني يمتك احتياطيا من الامكانية التغيرية التي يمكنه بها من موضعة أي فعل اجتماعي دون أن يحتاج الى أي مذ اجتماعي أو تاريخي بعينه في عملية التخمير، وهو ما يجعلنا نقول إن الخطاب الديني من خلال إعماله لهذه دلالية يقوم بتقديم تغير يغفل تاريخية الفعل البش ي المتمثل في كونه أمرا واقعيا يتم في أطر تاريخية اجتماعية واقتصادية وسياسية معقدة. (نشير هنا الى أن خطاب التكيف لم تكن عنده مثل هذه الالية فرد عليها بالية مضادة تعزز تاريخية الفعل البشري من خلال تغير واقعي يعلي بدا مهما للظروف الاقتصادية والسياسية كما سنرى لاحقا).
3- استخدام لغة الصحة الجسدية والنفسية والعقلية

من الآليات القليلة التي يشترك فيها الخطابان هو استخدام لغة نغمية في معالجة القضايا الاجتماعية. ففي كلا الخطابين نجد أن ثمة افتراضا سبقا مفاده أن أطروحات الخطاب هي ما يدعو اليه العقل، ومن خلال أعمال ثنائية مألوفة اجتماعيا في التعامل مع الأمور النقية (الانسان اما أن يكون عاقلا أو مجنونا)، فإن خطاب الذات يصور باعتباره خطاب العقل والحكمة وما يدعو اليه الانسان السوي، فيما أن الخطاب الاخر يستند ويدعو الى أوهام  صنع الجنون، واذا كان الخطابان موضع الدوامة يشتركان في هذه الخاصية إلا أننا نجد أن هذه دلالية أكثر مركزية في الخطاب الديني.لنتأمل مثلا العبارات التالية التي تظهر عمل هذه دلالية :

- صدرت مني اليهم اشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج، ومطالبة

الرجوع الى أقوم المنهاج، فصدر منهم هذا الهذيان (ص 6).

-دواهي عظمي ومصاب كبرى، يعلم ذلك جميع العقلاء، ولا يخفى الا على الجهلة الأغبياء (ص 10- النبهاني).

- وما مثلك أيها الأب الجاهل.. إلا كمن اضاع الجواهر نفاسة وقيمة حتى استفاد عوضها فلوما قليلة أترى ذلك بعد عاقلا، كلا والله، بل هو مجنون (ص 16- النبهاني).

- اعلم أيها السلم الجاهل والمجنون، لا العاقل الذي خاطر بدين

ولده (ص 18 - النبهاني).

- أأحياء أنتم أم أصوات ؟ أعقلاء أنتم أم مجانين ؟ (ص 30).

- (في حديث الامام السالمي عن اثار تعلم اللغة الأجنبية ) وبذهابه (أي اللسان العربي) يحال بينكم وبين فهم ما جاء به نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام، وكفى بهذا مصيبة لمن عقل، أين العقول معشر الرجال (ص 47).

حيث نجد في هذه الأمثلة أن الخطاب الديني يتعامل مع الخطاب الاخر باعتباره نتاجا لأوضاع نفسية أو عقلية غير طبيعية كالجفون والهذيان والجهل.

نجد كذلك ان الخطاب الديني يستخدم أيضا لغة الصحة الجسدية في التعامل مع التغير الاجتماعي وخطاب التكيف القادم من زنجبار. فنجد أن التغيير يفسر باعتباره مرضا اجتماعيا، بينما يمثل الخطاب الديني دواء يعيد الجسم الاجتماعي الى حالته قبل المرض. نقرأ مثلا ما يلي:

- في وهف من يعلم ابنه في المدار مر الأجنبية (مجذوم أصيب بأقبح داء) (ص 16 - النبهاني).

- فإن أحببت الاطلاع على افات الأوقات، من هذه اللغات وغيرها من التعليمات والمكائد، التي نصبها للسلمين أعداء الدين، فعليك بقراءة الهدية الكلامية من أولها الى اخرها (ص 52).

- ولو عقلت أيها المعترض المجادل عن الذين يختانون أنفسهم لعلمت العلم اليقين ان الافة انما جاءت من قبل هؤلاء الذين عيرت أنت الفضلاء على النفرة عنهم (ص 59).

وقد يتساءل متسائل "ولكن كيف أن نربط هذا التوظيف لخطاب الذات الديني وخطاب التكيف بلغة صحية. نفسية بالصدام بين الخطابات، وبرغبة الخطاب الديني في ايقاف هذا التغير الاجتماعي؟". للاجابة على السؤال نقول أن الوظيفة الخطابية لهذه دلالية تربط ملكة العتل والصحة بالخطاب الديني وممثليه، فيما نرى أن خطاب التكيف الاجتماعي وممثليه يربطون بحالات نغمية وعقلية وجسا نية غير عادية كالجفون والهذيان والمرض. وهذا يعني أن الخطاب الديني يحتفل الافتراضات المسبقة المكونة حول العقل والجنون (أي أن العاقل أفضل من المجنون، والصحيح أفضل من المريض ) على نحو يصب في خانة بقاء سلطته الاجتماعية وتنفيذ رؤيته في تنظيم الكون والمجتمع. أن الخطاب الديني يحتفل من خلال تفعيل الافتراضات المسبقة الطريقة المألوفة التي يتعامل معها المجتمع البشري مع الحالات الجسدية والنفعية والعقلية غير العادية في نظر المجتمع في تعزيز نظرته الاجتماعية. ففي كلتا الحالتين الجسدية والنفسية يتم التعامل مع الحالات من خلال "معالجتها" طبيا ونفسيا، أو من خلال "حجرها وعزلها" في الحالات المستعصية. وهنا نجد أن المجتمع، بقيمه في التعامل مع الصحة الجسدية والعقل، قد تشكل على نحو يماشي ما يطرحه الخطاب الديني في تصويره لخطاب التكيف القادم من زنجبار، فالمعالجة تعني أن يعود العقل والجسد الى حالتهما الطبيعية، أي تلك التي تتسق مع مخطط الخطاب الديني وممثليه، أما الحجر والعزل (الجسدي والعقلي من خلال المقاطعة ) فيعنيان أن الخطاب الديني الذي تنتجه السلطة الدينية يدعو على نحومبطن نمير مباشر الى اقصاء الخطاب الاخر، وابعاده عن التأثير في بنية المجتمع وكيفية التفاعل بين عناصره. وهنا فإن الية ثنائية العقل. الجنون والصحة. المرض لا توفر للخطاب، الديني وسيلة لوصف خطاب التكيف الاجتماعي وممثليه فقط، وانما أيضا سيبلا تصوريا لفهم ظاهرة التغير وطرح امكانيات متقبلة اجتماعيا للتعامل مع هذه الظاهرة.
4- التشكيك في غرضية الفعل المتغير وواقعية

ومن الآليات الأخرى التي استخدمها الخطاب الديني في تعامله مع فطاب التكيف التشكيك في غرضية الفعل وواقعيته وهذه دلالية مرتبطة بالية الموضعة غير التاريخية للفعل البشري. فنجد أن الخطاب الديني يحاول زعزعة البنى الواقعية والفرضية التي استخدمها خطاب التكيف، التي سنتعرض لهما لاحقا. تتم هذه الزعزعة من خلال التشكيك في الحافز المؤدي الى الفعل، والرد على واقعيته، كما في قول الامام السالمي ردا على البعد الاقتصادي الذي يبرر لبس الكوت حيث يقول :

"ولعل الفقراء الذين كانوا حولكم جياعا ببركة لباسكم الجديد شباعا، وتالله ما تركتم لباسكم زهدا ولا قناعة ولا اقتصادا، ولا لقصد المواساة لفقرائكم، ولكنه أشرب في قلوبكم حب أعدائكم، فاستحسنتم منهم كل قبيح، واستصلحتم كل فامد، وتشبهتم بحركاتهم ومكناتهم وتزينتم بهيئاتهم، وطبعتم ألسنتكم على لفاتهم ونبذتم كتاب الله ومنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وسيرة اسلف وراء ظهوركم، فامنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض واستبدلتم بالرثا نميا، وبالهدى ضلالا، وبعتم الاخرة بالدنيا، فما ربحت تجارتكم ولا أنتم مهتدون إلا من رحم الله وتداركه بلطفه". (ص 29).

فالإمام السالمي يشكك في الدافع الى لبس الكوت الذي قال عنه المعترض انه مالي لأنه أرخص كثيرا من الجوخة لخفته على الجسد ولأنه "أقل مغرما". هذا التشكيك من خلال إلغاء البعد الواقعي للتغير الاجتماعي حيث يقول "ما تركتم لباسكم زهدا ولا قناعة ولا اقتصادا"، وتقديم تغير يبعد الفعل البشري عن سياقه وعن العمليات التي ساهمت في ايجاد" من جانب والتي يثكل جزءا منها من جاب اخر، فيرى الامام السالمي ان أفعال التغير انما كانت نتاجا لعمليات عامة غير دينية كاستحسان القبيح وهب الفاصد من الأمور.

نجد الغاء هذا البعد الواقعي للأمور متمثلا أيضا في رأي ينقله الامام السالمي عن الشيخ يوصف بن اسماعيل النبهاني الذي يرد متهكما على من يدعو الى تعلم اللفات الأجنبية.

اذا كانت اللغات الأجنبية متكفلة بسعة الرزق وعلو المنزلة والعز والشر في في الدنيا، فلم نرى هؤلاء المعلمين الذين يتعلم منهم ولدك في المدومة هم أفقر الناس، وأذلهم وأشقاهم وأتعبهم في معيشتهم، لم يحصلوا شيئا من رفعة الجاه، وعلو المنزلة والعز والشرف في دنياهم، مع كونهم ماهرين في هذه اللفات، وولدك انما يأخذ بعض ما عندهم منها، فلم ينبر ولدك في دنياه بالقليل الذي يأخذه منهم، ويقلقاه عنهم، وهم لم ينجحوا بالكثير الذي أفنوا ني تعلمه أعمارهم وقاية ما حصلوه من فوائد ذلك ان صاروا معلمين في المدارس، يشتغلون طوال النهار بمعاشات قليلة لا تكفيهم مع عيالهم الا بقدر الضرورة وخير من معيشتهم، وأوسع وأهنأ وأنفع، معيشة أقل عوام الناس المتسبين بنحو البيع والشراء. كما هو مشاهد، وهنالك جماعة ممن يعرفون هذه اللغات في أسوأ حالة من الاحتياج، لا يتيسر لهم أن يكونوا معلمين، وهم من أحوج الفقراء والمساكين، فلو كانت معرفة هذه اللفات متكفلة بسعة الرزق وكثرة المال، لما كان هؤلاء في أضيق معيشة وأسوأ حال (ص 17).

ويقول أيضا:

وانظر أيضا الى أغنياء المسلمين، تجدهم من التجار، أهل البيع والشراء، والأخذ والعطاء، وجلهم أو كلهم لا يعرفون هذه اللفات وهم في كمال الرفاهية، ورفعة الجاه، وعلو المنزلة، وسعة العيش، مع حفظ الدين والدنيا، فالرزق والجاه اذن لا يتوقف واحد منهما على معرفة هذه اللغات (ص 18 )..

وهنا فان خطاب الثبات يضع الدافع وراء تعلم اللغات الأجنبية موضع المساءلة عن طريق ابراز عدم واقعيته من خلال ثلاث حجبى، أولها ان معلم اللغة الأجنبية نفسه فقير وليس في وضع اجتماعي رفيع، وثانيها أن هناك "جماعة ممن يعرفون هذه اللغات في أسوأ حالة من الاحتياج وثالثها التجار الذين لم تتأثر أعمالهم التجارية ورفاهيتهم بدم معرفتهم هذه اللغات. ان ما يعنينا هنا ليمر صحة هذه الحجج المشككة في جدوى تعلم اللغة الأجنبية وانما موضعها ووظيفتها في الخطاب الديني، حيث انها تمثل فيما نرى الية التشكيك في حقيقة واقعية وغرضية خطاب التكيف.
الاليات الخطابية في خطاب التكيف

أما الآليات التي استخدمها خطاب التكيف فهي، كما هو متوقع اليات جديدة تختلف اختلافا جذريا عن اليات الخطاب الديني. سنركز هنا على ما نعتتاه أهم الآليات وهي التركيز على غرضية الفعل الاجتماعي وواقعيته، والتشكيك في شرعية السعلة الدينية، واستخدام النصوص الدينية الأصلية استخداما يماشي التغير الاجتماعي ويبرر الأفعال الاجتماعية الجديدة.
1- التركيز على التجربة الواقعية والظروف الاقتصادية

ان أهم الية من اليات خطاب التكيف هي الية التركيز على واقعية التغير الاجتماعي،فهو تأثير وتأثر وليسا أمرين متخيلين. بمعنى أن الفعل الاجتماعي المتغير الذي يرفضه الخطاب الديني ما هو الا محاولة واقعية للتلاؤم مع متطلبات التغير السياسي والاقتصادي.

فالخطاب يعتمد على ما يحدث في الواقع. حيث يقول المعترض مثلا في تبرير امكانية تعليم الأطفال في مدارس النصارى: "أما الداخل في مدارس النصارى معلما كان أو متعلما، فأوضح لك حالة المعلم حسب المشاهدة... الخ ". هذا يعني أن المعترض ينطلق من أمور واقعية، وليمة متوهمة، كما أنه يعني أيضا أن المخاوف التي يطرحها الخطاب الديني ليست مخاوف واقعية فالتجربة لا تثبت ذلك انه بهذا يشكك في مدى امكانية صدق النظرية الدينية حين يأتي الأمر الى التطبيق. فنظريا يفترض الخطاب الديني أن التعلم في مدارس النصاري (أو على أيديهم ) أمر يؤول على صاحبه بالكفر وخلع رداء الاسلام وغير ذلك، أما خطاب التكيف فيرى أن واقع الأمر في هذه المدارس لا يبرر المخاوف التي يطرحها الخطاب الديني، ففي هذه المدارس يتعلم الطالب "التوحيد وشغله، والطهارات وكيفياتها والصلوات ومعانيها..الخ " (ص 7).

هذه الواقعية تمتد لتؤدي وظيفة تبريرية. فالتغير الاجتماعي الذي شهدته زنجبار والتكيف مع الوقائع الجديدة لم يكن مجرد رقبة مجردة في التغيير، وانما هو استجابة لمتطلبات واقعية مختلفة، أهمها البعد الاقتصادي. حيث برر المعترض كثيرا من الممارسات التكيفية بأسباب اقتصادية، فحين يتحدث مثلا عن ارتداء المعطف (الكوت ) يقول :

"الكوت منفردا أخف اضاعة ما من الجوخة والبشت، المنقوشين بالقصب المفضض، البالغ فوق الحاجة. مئة روبية وخمسين، وحسين روبية وأقلها ثلاثين روبية، وأي اضاعة أكثر من هذا، اذ ثمن واحد من هذين يسد حاجة جمع غفير من الفقراء وهاهم جياع" (ص 28).

هنا نرى أن المعترض يفرض لفة مالية تجارية في تبرير التغير الاجتماعي المتمثل في لبس الكوت، بل انه يربط الجانب المالي بأسباب واقعية أخرى، كالجياع الذين يمكن أن يسد حاجتهم ثمن جوخة واحدة أو بثت واحد. اننا هنا ازاء الية تربط الواقعي بالاخلاقي وليس الديني بالضرورة، فاطعام الجياع أهم أخلاقيا من لبس الجوخة أو البثت، وهو ما يبرر لبس المعطف، ولو أنه من لبس النصارى الذي أمر النبي عليه السلام بعدم تقليدهم كما يؤكد الخطاب الديني. هذه الواقعية يرفضها الامام السالمي فيرد عليها متهكما: "لعل الفقراء الذين كانوا حولكم جياعا ليسرا ببركة لبساكم الجديد شباعا".

مثل اخر على الية التركيز على البعد الواقعي للفعل الاجتماعي ازاء البعد الديني نجده في تبريره لتعلم اللغات الأجنبية وتعليمها. فيقول المعترض :

"ان الضرورة داعية اليهما الان، ولاسيما في هذا الظرف، لأن المحاكم والمعشرات بأيديهم، ولا يتوصل الى شيء من هذه الأشياء الى ما يطلبه  الانسان من حقوقه الا بعد النصب وذهاب شطر ماله اذا كان لا يعرف هذه اللغة الأجنبية" (ص 46).

هنا نجد أن "الضرورة" المرتبطة بالظرف التاريخي "الان" تحكم الفعل الاجتماعي (وهو مثال على عدم القدرة على بقاء المربع مربعا، وضرورة تحوله الى مثلث كما أرضع المخطط الشكلي الذي شرحناه سابقا) حيث انها، أي الضرورة، تثكل دافعا نحو اتيان فعل اجتماعي مغاير لما مهده المجتمع، فالجانب الاقتصادي المتمثل في اللجوء الى المترجمين وهو أمر مكلف ماليا يحكم الفعل الاجتماعي. ان هذه الواقعية في الطرح تعكس تغيرا مهما في النسق الاجتماعي العماني في تلك الفترة ومحاولة من عموم المجتمع في زنجبار للتأقلم مع هذا التغير مماشاة لعوامل حياتية.

أضف الى هذا أن خطاب التكيف يطرح أغراضا أخرى لتبرير الفعل المغاير والمتغير. ففي قضية لبس الكوت نجد أن أحد أسباب تبرير لبس هذا اللبابس الغربي هو "خفته على الجسد" (ص 28)، ونجد في قضية حلق اللحية أن المعترض يرى أن أسبابا كثيرة تجمعي منه أمرا مقبولا متسائلا استنكاريا:

"أليس لنا أن نتزين لنسائنا ونتصنع ؟ ألسنا مأمورين بالنظافة والطهارة كتقليم الأظافر وحلق الشعور التي في الصدور؟" (ص 54).

هنا نجد أن الفرض الشخصي. الاجتماعي (مقطبات النساء) مضافا اليه الفرض الصحي (نظافة الجسد) يقدمان تبريرين لحلق اللحية الذي هو فعل خارج عما تقبله السلطة الدينية، هذا التبرير غير الديني هو ما جعل الامام السالمي يورد ردا حاسة على المعترض فيقول :

"فأجبته بما نصه :

ما كنت أحصب أن يمتد بي زمني

حتى أرى دولة الأوغاد والسفلة

ما رأيت عجبا كاليوم، سبحانك هذا بهتان عظيم" (ص 54).

نخلص أن المعترض في مثل هذه الحالات لا يتحدث حول التشكيك في المصادر الدينية أو اعادة تخميرها، بل انه يتجاوز ذلك كله الى تبرير الفعل الانساني بأغراض حياتية بسيطة كمتطلبات راحة الجسد والتقرب الى النساء ونظافة الجسد، وهنا فإنه يمارس فعلا اجتماعيا مهما في سياق التغير الاجتماعي وصراع الخطابات والتوى الاجتماعية يتمثل في فك الارتباط الذي فرضه الخطاب الديني والمؤسسة المنتجة له بين الفعل البشري من جانب والتفسير الذي يقدمه الخطاب الديني للنصوص المقدسة ونسق

طروحاته من جانب اخر، مما يعكس، فيما نرى، تغيرا كبيرا في البنية الاجتماعية وتفاعلها.
2- التشكيك في حقيقة الشرعية للسلطة الدينية

اضافة الى الفرضية الواقعية التي طرحها خطاب التكيف فإنه يتقدم خطوة أخرى في محاولته تغيير النسق الاجتماعي تتمثل في التشكيك في حقيقة الشرعية الاجتماعية لممثلي السعلة الدينية. اننا نعتتا أن هذا التشكيك أو دلالات اجتماعية مهمة، ذلك أنه يعني أنه يعزز ممارسة اجتماعية تخفف من سلطة العلماء ومن صحة خطابهم، ليس الصحة التاريخية، كما بينت الالية السابقة، بل حتى الصحة الدينية ذاتها. نقرأ مثلا:

"ان كانت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ليس فيها توسع لهذا الكوت، فالأولى لأهل زنجبار الخروج من زنجبار، ولا فائدة في قوله صلى الله عليه وملم جئت ميسرا لا معسرا (ص 21).

ان المتحدث الذي يستخدم لفة تهكمية يوحي بطريقة مبطنة بجهل عالم الدين، ذلك أولا بقوله باستحالة ضيق الشريعة وعدم استيعابها للمتغيرات، الشكلية، في المجتمع المتمثلة في لبس الكوت، وثانيا بايراده حديثا للرسول عليه السلام يرى فيه سندا للفعل الجديد. انه بهذا يقول ان الدين ليس بالضيق الذي يطرحه علماء الدين وان ثمة نصوصا أهلية كايات النص القرآني والأحاديث النبوية، تخالف رؤية هؤلاء العلماء، وهو ما يستلزم أن العلماء لا يعلمون كل الدين، وبهذا فإنه يثكل محاولة لمعلب هؤلاء العلماء وضعهم الاجتماعي الأمامي في المجتمع، ولسان حاله يقول "إذا كان العلماء لا يعلمون كل الدين فلم طاعتهم ؟".

مثال اخر نجده في حديث المعترض عن التفاعل الاجتماعي بين السلمين، وغيرها في زنجبار حيث يتول :

"وأما التداخل عند المشركين كتداخل الزنجباريين لا يقدرون أن يمتنعوا، لأن أزمة الامور بأيدي المشركين ودواعي الامتحان دائرة في كل حين، وما ذلك الا لامتناع الفضلاء من تولية الحكم مند هذه الدولة، حتى انقاد الأمر إليهم، واحاجوا الناس الى التداخل، زعما منهم (بقية أهل الدين الذين فروا من زنجبار) انه غير جائز، فهذا الان الواقع علينا بسبب التخاذل" (ص 58).

هنأ نجد أن المعترض يشكك في المؤسسة الدينية وخطابها الذي أدى الى الأوضاع السيئة التي تعيشها زنجبار، ويعتبر خطابهم ليس إلا "زعما"، وهو تشكيك أحمى الامام السالمي بخطورته فعاجله رادا:

" لو تدري ما قلت في هذه الكلمات لأكثرت الزفرات وأعلت العبوات، كيف تتول.زعما منهم أنه غير جائز.كأنك المكذب بذلك.. وقد لمت أنت الفضلاء بما أثنى الله به عليهم في كتابه العزيز" (ص 51).

نجد استخدام هذه دلالية أيضا في مسألة حلق اللحية حيث يقول المعترض الزنجباري الثاني :

"هل حلق اللحية وغلفها من كبير الذنوب ؟ أم من مغيرها؟ فإن كان منهما أو من أحدهما فهل من دليل من الكتاب والسنة ؟ أو من السنة وحدها؟ اتونا به، والا فلم تحرموننا المباح لنا من غير ايضاح ؟" (ص 54).

ان اللغة هنا تهكمية تجعل من منتج الخطاب الثباتي في خانة

الجهلاء الذين يفتون دون علم حقيقي بمصادر الدين الأهلية كالنص القرآني والسنة النبوية، ان "وإلا فلم تحرموننا المباح...؟" توحي بأن التضيقة صراع اجتماعي ساحته الفقا، هذا الصراع يقوم أساسا بين الخطاب الديني السائد وخطاب التكيف والتغيير الذي يرى أن الخطاب الديني لا يقوم على أسس دينية حقيقية وانما ينتج أفعالا لا تجد سندها في لب الدين.

ان هذا التشكيك في مكانة علماء الدين يبرز تغيرا جوهريا في بنية المجتمع العماني الذي أدى فيه هؤلاء العلماء دورا أماميا هو دور السعلة السياسية الحقيقية التي تقيم الامام وتعفيه، وتمارس سلطتها أيضا من خلال التحكم في الأفعال الاجتماعية الأخرى من خلال الفتوى والاستشارة، قد يرى البعض هنا أن المعترض جاهل بالشريعة وبالنصوص الامامية وانه يفسر هذه النصوص تفسيرا خاطئا، لكننا نقول هنا ان امكانية جهل المعترض أو علمه التام ليمت محور حديثنا هنا، فالدلالة التي ستنتجها هنا هي دلالة اجتماعية مفادها ان تحولا قد حدث في بنية المجتمع العماني أدى الى مثل هذا الخطاب الذي يستخدم هذه اللغة التشكيكية تجاه علماء الدين.

4- اثار ة تساؤلات حول تخمير الخطاب الديني للمصادر الأمامية واعادة قراءة الكتب الأمامية وتفسيرها

من الآليات الأخرى التي اعتمد عليها خطاب التكيف دلية التعامل الجديد مع النصوص المقدمة، ويتجلى ذلك مثلا في التساؤل حول غرضية بعض ايات النص التواني فيقول المعترض في حديثه عن المدارس التي يدرس فيها الأجانب :

"وأي فائدة في قوله تعالى (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) وقوله : (ولكن ذكرى لعلهم يهتدون )، ام هذا خاص به صلى الله عليه وسلم دون غيره "(ص1 ).

فالمعترض هنا يحاول التعامل بنغمى الأدوات الخطابية الرئيسية عند الخطاب السائد، وهي النصوص المقدسة، ويطرحها فانه يعني انه واع بها وان فعله الذي تعتبره المؤممة الدينية غير مقبول يمكن تبريره من خلال النصوص المقدسة ذاتها. وخطابيا فإن هذا يعني استخدام نغمر اليات الخصم في مواجهته، اضف الى ذلك انه يطرح مفهوما جديدا لصحة النصوص المقدسة يتمثل في "الفائدة" التي تأتي بها هذه النصوص على المستوى الواقعي.

نجد أيضا تبرير الفعل المغاير الجديد في حديث المعترض عن "ولقد صرح الأثر عنه صلى الله عليه وسلم. أهديت له كرزية من الروم، ضيقة الاكمام، كان اذا أراد الوضوء يخرج الوضوء من أذيالها"(ص 28).

وهنا فان المعترض لا يرى بأسا في لبس الكوت فلديه دليل من السنة النبوية ان النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس لبسا غير مألوف من لبس الروم، وهي محاولة لتبرير الفعل بتقبل مثيله في النصوص المقدسة التي هي لب الخطاب الديني.

وفي الحديث عن تعلم اللغة الأجنبية نجد أن المعترض يقول :

"أو ليس لرسول الله عملي الله عليه وسلم مترجم يهودي بالعبرية ؟ ثم اختار أشخاصا من رجاله ليتعلموا تلك اللغة، فلما ضبطوها اكتفى بهم، أما في هذا الأمر ما يدل على الجواز؟ ان لم نقل بوجوب تعليم هذه اللغة فحينئذ على ماذا النزاع والتشديد في غير مقام " (ص 46).

وهنا فان المعترض لا يشكك فقط في رؤية الخطاب الديني في هذه القضية، تك الرؤية التي، كما يقول تنازع وتشدد "في غير مقام"، بل انه يتجاوز ذلك لطرح رؤية تستخدم مفردات لغة الخطاب الديني، فيرى أن تعلم اللغة اما أن يكون حكما "الجواز" أو حتى "الوجوب" وهنا فإن اختيار الألفاظ أدت دلالة فهو استغلال مضاد لمفردات الجانب الفقهي في الخطاب الديني نفسه من ناحية، ومن ناحية أخرى يعتبر محاولة لتبرير تعلم اللغة الأجنبية من خلال تتبع حالات مشابهة سجلتها السيرة النبوية قام فيها أصحاب النبي ملي الله عليه وسلم بتعلم اللغة العبرية لفرض حياتي في تلك الفترة، بل انه يعيد تخمير حادثة السيرة ويجعل حكمها أقرب الى الوجوب، وليس المنع كما هو طرح الخطاب الديني.

اجمالا فإن هذه دلالية تعتمد على تعامل خطاب التكيف مع الأمر الذي يشكك الخطاب الديني في شرعيته من خلال الرجوع الى نغمى المصادر الأمامية للخطاب الديني المهيمن وإعادة تغيرها بما يناصب الوضع الجديد المتبول في سياق التغير الاجتماعي كتعلم اللغة ولبس الكوت وغيره. ان العودة الى النصوص الأهلية هنا لا يمكن اعتبارها تقربا من الخطاب الديني ومؤسسته بل انه تجاوز لرؤية ذلك الخطاب التي تعتمد على تضخيم أحداث معينة والمبالغة في دلالاتها الاجتماعية (كالتحريم والمنع ) والتغطية على حالات أخرى توجد في النصوص المقدسة قد لا تتماشى مع هذه الرؤية، بمعنى أن خطاب التكيف قد اكتشف أن الخطاب الديني يستثمر بعض النصوص الأمامية في تعزيز سلطته الاجتماعية، وهو ما يرد عليه خطاب التكيف بمنفعية موازية تقوم على تفسير النصوص المقدسة المنتقدة على نحو يعاشي الأفعال الاجتماعية الجديدة.
خلاصة

قبل أن أثير الى استنتاجات هذه الدراسة أود أولا أن أثير الى محدودية هذه الدراسة، في عادتها وفي منهجها التحليلي وفي النتائج التي ترملت اليها، ان هذه الدراسة اعتمدت على كتاب واحد فقط هو كتاب "بذل المجهود" مما يعني أن ما ترصلت اليه من نتاج حول المجتمع العماني في تلك الفترة وتفاعله الخطابي مرتبط حصرا بهذه المادة، بمعنى أن الدوامة الأمثل في تصوري، تقطب تحليل مجموعة كبرى من النصوص Corpus)  ) من تلك الفترة وليس كتابا واحدا فقط، أضف الى ذلك أن المنهى الذي اتبعناه في التحليل، أعني ربط الاطروحات بالنشق التصوري والا ليات الخطابية ينبغي أن يسند بتحليل أدق لكيفية استخدام كلا الخطابين للمظاهر والبنى اللغوية كالتراكيب النحوية والضمائر وترابط الجمل والفقرات وغيرها. ان طبيعة المادة وخطوات المنهى التحليلي المتبع يحدان إذن من عمومية النتائج التي توصلت اليها الدوامة. الا أن هدفنا الأساسي لم يكن الدوامة الشاملة لتك الفترة من التاريخ المعرفي العماني وانما سينا فقط الى محاولة ايضاح ارتباط اللفة والخطاب بالبنية الاجتماعية التي وجدت في ذلك الفترة وتفاعلها الداخلي، وهو ما أرى أن هذه الدراسة، رغم المحدودية الموجودة، قد أنجزته.

حث حاولت هذه الدوامة التحليلية البسيطة ايضاح بعض مظاهر التفاعل بين اللغة والسياق الاجتماعي التي توجد فيه، وجادلت من خلال أمثلة من كتاب "بذل المجهود" في مخالفة النصارى واليهود" للامام نورالدين السالمي بأن اللغة تعكر الواقع الاجتماعي الذي يتم استخدامها فيه، وتشارك فيه شاركة فعالة من خلال تعزيز ممارسات خطابية معينة. ان اللفة هنا تغدو فعلا اجتماعيا، ودراستها ينبغي أن تتجاوز دوامة بنيتها البسيطة كالنحو والصرف والعروض، فهذه الجوانب رغم ثرائها الداخلي فإنها تعجز من الكشف عن الجوانب الاجتماعية في اللغة. ان الانسان كائن اجتماعي ولذا فإن على الدراسات اللسانية أن تجعل من "اجتمامية" الانسان محورا أساسيا من محاورها البحثية، لقد أبرزت در امتنا مثلا أن اللغة لميت كائنا محايدا، وانما هي أداة تستخدم في ميادين الصراع الاجتماعي والايديولوجي وغيره".

لقد أوضحت در امتنا أيضا أن الخطاب الديني الذي تجلى في كتاب "بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود" للامام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي كان خطابا يتسم بتناسقه وانسجامه الداخلي، فالنسق التصوري كان ينجم مع الأطروحات التي قدمها ذلك الخطاب، متماشيا كذلك مع لفته. أما خطاب التكيف. فبالرغم من الياته الواقعية والفرضية التي تجلت بوضوح فيه، فإنه لم يكن خطابا منسجما داخليا، نجد بعض مظاهر الاضطراب الداخلي مثلا في اعتماده لبعض الآليات الاستراتيجية في الخطاب الديني كمركزية النصوص الدينية وأهميتها كمنطط لتنظيم الكون والمجتمع في جانب، وتجاوز تأثير هذه النصوص والتعامل مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال مفاهيم جديدة كمفهوم الضرورة التي تدعو الى التكيف من جانب اخر. ولا يمكننا أن تندم هنا تغيرا قاطعا لهذا الاضطراب في البنية الداخلية لخطاب التكيف وموف نقتصر على فرضية أعثرنا اليها في دراستنا وهي أن المجتمع كان يمر بمرحلة تغير كبري، وان خطاب التكيف أما نجده فيما يطرحا المحتجان الزنجباريان في كتاب "بذل المجهود" كان مرحلة أولى في التنظير الاجتماعي لهذا التغير، وكما هو معهود فإنه في بداية التغيرات الاجتماعية الكبرى تتداخل التصورات في الخطابات المختلفة، الى أن يتم التحول الكامل في بنية المجتمع والممارسة الاجتماعية الموجودة، بحيث تظهر خطابات جديدة كليا، أو بحيث أن الخطابات المبكرة، مثل خطاب التكيف، تتطور هي الأخرى وتطور من مفاهيمها وتصوراتها على نحو يخلق انسجاما داخليا في أطروحاتها وبنيتها التصورية. ان هذه ليست الا فرضية ينبغي، فيما نرى، تقصيها بحثيا من خلال وثائق جديدة حول تلك الفترة وبمناهج بحثية كاشفة لموضوع البحث.

على سترى أعم فإن هذه الدراسة قد أوضحت أن عمان شهدت في مطلع القرن الشرين تجليات لحالة تغير اجتماعي تمثل في مظاهر جديدة لم يألقها المجتمع العماني مثل تعلم اللفة الأجنبية ولبس الملابس الغربية كالمعطف أدت الى صدام بين خطابين : الخطاب الديني الذي كان يسعى الى كبح حركة هذا التغير والعودة بالوضع الاجتماعي الى الوضع المألوف، وخطاب يدعو الى التكيف مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها التغيير، مستخدما اليات خطابية جديدة كالتركيز على غرضية الفعل وواقعيته الاقتصادية والاجتماعية.

نتوقف في خاتمة هذه الدراسة لنقول أن البناء المعرفي العماني غاية في الثراء، وانه على الرغم من الدراسات المعمقة المتفرقة الا أنه لم يدرس على نحو منظم وشامل، فدراستنا البسيطة هذه لكتاب "بذل المجهود" للامام نور الدين السالمي قد أوضحت فيما نرى جوانب مهمة من حياة المجتمع العماني وتفاعله في مطلع القرن وهو ما يجعلنا ندعو الى توجه بحثي يتفحص التراث العماني بمناهج جديدة تتجاوز الوصف البسيط له الى جوانب تحليلية أعمق تتناول مثلا دوره الاجتماعي وما يعكسا عن حياة المجتمع في عمان في فترات التاريخ المختلفة.

قائمة المصادر والمراجع

العربية

2- أبوزيد، نعمر حامد (1995) : النص، السلطة، الحقيقة، المركز الثقافي العربي : الدار البيضاء.

3- أركون، محمد (1991، الترجمة العربية ) : (نزعة الأنسة في الفكر العربي : جيل سكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي : بيروت. لندن.

4- السالمي، نورالدين عبدالله بن حميد (1995، الطبعة الأولى) : بذل المجهود" في مخالفة النصارى واليهود، مكتبة الامام نورالدين السالمي: عمان.

5- العالمي، نور الدين عبدالله بن حميد (1995، الطبعة الأولى) : روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن، تحتيق عبدالرحمن بن سليمان،

مكتبة السالمي : بدية عمان.

6. ليكوف، جورج، وجونسن، مارك (996ا،الترجمة العربية ) الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبدالمجيد جحفة دار توبقال للنشر : الدار البيضاء.
غير العربية

1- - Fairclough, N. (1989) Language and Power,Longman, London. 2- - Fairclough N, (1992): Discourse and Social Change, Polity Press: Cambridge.

3- - Fairclough, N. (1995): Critical Discourse Awareness, Longman: London.

4- - Fairclough, N. and R. Wodak (1997): Critical Discourse Analysis, in T. A. van Dijk  (editor) Discourse, as Social Interaction (Discourse Studies: A Multidisciplinary Introduction, Volume,2), Sage Publications : London /Thousand  Oaks/New Delhi. 

5- - Foucault, M. (1972): Archaeology of Knowledge , Tailstock Publications.

6-  Fowler, R. (1996) Linguistic Criticism, Oxford University Press: Oxford/New York.

7- Fowler, R. Hodge, B. Kress, G. Trew, (1979): Language and Control, Routledge &  "Kegan Paul: London /Boston/Henley.

8-  - Johnson, M. (1987): The Body in the Mind: the Bodily Basis of Meaning, Reason  and Imagination, University of Chicago Press: Chicago,

9- - Lakoff, G. (1987 : Women, Fire and Dangerous Things: What Categories Reveal  about the Mind, Univerisy of Chicago Press: Chicago.

10- Lakoff, G. and Johnson, M. (1980): Metaphors We Live by, University of Chicago   Press: Chicago.

11- Metaphor in Relation to Peace, in C.  صBalanceش. - Schaffner, C. (1995) : The   Schaffner and  A, L. Wenden, Language and Peace, Dartmouth: Adershot/  Brookfield/Singapore / Sydney.

الهوامش:

1 - ابعادا للبس محتمل تنبغي الاشارة الى أن نورالدين عبدالله بن حميد السالمي لم يكن اماما بالمفهوم السياسي لمسطح "الامام " أي القائد السياسي كما تعنيه النظرية اسياسية في المذهب الأباضي وغيره، وكما تحقق تاريخيا في الحياة العمانية، انما يضاف اليه لقب "الامام"، كما في هذه الدراسة، تقديرا واحتراما لدوره العلمي ومكانته في تجديد فكر المذهب الأباضي.

2 - تشير الخاتمة الى تاريخ تدوين الكتاب "وكان الفراغ من تسويده عشية السبت لست بقين من شهر الله المحرم سنة ألف وثلاثمائة وثمان وعشرين للهجرة"، وهذا يشير الى أن الكتاب قد دون في فترة متأخرة من حياة الامام نورالدين السالمي، حيث توفي رحمه الله في 5 ربيع الأول من عام 1332 للهجرة أي في عام 1914 م (انظر السيرة الموجزة لحياته في كتابه "أروض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن"، تحقيق عبدالرحمن السالمي (1995).

3- نعتمد هنا التفرقة بين الطروحات الكبرى Macropropsitions) )والطروحات الصغري( Mpropositions)، فالطروحات الكبرى تمثل الأفكار المحورية التي يقدمها نص أو مجموعة من النصوص أو خطاب اجتماعي معين أما الطروحات الصغري فهي تفاصيل الطروحات الكبرى، أي الأفكار التفصيلية الموجودة في النصوص أو الخطابات. تقول كرستينا Schaffrier: 1995)  ) "ان البنية الدلالية لنص من سلسلة منظمة من

الطروحات يتم تقديمها على نحو مترابط في بنى معينة في مستوى سطح النص (أو ظاهره ) وحين يستوهب القراء النص فانهم يقومون بتقليص وتنظيم المعلومات من خلال استخدام عمليات ذهنية (أي، القوانين الكبرى للحذف والتعميم والتشكيل سعيا وراء البنى الدلالية الكبرى للنص" (ص 76، ترجمتي : الحراصي.

4 - الاستعارة التصورية أو ما اصطلح عليه في اللغة الانجليزية بـConceptual  metaphor  تشير الى عملية ذهنية يتم فيها تشكيل (أو اعادة تشكيل ) بنية مجال أو تصور مجرد من خلال استخدام ما نعرفه من البنية الشكلية والوظيفية لمجال مادي،واذا كانت الاستعارة عملية ذهنية فان ما يسمى في العادة استعارة ليس الا تعبيرا أو تجليا لفريا للاستعارة الذهنية من الاستعارات التصورية التي نستخدمها في الحياة اليومية ان (المناظرة الفكرية معركة ) والتي من خلالها نستخدم تعابير لغوية مثل "ان حجته ضعيفة". "لن تستطيع ان تدافع عن هذه الفكرة"، و"ان هذه النظرية لا يمكن مهاجمتها". بايجاز ان الاستعارة هنا ليست في اللغة فقط وانما في الذهن والمجال التصوري.

5- الاستعارة الاستراتيجية هي في فهمي تلك الاستعارة التصورية الذهنية التي لها دور أساسي في تشكيل اطروحات طرف من أطراف واقع اجتماعي. سياسي. سأرضح المفهوم في سياق عربي. يوجد من يرى ان "جميع العرب أخوة" وان "الدول العربية دول شقيقة"، إن "الوطن العربي بيت واحد" وهذا يعكس طرحا سياسيا يؤكد الوحدة العربية من خلال الاستعارة الاستراتيجية (العرب عائلة واحدة ) في حين نجد أن هناك من لا يرى هذا الطرح حيث يعتقد البعض ان الدول العربية هي دول مستقلة ورغم المشتركات الثقافية فيما بينها الا أنها لا "ترتبط" ببعضها الاخر سياسيا، وهذا الطرح يحتفل استعارة استراتيجية أخرى وهي استعارة (الاستقلال التام ) لكل دولة وعدم وجود (ارتباط ) لازم بين الدول العربية.

6- النظرية التجريبية أو Experiential Theory  هي نظرية فلسفية لها دلالات في غاية الأهمية فيما يخص بعض جوانب التفكير واللغة، طور هذه النظرية، من بين اخرين، كل من جورج لاكون ومارك جونسن، ونرى أن التجربة الجسدية والمادية هي الاساس الذي يتحكم في تصوراتنا وفهمنا للعالم والطريقة التي نجعل فيها من العالم أمرا منظما ومفهوما. فتوازن الجسر وعدم وقوعه في الأرض يمكننا من التعامل مع الأمور النظرية كالأفكار كأن نقول "مقال فلان يفتقد التوازن المنطقي" وكالامور النفسية كأن نقول "فلان شخص غير متزن". وكالقضايا السياسية حيث نجد مصطلحات مثل "تعزيز التوازن العسكري في المنطقة". ان تجربة التوازن الجسدي وبنيتها الداخلية تسيطر على تعاملنا مع هذه الأمور النظرية التي نفهمها مجازيا من خلال معرفتنا بالتوازن الجسدي.

انظر لاكوف وجونسون Lakoff and Johnson:1980)   ) أو في ترجمته العربية التي صدرت عام 1996.. انظر المراجع، وجونسون (Johnson, 1987)  ) ولاكوف : Lakoff 1987).

7- لن نتمكن هنا من تقديم عرض شامل لتطور البحث في نقد المعرفة واللغة ولكن يمكن لمن يرغب في الاستزادة والاطلاع على كتاب ميشيل فوكو، "اركيولوجيا المعرفة (Foucault: 1972) وكتاب روجر فاولر "النقد اللغوي (Fowler:1996)، وكتب نورمان فيركلاف "اللغة والقوة (أو السلطة (Fairclough:1989) و "الخطاب والتغير الاجتماعي (Faurclough:1992)  و"الوعي النقدي باللغة" (Fairclough: 1995) المراجع غير العربية.

- على الرغم من وجود بعض الدراسات المتفرقة التي تحاول تغطية هذا الجانب عربيا مثل دراسات محمد أركون (1997 مثلا) ونصر حامد أبوزيد (1995 مثلا) الا أننا نرى أنها لم تشكل تيارا واضحا في المنتج البحثي العلمي العربي، وفي المؤسسات الاكاديمية والبحثية كالجامعات ومراكز البحوث.


 
عبدالله الحراصي (باحث وأكاديمي من سلطنة عمان)

اللسانيات النصية دواعي التأسيس والأهمية

اللسانيات النصية دواعي التأسيس والأهمية
عمــران رشيـــد
لقد ظهرت اللسانيات النصية تجاوزا للدراسات اللسانية الجملية بمختلف توجهاتها (البنيوية، التوزيعية، والسلوكية، والوظيفية، التوليدية التحويلية..)، ولا يعني التجاوز هنا القطيعة العلمية بين تلك التوجهات واللسانيات النصية، وإنما تطور العلوم يفترض استفادة اللسانيات النصية من كل معطيات اللسانيات الجملية، وتجاوز قصور هذه الأخيرة من حيث أن الجملة لم تعد كافية لكل مسائل الوصف اللغوي من حيث الدلالة والتداول والسياق الثقافي العام، وكل ذلك له دور حاسم في التواصل اللغوي، وقد أخرجت لسانيات النصية علوم اللسان من «مأزق الدراسات البنيوية التركيبة التي عجزت في الربط بين مختلف أبعاد الظاهرة اللغوية»(1).
 وقد اتخذت اللسانيات النصية هدفا رئيسيا ترمي الوصول إليه؛ وهو الوصف والتحليل والدراسة اللغوية للأبنية النصية، وتحليل المظاهر المتنوعة لأشكال التواصل النصي(2).
 ذلك أن النص ليس بناء لغويا فحسب وإنما يدخل ذلك البناء في سياق تفاعلي بين مخاطِب ومخاطَب، تفاعل لا يتم بجمل متراكم بعضها فوق بعض كيفما اتفق غير متماسكة ولا يربطها رابط، ولا تدرك النصوص بوصفها أفعال تواصل فردية بل بوصفها نتائج متجاوزة الافراد، ومن هذا المنطلق يجب أن يتخذ التحليل اللغوي النص مبتغاه النهائي في الدراسة، وهذا ما دعا إليه (فاينريش 1927م)، و(ب.هارتمان 1968م)(3).
 ويُعَدّ الأمريكي (هاريس 1952م) أول من استخدم التحليل النصي الشامل من خلال دراسته الموسومة بـ(تحليل الخطاب Discours Analysis)، وه وبحث قيم بدأت معه بوادر الاهتمام بالنص، والنص وسياقه الاجتماعي، وقدم في بحثه أول تحليل منهجي لنصوص بعينها(4).
 وقد اهتم هاريس بتوزيع العناصر اللغوية في النصوص المطولة، والروابط بين النص وسياقه الاجتماعي(5).
 ولا يعتبر هاريس أول لساني حديث يعتبر الخطاب موضوعا شرعيا للدرس اللساني فحسب؛ بل إنه تجاوز ذلك إلى تحقيق قضاياه التي ضمنها برامجه بتقديم أول تحليل منهجي لنصوص بعينها، وقد رأى هاريس ضرورة تجاوز (نحو الجملة)، ذلك أن الدراسات اللسانية وقعت في مشكلتين لابد من تجاوزهما وهما:
* «الأولى: قصر الدراسة على الجمل، والعلاقات فيما بين أجزاء الجملة الواحدة.
* الثانية: الفصل بين اللغة Languge والموقف الاجتماعي Social Situation مما يحول دون الفهم الصحيح، فجملة مثل (كيف حالك) قد تعطي في سياقها معنى التحية، أكثر منها السؤال عن الصحة، ومن ثَمّ اعتمد في منهجه في تحليل الخطاب على ركيزتين:
* العلاقات التوزيعية بين الجمل
* الربط بين اللغة والموقف الاجتماعي
بعد ذلك بدأ بعض اللسانيين ينتبهون إلى المشكلتين اللتين أشار إليهما هاريس، وإلى أهمية تجاوز الدراسة اللغوية مستوى الجملة إلى مستوى النص، والربط بين اللغة والموقف الاجتماعي مُشَكِّلين بذلك اتجاها لسانيا، أخذت ملامحه ومناهجه وإجراءاته في التبلور منذ منتصف الستينات تقريبا»(6).
لقد اهتمت اللسانيات النصية بالدلالة والسياق اللذين كانا غائبين في لسانيات الجملة الذي كان يصف الأبنية اللغوية ولكنه «لم يُعن بالجوانب الدلالية عناية كافية، مما جعل علماء النص يرون أن البحث الشكلي للأبنية اللغوية ما يزال مقتصرا على وصف الجملة، بينما يتضح من يوم إلى آخر أن جوانب كثيرة لهذه الأبنية لا يمكن أن توصف إلا في إطار أوسع لنحو النص أ ونحو الخطاب»(7).
 وقد توسعت اللسانيات النصية في اعتبار السياق في عملية التواصل، ذلك أن التواصل اللغوي تسهم فيه عناصر تتعلق بالمخاطِب والمخاطَب والنص والظروف المحيطة بهم جميعا، إن لسانيات الجملة ليست كافية لكل مسائل الوصف اللغوي، فقد تتماسك جمل النص بروابط غير نحوية على الإطلاق.
 وبعبارة أخرى يمكن أن نقول أن هناك بعض العلاقات اللغوية بين الجمل التي تُكوِّن النص، قد تكون روابط تماسكية نحوية، وهنا يمكن الاستفادة من لسانيات الجملة أ والنحو، وقد تكون روابط تماسكية غير نحوية شكلية أي دلالية وهنا يجب البحث عن العلاقات بين الجمل في إطار معطيات اللسانيات النصية، كما يمكن استثمار النص ووتوظفيه نصيا لكشف آليات التماسك داخل النص، ومن بين الظاهرة النحوية التي يجب النظر إليها من خلال معطيات اللسانيات النصية ما يأتي:
* الضمائر ووظائفها النصية
* أسماء الإشارة
* التعريف والتنكير
* التذكير والتأنيث
* التكرار (التماسك المعجمي)
* الاستدراك
* التوابع (الصفة، البدل،الحال)
* الحذف
* الصلة
* التقديم والتأخير
* الاستثناء
* الزمن
* العلاقات الموضوعية
* العام والخاص
* الكل والجزء
* الكبير والصغير
 ويُبين أحد الباحثين أن إقصاء المعنى في اللسانيات التقليدية كان وراء عجزه عن تحليل كثير من الظواهر اللغوية، ذلك أن «الفهم الحق للظاهرة اللسانية يوجب دراسة اللغة دراسة نصية وليس اجتزاء والبحث عن نماذجها وتهميش دراسة المعنى، كما ظهر في اللسانيات البلومفيدية أول أمرها، ومن ثمّ كان التمرد على نحو الجملة والاتجاه إلى نحو النص أمرا متوقعا، واتجاها أكثر اتساقا مع الطبيعة العلمية للدرس اللساني الحديث، إن دراسة النصوص هي دراسة للمادة الطبيعية التي توصلنا إلى فهم أمثل لظاهرة اللغة؛ لأن الناس لا تنطق حين تنطق، ولا تكتب حين تكتب جملا أو تتابعا من الجمل ولكنها تُعبِّر في الموقف اللغوي الحي من خلال حوار معقد متعدد الأطراف مع الآخرين، ويكثر في هذه الحال تصادم الاستراتيجيات والمصالح وتعقد المقامات، ومثل ذلك نراه في حديث الكتابة حين تتعقد العلاقات بين مكونات الصياغة اللغوية وترتد أعجازها عن صدورها، وتتشابك العلاقات في نسيج معقد بين الشكل والمضمون على نحو يصبح فيه رد الأمر كله إلى الجمل أو نماذج الجمل تجاهلا للظاهرة المدروسة، رَدّا له إلى بساطة مصطنعة تخل بجوهرها، وتقضي إلى عزل السياقات المقالية والمقامية والأطر الثقافية، واعتبارها أمرا قائما خارج النحو وطارئا عليه»(8).
يرى الدكتور محمد الشاوش، وهو أحد المختصين العرب في اللسانيات النصية وبالضبط في تأصيل اللسانيات النصية في النحو العربي أنه «لم يتجاوز نحو الجملة سوى في نهاية الستينات الميلادية في حين أن سنة (1984م) تمثل ذروة الاهتمام بنحو النص وتحليل الخطاب حيث بلغت الأعمال المنشورة فيها (298) عملا»(9).
يمكن القول إنه كانت هناك إشارات في الدراسات الغربية، وفي التراث العربي والإسلامي إلى أهمية التحليل النصي المتجاوز للجملة، نجد في تلك الإشارات التوجه إلى ضرورة التحليل النصي الذي يتجاوز الجملة إلى فضاء أرحب هو الفضاء النصي.
 وتعتبر البداية الحقيقية لدراسة النصية كعلم مستقل كانت على يد فندايك Van Dijk الذي يقول: «لقد توقفت القواعد واللسانيات التقليدية غالبا عند حدود وصف الجملة وأما في علم النص، فإننا نقوم بخطوة إلى الأمام، ونستعمل وصف الجمل بوصفه أداة لوصف النصوص، وما دمنا نستتبع هنا المكونات المعتادة للقواعد، وسنستعمل النصوص المستخدمة بغية وصف الجمل، فإننا نستطيع أن نتكلم عن قواعد النص»(10).
 فقد كان فندايك يسعى لإقامة لسانيات نصية تدرس البنية النصية، ومظاهر التماسك في النص، ويأخذ في الاعتبار كل الأبعاد البنيوية والسياقية والثقافية(11).
لقد كانت الحاجة إلى اللسانيات النصية ضرورة ملحة لتجاوز بعض الصعوبات التي واجهت اللسانيات الجملية، وذلك لتغير الكثير من المفاهيم النقدية الحديثة، وتغير النظرة إلى اللسانية إلى مفهوم اللغة ووظيفتها، ونجمل أهمية اللسانيات النصية فيما يلي(12):
أولا: إن اللسانيات النصية تركز على النص كبنية كلية، لا على الجمل كبنية فرعية، وعلى هذا اجتذبت النصوص اللسانيات النصوصية بناء على أن نحو النص يشمل النص، وسياقه، وظروفه، وفضاءاته، ومعانيه المتعالقة القبلية والبعدية، مراعيا ظروف المتلقي وثقافته وأشياء كثيرة تحيط بالنص، أما ما كان يحدث في المناهج اللسانية التراثية، فهو تناول للنص بالشرح؛ فلم يكن ينظر في مجمل النص ولتماس فهمه بوصفه ذا وحدة عضوية تجعل بعضه يفسر بعضا، وإنما كان الشرّاح يبنون شروحهم على المفردات، ثم يغوص في الدلالة المفردة لهذا اللفظ، مع ندرة الانتباه إلى العلاقات العضوية بين أجزاء النص، وما كان لهذا المنهج في شرح النصوص أن يؤدي إلى الفهم الكامل لدلالته ومقاصدها.
 ولعلّ هذا الفهم يصدق حتى على عمل أغلب المفسرين وشرحهم للنص القرآني، مع أن بعضهم أدرك ضرورة وجود هذه العلاقات التماسكية، وأن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن السنة تفصّل ما في القرآن من إجمال.
ثانيا: كثير من الظواهر التركيبية لم تفسر في إطار الجملة تفسيرا مقنعا، وربما تغير الحال إذا اتجه الوصف إلى الحكم على هذه الظواهر في إطار وحدة أكبر من الجملة، ويمكن أن تكون هذه الوحدة هي النص.
 ومن ذلك فإن اللسانيات النصية قد ضمت عناصر لم تكن في لسانيات الجملة، عناصر بناء قواعد جديدة منطقية ودلالية وتركيبية لتقديم شكل جديد من أشكال التحليل لبنية النص، وتصور معايير التماسك، ولهذا تضافرت تقريرات اللسانيين من أمثال بايك وهارتمان وجليسون وفندايك...على أن اللسانيات النصية بالنسبة لأي لغة هو أكثر شمولا وتماسكا واقتصادا من القواعد الموجودة في لسانيات الجملة، ومن هنا تغيرت الأهداف فأصبحت اللسانيات النصية تعنى بظواهر نصية مختلفة، منها علاقات التماسك، وأبنية التطابق والتقابل والتراكيب المحورية والتراكيب المجتزأة، وحالات الحذف، والجمل المفسرة، والتحويل إلى الضمير، والتنويعات التركيبية وتوزيعاتها في نصوص فردية وغيرها من الظواهر التركيبية التي تخرج عن إطار الجملة المفردة التي لا يمكن تفسيرها تفسيرا كاملا دقيقا إلا من خلال وحدة النص الكلية.
ثالثا: تغيّر الدرس اللساني في نظرته إلى اللغة، وذلك للإحساس الطاغي بالوظيفة الاجتماعية للغة، وإلى ضرورة وجود الدور التواصلي الذي يعده علماء اللسانيات جوهر العمليات الاجتماعية، ومن هنا أدرك اللسانيون أن اجتزاء الجمل يحيل اللغة الحية فتاتا وتفاريق من الجمل، وهو ما نجده في شواهد النحو والبلاغة المنزعة من سياقها وهو ما يتنافى مع مبادئ اللسانيات النصية. إن تلك الوظيفة الاجتماعية، وهذا الدور التواصلي للغة يفسحان الطريق للنحو أن يتسع مفهومه، ليصبح مكونا من مكونات نظرية شاملة، تفسر السلوك الإنساني، وهذا لا يتم إلا من خلال نص متماسك بسياق تواصلي وليس من خلال جملة.
 رابعا: إضافة مهام جديدة للسانيات ليست من اختصاص لسانيات الجملة، ومن تلك المهام صياغة قواعد تمكننا من حصر كل النصوص النحوية في لغة ما بوضوح، ومن تزويدنا بوصف للأبنية، فاللسانيات النصية إعادة بناء شكلية للكفاءة اللغوية الخاصة بمستخدم اللغة في عدد لا نهائي من النصوص.
خامسا: يمكن للسانيات النص أن تقدم خدمة كبيرة للترجمة، حيث يرى روبرت دي بوجراند أنه يمكن للسانيات النص أن تقدم إسهاما للترجمة، بعكس اللسانيات التقليدية التي تُعنى بالنظم الافتراضية لأن الترجمة من أمور الأداء، وليس امتلاك المعجم والنحو فقط كافيا للقيام بالترجمة بسبب الحاجة إلى التماسك في استعمالات اللغة، وذلك من المهام الأساسية للسانيات النص، لذا يمكن أن يفيد كثيرا في هذا المجال في النقل من اللغات الأجنبية إلى العربية أو العكس.
سادسا: نستطيع من خلال اللسانيات النصية أن نعيد النظر في بعض المفاهيم اللغوية التقليدية السائدة وذلك إما لتعميقها أو لتعديلها، ومثال ذلك ما يشير إليه النقاد من افتقار الشعر الجاهلي إلى الوحدة العضوية، وذلك لتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، ولكن يمكن من خلال اللسانيات النصية إعادة دراسة القصيدة في العصر الجاهلي من خلال وسائل التماسك، وذلك لإيجاد التماسك المفهومي الملحوظ أو حتى بعض وسائل التماسك الرصفي الذي ينتج عنه القول بوجود وحدة عضوية كاملة، وقد قدم الدكتور سعد مصلوح نموذجا لتلك الدراسة حول قصيدة المرقش الأصغر (بنت عجلان)، وقد استطاع أن يلمس مدى إحكام النسيج في التشكيل اللغوي للنص، وصلة ما بين النص وعالم النص، واستطاع أن يكشف بواسطة آليات التماسك النحوي والدلالي عن ثراء النص.
 هــوامش البحث:
1- خولة طالب الإبراهيمي، مبادئ في اللسانيات، دار القصبة للنشر، 2000م، ص167
2- أحمد عفيفي، نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، مكتبة زهراء الشرق، ط1، 2001م، ص31
3- فول فجانج هاينه مان وديتر فيهفجر، مدخل إلى علم لغة النص، ترجمة سعيد حسن بحيري، مكتبة زهراء الشرق، ط1، 2004م، ص20-21
4- سعد مصلوح، العربية من نحو الجملة إلى نحو النص، ضمن كتاب الأستاذ عبد السلام هارون معلما ومؤلفا ومحققا، تحرير وديعة طه النجم وعبده بدوي، كلية الآداب، 1410هـ-1990م، الكويت، ص407
5- زتسيسلاف واورزيناك، مدخل إلى علم النص مشكلات بناء النص، ترجمة د. سعيد بحيري، مؤسسة المختار، 2003 م، القاهرة، ص36-37
6- جميل عبد المجيد، البديع بين البلاغة واللسانيات النصية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص17
7- برند شبلنر، علم اللغة والدراسات الأدبية دراسة الأسلوب البلاغة علم اللغة النصي، ص184
8- سعد مصلوح، العربية من نحو الجملة إلى نحو النص، ص413
9- محمد الشاوش، أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية تأسيس نحو النص، سلسلة اللسانيات، المجلد14، جامعة منّوبة، تونس، والمؤسسة العربية للتوزيع، ط1، 1421هـ-2001م، بيروت، 1/77-76
10- فندايك، النص بنى ووظائف مدخل أولي إلى علم النص، ترجمة منذر عياشي، ضمن كتاب العلاماتية وعلم النص، المركز الثقافي العربي، ط1، 2004م، بيروت، 1/147
11- سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي النص-السياق، المركز الثقافي العربي، 1989م، بيروت والدار البيضاء، ص15
12- أحمد عفيفي، نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، ص37-42 . 

عمــران رشيـــد
أكاديمي من الجزائر 

رابط الصفحة : http://www.nizwa.com/articles.php?id=3429

تَجَاوزُ عَتَبةِ الجُمّلةِ في لسانيات النص

تَجَاوزُ عَتَبةِ الجُمّلةِ في لسانيات النص

جمعان عبدالكريم
الأربعاء 22/02/2012

لن يُقدَّم من خلال هذا العنوان مدخل لعلم لغة النص، فالكتب في هذا المجال متعددة، ولكن طبيعة هذا المقال تقتضي الوقوف قليلًا عند البدايات الأولى لظهور علم لغة النص في الغرب؛ إذ يعدُّ علم لغة النص من أحدث فروع علوم اللغة الحديثة، وقد نشأ هذا العلم كنهاية طبيعية لوجوب البحث عن أفق نظري يتجاوز الجملة، بعد أن كانت جُلُّ الدراسات اللغوية لا تكاد تتعداها ويذكرMalcom Coulthard تحت عنوان (المحاولات المبكرة لتحليل الخطاب) إنه: «في الفترة الممتدة إلى أواخر الستينيات كانت هناك محاولتان منفردتان لدراسة تراكيب ما فوق الجملة. إحداهما قام بها هاريس (1952)، والأخرى قام بها ميتشل Mitchell (1957)، وعلى الرغم من عنوان مقالة هاريس الواعد (تحليل الخطاب)، فإنها كانت مخيبة للآمال؛ لأن العمل وفقًا لتقاليد البولومفيدية أنتج طرقًا شكلية لتحليل الحديث أو الكتابة..».
في حين أن بعضًا من الباحثين يشير إلى أن الأمريكية (I.Nye) قد تكون أول من أنجزت عملًا يمثل إرهاصًا حقيقًا لعلم اللغة النصي في أطروحتها للدكتوراه عام (1912م)، ومن أبرز الداعين إلى إقامة نحو النص والذي بدأ معه الجهد النظري لإنشاء اللسانيات النصية الهولندي فان ديك «Van Dijk» الذي سعى إلى «إقامة تصور متكامل حول» نحو النص «منذ (1972م) حيث ظهر كتابه «بعض مظاهر أنحاء النص» «Some Aspects of Text Grammar»، وظل كذلك حتى (1977م) مع كتابه «النص والسياق» «Text and Context»، وحتى كتاباته الأخيرة. حيث بدأ ينطلق من تحليل «سيكو لساني» للخطاب توقفت القواعد واللسانيات التقليدية غالبًا عند حدود وصف الجمل بمصطلحات المكونات والنص رابطًا بين الدلالة والتداولية».
ولكن لسانيات النص تجاوزت الإطار اللغوي للتداخل مع علوم أخرى؛ ليصبح علم لغة النص علمًا بين معرفي، فعلى سبيل المثال يمكن للمرء أن يجد اهتمامًا بنحو النص عند تودوروف على الرغم من المنطلقات الأدبية التي يشتغل بها. وقد رسّخ تون أ فانديك مفهوم بينية علم النص، أو علم اللغة النصي في كتابه «علم النص مدخل متداخل الاختصاصات».
ومع استمرار البحث لوضع قواعد محددة لما فوق الجملة اتضح لفريق من العلماء كان من بينهم تون أفانديك اجتمعوا لهذا الغرض في إحدى الجامعات الألمانية أن «الفرق بين علم قواعد الجملة، وعلم قواعد النص أكبر شأنًا مما كان يعتقد قبلًا».
ومن الطبيعي أن تتعدد مناحي النظر للنص، وتتعد اتجاهات الدارسين لمقاربته، ولأجل ذلك فمن اللازم الوقوف عند أبرز الاتجاهات في علم اللغة النص في العصر الحديث، واعتماد البحث هنا هو على تقسيم تلك الاتجاهات وفقًا لما تعتمده تلك البحوث في مقاربة النص من أدوات البحث اللغوي ومناهجه المختلفة.
وينبغي التنبه في البداية أنه كثيرًا ما يُوجَدُ في الاتجاه الواحد في علم اللغة النصي تأثيرات لمدارس ونظريات مختلفة، فتجتمع أحيانًا التأثيرات الدلالية، والتداولية،مع بعض مقولات النحو التحويلي عند (تشومسكي) التي اسُتثمرت على المستوى النصي.. ولذلك فسوف يتم تصنيف بعض النظريات النصية على أساسٍ من التأثير السائد فيها كما سيتم الاكتفاء بالإشارة إلى بعض من أهم النظريات في كل اتجاه.
* الاتجاه اللغوي النحوي
لعل أول عمل يمكن إدراجه في هذا الاتجاه على الرغم من كونه يمثل البدايات الأولى هو عمل اللغوي زليج هاريس الذي أرسى دعائم المنهج التوزيعي، ثم حاول تطبيقه بعد ذلك على الخطاب، وتعد فكرتا التوزيع / التصنيف (distribution) والاستبدال / المعاقبة (substitution)، هما أساس تحليل الجملة لديه.. ويبدأ التحليل [لديه] بالتجزئة، حيث تقسم الجمل التي يمكن ورودها في لغة ما على المستوى النحوي إلى مجموعة من الوحدات المتميزة وفقًا للسياق الذي ترد فيه كل منها، يطلق عليها وحدات التقسيم الكلامية: (الأسماء، الأفعال، الصفات، الحروف...)، وتتسم كل وحدة منها بالثبات، إذ يلزم ورودها في الجملة حين تتوفر شروط وجودها من جهة السياق. وتتمثل العلاقات الأفقية في تلك العلاقات القائمة بين الوحدات النحوية، والعلاقات الرأسية في تعاقب أبنية / أشكال مختلفة داخل وحدة نحوية بعينها: (قائمة الأفعال، وقائمة الصفات، وقائمة الأسماء).. أما أوّل بحث نصيِّ موسّع، مع تركيزه على إيجاد نظرية خاصة بالنص، فقد كان البحث الذي قدمه هارفج (1968م) حيث يرى أن آلية الاستبدال من خلال سلاسل الإضمار هي التي يتم من خلالها ترابط النص.
ومن الإسهامات المهمة ذات المنطلقات النحوية تجزئة النص، أو التجزئة النحوية للنص عند H.Weinrich، الذي يرى قصور منهج تحليل الجملة، ويطرح بديلًا له منهج تجزئة النص، حيث يركِّزُ فيه على أفعال النص، أو حتى الأسماء الواردة في النص لتنظيم تجزئة النص فيما لو أراد باحث الانطلاق من الأسماء فإذا ما تم الاعتماد على أفعال النص؛ فسيتصل بها في إطار النظرية ظواهر نصية كثيرة تتصل بالفعل، كما أنه يراعي النحو وعلاماته، ويعدُّها ركنًا مهمًا في التحليل كما أنه في تحلليه يستبدل الأفعال في النص بأرقام تشير إلى تتابعها، ويقسم الأفعال في نظريته إلى أفعال بسيطة ومركبة من خلال وجهات نظر متباينة تتركز على المعلومات النحوية، التي تتعالق معها.. ويصوغ تحليله على هيئة جدول فيه رموز خاصة بورود الفعل والموقع الذي يشغله، ورموز أخرى تتعلق بالمعلومة النحوية التي اعتمد تشكيلها من خلال النظام الثنائي..
* الاتجاه الدلالي
تعد نظرية جانوس. س. بيتوفي JanosS.Petofi بنية النص/ بنية العالم (TeSWEST) من أشهر النظريات في هذا المجال، وقد استثمر بيتوفي مفهوم البنية العميقة في إطار الدلالة التوليدية، مع قلب المقولة حيث يكون بناء القاعدة تمثيلا للمعنى، والصيغة النحوية يصبح توليدها ثانويًا؛ ومن خلال ذلك يتكوّن ما يُسمّى بالبنية العميقة للنص، «ويحاول بيتوفي أن يحقق توازنًا معقدًا بين عالم واقعي فعلي يطلق عليه بنية العالم Weltstruktur، وعلم إبداعي تحقق في بنية النص Textstruktur، ويرى في إطار ذلك التّصور أنّه لا يكفي في تحليل هذا العمل الإبداعي (النص) الكشف عن العلاقات الداخلية التي تمتدُّ داخل النص، وتظهر في معاني النص الأساسية ومعاني أبنيته فحسب، بل يجب أن يتسع ذلك التحليل، ليضم تلك المعاني الخارجية للنص، تلك المعاني التي يحيل إليها النص، وهي ما يطلق عليه المعاني الإضافية أو الإشارية أو الإحالية أو التداولية، وغيرها».
ومن هنا فقد تعددت محاولات بيتوفي في وصف النص وتحليله محاولًا الوصول إلى نظرية كلية للنص تعالج كل جوانبه، وقد تعقّد نموذجه النصي ليضم قواعد من المنطق، وأسس فلسفية ومعرفية وتداولية عميقة، وعلاوة على هذا، فقد طرح استنادًا إلى مفاهيمه الأساسية في نماذجه، أو محاولاته السابقة نموذجًا تتم فيه عملية الوصف النحوي الدلالي من خلال عمليتين، هما عملية تأليف النص أو تكوينه، وعملية تحليل النص أو تفكيكه، وتحدث في أثناء عملية التفكيك عدة إمكانات تُقَّدم في خطوات منفردة..
ومن أبرز الإسهامات النصية التي يمكن أن تُسلك في الاتجاه الدلالي على الرغم من تعدد الجوانب النحوية، والتداولية، والإدراكية فيها إسهامات (فاندايك)، وهو في تحليله النصي ينظر إلى العبارات النصية بوصفها (سلسلة من الجمل)، ويسمّيها (التتابع)، وهناك تتابع مقبول، وآخر غير مقبول.. وهو يرى أن المميزات الأكثر وسمًا للنصوص تأخذ مكانًا بشكل رئيس على المستوى الدلالي، والمستوى التداولي، ولكن التتابعات الجملية توصف بشكل رئيس بمصطلحات (العلاقات الدلالية) بين الجمل؛ ولكي يقيم تمييزًا بين العلاقات الواسمة لـ(ظواهر السطح)، والعلاقات الدلالية؛ فإنه تحدث عن العلاقات بين القضايا، وأصبح النظر إلى النص وكأنه مركَّب قاضوي، ومن الأفكار المهمة التي أتى بها (فاندايك) فكرته عن البنية الكبرى، أي التعبير الواسع النطاق عن محتوى النص، وتربط جمل النص البنية الكبرى بالقضايا المعبر عنها بما يسمى الضوابط الكبرى وهي: الحذف..، والاختيار..، والتعميم..، والتركيب أو الإدماج..، وقد اقترح أيضًا ما يُسمّى (البنى العليا) التي لها علاقة بشكل النصوص، وما يمكن أن يميز نصًا عن آخر بخلاف (البنى الكبرى) التي لها علاقة أكبر بمضمون النص، ولم يكتف بذلك، بل أضاف إلى تحليله عوامل أسلوبية وبلاغية، وسياقيه تداولية مع التركيز على نظرية أفعال الكلام، كما اهتم بالسياق الإدراكي وفهم النص..
ومن الأعمال الأخرى في هذا المجال الدلالي إسهامات (إيغور ملتشوك)، الذي يرى أن الانتقال بين المعنى والنص هو العملية الكبرى في النموذج اللغوي.. ويتصور ملتشوك تمثيلًا للمعنى له نحوه الخاص، أي أن له وصليَّة غير ظاهرة في التنظيم القواعدي في سطح النص من خلال شبكة من العلاقات..
* الاتجاه التداولي
تجلّى من خلال ما سبق اعتماد عدد من التحليلات النصية ذات المنطلقات النحوية أو الدلالية على جوانب دلالية، ولكن هناك إسهامات نصية أكثر تركيزًا على الاتجاه التداولي.
«فقد أصبح يشار منذ السبعينات دائمًا إلى ضرورة تناول عوامل توظيف النصوص وشروط ذلك التوظيف أيضًا في الدراسة النصية، حيث لا يمكن على ما يبدو استنباط (المعنى الاتصالى) للنصوص من أبنية النص بمفردها»، ولكن النص يظل هو المنطلق الأساس من خلال ربطه بسياق الموقف الاتصالي في إطار ما يُسمّى بنماذج السياق، كنموذج النص النظري لدي (إيزنبرج 1976م)، الذي يعتمد فيه على قواعد النص مع احتوائه على عوامل السياق، وخصوصًا محاولة فهم الوظيفة الاتصالية للنص، وتحديدها تحديدًا دقيقًا...
ويمكن عدُّ إسهام (ج. ب. بروان) و(ج. يول) في تحليلهما للخطاب في إطار نماذج السياق فهما يعرفان النص أنه: «التسجيل الكلامي لحدث تواصلي»، وهما ينطلقان في تحليلهما للسياق من الوظيفة التعاملية المتمثلة في نقل المعلومات، والوظيفة التفاعلية بين المتخاطبين؛ إذ إن أغلب الاتصال اللغوي يرمي إلى التفاعل وإقامة العلاقات أكثر من نقل المعلومات..، وقد بحثا أهمية الموضوع في الخطاب.. كما بحثا التماسك، والإحالة، وغير ذلك، مع التركيز على أهمية السياق في كل ما سبق.
تلك كانت بعض نماذج السياق العامة، أما إذا كان الانطلاق من بعض العوامل السياقية في النص فإن النماذج التي يمكن أن تصنف في هذا المجال هي النماذج القائمة على نظرية الحدث، والأفعال الكلامية، ونماذج الممارسة، وعلى شهرة نظرية الحدث والأفعال الكلامية لأوستن (Austin)، وسيرل(Serale )، وما حدث فيها من تطوير بعدهما في التداولية المعاصرة، إلا أنها لم تطبق إلا على جمل مفردة، وقد تم اختبارها في بعض جوانب نصية ذات اتجاهات مختلفة.. ومن أبرز تلك النماذج نموذج موتش (Motsch 1986)، الذي جعل فيه مفهوم حدث (الإنجاز النظري) وحدة القاعدة في تكوين النص.. والإنجاز النظري هو الفعل الكلامي الثاني الذي يشير إلى ما ينبغي أن يعمل بالقول، وما ينبغي أن يحدث كما تشير نظرية الحدث والأفعال الكلامية..
* الاتجاه الإدراكي الإجرائي
ظهر هذا الاتجاه بدافع من كثرة الرجوع إلى علم النفس الإدراكي لإيضاح عدد من القضايا اللغوية، إذ أفادت اللسانيات النصية من علم النفس الإدراكي في شرح كيفية إنتاج النصوص، وكيفية فهمها..
ونماذج النص الإجرائية يجب «أن تراعي كمية كبيرة من العمليات النفسانية عند نشأة النص ومعاجلته، وبذلك تثبت بأي الطرق ينظم صانع الحدث بواسطة مجموعة محددة من مضامين الوعي والإجراءات الأنواع المختلفة من الممارسات (خاصة بالطبع اللمارسات اللغوية الاتصالية )».
ويصلح للتمثيل على هذا الاتجاه النموذج الذي قدمه دي بوجراند (De Beaugrande) ودريسلر (Dressler) 1981م، إذ يريان أن المعايير التي ينبغي أن تعتمد في دراسة النص هي أربعة عوامل «: لغوي، ونفسي، واجتماعي، وذهني (معالجة الإنسان للمعطيات)، والمعايير التي لا غنى عنها لتوافر صفة النصية، في تشكلية لغوية ما، هي:
1- التضام: Cohesion وهو يشتمل على الإجراءات المستعملة في توفير الترابط بين عناصر ظاهر النص..
2- التقارن: Coherence وهو يشتمل على الإجراءات المستعملة في إثارة عناصر المعرفة، من مفاهيم وعلاقات، منها علاقات منطقية كالسببية، ومنها معرفة كيفية تنظيم الحوادث، ومنها أيضًا محاولة توفير الاستمرارية في الخبرة البشرية.
3- القصدية: Intentionality أي قصدية المنتج توفير التضام والتقارن في النص وأن يكّون أداة لخطة موجهة لهدف.
4- التقبلية: Acceptability أي تقبلية المستقبل للنص باعتباره متضامًا متقارنًا ذا نفع للمستقبل وذا صلة به.
5- الموقفية: Situationality وهي تشتمل على العوامل التي تجعل النص ذا صلة بموقف حالي، أو بموقف قابل للاسترجاع.
6- الإعلامية: Informativity وهي تشتمل على عامل الجدة (اللا يقين النسبي لوقائع النص بالمقارنة مع الوقائع الأخرى المحتملة الحدوث).
7- التناص: Intertextuality وهي تتضمن العلاقات بين نص ما ونصوص أخرى ذات صلة، تم التعرف إليها في خبرات سابقة..
ويعلِّق دي بوجراند على هذه المعايير، فيقول: «من هذه المعايير السبعة معياران تبدو لهما صلة وثيقة بالنص: (التضام والتقارن)، واثنان نفسيان بصورة واضحة (رعاية الموقف والتناص)، أما المعيار الأخير (الإعلامية)، فهو بحسب التقدير. ولكن يظهر من النظرة الفاحصة أنه لا يمكن لواحد من هذه المعايير أن يُفهَم دون التفكير في العوامل الأربعة جميعًا: اللغة، والعقل، والمجتمع، والإجراء Processing».
وهنالك اتجاهات أخرى في التحليل النصي كالاتجاه السيميائي كما يتمثل عند جان كلود جيرو(Jean Claude Giroud )، ولوي بانييه (Louis Panier)، وكالاتجاه البلاغي؛ إذ تظهر جوانب منه في تحليل تون أفاندايك، ولكنه يتمثل كمنطلق رئيس عند أوليفي روبول (Olivier Reboul)، وعند هنريش بليث، على الرغم من الروافد السيميائية، والدلالية، والتداولية التي يدعم بها نموذجه في تحليل النص..
وأخيرًا، فإنِّه حينما يذهب تون أ فانديك إلى أن علم لغة النص يجب أن يكون علمًا متداخل الاختصاصات فهو لاشك محق في ذلك؛ لأن الجانب الاستعمالي، الذي هو جزء من نصية النص يجعل النص رهينًا في مقاربته بعلوم متنوعة من علوم التاريخ والأدب والإنثربوجيا، والفلسفة والمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم القانون والاقتصاد والسياسية..
وبناء على ذلك فإن مناهج تناول النصوص تتعدد بتعدد تلك التداخلات في النص، وذلك إن كان في جانب منه يمثِّل غنى للنظرية النصية اللسانية، بيد أنه في الجانب الآخر قد يشكِّل نوعًا من التشتت، ونوعًا من التخبط المنهجي ما بين مناهج وصفية، ومناهج بنيوية، وأخرى وظيفية أو غير ذلك من الطرق المنهجية التي حاول البحث أن يردها إلى اتجاهات قد يستوعب الاتجاه الواحد منها أكثر من منهج بحثي، ولكنها جميعًا تقارب النص في إطار لغته، وهذا ما قد ينقذها من التفلت بعيدًا عن النص.
أما أصلح اتجاه لمقاربة النص، فذلك مما يختلف باختلاف نوع النص، واختلاف الحيِّز الاستعمالي له، مضافًا إلى ذلك التفاوت العلمي عند الباحثين، وتفاوت القدرة على التعامل التنظيري والتطبيقي من باحث إلى آخر.
(*) أستاذ اللسانيات المشارك - جامعة الباحة
 http://www.al-madina.com/node/359715