السبت، 18 يناير 2014

مفهوم اللغة ووظائفها



  
مفهوم اللغة ووظائفها
رشدي أحمد طعيمة؛ محمود كامل الناقة

مفهوم اللغة

يختلف تأليف كتب تعليم اللغات باختلاف نظرة مؤلفيها للغة، وتصورهم لوظائفها وعند الحديث عن الأسس اللغوية في تصميم المناهج، أو إعداد المواد التعليمية، أو تأليف الكتب يقف تعريف اللغة في مكانة خاصة. إذ إن هذا التعريف موجه للمشتغلين بالمناهج، والمواد التعليمية، سواء في اختيار المادة المرغوب في تدريسها، أو المهارات المطلوب تنميتها، أو الطريقة التي يقدم بها هذا كله.
وإذا كان هذا يصدق على مداخل تعليم اللغات بشكل عام، فهو أصدق عند الحديث عن تعليم اللغة اتصالياً، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : ما موقع عملية الاتصال من المفاهيم والتعريفات الخاصة باللغة ؟ إلى أي مدى يدرك أصحاب هذه التعريفات الجانب الاتصالي ؟ ثم ما موقع الوظيفة الاتصالية من الوظائف المختلفة للغة ؟
نستعرض أولاً بعض التعريفات الشائعة للغة سواء في الثقافة العربية أو الغربية موضحين موقع عملية الاتصال منها.
1. تعريف ابن جني: >باب القول على اللغة وما هي : أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم<. ويعلق الدكتور محمود فهمي حجازي على هذا قائلاً : >هذا تعريف دقيق، يذكر كثيراً من الجوانب المميزة للغة. أكد ابن جني أولاً الطبيعة الصوتية للغة، كما ذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، وذكر أيضاً أنها تستخدم في مجتمع فلكل قوم لغتهم. ويقول الباحثون المحدثون بتعريفات مختلفة للغة، وتؤكد كل هذه التعريفات الحديثة الطبيعة الصوتية للغة، والوظيفة الاجتماعية للغة، وتنوع البيئة اللغوية من مجتمع إنساني لآخر<(1).

2. تعريف سابير : يقول إدوارد سابير : 1921 E. Sapir 

Language is purely human and non-instinctive method of communicating ideas, emotions and desires by means of voluntarily produced symbols(2).

وفي هذا التعريف نص صريح على الاتصال بوصفه الهدف الذي يتوخاه المرء من استخدام اللغة، فاللغة عند سابير إنسانية خالصة، وليست غريزية، تستهدف توصيل الأفكار والمشاعر والرغبات من خلال نظام من الرموز يختاره المجتمع. 

3. تعريف تراجر : يقول تراجر : G. Trager 1949.

Language is a system of arbitrary vocal symbols by means of which the members of a society interact in terms of their culture(3).

اللغة هنا نظام من الرموز المتعارف عليها، وهي رموز صوتية، يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم.
التفاعل هنا هو الهدف، والتفاعل كما نعلم درجة أعلى من الاتصال. فإذا كان الاتصال مجرد نقل فكرة من طرف إلى آخر، فإن التفاعل يعني المشاركة الوجدانية، يعني درجة أكبر من الاتصال ويتعدى حدوده.

4. تعريف تشومسكي : يقول تشومسكي N. Chomsky 1957م.

Language is a set (finite or infinite) of sentences, each finite in length and constructed out of a finite set of elements(4).

وتشومسكي كما هو معروف صاحب النظرية التوليدية التحويلية في النحو، واللغة في رأيه هنا فئة، أو مجموعة من الجمل المحدودة، أو غير المحدودة، ويمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر.
هذه العناصر المحدودة، يذكر تشومسكي أنها تساعد على الإبداع غير المحدود بواسطتها، فإذا كانت الأنماط اللغوية يمكن حصرها مثل : (فعل + فاعل + مفعول به) فالجمل التي يمكن أن توضع في هذه الأنماط لا يمكن حصرها، إنها لا محدودة.
ولئن كان مصطلح الاتصال قد غاب عن هذا التعريف، إلا أن نظرية تشومسكي الكاملة كانت الأساس الكبير للمدخل الاتصالي. وكما تذكر الأدبيات فإن مصطلح الكفاية الاتصالية صاغه هيمز Hymes ليقابل به مفهوم الكفاية عند تشومسكي.

5. تعريف هول : R. A. Hall  1964.

Language is the institution where by humans communicate and interact with each other by means of habitually used oral-arbitrary symbols(5).

وفي هذا التعريف تأكيد ليس فقط لمفهوم الاتصال، بل للتفاعل أيضاً بين الأفراد. اللغة هنا مؤسسة يقوم الأفراد من خلالها بتحقيق الاتصال، والتفاعل بينهم، ولها مع ذلك طبيعة صوتية، كما أنها نظام متفق عليه.

6. تعريف وبستر : يعرف قاموس وبستر Webster اللغة بأنها :

Language is a systematic means of communicating ideas, or feelings by the use of conventionalized signs, sounds, gestures, or marks having understood meanings.
وفي هذا التعريف نص على عملية الاتصال، ونقل الأفكار والمشاعر عن طريق إشارات وأصوات وملامح وعلامات يفهم معناها.

7. تعريف فينوكيرو : تقول ماري فينوكيرو Finocchiaro 1974.

Language is a system of arbitrary vocal symbols which permits all people in a given culture, or other people who have learned the system of that culture, to communicate or to interact(6).
وفي هذا التعريف تتضح أيضاً للغة وظيفتان هما الاتصال والتفاعل ليس فقط بين متحدثي هذه اللغة فـي إطار ثقافتهم، بل أيضاً بين هؤلاء المتحدثين باللغة، وبين الآخرين ممن يتعلمون هذه اللغة.
الإجماع إذن يكاد يتفق على أن الاتصال، إن لم يكن الاتصال والتفاعل، هو الهدف الرئيسي من استخدام اللغة.

وظائف اللغة

والحديث عن موقع الاتصال في تعريف اللغة يدفعنا إلى الحديث عن وظائف اللغة، وبيان موقع الاتصال أيضاً منها.
اللغة وسيلة الفرد لقضاء حاجاته، وتنفيذ مطالبه في المجتمع، وبها أيضاً يناقش شئونه ويستفسر، ويستوضح، وتنمو ثقافته، وتزداد خبراته نتيجة لتفاعله مع البيئة التي ينضوي تحتها. بواسطة اللغة يؤثر الفرد في الآخرين، ويستثير عواطفهم، كما يؤثر في عقولهم. أما فيما يتعلق بالمجتمع، فاللغة هي المستودع لتراثه، والرباط الذي يربط به أبناءه فيوحد كلمتهم، ويجمع بينهم فكرياً، وهي الجسر الذي تعبر عليه الأجيال من الماضي إلى الحاضر والمستقبل. وأيا ما كانت تعريفات اللغة، فإن الوظيفة الاتصالية تقف في مقدمة الوظائف للغة. فعند فيجوتسكي أن ثمة وظيفة اتصالية اجتماعية للغة حتى في الكلام المتمركز حول الذات، وأن الراشد يفكر في المجتمع والآخرين حتى ولو كان وحيداً. وعند جون ديوي أن اللغة ليست تعبيراً عن المشاعر والأفكار، وإنما هي بالدرجة الأولى وسيلة اتصال بين أفراد جماعة تؤلف بينهم على صعيد واحد(7).
والمواقف التي يحتاج الفرد إلى استعمال اللغة للاتصال فيها مواقف كثيرة، يجعلها هاليداي Halliday في سبع وظائف أساسية هي :

1. الوظيفة النفعية : Instrumental function
ويقصد بها استخدام اللغة للحصول على الأشياء المادية مثل : الطعام، والشراب. ويلخصها هاليداي في عبارة "أنا أريد" I want.

2. الوظيفة التنظيمية : Regulatory function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل إصدار أوامر للآخرين، وتوجيه سلوكهم. ويلخصها هاليداي في عبارة "افعل كما أطلب منك" Do as I tell you.

3. الوظيفة التفاعلية : Interactional function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل تبادل المشاعر، والأفكار بين الفرد والآخرين. ويلخصها هاليداي في عبارة "أنا وأنت" Me and you.

4. الوظيفة الشخصية : Personal function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل أن يعبر الفرد عن مشاعره، وأفكاره. ويلخصها هاليداي في عبارة "إنني قادم" Here I come.

5. الوظيفة الاستكشافية : Heuristic function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل الاستفسار عن أسباب الظواهر، والرغبة في التعلم منها. ويلخصها هاليداي في عبارة "أخبرني عن السبب" Tell me why.

6. الوظيفة التخيلية : Imaginative function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل التعبير عن تخيلات، وتصورات من إبداع الفرد، وإن لم تتطابق مع الواقع. ويلخصها هاليداي في عبارة "دعنا نتظاهر أو ندعي" Let us Pretend.

7. الوظيفة البيانية : Representational function
ويقصد بها استخدام اللغة من أجل تمثل الأفكار والمعلومات، وتوصيلها للآخرين. ويلخصها هاليداي في عبارة "لدي شيء أريد إبلاغك به" I have got something to tell you(8).

8. وظيفة التلاعب باللغة : Play function
ويقصد بها اللعب باللغة، وبناء كلمات منها حتى ولو كانت بلا معنى، ومحاولة استغلال كل إمكانات النظام اللغوي. وتلخصها وليجا ريفرز في عبارة "Billy Pilly".

9. الوظيفة الشعائرية : Ritual function
ويقصد بها استخدام اللغة لتحديد شخصية الجماعة، والتعبير عن السلوكيات فيها. ويلخصها هاليداي في عبارة "كيف حالك"  How do you do ?(9).


الفصل الثاني
المدخل الاتصالي


 نموذج الاتصال

من المفاهيم التي تمثل محور المدخل الاتصالي، مفهوم الاتصال ذاته، ويتوقف الفهم الدقيق للمدخل الاتصالي على تحديد مفهوم الاتصال، وتوضيح المقومات التي يستند إليها، بل ومناقشة عملية الاتصال نفسها. ذلك أن مفهوم الاتصال قدمت له تعريفات كثيرة، تكاد تتباعد في أشياء، إلا أنها تدور في فلك واحد هو تفسير عملية الاتصال. كيف تتم عملية الاتصال ؟
لننظر في نموذج الاتصال التالي الذي وضعه الدكتور حسين الطوبجي، 4 :

 
ماذا نفهم من هذا النموذج ؟ نفهم أن الاتصال بين البشر يتكون من عدة عمليات منها ما هو ذهني ومنها ما هو عضلي. يبدأ الأمر بمجموعة من الأفكار التي يريد فرد أن ينقلها إلى غيره، تتكون الفكرة في ذهنه ويضمها إلى غيرها ليؤلف منها محتوى يريد التعبير عنه إما لإعلام الآخرين به أو تغيير اتجاهاتهـم أو تنمية قيمهم، أو غير ذلك من أهداف يقصد المرء من خلالها الاتصال بغيره. ضم الأفكار إلى بعضها يستتبعه البحث عن الجمل والتراكيب التي يراد صب المحتوى فيها. ينتقي الفرد بعد ذلك من رصيده اللغوي مجموعة من المفردات التي تناسب المحتوى ثم يبحث في النظام الصوتي للغته عما يلزم هذه المفردات من أصوات أو من أشكال الأداء الصوتي مثل النبر والتنغيم ما يعبر عما يقصده.. كل هذا يدخل في نطاق بناء الرموز سواء من حيث مضمونها (الأفكار) أو من حيث شكلها (طريقة الأداء اللغوي) وهي المرحلة التي تسمى بتركيب الرموز encoding.
بعد هذا تأخذ عملية الاتصال أحد طريقين : إما أن تنتقل الرسالة شفاهة أي من خلال الاتصال المباشر بين فرد وآخر، وهنا يكون المرسل متكلماً. وإما أن تنتقل كتابة أي من خلال الصفحة المطبوعة، وهنا يكون المرسل كاتباً. ما زلنا في نطاق الطرف الأول من أطراف عملية الاتصال وهو الإرسال. فإذا انتقلنا إلى الطرف الآخر وهو الاستقبال وجدنا الاتصال يمر بعمليات أخرى تبدأ برموز تنتقل من مرسل (منطوقة أو مكتوبة) عبر أداة من أدوات الاتصال أو قناة من قنواتها channel وهي في انتقالها يلحق بها ما يلحق من تشويه أو تحريف يجعل كمال عملية الاتصال أمراً متعذراً. والأسهم الصغيرة الموجهة للأداة تشير إلى صور التشويه التي يمكن أن تلحق بالرسالة بسبب وسيلة الاتصال عمليات التشويه هذه هي ما تسمى بالضوضاء noise أي كل أشكال التحريف التي تلحق بالرسالة حتى تصل إلى المستقبل والاتصال كما نرى عملية ثنائية يتبادل فيها المرسل والمستقبل الأدوار. فالمرسل قد يكون في أثناء الحديث مستقبلاً، والمستقبل قد يكون مرسلاً، وهذا بالطبع في مواقف الاتصال الشفهي المتبادل فقط. فقد يكون الاتصال كتابة فلا يتبادل الفردان في لحظة الاتصال أدوارهما وقد يكون الاتصال شفهياً غير متبادل أي أحادي الاتجاه كأن يستمع المرء إلى المذياع أو يشاهد التلفاز.
يتلقى المستقبل الرسالة في صورة تيار من الأصوات التي يرتبها في وحدات يعطيها معنى محدداً وظيفة كل منها بالنسبة لغيرها في ضوء ألفته بنظام اللغة ومعرفته بسياق الكلام ثم يربط هذا كله بما لديه من خبرة سابقة بالمجال.. هذه العملية هي ما تسمى بفك الرموز decoding والمستقبل هنا ليس فرداً سلبياً كما يتوهم الكثيرون، وإنما هو إيجابي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. إن المستقبل يصنع المعنى ولا ينتقل إليه.. إنه يحدد دلالات الكلمات في ضوء الموقف العام الذي تحدث فيه عملية الاتصال. في ضوء مستواه اللغوي.. في ضوء قدرته على فهم الآخرين.

والمستقبل قد يتلقى الرسالة فيكون مستمعاً، وقد يتلقاها مطبوعة فيكون قارئاً.
هذه العملية هي ما يعرضها كارول في نموذجه الآتي(10) :

interpretation         decoding          message         encoding           intention

ما يقصده المتحدث ــــ ترجمة ما يقصده لرموز ــــ الرسالة ـــــ فك الرموز ـــــ تفسيرها من المستمع.
وفي ضوء هذه العملية نستطيع أن نقف على مكونات عملية الاتصال ومقوماتها ومعوقاتها، إلا أننا يجب أن نقف أولاً على مفهوم الاتصال.

مفهوم الاتصال

يلخص ويدوسون Widdowson نقلاً عن ريلي، عملية الاتصال في قوله : يطلق مصطلح الاتصال حين يحدد مستعمل اللغة موقفاً يتطلب منه نقل معلومات معينة لتحقيق التقارب المعرفي Convergence of Knowledge بين الأفراد، ومن ثم يمكن أن يتغير هذا الموقف بشكل أو بآخر. وهذا الإجراء أو هذه العملية تتطلب التفاوض أو تبادل وجهات النظر حول المعاني خلال التفاعل بين الأفراد. وأطلق على هذا الشكل من التفاوض لفظ الخطاب Discourse هذا المصطلح يشير إلى التفاعل الذي يجب أن يأخذ مكانه لتأكيد قيمة المعنى لما ينطق به المتحدث، وللتحقق من فعاليته كمؤشر لنية المتحدث أو قصده(11).
ويتفق الدكتور حسين حمدي الطوبجي مع هذا التعريف إذ يقول : إن الاتصال هو العملية التي يتم عن طريقها انتقال المعرفة من شخص لآخر حتى تصبح مشاعاً بينهما، وتؤدي إلى التفاهم بين هذين الشخصين أو أكثر، وبذلك يصبح لهذه العملية عناصر ومكونات ولها اتجاه تسير فيه، وهدف تسعى إلى تحقيقه، ومجال تعمل فيه، ويؤثر فيها مما يخضعها للملاحظة، والبحث، والتجريب والدراسة العملية بوجه عام(12).
وتعتبر دائرة المعارف البريطانية أن الاتصال يعني تبادل المعاني بين الأفراد من خلال نظام عام للرموز(13).
ويستمر التعريف لمصطلح الاتصال Communication في المجلد الثالث من دائرة المعارف البريطانية المصغرة Micropedia، وكذلك في المجلد 16 من دائرة المعارف الموسعة Macropeadia. فيستعرض تعريف ريتشاردز الناقد البريطاني المشهور، ووجهة نظره لمفهوم الاتصال، وتعتبر دائرة المعارف أن تعريف ريتشاردز للاتصال، والذي قدمه 1928 من أوائل التعريفات للاتصال، ومن أفضلها في بعض الوجوه.
يقول ريتشاردز J. A.Richards : >إن الاتصال يتم عندما يؤثر عقل ما (مرسل) من خلال بيئة معينة على عقل آخر (مستقبل)، وفي هذا العقل الآخر تحدث خبرة معينة تشبه الخبرة التي كانت في العقل الأول<.
وتتساءل دائرة المعارف حول مدى كفاية تعريف واحد للاتصال، وإمكانية الاستغناء به عن غيـره، وتورد تقريراً عن جورجين ريوتش Jurgen Ruesh يذكر فيه أربعين تعريفاً لمفهوم الاتصال. ومداخل كثيرة لتناوله منها ما هو معماري Architectural، ومنها ما هو نفسي Psychological، ومنها ما هو أنثروبولوجي Anthropological، وأخيراً منها ما هو سياسي Political(14).
ويتسع هذا التعريف في دائرة معارف كولير الأمريكية، إذ تعتبر الاتصال هو نقل المعارف من شخص لشخص، أو مخلوق لمخلوق، أو وجهة نظر لأخرى. وقد يكون الاتصال في شكل نقل أصوات، مثل التحدث بين الناس، وقد يكون الاتصال في شكل ضربات إيقاعية للطبول، وقد يكون أصواتاً من طيور، بل قد تكون في شكل ضربات يقوم بها حيوان السمور في الماء بذيله حين يحس بخطر قادم، أما من حيث صورة الاتصال فقد تكون مرئية مشاهدة مثل الكتابة، والصور، والإشارات والأعلام، والملصقات. بل قد تكون في رقصة نحل العسل، يشير بها للنحل الآخر أن هناك مصدراً للغذاء، وقد يكون الاتصال، أخيراً يتطلب لإتمامه، استخدام حواس أخرى.
ينقلنا هذا من الحديث عن الاتصال من وجهة نظر الإعلاميين، إلى الحديث عن الاتصال من وجهة نظر التربويين خاصة المشتغلين بتعليم اللغات.
ونقتصر هنا على مناقشة تعريفين لاثنين من كبار خبراء تعليم اللغات الأجنبية، ومن رواد المدخل الاتصالي، هما سافجنون وولكنز. ترى ساندرا سافجنون أن الاتصال >عملية مستمرة للتعبير والتفسير وتبادل وجهات النظر (التفاوض)، وأن فرص الاتصال غير محدودة Infinite. وتشتمل على نظم مختلفة للإشارات، والعلامات، والرموز التي لا نستطيع الآن البدء في تصنيفها، أو حتى تعريفها بدقة، والتي تتكون منها أي لغة<(15).
وهي هنا تتفق مع التعريفين اللذين وردا في دائرتي المعارف، خاصة ما ورد في دائرة معارف كولير، إذ تفصل القول في أنظمة العلامات في عملية الاتصـال. أما ولكـنز فيرى >أن ما يتم نقله في أي عملية اتصال إنما هو نتاج Product للعلاقة بين المعنى كما ينتقل عبر الأشكال اللغوية للتعبير (نطقاً أو كتابة)، وبين الملامح العملية Pragmatic Features التي يمكن قبولها من كافة المشتركين في عملية الاتصال<(16).
وفي ضوء هذا التعريف لعملية الاتصال، يحدد ولكنز هدف تعليم اللغة اتصالياً في أنه >تنمية القدرة عند الفرد لأن يبدع Create، ويكوّن Construct أشكال التعبير Utterances (كلاماً أم كتابة) التي لها القبول الاجتماعي، أو تحقق الهدف المطلوب<(17).

مكونات الاتصال

الاتصال كما سبق القول عملية مركبة تشتمل على مجموعة عمليات متداخلة تدور بين مكونات أربعة هي : رسالة ومرسل ووسيلة ومستقبل.
الرسالة : ويقصد بها المحتوى الذي يود المرسل نقله إلى الآخرين مستهدفاً من ورائه التأثير عليهم، ولكل رسالة مضمون، هو عبارة عن الأفكار التي يراد التعبير عنها وشكل وهو عبارة عن الرموز اللغوية التي يتم التعبير بها.
المرسل : وهو مصدر الرسالة. إنه الطرف الأول في عملية الاتصال والذي يريد التأثير في الآخرين من خلال أفكار لديه. والمرسل هنا قد يكون فرداً أو مجموعة أفراد، بل قد يكون إنساناً وقد يكون آلة مع اختلاف بينهما.
الوسيلة : ويقصد بها الأداة التي تنتقل من خلالها الرسالة. وتتنوع الوسائل ما بين الصوت العادي عند الاتصال المباشر إلى الكتاب إلى الخرائط والرسوم والسجلات وأجهزة الإعلام، من مذياع إلى تلفاز إلى حاسب آلي (كومبيوتر) إلى غير ذلك من أدوات. والوسيلة ليست ذات شأن بسيط في إتمام عملية الاتصال، إنها قد تساعد عليها وقد تعوقها. بل بعض الخبراء وصل إلى درجة المزج بين الرسالة والوسيلة فيقولون إن أداة الاتصال هي الرسالة the medium is the message(18).
المستقبل : ويقصد به الجهة التي تنتهي إليها الرسالة وقد تكون فرداً أو مجموعة أفراد وهي التي تتولى فك رموز الرسالة وتفسيرها متخذة بعد ذلك الموقف المناسب إزاءها، ويتوقف تفسير هذه الرموز على عدة رموز نعرضها بعد ذلك.

مقومات عملية الاتصال

في ضوء العرض السابق لمكونات عملية الاتصال نستطيع أن نقف على المقومات التي تساعد على إكمال هذه العملية. والمقصود بالمقومات هنا مجموعة الشروط التي يعتبر توفرها أساساً لنجاح عملية الاتصال.
أ) من حيث الرسالة : تتم عملية الاتصال لو توفرت في الرسالة عدة خصائص، منها :
1. الترتيب المنطقي للأفكار.
2. دقة المفردات والعبارات في التعبير عن الأفكار.
3. بساطة التراكيب اللغوية.
4. قلة الرموز والتجريدات.
5. مناسبة حجمها، فلا هي بالطويلة المملة ولا بالقصيرة المخلة.
6. صحة اللغة التي نقلت من خلالها الأفكار.
7. وضوح المفاهيم والمصطلحات وقلة عددها.
ب) من حيث المرسِل : تتم عملية الاتصال لو توفرت في المرسِل عدة خصائص  منها :
1. وضوح الفكرة في ذهنه.
2. عمق خبرته بالموضوع الذي يعالجه.
3. تنوع طريقته في عرض الأفكار.
4. قدرته في اختيار الألفاظ المناسبة.
5. وضوح صوته عند الحديث.
6. إعادة عرض الأفكار بتفصيل أكثر.
7. ضرب أمثلة تجعل الرسالة محسوسة وليست مجردة.
ج) من حيث الوسيلة : تتم عملية الاتصال لو توفرت في الوسيلة عدة خصائص منها :
1. دقتها في نقل الأصوات (بالنسبة للحديث).
2. عدم وجود مؤثرات جانبية تشوش على الحديث.
3. وضوح الطباعة.
4. دقة الطباعة وقلة الأخطاء المطبعية.
5. جاذبية الإخراج وحسن تنسيق الصفحة.
د) من حيث المستقبل : تتم عملية الاتصال لو توفرت في المستقبل عدة خصائص، منها :
1. سلامة حواسه في استقبال الرسالة (الأذن والعين).
2. قدرته على فك الرموز التي وصلت إليه.
3. درايته باللغة التي يستقبل بها الرسالة.
4. خبرته بموضوع الرسالة.
5. أُلفته بالمرسل ومعرفته لعاداته في الحديث أو الكتابة.
6. اتجاهه نحو الموضوع وتحمسه لأفكاره.
7. مفهومه نحو نفسه self-concept  ومفهومه نحو الآخرين.

معوقات عملية الاتصال

ترى متى يحدث الاتصال التام بين فردين ؟ يحدث لو اتحد معنى الرموز عند المرسل والمستقبل واستطاع كل منهما تبادل نفس الأفكار بنفس درجة الوضوح. وهذا أمر يندر أن يحدث بين البشر.. ولنتصور مُعلماً يلقي درساً. المعلم هنا متغير واحد ولكنه أمام عدد من الطلاب، ولنتصور أن عددهم عشرة طلاب. ما الذي يحدث في هذا الموقف ؟ إنه موقف اتصالي بلا شك. المعلم هو المرسل هنا، والرسالة هي موضوع الدرس والوسيلة هي الحديث الشفوي أو السبورة أو الكتاب أو هي هذا كله والمستقبل أخيراً هو الطلاب. نحن إذن أمام مرسل واحد ومستقبل متعدد. هل تعتقد أن المعلم عندما يلقي درسه أمام هذا العدد يكون قد بلّغ رسالة واحدة ؟ الإجابة بلا شك هي لا.. لقد بلغ عشر رسائل إذ اختلف استقبال كل طالب للرسالة باختلاف المتغيرات التي سبق الحديث عنها. حتى لو دار الأمر بين فردين.. فلابد من وجود تفاوت بين المرسِل والمستقبل في تصور الرسالة موضوع الاتصال.
هناك إذن معوقات للاتصال الكامل بين البشر، هذه المعوقات يمكن تصورها لو رجعنا إلى المقومات السابقة وتخيلنا عدم توفرها أو بعضها في عملية الاتصال.. كأن تكون الرسالة مليئة بالتجريدات، غامضة الأسلوب. أو أن تكون الفكرة غامضة في ذهن المرسل أو ليس ذا خبرة بالموضوع أو عاجز عن التعبير الدقيق.. أو غير ذلك. وكأن تكون الوسيلة غير دقيقة في نقل الرسالة أو تكون عوامل التشويش المحيطة بالرسالة كثيرة، وكأن يكون المستقبل ضعيف السمع أو البصر، أو قليل الخبرة بالموضوع أو عاجزاً عن فك رموز الرسالة لأنه ليس ذا رصيد لغوي يسمح له بذلك أو ذا اتجاه سلبي نحو المرسل أو نحو موضوع الرسالة.. كل هذه عوامل تعوق بلا شك إتمام عملية الاتصال. من هنا نقول إنه لا يوجد اتصال تام بين البشر.. والأمر هنا نسبي.
هذا بالطبع في حالة الاتصال بين الناطقين بلغة واحدة، ولنتصور حجم المشكلة في حالة الاتصال بين الناطقين بلغة ما والناطقين بلغات أخرى.
فالمرسل Sender تنشأ لديه رغبة في توصيل رسالة معينة بلغة أجنبية بالنسبة   للمستقبل، إما رداً علـى مثير واستجابة له، وإما رغبة في البدء بطرح مثير (الاتصال). فهو يتخيل هذه الرسالة، يفترض أنه يعرف على وجه الدقة ما يريد توصيله، وكيف يريد توصيله. إلا أنه أحياناً، قد لا يعرف على وجه التحديد ذلك، ففي مجال الاتصال الشفوي مثلاً يخضع المرسل لسياق الحديث. فقد يضيف لما كان يود قوله شيئاً معيناً، وقد يعيد طرحه بشكل آخر، وقد يحذف منه شيئاً، فالمتكلم لا يستطيع في أحيان كثيرة التنبؤ بكفاءة ودقة شديدة بما سوف يصدر عنه. إذ أن السياق الذي يبث رسالته من خلاله يلعب دوراً لا يستهان به في محتوى وشكل الرسالة التي يود المرسل تبليغها. إلا أننا مع ذلك نتوقع أن المرسل قادر على بناء رسالته وتكوينها من العناصر الأساسية للغة أصواتاً، ومفردات، وجملاً، وتراكيب، فضلاً عن الدلالات الثقافية لكل ما يقال، يقول هذا بلغته الأجنبية.
وقد تحدث في أثناء عملية الاتصال أشياء تتسبب في إحداث خلل في عملية الاتصال نفسها، فتشوه على المرسل رسالته، فقد يتلعثم بسببها، وقد لا يكمل الجملة، وقد يخطئ في تركيبها.. كل هذه أشياء لا نضمن استبعادها من عملية الاتصال نفسها.
والمستقبل Receiver من طرف آخر يحاول أن يفهم أشكال النطق التي صدرت من المرسل محاولاً التنبؤ بمعاني ما غمض منها. هو يستقبل الرموز التي استمع إليها، ويرجعها إلى رصيده منها مفسراً إياها في ضوء خبرته السابقة بهذه الرموز.
هذه العملية هي ما تسمى بفك الرموز Decoding وقد سبق الحديث عنها وهي مهارة يتفاوت فيها الناس، والخلاف كما يرى البعض هو على درجة التمكن مـن المهـارة، وليـس عـلى وجـودها أو عدمه. فتبادل وجهات النظر أو التفاوض Negotiation، كما يطلق في المدخل الاتصالي أمر يعتمد على نوع العلاقة بين المرسل والمستقبل.



الفصل الثالث
مهارات الاتصال وتاريخه


مهارات الاتصال اللغوي

في ضوء النموذج السابق يتضح أن المهارات الأساسية للاتصال اللغوي أربـع هـي : الاستـماع listening والكـلام speaking والقـراءة reading والكـتابة writing وبين هذه المهارات علاقات متبادلة يوضحها الرسم التالي :

 

فالاستماع والكلام (1) يجمعهما الصوت، إذ يمثلان كلاهما المهارات الصوتية التي يحتاج إليها الفرد عند الاتصال المباشر مع الآخرين. بينما تجمع الصفحة المطبوعة بين القراءة والكتابة (2)، ويستعان بهما لتخطي حدود الزمان وأبعاد المكان عند الاتصال بالآخرين. وبين الاستماع والقراءة (3) صلات من أهمها أنها مصدر للخبرات، إذ هما مهارتا استقبال receptive لا خيار للفرد أمامهما في بناء المادة اللغوية أو حتى في الاتصال بها أحياناً. ومن هنا يبرر بعض الخبراء وصفهم لهاتين المهارتين بأنهما مهارتان سلبيتان، والحق غير ذلك. والفرد في كلتا المهارتين يفك الرموز decode بينما هو في المهارتين الأخريين : الكلام والكتابة (4) يركب الرموز incode كما أنه فيهما "الكلام والكتابة" يبعث رسالة ومن هنا تسميان مهارتا إنتاج أو إبداع productive or creative والمرء في المهارتين الأخريين مؤثر على غيره (مستمع أو قارئ). والرصيد اللغوي للفرد فيهما أقل من رصيده في المهارتين الأوليين، الاستماع والقراءة. إن منطقة الفهم عند الفرد أوسع من منطقة الاستخدام ويوضح الرسم التالي هذه العلاقة :

شكل (2)
منطقة الفهم والاستخدام عند الفرد

 




مجالات الاتصال اللغوي

يقصد بمجالات الاتصال اللغوي مجموعة الأنشطة التي يحتاج الفرد فيها لاستخدام اللغة، وتختلف هذه المجالات باختلاف البيئة المحيطة بالفرد، ومواقف الحياة التي يمر بها، وخصائصه هو نفسه، ومدى إتقانه للغة التي هي أداة التواصل، والفترة الزمنية التي يجري فيها الاتصال... إلى غير ذلك من عوامل التباين في مجالات الاتصال اللغوي.
ومع التسليم بهذه الحقائق إلا أن هناك عدداً من المجالات العامة للاتصال اللغوي تلخصها لنا وليجا ريفرز وصاحبتها ماري تيمبرلي(19) فيما يلي :
1. تكوين العلاقات الاجتماعية والاحتفاظ بها.
2. تعبير الفرد عن استجاباته للأشياء.
3. إخفاء الفرد نواياه.
4. تخلص الفرد من متاعبه.
5. طلب المعلومات وإعطاؤها.
6. تعلم طريقة عمل الأشياء أو تعليمها للآخرين.
7. المحادثة عبر التليفون.
8. حل المشكلات.
9. مناقشة الأفكار.
10. اللعب باللغة.
11. لعب الأدوار الاجتماعية.
12. الترويح عن الآخرين.
13. تحقيق الفرد لإنجازاته.
14. المشاركة في التسلية وإزجاء الفراغ.
ولكل مجـال من هذه المجالات بالطبع أنماط اللغة المناسبة لها من أصوات ومفردات وتراكيب، فضلاً عن السياق الثقافي المحيط بها.

الاتصال اللغوي في الفصل

المجالات السابقة نفسها هي التي ينبغي أن يدور حولها النشاط اللغوي في الفصل. إن على المعلم أن يهيئ من الفرص ما يجعل تعلم العربية في برامج تعليمها للناطقين بلغات أخرى عملية حية وليس مجرد استظهار قواعد أو حفظ كلمات. ومواقف الاتصال اللغوي في حجرة الدراسة إنما هي مرحلة تدريبية، شأنها شأن التدريب في مسبح صغير swimming pool تهيئة لخوض البحار.
والذي نقر به هنا هو أن الاتصال الفعلي في مواقف حية أمر يتعذر حدوثه في برامج تعليم العربية للناطقين بلغات أخرى وذلك لاعتبارين : أولهما أن كثيراً من معلمي العربية في البلاد غير العربية ليسوا من الناطقين بالعربية. أي أنهم بلغة اصطلاحية "معلمون وطنيون" وقدرتهم على الاتصال اللغوي الفعال بالعربية تقل بلا شك عن قدرة المعلمين الناطقين بالعربية، وهذا أمر متوقع. فالناطق باللغة لديه من الحس اللغوي والفهم الدقيق لاستخدامات اللغة ما يفتقده كثير من غير الناطقين بهذه اللغة. وثانيهما أن الاتصال اللغوي بين جدران الفصل لا يستهدف نقل معان حقيقية بين الطلاب أو رغبة في تبادل خبراتهم ومعلوماتهم بالعربية قدر ما هو تدريب لهم، أو بروفة rehearsal يستعد الطالب بها للاتصال في مواقف حية بعد ذلك، فالطالب يحفظ مجموعة من الكلمات وعدداً من التراكيب التي يتصور المعلم أنها ضرورية له.
ولعل هذه هي الفرصة التي نؤكد فيها ثلاث حقائق عندما نتحدث عن موقع اللغة في نظرية الاتصال وعن خطة تعليمها في الفصل :
1. إن كفاءة الاتصال بالعربية تشمل كل أشكال العلاقة بين اللغة والثقافة.. بين اللغة والمجتمع.. فالاتصال لا يحدث في فراغ وإنما يحدث بين أفراد وفي سياق اجتماعي معين. ولعل أحد أسباب عـدم كفاءة الاتصال وجود تفاوت ثقافي بين طرفي الاتصال، ولكل منهما خلفية تختلف عن أخيه، وعلى المعلم أن يوضح هذه العلاقة عند تعليمه العربية للناطقين بلغات أخرى.
2. إن اكتساب القدرة على الاتصال الكفء بين ناطق بالعربية وناطق بأخرى عملية تمر بمراحل متدرجة وفي كل مرحلة يكتسب الفرد شيئاً.. ولا يتم هذا الاكتساب من خلال سيطرة كاملة على اللغة، فليس هناك من يملكها وإنما هي مراحل تتداخل فيها عمليات الصواب والخطأ.. من هنا لا نعتبر الخطأ اللغوي دليلاً على العجز قدر ما هو خطوة متداخلة ولازمة على الطريق.
3. إن اكتساب القدرة على الاتصال الكفء أيضاً لا يتم من خلال عملية المحاكاة والتذكرة قدر ما يتم من خلال عمليات عقلية يدرك فيها الفرد، الناطق بلغات أخرى، خصائص التراكيب التي يستعملها موظفاً لها في سياق اجتماعي.. معنى هذا أن فهم اللغة شرط لإنتاجها.

تاريخ المدخل الاتصالي

يرجع هووات  A. P. Howatt الدعوة إلى تعليم اللغات من منظور اتصالي إلى القرن السابع عشر حين كتب جون لوك عن تعلم اللغة قائلاً : >يتعلم الناس اللغة من أجل التعامل مع المجتمع، وتحقيق الاتصال (وهنا ذكر جون لوك كلمة الاتصال نفسها) بين الأفكار في الحياة العادية بدون تخطيط، أو تنظيم مقصود مسبق في استخدامهم للغة. ومن أجل هذا السبب فإن الأسلوب الحقيقي أو الأصلي (ويستخدم هنا كلمة أصلي Origienal) لتعلم اللغة، فإنما يتم بالمحادثة Conversation. وهذا وحده أدعى لتحقيق تعلم سريع معجل Expedite مناسب Proper، وطبيعي Natural<(20).
ترددت إذن منذ القدم مصطلحات مثل : الاتصال، والأسلوب الأصلي، أو الحقيقي، والمحادثة والتعلـم الطبيعي.. وهذه المصطلحات هي الأكثر شيوعاً في المدخل الاتصالي في وقتنا الراهن. كان هناك إحساس بأن اللغة وظيفتها الاتصال، وتحقيق التعامل مع أفراد المجتمع، وتمر سنوات حتى تصل إلى القرن التاسع عشر، وعلى وجه التحديد 1864 (أي منذ 140 سنة تقريباً). وفي هذه الأثناء تجذب طرق تعليم اللغات بأسلوب اتصالي انتباه المعلمين المهاجرين إلى أمريكا، وقد اتخذت هذه الطرق، كما يقرر هووات عدة أسماء مثل :
الطــرق الطبيعية Natural، وطريقة المحادثة Conversation، والطريقة المباشرة Direct، والمدخل الاتصالي Communicative Approach، إلا أنه مع تعدد أسماء هذه الطرق، ومع اختلاف أساليبها، وإجراءات التدريس فيها، فإن الفلسفة الكامنة وراءها تكاد تكون واحدة، وهي تعليم اللغة بشكل اتصالي.
هذه الفلسفة التي تمثل اتجاهاً لأسلوب تعليم اللغة، كانت السبب الرئيسي في نقد بلومفيلد 1942 لأسلوب تعليم اللغات الأجنبية في أمريكا، إذ لم يكن مساعداً للدارس على أن يتصل باللغة يقول بلومفيلد : >لم تكن الكتب جيدة، ولم يكن المعلمون متملكين مهارات اللغات الأجنبية ذاتها، وكان الطالب بعد سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات من دراسته للغة الأجنبية غير قادر على استخدامها، أو توظيف ما تعلمه<(20).
والملاحظ أنه على الرغم من تردد مصطلحات مثل الاتصال، التعلم الوظيفي، الطريقة الطبيعية، الأسلوب الأصلي أو الحقيقي، الطريقة المباشرة، المحادثة، نقول إنه على الرغم من تردد هذه المفاهيم التي تمثل صلب المدخل الاتصالي، فإن التفكير المنهجي حول المدخل الاتصالي وتناوله بأسلوب علمي يعتمد على منطلقات معينة، ويتخذ له إجراءات محددة في الفصل، لم يبدأ إلا منذ الستينيات من القرن الماضي حين بدأ علماء اللغة البريطانيون في نقد أسلوب تعليم اللغات الأجنبية عندهم. ووجه هذا النقد أساساً لأسلوب تعليم اللغات في ضوء المواقف Situational Language Teaching وصادف هذا نقداً مماثلاً في أمريكا إلا أنه كان موجهاً للطريقة السمعية الشفوية Audioligualism. من هنا طرح علماء اللغة البريطانيون فكرة الإمكانيات الوظيفية والاتصالية للغة Functional and Communicative Potential وأبرزوا الحاجة إلى الإجادة الاتصالية Communicative Proficiency.
برزت بعد ذلك، كما يذكر ريتشارد زوروجرز الحاجة إلى تعليم لغات الشعوب المنضمة إلى السوق الأوربية المشتركة، وكذلك المجلس الأوربي Council of Europe، وفي 1971 اجتمع فريق من الخبراء للنظر في إمكانية تنظيم مقررات لتعليم اللغات في ضوء نظام الساعات المعتمدة Unit-Credit System، وفي هذا النظام تراعى حاجات الدارسين، كما اعتمد على دراسة مبدئية قدمها ولكنز Wilkins، وفي الدراسة التي نشرها 1972، قدم تعريفاً وظيفياً واتصالياً للغة، وهذا التعريف كان الأساس لإعداد المناهج الاتصالية لتعليم اللغات. وبدلاً من أن يقدم ولكنز وصفاً لمحاور اللغة بأسلـوب تقليدي سواء من حيث المفردات أو النحو، قدم ولكنز تصوراً جديداً لنمطين من المعاني :
الأول : ويسمى فئات الأفكار Notional Categories (مثل الزمـن، والتوالي Sequence، والكمية Quantity، والمكان Location، والتكرار Frequency).
والثاني : ويسمى فئات الوظائف الاتصالية Communicative Functions (مثل الطلب Request، والإنكار Denials، وتقديم الأشياء Offers، والشكوى Complaints). ولتوضيح الفرق بين الفكرة العامة Notion، وبين الوظائف اللغوية Functions نقدم مثالاً لموقف اتصالي يميز بين الأمرين، وهو زيارة مريض بإحدى المستشفيات. الفكرة العامة هنا هي "زيارة المريض" أما الوظائف اللغوية فيمكن تحديدها فيما يلي :
1. التعبير عن التعجب والأسى لمرض هذا الصديق.
2. السؤال عن سبب المرض.
3. التعبير عن موطن الألم والشكوى.
4. تحديد الأوقات التي يحس فيها بالألم.
5. السؤال عن المدة التي يستغرقها العلاج.
6. التعبير عن ضرورة مراجعة الطبيب.
7. الاستفسار عن الدواء المناسب.
8. التعبير عن تمنيات الشفاء.
ولقد أجمل ولكنز هذه الأفكار، ثم نشرها بعد ذلك في كتاب باسم Notional Syllabuses  وكان لهذا الكتاب تأثير كبير في المدخل الاتصالي لتعليم اللغات(22) إلى أن صاغ هيمز Hymes مصطلح الكفاية الاتصالية Communicative Competence 1972 في مقابل مصطلح Linguistic Competence الذي صاغه تشومسكي.
ويشير مصطلح الكفاية الاتصالية عند هيمز إلى قدرة الفرد على أن ينقل رسالة، أو يوصل معنى معيناً، وأن يجمع بكفاءة بين معرفة القواعد اللغوية، والقيم والتقاليد الاجتماعية في الاتصال.

الاتصال بين المدخل والطريقة

مـنذ أن ظـهرت الـدعوة إلى تعلـيم اللـغة بشكل اتصالي، وشيوع مصطلحات مثل : الاتصال، والوظيفة، وغيرهما. طرح سؤال : هل هذا الأسلوب لتعليم اللغات يسمى مدخلاً Approach أو طريقة Method أو شيئاً ثالثاً ؟
ينبغي قبل عرض وجهات النظر المختلفة تحديد المقصود بمصطلحات ثلاثة أساسية في ميدان تعليم اللغات : الأول هو المدخل ــ والثاني هو الطريقة ــ والثالث هو الإجراءات.
ومن الممكن التمييز بين هذه المصطلحات كالتالي :
ــ المدخل : ويقصد به المنطلقات التي تستند إليها طريقة التدريس مثل تصورها لمفهوم اللغة وفلسفة تعليمها، والنظرة إلى الطبيعة الإنسانية، وشخصية المتعلمين.
ــ الطريقة : ويقصد بها مجموع الأساليب التي يتم بواسطتها تنظيم المجال الخارجي للمتعلم من أجل تحقيق أهداف تربوية معينة.
ــ الإجراءات : هي الأساليب التي تترجم الطريقة إلى أداءات، وتنفذ مبادئها سواء من حيث ما يقوم به المدرس في الفصل بالفعل، أو من حيث إعداد المواد التعليمية، أو إعداد الوسائل التعليمية، أو أدوات التقويم.
الطريقـة إذن مثل خيط المسبحة الذي ينتظم عدداً من المكونات الأساسية(23).
والآن نستعرض بعض الآراء حول أسلوب تعليم اللغة اتصالياً، هل هو مدخل أو مداخل أو طريقة أو طرق...
ينص ريتشاردز ورودجرز على أن تعليم اللغة اتصالياً هو مدخل، وليس طريقة Approach and not a method(24).
ترى ديان فريمان أنه أيضاً مدخل مبررة ذلك بأن الاتصال في أساسه عملية، وليست ناتجاً Since communication is a process.
يناقش كريستال في دائرة معارف اللغة مفهوم المدخل الاتصالي، ويشرح جوانبه، وذلك عند الحديث عن الكفاية الاتصالية. وإن كان في قسم آخر من دائرة المعارف يذكر أنها طرق اتصالية، وليست مجرد مدخل ! ويفضل كريستال إطلاق مصطلح الطرق الاتصالية ليشمل عدداً من الطرق أهمها :
1. الطريقة الإيحائية. Suggestopedia 
2. الطريقة الصامتة .The silent way
3. تعليم اللغة من خلال المجتمع. Community language learning
4. الممارسة الشفوية المرجأة. Delayed oral practice
5. الاستجابة الحركية الكلية. Total physical response
هو إذن ينفي عنه أنه مدخل، وينفي عنه أنه طريقة، بل هو طرق كثيرة، قد تختلف إجراءاتها، ولكن تتفق فلسفتها(25).
ويؤيد كريستال في رأيه هذا هووات Howatt إذ ينص على أنها طرق، وليست طريقة واحدة، كما أنها ليست مدخلاً!(26).
أمـا شتـيرون فـيرى أنـه ليـس مـدخلاً واحداً، وإنما هو مداخل اتصالية Communicative Approaches(27).
وترى مليكة بوداليه فريفو أنه ليس طريقة، وليس مدخلاً وإنما هو نظرية، وتقارن في كتابها "المدرسة الجزائرية من ابن باديس إلى بافلوف" بين مصطلحات البنيوية ومصطلحات نظرية التواصل(28). إلا أننا قد نختلف معها في ذلك، إذ يحدث لبس وخلط بين نظرية التواصل في مجال تعليم اللغات، كما تقصدها المؤلفة، وبين نظرية الاتصال Communication theory كما تطلق في مجال الدراسات الإعلامية.
وعلى خلاف هذا كله نجد من الخبراء من لا يعتبره مدخلاً متكاملاً ذا خصائص محددة أو معالم بارزة، وإنما هو خليط (يطلق عليه Podge - Hodge) من استراتيجيات تدريسية تلتقي جميعها عند هـدف معين هو تدريب الطالب على الاستخدام التلقائي والمبدع للغة، وليس مجرد إجادة قواعدها(29).
رأينا إذن أن من المفكرين من يعتبر تعليم اللغة اتصالياً هو مدخل اتصالي، وهناك من يعتبره مداخل اتصالية، وهناك من يعتبره طريقة اتصالية، بل هناك من يعتبره طرقاً اتصالية، وأخيراً هناك من يعتبره نظرية تواصلية.
والذي نميل إليه هو إطلاق مصطلح "المدخل الاتصالي" على هذا الأسلوب فهو لم يتبلور بعد في شكل طريقة محددة مثل طريقة النحو والترجمة، أو الطريقة المباشرة مثلاً. فضلاً عن أنه يشتمل على مبادئ عامة ومنطلقات توجه أسلوب العمل في أكثر من طريقة، كما ذكر كريستال. وتعود مليكة فريفو فتنكر استخدام مصطلح "طريقة" في التربية الحديثة تقول : >في الحقيقة فإن تسمية (طريقة) بالنسبة للبيداغوجية الحديثة Pedagogy هي تسمية خاطئة، إذ يمكننا أن نتكلم عن (طريقة) إذا كان الأمر يتعلق بالبيداغوجية التقليدية، حيث كانت توجد طرق عديدة وصفها أصحابها. أما بالنسبة للبيداغوجية الحديثة فالأمور أصبحت تختلف تماماً، وهذا منذ ميلاد النظريات التي تشرح الاكتساب والمعرفة حيث أصبحنا نتحدث لا عن طريقة أو طرق، وإنما نتحدث عن منهجية تعليم هي فقط امتداد لبعض المفاهيم المنجزة في العلوم الإنسانية<(30).
وأيا ما كان الاسم الذي يطلق على هذا الأسلوب، فإن له فلسفة عامة يجعلها كريستال في دائرة معارف اللغة قائلاً : >إن المدخل الاتصالي هو ذلك المدخل الذي يركز في تعليم اللغة على اللغة ذاتها ووظائفها، وكذلك الكفاية الاتصالية، وليس على البُنى أو المباني النحوية<(31).
المدخل الاتصالي إذن يركز على الكفاية الاتصالية، ويستهدف أساساً تمكين الدارس من تملك مهاراتها. وهنا يطرح السؤال : ماذا يقصد بالكفاية الاتصالية ؟



الفصل الرابع
الكفاية الاتصالية واللغوية


الكفاية الاتصالية

في مجال الحديث عن المدخل الاتصالي تطرح عادة التفرقة بين مدخلين شائعين من مداخل تعليم اللغات الأجنبية يقف كل منهما مقابل الآخر. أحدهما مصطلح الكفاية اللغوية Linguistic Competence، والثاني مصطلح الكفاية الاتصالية Communicative Competence ولكي تتضح الفروق بينهما ينبغي استعراض بعض التعريفات الشائعة لمفهوم الكفاية الاتصالية.
وبادئ ذي بدء تنبغي الإشارة إلى أن صاحب هذا المصطلح هو ديل هيمز Dell Hymes بل ومبتكره في دراسة بعنوان  On Communicative Competence التي نشرها في كتاب علم اللغة الاجتماعي Sociolinguistics.الذي حرره كل من بريد، وهولمز Pride and J. Holmes J. B.  1972، ولقد صاغ هيمز هذا المصطلح ليقابل به مفهوم الكفاية Competence الذي طرحه تشومسكي أمام مفهوم الأداء Performance. كما صاغه ليشمل الإلمام بقواعد علم اللغة الاجتماعي، أو مناسبة الحديث للسياق الاجتماعي بالإضافة إلى الإلمام بالقواعد النحوية.
يشير المصطلح إذن، في رأي هيمز إلى القدرة على نقل رسالة أو توصيل معنى معين، والجمع بكفاءة بين معرفة القواعد اللغوية وبين القواعد الاجتماعية في عملية التفاعل بين الأفراد.
وينقل شتيرن عن هيمز تصوره للكفاية الاتصالية قائلاً : إن الكفاية الاتصالية تعني تملك المواطن (أو الناطق باللغة) للحدس، أو البديهة التي تمكنه عند الكلام من استخدام اللغة، وتفسيرها بشكل مناسب في أثناء عملية التفاعل، وفي ضوء السياق الاجتماعي. إن الكفاية تعني أن الفرد يعرف بدقة متى يتكلم When، ومتى لا ينبغي أن يتكلم When not، وماذا يتكلم حوله What، ومع من With whom، ومتى When، وأين Where، وبأي طريقة كان أسلوب الحديث manner(32).
ويرى كريستال في دائرة المعارف اللغوية أن الكفاية الاتصالية تعني وعي الفرد للقواعد الحاكمة للاستعمال المناسب في موقف اجتماعي(33)، بينما يرى روبين Robin  أن مصطلح الكفاية الاتصالية على مستوى الجامعة يشير إلى قدرة الطالب، وكذلك المعلم على بث واستقبال رسالة مناسبة للموقف والظروف المحيطة، وفعالة في تحقيق الهدف المنشود(34).
مصطلح الكفاية الاتصالية يشتمل على مفهومين أساسيين : هما المناسبة Appropriateness، والفعالية Effectiveness. فقد تكون الرسالة مناسبة للموقف، لكنها لم تكن فعالـة كما ينبغي، وفي مثل هذا التعريف يستلزم الأمر الحكم على نتيجة الاتصال، ومدى فعاليته، وليس فقط على عملية الاتصال ذاتها.
ويتفق ويمان Wieman  مع روبين في ضرورة تحقيق الهدف من الاتصال حتى يمكن الحكم على الكفاية الاتصالية عند الفرد، ويختلف ويمان عن روبين في مزجه بين عملية الاتصال وبين نتيجته. يقول ويمان : >إن الكفاية الاتصالية هي قدرة الفرد الراغب في التفاعل Interactant على أشكال السلوك الاتصالي المتاحة حتى يمكن تحقيق أهدافه من الاتصال بالآخرين بنجاح خلال مواجهة بينهم في إطار قيود ومتطلبات الموقف<(35).
في موقف الاتصال الطبيعي إذن بدائل يلزم الفرد الاختيار من بينها، ويتوقف مدى الكفاية الاتصالية عند الفرد على قدرته على الاختيار من هذه البدائل، الأمر إذن ليس مجرد تحقيق الهدف بأي صورة كانت، وإنما أيضاً بطريقة الاختيار من بين البدائل.
في ضوء هذا تخلص ساندرا سافجنون إلى أن الكفاية الاتصالية مفهوم له سمات أو خصائص معينة تجملها فيما يلي :
1. إن الكفاية الاتصالية مفهوم متحرك Dynamic وليس ساكناً Static، إنه يعتمد على مدى قدرة الفرد على تبادل المعنى مع فرد آخر أو أكثر. إنها إذن علاقة شخصية بين طرفين Interpersonal أكثر من أن تكون اتصالاً ذاتياً Intrapersonal أي حواراً بين الفرد ونفسه.
2. إن الكفايـة الاتصالية تنطبق على كل من اللغة المنطوقة والمكتوبة، وكذلك نظم الرموز المختلفة. 
3. إن الكفاية الاتصالية محددة بالسياق. إن الاتصال يأخذ مكانه، أو يمكن أن يحدث في مواقف لا حد لها، إنها تتطلب القدرة على الاختيار المناسب للغة والأسلوب في ضوء مواقف الاتصال والأطراف المشتركة.
4. إن هناك فرقاً بين الكفاية والأداء. الكفاية تعني القدرة المفترض وجودها والكامنة وراء الأداء، بينما يعتبر الأداء التوضيح الظاهر أو المكشوف Overt Manifestation لهذه القدرة. إن الكفاية هي ما تعرف أما الأداء فهو ما تفعل، وهو الشيء الوحيد الذي يمكن ملاحظته، وفي ضوئه تتحدد الكفاية وتنميتها وتقويمها.
5. إن الكفاية الاتصالية نسبية وليست مطلقة، من هنا يمكن التحدث عن درجات للكفاية الاتصالية، وليس عن درجة واحدة(36) ولكن هل الكفاية الاتصالية كل واحد لا يتجزأ إلى أجزاء، أو أنه مفهوم عام تندرج تحته كفايات أخرى ؟ يميز كانال وسوين Swain & Canale بين أربعة أنواع من الكفايات الاتصالية هي :
1. الكفاية النحوية Grammatical Competence، وتشير إلى ما يقصده تشومسكي من الكفاية اللغوية، أي معرفة نظام اللغة، والقدرة الكافية على استخدامها.
2. الكفاية اللغوية الاجتماعية Sociolinguistic Competence، وتشير إلى قدرة الفرد على فهم السياق الاجتماعي الذي يتم من خلاله الاتصال، بما في ذلك العلاقات التي تربط بين الأدوار الاجتماعيـة المختلفة، والقدرة على تبادل المعلومات، والمشاركة الاجتماعية بين الفرد والآخرين.
3. كفاية تحليل الخطاب Discourse Competence، وتشير إلى قدرة الفرد على تحليل أشكال الحديث، والتخاطب من خلال فهم بنية الكلام، وإدراك العلاقة بين عناصره وطرق التعبير عن المعنى، وعلاقة هذا بالنص ككل.
4. الكفاية الاستراتيجية Strategic Competence، وتشير إلى قدرة الفرد على اختيار الأساليب والاستراتيجيات المناسبة للبدء بالحديث أو لختامه، والاحتفاظ بانتباه الآخرين  له، وتحويل مسار الحديث، وغير ذلك من استراتيجيات مهمة لإتمام عملية الاتصال(37).
الكفاية الاتصالية إذن ليست مجرد القدرة على استيعاب نظام اللغة، أو حتى استخدامه بشكل مطلق، بل إنها عملية فردية اجتماعية معاً، فردية حين تتعلق بالأساليب الخاصة للفرد لمواجهة المواقف، واجتماعية حين تتعلق بالسياق الذي يتم فيه الاتصال.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن : هل من الممكن أن يصل الأجنبي إلى تملك الكفاية الاتصالية في اللغة العربية بالمفهوم الذي تحدثنا عنه ؟ وإذا لم يكن ذلك ممكناً فإلى أي مدى يمكن تدريبه على اكتسابها ؟
يقول شتيرن : إن تعقد أنظمة اللغة وقواعدها يظهر أمامنا أنه من المستحيل غالباً أن يكتسب أي شخص الكفاية الاتصالية، إلا إذا كان من الناطقين أصلاً بهذه اللغة. المواطن وحده هو الذي يمتلك هذه الكفاية مما يستلزم النظر بشكل مختلف للكفاية الاتصالية عند الدارسين عندما يريدون تعلم لغة أجنبية(38).
ولنقرأ ما كتبه ابن خلدون في ذلك منذ 1405م / 808هـ، إذ يرى ندرة تحصيل الملكة اللسانية التامة للمستعربين من العجم، ويقيم نظرته تلك على أسس معينة من أهمها :
1. إن الأعاجم الداخلين في اللسان العربي، وكانت لهم لغة أخرى، وهم مضطرون للنطق بالعربية من مفرد، ومركب، يحصلون العربية ممن يخالطونهم من العرب، وهؤلاء لا يملكون، حين تأخر الزمن، ملكة اللسان المطلوبة، فقد ذهبت عنهم وبعدوا عنها، فليس لديهم إذن وسائل إجادة العربية ممن يخالطونهم من العرب.
2. إذا لجأ هؤلاء الداخلون في اللسان العربي إلى تحصيل الملكة مما أسماه القوانين المسطرة في الكتب، فإنهم لا يحصلون على إجادة اللسان (الكفاية الاتصالية) بل يحصلون على أحكامه فقط (الكفاية اللغوية).
3. إذا لجأ هؤلاء الأعاجم لتحصيل الملكة بالتعلم من كلام العرب، شعراً ونثراً، فإنهم يحصلون على هذه الملكة، لكنها ــ كما يقول ــ تجئ ناقصة أو مخدوشة، لأنه قد سبق لهم ملكة أخرى للغاتهم الأصلية، وهذه تعوق تمام الملكة الجديدة، فيفترقون في ذلك عن العرب الأصلاء(39).
قصارى ما يمكن أن يتعلمه الأجنبي إذن، مجموعة من المفردات والتراكيب، والدلالات التي يؤدي بها وظائف معينة يحتاجها بدرجة أكبر من غيرها مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الذي يتعلمه الأجنبي عادة تشوبه نقائص كثيرة. فالمفردات محدودة، مهما كثرت عنده، والنطق فيه تلعثم، والجمل غير مترابطة، بل ودلالات الألفاظ أحياناً غير دقيقة، وغير ذلك من ظواهر تجمع على أن تعلم الأجنبي للغة لا يصل بأي حال لمستوى تعلم المواطن، أو الناطق بها.. ويستلزم هذا بالطبع أن ينظر لمفهـوم الكفاية الاتصالية للأجنبي بمنظور مختلف عن الكفاية الاتصالية للمواطن أو للناطق باللغة.
ولا نود أن ننهي هذا التعليق قبل أن نشير إلى عبارة تستوقف القارئ، وردت في حديث ابن خلدون. إذ يعلل سبب ندرة وصول الأعاجم إلى اكتساب الكفاية الاتصالية في العربية، يعلل ذلك بقوله : >لأنه قد سبق لهم ملكة أخرى للغتهم الأصلية، وهذه تعوق تمام الملكة الجديدة< والسؤال الآن : ألم يسبق ابن خلدون بـذلك خبـراء الغـرب فـي تعلـيم اللـغات الأجنبية عند حديثهم عن التداخل اللغوي Language Interference ؟
أليس هذا هو التداخل اللغوي بعينه، والذي يقصد به تأثير الأنماط اللغوية التي اكتسبها الفرد في لغته الأولى على الأنماط اللغوية التي يريد اكتسابها في اللغة الثانية ؟

الفرق بين الكفاية اللغوية والاتصالية

ولعل من المناسب الآن توضيح الفرق بين الكفاية اللغوية والكفاية الاتصالية، نرى أن الكفاية اللغوية يقصد بها أن الفرد يعرف النظام الذي يحكم اللغة، ويطبقه بدون انتباه أو تفكير واع به، كما أن لديه القدرة على التقاط المعاني اللغوية والعقلية والوجدانية والثقافية التي تصحب الأشكال اللغوية المختلفة.
أما الكفاية الاتصالية فنرى أنها قدرة الفرد على استعمال اللغة بشكل تلقائي مع توفر حس لغوي يميز به الفرد بين الوظائف المختلفة للغة في مواقف الاستعمال الفعلي.
ويستعرض جينج هن أهن Jung Hun Ahn الفروق بين الكفاية اللغوية والاتصالية من خلال عدة زوايا نجملها فيما يلي :
1. من حيث نوع المعرفة : تشتمل الكفاية اللغوية على المعرفة الضمنية Knoweledge Tacit أو الكامنة الخاصة بالتراكيب اللغوية. بينما تشتمل الكفاية الاتصالية على المعرفة الضمنية، أو الكامنة الخاصة باستعمال اللغة في مواقف اجتماعية وثقافية.
2. من حيث القواعد الحاكمة : الكفاية اللغوية تحكمها قواعد معينة، وهي القواعد اللغوية بينما تحكم الكفاية الاتصالية قواعد أخرى خاصة بالعلاقة بين الأشخاص والتنظيمات الاجتماعية والضوابط الثقافية.
3. من حيث إنتاج اللغة : إن الكفاية اللغوية تزود الدارس بإمكانات التعميم لعدد غير محدود Infinite من الجمل، بينما تزود الكفاية الاتصالية الدارس بالقدرة على تعميم أشكال السلوك الاتصالي المناسبة لعدد غير محدود من المواقف الاجتماعية.
4. من حيث النحو : تهتم الكفاية اللغوية بالنسبة للنحو Syntax بمدى التزام الجمل بالقواعد النحوية المحددة، إن الشكل النحوي Grammaticality للجملة هو ما تختص به الكفاية اللغوية، بينما تختص الكفاية الاتصالية بمدى مناسبة الجمل لسياقات محددة، الجانب الاجتماعي هو ما يشغل الكفاية الاتصالية، وليس مجرد البنية النحوية للجمل.
5. من حيث اكتساب اللغة : يستند اكتساب الكفاية اللغوية على عوامل وراثية فطرية، بينما تستند الكفاية الاتصالية إلى عوامل ثقافية يواجهها الفرد خلال تعلمه.
6. من حيث الأداء : لا تنعكس الكـفاية اللـغــوية بـدقـة عـــلى الأداء اللغـوي Linguistic Performance، لأن الأداء اللغوي يتأثر بمجموعة من العوامل التي تتخطى حدود الجانب اللغوي بما في ذلك الكفاية الاتصالية. كما نجد أن الكفاية الاتصالية لا تنعكس أيضاً بدقة على الأداء الاتصالي Communicative Performance، ذلك لأن الأداء الاتصالي يتأثر أيضاً بمجموعة من العوامل التي تتخطى حدود الاتصال نفسه مثل القلق.
7. من حيث البنية : تتكون الكفاية اللغوية من بنية سطحية Surface وبنية متعمقة Deep بالإضافة إلى القواعد التحويلية Transformational، بينما يصعب الحديث عن هاتين البنيتين في الكفاية الاتصالية حيث لم تقطع الدراسات بمثل هذا الشيء للآن(40).

المفهوم والإجراءات

الاتصـال، كما يرى ولكنز وسافجنون، يحتاج إلى شرطين كي يتم، أولهما الصواب اللغوي، وثانيهما الصواب الاجتماعي. وبالرغم من اتفاق الكثيرين حول هذين الشرطين لإتمام الاتصال اللغوي، فإن المدخل الاتصالي في تعليم اللغات قد اختلفت جوانب الرؤية له. ماذا تعني الاتصالية Communicatively عندما تتكلم عن تعليم اللغة في ضوء المدخل الاتصالي ؟
من خلال مسح لعدد كبير من كتابات خبراء تعليم اللغات الأجنبية ننتهي إلى عدد من التصورات المختلفة لمفهوم تعليم اللغة اتصالياً.. وفيما يلي عرض لأهمها :
1. يـرى البـعض أن تعـليم اللـغة اتـصالياً يعـني جـعل الكفاية الاتصالية Communicative Competence الهدف الرئيسي من تعلم وتعليم اللغة، وسيرد بعد ذلك تفصيل القول في الكفاية الاتصالية مما يدفعنا ألا نطيل في الحديث عنه هنا.
2. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني تنظيم الإجراءات المناسبة لتعليم المهارات اللغوية الأربع (استماع / كلام / قراءة / كتابة) في ضوء العلاقة الاعتمادية Interdependence بين اللغة والاتصال.
3. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني شيئاً أكثر من مجرد التكامل بين تدريس النحو وتدريس الوظائف اللغوية Language Functions إن أحد الملامح الأساسية لتعليم اللغة اتصالياً أنه يولي اهتماماً منظماً للأشكال الوظيفية والأشكال البنيوية أو التركيبية Structural Aspects.
4. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني الإجراءات التي يقوم فيها الدارسون في جماعات (مثنى أو أكثر) بتوظيف المصادر اللغوية المتاحة في أداء المهام التي يكلفون بها.
ولقد وجد هذا التصور طريقه للتنفيذ من خلال مناهج تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس الابتدائية 1981 Syllabuses for primary schools، والمحور الأساسي في مثل هذه المناهج، ونقطة التركيز فيها هي الوظائف الاتصالية التي يمكن أن تخدمها، أو تؤديها الأشكال اللغوية.
5. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني انخراط الدارسين في محادثة شفوية يتفاعل فيها أطراف المحادثة Conversational Interaction، وفي مثل هذا التصور تعطى المحادثة والاتصال المباشر أولوية على مختلف أشكال السلوك اللغوي الأخرى.
6. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يتجسد في منهج الأفكار والوظائف Notions and Functions في مقابل منهج البنية أو التراكيب Structural Syllabus.
7. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يتجسد في اعتماده على حاجات الفرد، والجماعة أكثر من اعتماده على اختيار محتوى لغوي عام.
8. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يعني استعمال مواد أصلية حقيقية Authentic Materials في مقابل مواد مصنعة غير حقيقية Non-Authentic.
9. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يهتم أساساً بالعمليات Process، أو إجراءات الاتصال باللغة في مقابل ناتج الاتصال أو التعلم Product.
10. يرى البعض أن تعليم اللغة اتصالياً يتجسد في الرغبة في جعل تعلم اللغة معتمداً على الاتصال الطبيعي الأصلي، أكثر من اعتماده على المشاركة في أنشطة موجهة توجيهاً تربوياً ومؤلفة خصيصاً لذلك.
لعل القارئ يلاحظ من تعدد وجهات النظر هذه حول تعليم اللغة اتصالياً مدى التفاوت بينها، كما يلاحظ الخلط بين المفاهيم والإجراءات، فمن التصورات السابقة ما يمكن أن يمثل إجراءات وأساليب للمدخل الاتصالي، مثل تقسيم الدارسين إلى مجموعات، ومنها ما يمثل مبادئ عمل وأسساً ومنطلقـات مثل تقدير حاجات الدارسين، وبناء المناهج في ضوئها، ومنها ما يختص بالمواد التعليمية، وغير ذلك من تفاوت في وجهات النظر حول مفهوم تعليم اللغة اتصالياً. بل هناك من ينكر على المنهج الاتصالي اتباع خطوات محددة لتعليم اللغة.. فتعليم اللغة كي يتمشى حقيقة مع المفهوم الاتصالي، يجب أن يتحرر من هذا القول. يقول هووات : >إن تعلم طريقة الكلام ــ مثلاً ــ ليست عملية عقلية منطقية يمكن إحداثها وفق مجموعة من الخطوات المحددة step manner by Step، يتبعها منهج متدرج يشتمل على نقاط معينة يلزم تعلمها، ثم تدريبات وتوضيحات ! إن تعلم اللغة عملية إلهامية Intuitive Process تستثار فيها القدرات والطاقات الطبيعية Natural Capacity التي يمتلكها الإنسان، هذا إذا توفرت الشروط أو الظروف المناسبة<(41).
ومع الإيمان بأن تعلم الكلام لا يمكن أن يقتصر على منهج معين، وخطوات محددة سلفاً ومع الإيمان أيضاً بأن عملية الحدس أو الإلهام تلعب دوراً في تعلم الكلام، إلا أننا لا يمكن أن نغفل ما انتهى إليه البحث العلمي والدراسات حول أساليب تعلم الكلام، وإمكانية تنمية القدرة على التعبير الشفوي في ضوء التحديد الدقيق لمهارات الكلام. ولو أن الأمر اقتصر على هذه النظرة التي ترى أن تعلم اللغة عملية إلهامية لتوقف البحث حول مهارات الكلام وأساليب تنميتها عند الدارسين، ولتحول الاتجاه إلى البحث حول عمليات الإلهام وسبل استثارتها.
ويميز هووات عند استعراضه لتاريخ المدخل الاتصالي بين صورتين من صور تعليم اللغة اتصالياً :
ــ الصورة الأولى : وهي الضعيفة Week Version ويقصد بها تزويد الدارس بالفرص التي يستطيع من خلالها استخدام اللغة لأغراض الاتصال، ويحاول إحداث التكامل بين هذه الفرص في البرنامج، العملية في هذه الصورة هي تعلم اللغة من أجل استخدامها Learning to use English.
ــ الصورة الثانية : وهي القوية Strong Version ويقصد بها أن تعلم اللغة نفسه يكتسب بالاتصال الحقيقي، إنه استثارة إمكانات النظام اللغوي عند الفرد، وعلى خلاف الموقف في الصورة الضعيفة يصبح استخدام اللغة من أجل تعلمها  using English to learn it(42).



الفصل الخامس
أساليب تدريس المهارات اتصاليا


تكامل المهارات

للمهارات اللغوية موقع لا يختلف عليه اثنان عند الحديث عن برامج تعليم اللغات فهي همزة الوصل بين منطلقات البرنامج وأسسه الفلسفية، وبين المواد التعليمية التي تجسد هذه المنطلقات وتلك الفلسفة إلى شيء محسوس، ولعل الشكل التالي يوضح هذه  العملية :
 
وفي ضوء هذا الشكل يتضح أن تحديد المهارات اللغوية يتم في ضوء المنطلقات التي يستند إليها البرنامج، نفسية واجتماعية ولغوية وتربوية... وغيرها.
فالمهارات اللغوية المطلوب إكسابها للدارسين في برنامج يستند إلى المدخل الاتصالي سوف تختلف بالضرورة عن تلك التي يطلب إكسابها للدارسين في برنامج يستند إلى مدخل آخر، وليكن المدخل اللغوي الذي يهدف إلى تنمية المهارات اللغوية العامة، وتمكين الدارسين من العناصر اللغوية بصرف النظر عن وظيفتها، أو دورها الاجتماعي، وفي ضوء المهارات اللغوية المحددة يتم بناء المواد التعليمية التي تساعد على تنمية هذه المهارات.
وقبل الحديث عن المهارات اللغوية الأساسية، استماع، كلام، قراءة، كتابة، في ضوء المدخل الاتصالي ينبغي تحديد المقصود بمهارات الاتصال أولاً، ثم بيان العلاقة بينها، ونظام الأولويات بينها. فمهارات الاتصال هي قدرة الفرد على تكييف القواعد اللغوية واستخدامها من أجل أداء وظائف اتصالية معينة بطرق مناسبة لمواقف معينة.
والمقصود بالقواعد اللغوية هنا بالطبع ليس فقط النحو، مع أهميته في الأداء اللغوي ولكن المقصود بذلك نظام اللغة بشكل عام، أو مختلف أنظمتها صوتية، وصرفية، ونحوية ومفرداتية ودلالية.
المهارات الاتصالية إذن ليست مجرد أداء لغوي يصدر بأي طريقة كانت، أو حتى مجرد إجادة لعناصر اللغة، وإنما هي أداء معين لتحقيق وظائف اتصالية معينة في مواقف اجتماعية محددة، وفي ضوء هذا لا يمكن أن نعزل مهارات الاستماع، أو الكلام مثلاً عن السياق الذي تستخدم فيه. وهذا ما يجعل للمهارات اللغوية في المدخل الاتصالي طبيعة، وخصائص ووظائف، تختلف عن كل هذا في مدخل لغوي آخر فضلاً عن نوع العلاقة بين هذه المهارات.
المهارات اللغوية في المدخل الاتصالي تتكامل بين بعضها وبعض، ولا يعني التكامل هنا مجرد ضم مهارة لأخرى، وإنما هو شيء أبعد من ذلك، إذ يدخل هذا في صميم الموقف الاتصالي نفسه، فالموقف الاتصالي غالباً يحتاج إلى توظيف مهارتين أو أكثر في مرة واحدة ولنتصور مثلاً موقفاً يدير الفرد فيه حواراً مع موظف الاستقبال في فندق ما. في مثل هذا الموقف تشترك المهارات اللغوية الأساسية الأربع في وقت واحد، فالفرد يعبر عن رغبته في الحصول على غرفة (كلام)، وهو في أثناء تعبيره هذا يتلقى من الموظف رداً بالإيجاب مثلاً أي يستمع الفرد إلى موظف الاستقبال (استماع)، وذلك في نفس اللحظة التي يتكلم فيها الفرد ثم يعطي الفرد بطاقة يكلف بملئها (قراءة ثم كتابة). وهكذا نجد المزج بين المهارات اللغوية يتعدى حدود ضم المهارات إلى بعض، هذا مفهوم قاصر للتكامل. إن التكامل الحقيقي بين المهارات يعني الالتحام والتضام بين هذه المهارات، يعني تشابكها بطريقة تؤدي إلى إنجاز المهمة الاتصالية المطلوبة، وبأسلوب يجعلها تبدو من خلال الممارسة والسياق على أنها تستخدم بشكل طبيعي، ولتحقيق أهداف ذات معنى في حياة الفرد.
وهنا يأتي الحديث عن ترتيب المهارات اللغوية في المدخل الاتصالي، بأيها نبدأ ؟ هل نبدأ بالقراءة وتدريس القاعدة بلغة الدارس كما نجد في طريقة النحو والترجمة ؟ أم نبدأ بالقراءة فقط، ومنها نخلص للمهارات الأخرى، كما نجد في طريقة القراءة ؟ أم نبدأ بالاستماع، فالكلام فالقراءة فالكتابة، كما نجد في الطريقة الطبيعية Natural Method وكذلك في السمعية الشفهية ؟ أم نبدأ بماذا ؟
للمدخل الاتصالي رأي واضح في هذا.. ومؤداه أنه لا يوجد ترتيب مطلق ثابت، يجب الالتزام به أياً كانت ظروف الدارسين، أو أنواع البرامج التي يتعلمون اللغة من خلالها ترتيب المهـارات اللغوية. في المدخل الاتصالي يعتمد على طبيعة المواقف الاتصالية التي يتدرب الدارس عليها، ففي الموقف السابق الحديث عنه (حديث مع موظف استقبال بالفندق) نجد أن المهارة الأولى التي بدأ الفرد بها هي الكلام، وفي نفس الوقت كان يستمع، ثم فجأة كلف بالقراءة ثم الكتابة. يتساوى موقع المهارات اللغوية بمثل ما تتساوى أشكال الاتصال، فلا قيمة للقراءة على حساب الكتابة مثلاً، ولا قيمة للمهارات الصوتية على حساب المكتوبة بحجة أن الاتصال الشفوي كان هو الأساس في أي لغة.
يستتبع هذا اختلاف أولويات التدريس فقد نبدأ في برنامج بتدريس القراءة، ثم الكتابة وقد نبدأ بالاستماع، وقد نبدأ بالكلام.. مع أن هذا كله ينضوي تحت المدخل الاتصالي، فلا يوجد ترتيب مطلق وفطري No inherent ordering للمهارات في المدخل الاتصالي.
والآن ننظر في كل مهارة أساسية على حدة :

الاستـماع

الاستماع نشاط أساسي من أنشطة الاتصال بين البشر، فهو النافذة التي يطل الإنسان من خلالها على العالم من حوله، وهو الأداة التي يستقبل بواسطتها الرسالة الشفوية. ولنتأمل ما يحدث في موقف اتصال شفوي، هناك فرد يتحدث، يعرض قضية معينة، يستخدم فيها ألفاظاً وجملاً يستقبلها فرد آخر فيترجم هذه الألفاظ والجمل إلى معاني ودلالات. والفرد في أثناء تحدثه قد يستخدم مع اللغة إشارات أخرى، يستعين بها في توصيل رسالته، وعلى المستمع في ضوء هذا السياق أن يفهم الرسالة التي يريد المتكلم توصيلها إليه.
ويميز ويدسون في عملية الاستماع هذه بين مصطلحين : الأول هو السماع Hearing والثاني هو الاستماع Listening، ويقصد بالأول استقبال الفرد لرموز صوتية يركبها في ذهنه بعد ذلك ليجعل منها شيئاً ذا معنى، وهو عند فهمه لمعناها يتعرف على دلالات الكلمات والجمل وطريقة تركيبها. هذا النشاط يجعله ويدسون ترجمة لمفهوم الدقة في الاستخدام اللغوي Usage، وهناك نشاط آخر يتعدى به الفرد هذا العمل وهو التعرف على الوظائف المختلفة التي تؤديها الكلمات والجمل. ماذا يريد المتحدث توصيله له. وفي هذه العملية الثانية يربط المستمع بين ما يقال الآن، وما قيل سابقاً. إنه يضع هذه الجمل في إطار أو سياق معين يجعل لها معنى، إنه بمعنى آخر يستعمل اللغة Use، وليس فقط Usage(43).
ما معنى هذا في تدريس مهارة الاستماع وتأليف الكتب من منظور اتصالي ؟ معناه أننا لا نقف في تدريس مهارات الاستماع على مهارات التعرف التي يقتصر الأمر فيها على استقبال الرموز وتمييزها وإدراك معناها.
لابـد إذن من الالتفات إلى الشق الثاني من هذا النشاط، وهو إدراك العلاقة بين أشكال الحديث، والتعمق في فهم المقصود منها، والتأكد من أن هدف توصيل الرسالة قد تحقق. ما من فرد يستمع إلى شيء معين إلا وله هدف من الاستماع سواء أكان الاستماع فردياً أي في موقف خاص لا يتحدث الفرد فيه مع الآخرين (مثل الاستماع إلى الراديو، أو إلى حوار جانبي ليس الفرد طرفاً فيه)، أو كان خلال حديث مع الآخرين. والكتاب الجيد هو الذي يساعد الدارس على تحديد هدفه من موقف الاستماع، ويساعده أيضاً على تحقيقه.
والعلاقة بين الاستماع والمهارات اللغوية الأخرى علاقة كبيرة، بين الاستماع والكلام علاقة مؤداها أنها مهارات صوتية. وإن كانت إحداهما مهارة استقبال (الاستماع) والأخرى مهارة إنتاج (الكلام)، ولا يتصور موقف يتحدث فيه إنسان، إلا وكان هناك مستمع له يستقبل رسالته، وبين الاستماع والقراءة علاقة مؤداها أنهما مهارتا استقبال في الوقت الذي يجمع فيه بين الكلام والكتابة أنهما مهارتا إنتاج. ولقد يمر الفرد بموقف يستخدم فيه مهارتين منهما في وقت واحد، مثل الطالب الذي يستمع إلى أستاذه في المحاضرة، ويسجل وراءه كتابة بعض الملاحظات، ومثل الذي يستمع إلى تعليمات معينة مصحوبة بالاطلاع على خريطة، أو كتاب أو غيرهما من مصادر يستقي منها معرفة معينة. وتدريس الاستماع في ضوء المدخل الاتصالي يستلزم توفير موقف طبيعي في الفصل الدراسي ما أمكن. وفي هذا الموقف قد يتم توظيف مهارتين أو أكثر. وهنا يطرح سؤال حول المادة اللغوية التي ينبغي من خلالها تدريس الاستماع، هل نأتي للدارس بنص حواري طبيعي بكل ما فيه من تجاوزات في الحديث ؟ أم نجري على النص بعض التعديلات التي تجعله مناسباً للتدريس ؟
إن الحوار الطبيعي تحكمه متغيرات كثيرة منها نوع الموضوع الذي يدور حوله الحديث، والعلاقة بين أطراف الحديث، والظروف المحيطة بالحديث مثل زمنه ومكانه وغيرها من متغيرات، هـذه واحدة. أما الأخرى فهي أن الحوار الطبيعي تتخلله أحياناً عبارات غير كاملة، أو فترات توقف، أو أخطاء لغوية، أو إشارات وملامح وإيماءات. ويقترح جدز Geddes هنا أن ننقل إلى الدارس نصاً معدلاً يستطيع التحكم به في المفردات والجمل التي يستخدمها، ولا يعوقه في الوقت نفسه من فهم الرسالة بما فيها من تجاوزات(44).
المهم في الأمر هنا عدم التصنع في صياغة الجمل، أو افتعال المواقف كما أنه من اللازم أيضاً أخذ المتغيرات السابقة في الاعتبار حتى يقرب الموقف التدريسي في الفصل من الموقف الطبيعي في الحياة، في مثل هذه الحالة ترفض التدريبات التي تنمي مهارات الاستماع في وحدات منفصلة Discrete Point لأنها منعزلة عن السياق، ومن ثم فهي منعزلة عن الحياة. كما ترفض أسئلة تقويم مهارات الاستماع إذا كانت أيضاً من هذا النوع، ففي المدخل الاتصالي لا تقدم جمل منفصلة يستمع إليها الدارس، ثم يسأل عما فهمه منها. وإنما يقدم إليه موقف مستخلص من الحياة مثل إذاعة نشرة أخبار مثلاً، أو الاستماع إلى نشرة الأحوال الجوية، ويكلف الدارس بأداء مهام معينة في ضوء ما استمع إليه مثل اتخاذ قرار بشأن رحلة إلى مكان ما في ضوء نشرة الأحوال الجوية وغير ذلك من مهام.
وهنا تتكامل المهارات، فقد يشترك الاستماع مع القراءة أو مع الكتابة أو مع الكلام، المهم في الأمر أن تتقارب مهام الاستماع في الفصل من مواقف الاستماع الطبيعية في الحياة.

الكلام

الكلام أيضاً نشاط أساسي من أنشطة الاتصال بين البشر، وهو الطرف الثاني من عملية الاتصال الشفوي، وإذا كان الاستماع وسيلة لتحقيق الفهم، فإن الكلام وسيلة للإفهام. والفهم والإفهام طرفا عملية الاتصال، ويتسع الحديث عن الكلام ليشمل نطق الأصوات والمفردات والحوار والتعبير الشفوي. ولقد سادت ميدان تعليم اللغات الأجنبية أفكار معينة تركت صداها في عملية تدريس الكلام، وكان كثير من هذه الأفكار خاطئاً وتسبب في تخبط جهود تدريس الكلام في كثير من البرامج. من هذه الأفكار أن تعليم الدارس كيف يطرح سؤالاً وكيف يجيب عليه مهارتان كفيلتان بتنمية قدرته على الكلام.
وهناك بلا شك فرق كبير بين تنمية القدرة على إجراء حوار وبين طرح الأسئلة والإجابة عليها. من هذه الأفكار أيضاً أن تنمية قدرة الدارس على الكلام يمكن أن تتحقق بأن يحفظ كثيراً من الحوارات، فنماذج الحوارات تشتمل على مختلف الصيغ والتراكيب التي يحتاج إليها الدارس مثل النفي والإثبات والتعجب والاستفهام، وغير ذلك من أساليب ترتفع بمستوى أداء الدارس، ومثل هذه الأفكار تستند إلى منطلق مؤداه أن الدقة في الأداء اللغوي شرط لحسن الكلام، وهو ما لا يتفق مع واقع الحياة. فالكلام كنشاط اتصالي عبارة عن حوار يدور بين فردين يتبادلان الأدوار، فالفرد قد يكون متكلماً ثم يصير مستمعاً وهكذا، والمتكلم كما نعلم يستعين بتوصيل رسالته بألفاظ وجمل وتراكيب، فضلاً عن اللغة المصاحبة Paralinguistics التي تشتمل على الإيماءات والإشارات واللمحات وغيرها من حركات يستخدمها المتكلم لتوصيل رسالته. ولاشك أن الحرص على توافر الدقة اللغوية فقط سوف يكون على حساب قيمة القدرة الاتصالية أي القدرة على أن يكون طرفاً حقيقياً في عملية الاتصال. إن التركيز في الطرق السابقة عند تدريس الكلام هو على بنية اللغة، وليس على مدى مناسبتها للسياق، بل إن بعض كتب تعليم اللغات تورد الحوار بين أشخاص لا أسماء لهم.. وإنما يكتب بدلاً عنها رموز مثل أ، ب... إلخ. وهذا يتنافى مع الاتصال الحقيقي الذي يختلف فيه الحوار باختلاف أطراف الحديث، إن مجرد نطق جمل وعبارات لا يعني أن مهارة الكلام قد أمكن تنميتها، فلقد يستطيع فرد أن يوصل رسالته مع ما فيها من أخطاء محدودة.
ويميز ويدوسون بين ثلاثة مصطلحات في مجال تعليم الكلام، هي :
الكلام Speaking ويقصد به القدرة على الاستخدام الصحيح للغة Usage بينما يقصد بالتحدث Talking القدرة على الاستعمال المناسب للغة في سياقها والتحدث هنا ــ بخلاف الكلام ــ يشمل اللغة اللفظية واللغة المصاحبة. وعندما يؤدي أحد أطراف عملية الاتصال دور المتكلم، فإن الجانب الإنتاجـي في الموقف يطلق عليه ويدوسون لفظ القول Saying(45).
ولهذا بالطبع تطبيقات في خطوات تعليم الكلام، والسياق مهم جداً في بيان الأدوار طرفي عملية الكلام. إن تدريس الكلام في شكل حوارات صماء ومنفصلة عن محيطها الذي صدرت فيه من شأنه الفصل بين الشكل والمعنى في عملية الاتصال. وقديماً قيل : لكل مقام مقال، ولهذا المثل تطبيقاتـه الواضحة في تعليم مهارات الكلام في المدخل الاتصالي. ولعل هذا ترجمة صادقة، وسابقة، لمفهوم مدخل الوظائف والأفكار العامة Notional-Functional وهو أساس المدخل الاتصالي.
وأخيراً... فلا ينبغي أن تطرح في المدخل الاتصالي، قضية مدى الحاجة إلى تعليم مهارات الكلام، بحجة أن من الصعب التنبؤ بأن الدارس سوف يواجه موقفاً يحتاج فيه للاتصال الشفوي مع الناطقين باللغة (العربية) فلئن صح هذا بالنسبة إلى دارس معين فلا يصح تعميمه بالنسبة لمجتمع الدارسين ككل، فسوف تحتاج طائفة منه إلى الكلام مع الناطقين باللغة في وقت ما.
المهارات الصوتية إذن لها مكانها الواضح في المدخل الاتصالي.

القراءة

القراءة نشاط، تتصل العين فيه بصفحة مطبوعة، تشتمل على رموز لغوية معينة يستهدف الكاتب منها توصيل رسالة إلى القارئ، وعلى القارئ أن يفك هذه الرموز، ويحيل الرسالة من شكل مطبوع إلى خطاب خاص له. ولا يقف الأمر عند فك الرموز وفهم دلالاتها، وإنما يتعدى هذا إلى محاولة إدراك ما وراء هذه الرموز، والقراءة بذلك عملية عقلية يستخدم الإنسان فيها عقله وخبراته السابقة في فهم وإدراك مغزى الرسالة التي تنتقل إليه.
ولعل التعريف الإجرائي الذي قدمته الرابطة القومية لدراسة التربية NSSE في أمريكا يوضح طبيعة عملية القراءة. يقول التعريف : >إن القراءة ليست مهارة آلية بسيطة، كما أنها ليست أداة مدرسية ضعيفة. إنها أساساً عملية ذهنية تأملية، وينبغي أن تبنى كتنظيم مركب يتكون من أنماط ذات عمليات عليا، إنها نشاط ينبغي أن يحتوي على كل أنماط التفكير والتقويم، والحكم، والتحليل والتعليل، وحل المشكلات<(46).
ويعتبر جودمان K. S. Goodman أن القراءة بوصفها عملية استقبال تنطوي على أربع مراحـل أو عمليات هي : اختيار عينات المادة المقروءة، ويسميها جودمان Sampling، والتثبت من الرموز المقروءة ويسميها Confirming، والتنبؤ بما يريده الكاتب، ويسميها جودمان Predicting، وأخيراً اختبار الفروض التي طرحها القارئ ويسميها جودمان Testing وفي تصور جودمان تختص العمليتان الأوليان (اختيار العينة والتثبت) بالجانب الفسيولوجي في القراءة. أي اتصال العين بالرموز المطبوعة، ومحاولة فكها، إذ هي التي تعطي إشارة للمخ كي يفسر هذه الرموز، بينما تختص العمليتان الأخريان (التنبؤ والاختبار) بالجانب الفعلي. والعمليتان الأخريان يصفهما سميث Smith بأنهما "معلومات غير بصرية"     Non-visual information(47).
والقارئ حين يتصل بمادة مطبوعة، فإنما يفعل ذلك لهدف، وقد يكون هدفاً عقلياً، يتمثل في الرغبة في الحصول على المعرفة لتوسيع أفقه، وقد يكون هدفاً عملياً، يتمثل في الرغبة في أداء شيء ما، وقد يكون وجدانياً يتمثل في الرغبة في إشباع الحاجات الوجدانية عند الفرد. هذه الأهداف الثلاثة هي ما يحددها هوايت تفسيراً للغرض العام من القراءة، وهو الحصول على المعلومات والمعارف. ويطلق هوايت على هذه الأهداف الثلاثة : الهدف العقلي Intellectual أو المعرفي Cognitive، الهدف الواقعي Factual أو المرجعي Referential والهدف الوجداني Affective أو الانفعالي Emotional، ويرى أن باقي أهداف تعليم القراءة يمكن أن تندرج تحت هذه الأهداف الثلاثة(48).
وسواء وافق الخبراء على هذا الرأي المجمل، أم فصلوا القول فيه فإن ما يلفت هوايت نظرنا إليه هو أن القارئ لا يقرأ إلا لهدف، حتى ولو كان الهدف للمتعة الشخصية، فالقارئ فرد يعبر سلوكه عن رغبات ومقاصد معينة، وحاجات يريد إشباعها وليس الأمر مجرد استرجاع رموز ذات دلالات مشتركة عند جميع القراء.
عملية القراءة إذن عملية فردية تخص القارئ وحده، وتنقل إليه معلومات معينة، ودلالات خاصة قد لا يشاركه فيها غيره، فقد نقرأ جميعاً نصاً معيناً، لكن ليس من اللازم أن نخرج بنفس المعنى وهذا ما يميز فيه الخبراء بين قراءة النص المطبوع Text، وبين قراءة الخطاب Discourse(49).
وهنا تقف عملية تعليم القراءة أمام مدخلين، الأول أن يقتصر الأمر على مساعدة الدارس على فك الرموز وفهمها. وفي هذا المدخل يعطى الدارس نصاً تتبعه أسئلة، تقيس مدى فهمه للنص، أياً كان شكل هذه الأسئلة، ولا يهتم هذا المدخل بما وراء النص كثيراً.
وهذا المدخل هو ما يسميه هوايت أيضاً بالمدخل التعليمي Pedagogical Approach، في مقابل المدخل الثاني وهو المدخل الاتصالي Communicative Approach وفيه يتأكد المعلم أولاً من أهداف الدارس من القراءة أو على الأقل يستثير فيه أن الفرد يريد القراءة ليشبع حاجة وليسد فراغاً يسمى في علوم الاتصال بفجوة المعلومات Information Gap.
وتعليم القراءة في المدخل الاتصالي يهتم في الدرجة الأولى بتحديد الهدف من   القراءة، ليس هذا فقط، بل التفكير في أشكال الأداء الأخرى التي يرجى من الدارس أن يقوم بها سواء أكانت تحديد مكان على خريطة أو اتخاذ قرار، أو قراءة شيء آخر أو إجراء حوار أو غير ذلك من أداءات، هذه العملية هي ما يطلق عليه تحويل الرموز وهي عملية تربط بين اللغة المطبوعة وبين أشكال الاتصال الأخرى.
يضاف إلى ذلك مساعدة الدارس على الإدراك المتعمق لما ورد بالرسالة المقروءة، إن من الأمور الهامة في تدريس القراءة في المدخل الاتصالي تدريب الدارس على استخدام القرائن المختلفة في سبيل استيعاب النص المقروء. ومن هذه القرائن شكل الرموز نفسها، ومعناها القاموسي ودلالاتها الثقافية، فضلاً عن طريقة بناء الجمل والتراكيب، كل هذه إشارات أو قرائن تساعد في فهم الرسالة، ويطالب الدارس بأن يكتسبها حتى يستقل بنفسه بعد ذلك في تحصيل المعرفة. هذا فضلاً عن تنمية قدرة الدارس على التنبؤ بما سوف يقوله الكاتب. إن القراءة عملية عقلية تشتمل على مجموعة افتراضات ينبغي أن يختبرها الدارس وأن يدرب على ذلك.

الكتابة

الكتابة كالقراءة نشاط اتصالي ينتمي للمهارات المكتوبة، وهي مع الكلام نشاط اتصالي ينتمي إلى المهارات الإنتاجية. وإذا كانت القراءة عملية يقوم الفرد فيها بفك الرموز Decoding وتحويل الرسالة من نص مطبوع إلى خطاب شفوي، فإن الكتابة عملية يقوم الفرد فيها بتحويل الرموز من خطاب شفوي إلى نص مطبوع. إنها تركيب للرموز Encoding بهدف توصيل رسالة إلى قارئ يبعد عن الكاتب مكاناً وزماناً. وفي ضوء المدخل الاتصالي يتحمل المعلم مسئولية تدريب الدارس على تملك مهارات توصيل الرسالة في شكل مطبوع، ولئن كان معيار الصواب في تقويم الكتابة في ضوء المدخل التقليدي لتعليم اللغة هو الدقة اللغوية وتجنب الأخطاء. فإن معيار الصواب في تقويم الكتابة في ضوء المدخل الاتصالي هو مدى القدرة على توصيل الرسالة، وتصدق هنا نظرية فجوة المعلومات التي سبق الحديث عنها في القراءة. إن الموقف الطبيعي في الكتابة يتمثل في أن فرداً لديه ما يريد قوله مما لا يعرفه القارئ كاملاً أو لا يتوقعه عادة بالطريقة التي كتبت بها. الكاتب يشعر بحاجة إلى تبليغ فكرة لطرف آخر، ولا يشعر براحة إلا حين يصب فكرته على الورق. والمشكلة التي تواجه تعليم الكتابة في الفصول التقليدية لتعليم اللغة هي اصطناع مواقف للكتابة، لا يشعر الدارس فيها بهدف حقيقي للكتابة، ومن ثم يضطر للكتابة بغرض الكتابة ذاتها إرضاء للمدرس ومجاراة للموقف التعليمي، أما في المدخل الاتصالي فيحرص المدرس على توفير الظروف التي تجعل موقف تعليم الكتابة في الفصل قريباً من الموقف الطبيعي للاتصال بالكلمة المكتوبة وفجوة المعلومات بالنسبة للكتابة ذات وظيفة كبيرة في تعليم مهاراتها للدارسين، إذ تساعد على تدفق المعلومات بشكل طبيعي Genuine information flow بين الدارسين حيث يجهل كل دارس ما يريد الآخر كتابته. كما يساعد على تقويم ما كتب في ضوء قدرته على توصيل الرسالة، ويضرب جونسون مثالاً لذلك حين يقدم لأحد الدارسين معلومات معينة يطلب منه كتابتها، ثم يكلفه بتوصيلها للدارس الآخر، ويكلف هذا الدارس الآخر بعد ذلك بتوصيلها للدارس الرابع.. وهكذا يؤدي كل دارس دورين، دور المستقبل للرسالة، ودور المرسل لها بشكل مكتوب(50).
وعند تقويم طريقة كتابة الفقرات، يقترح جونسون معيارين : الأول ويسميه التماسك اللغوي Cohesion ويقصد به مدى ترابط الجمل لتكون بنية لغوية صحيحة ولتشكل وحدات لغوية (أو نحوية). والثاني ويسميه الترابط المنطقي Coherence ويقصد به طريقة تنظيم هذه الجمل لتشكل وحدات ذات معنى. القدرة إذن على توصيل المعنى وتحقيق هدف معين هي الأساس في توجيه النشاط الكتابي في المدخل الاتصالي. وفي ضوء هذا المدخل كما سبق التمثيل، يتبادل الدارسون الأدوار. فالدارس مرة كاتب يوصل رسالة معينة، ومرة أخرى قارئ. وفي واقع الأمر فإن الكاتب قارئ أيضاً إذ يعود لقراءة ما كتب فترة بعد أخرى، إكمالاً لعبارة أو فكرة أو تصحيحاً لمفهوم أو تأكد من شيء أو غير ذلك من أسباب، وفي حصة تدريس الكتابة، شأن المهارات الأخرى، تتكامل هذه المهارات.
ويميز تشارلز بروجرز ورونالد لنسفور في كتابهما "الكتابة فن اكتشاف الشكل والمعنى" والذي نشر تقرير عنه بمجلة الفيصل السعودية، ميزا بين ثلاثة أنواع رئيسية من الكتابة هي :
ــ الكتابة التعبيرية : وفيها يعبر الفرد عن أفكاره الذاتية الأصلية، ويبني أفكاره وينسقها وينظمها في موضوع معين بطريقة تسمح للقارئ أن يمر بالخبرة نفسها التي مر بها الكاتب (وهذه هي ما تسمى في التربية بالكتابة الإبداعية).
ــ الكتابة المعرفية : وفيها يستهدف الفرد نقل المعلومات والمعارف وإخبار القارئ بشيء يعتقد الكاتب أن من الضروري إخباره به، وتستلزم هذه الكتابة المعرفية تفكيراً تحليلياً وقدرة على إكساب معنى لأشياء لا معنى لها في حد ذاتها. والمطلوب من كاتب المقال المعرفي أن يعرف قارئه جيداً، وأن يدرك حاجاته ورغباته. إن الكتابة المعرفية تفقد أهميتها ومغزاها إذا لم تتضمن معلومات وحقائق وأخباراً (وهذه الكتابة تشبه ما يسمى بالكتابة الوظيفية).
ــ الكتابة الإقناعية : وهي تتفرع من الكتابة المعرفية، وفي الكتابة الإقناعية يستعمل الكاتب العديد من الطرق لإقناع القارئ بوجهة نظره، مثل المحاججة وإثارة العطف ونقل المعلومات بطريقة تؤثر لصالح موقـف معين واستخدام الأسلوب الأخلاقي. إنه يلجأ إلى المنطق والعاطفة أو الأخلاق، وربما إلى الدين لإقناع القارئ بآرائه(51).
الكتابة إذن ليست عملية آلية بحتة، يكتفى فيها برص مجموعة من الكلمات لتكون جملاً والجمل لتكون فقرات والفقرات لتكون موضوعاً.. إن الكتابة عملية إبداعية ينبغي على المعلم تعريف الدارس بأبعادها. فيجدر به أن يسأل نفسه دائماً قبل أن يكتب : لماذا أريد أن أكتب ؟ ما الذي أود التعبير عنه ؟ ثم لمن أوجه هذه الكتابة ؟
وتعليم الكتابة في المدخل الاتصالي يستلزم تدريب الدارس على اكتساب خبرات في المراحل المختلفة للكتابة، بدءاً من مرحلة ما قبل الكتابة التي يجمع فيها الدارس بيانات عما يريد أن يكتب حوله، وانتهاء بمرحلـة التعديل والتجديد، والتي يعيد فيها الدارس النظر فيما كتبه تطويراً وتحسيناً له.
أما الحديث عن أنواع الكتابة، فليس هذا مجال الإفاضة فيه، إذ هناك أنواع مختلفة تندرج تحت مفهوم الكتابة، منها الخط بنوعيه (النسخ والرقعة)، ومنها الإملاء بأنواعها (منقول، منظور، اختباري) ومنها التعبير بأنواعه (المقيد، الموجه، الحر)، ولكل من هذه الأنواع أهداف وأساليب تدريس فصلتها كتب طرق تدريس اللغة العربية.

القواعد

يتبين من التعريفات السابقة للغة أن اللغة ليست مجرد مجموعة عشوائية من الأصوات والحروف والمفردات والتراكيب والجمل، إن لها نظاماً. والحديث عن نظام اللغة يعني أن هناك مجموعة من القواعد اللغوية التي تحكم ظاهرة اللغة، والقواعد اللغوية هنا مفهوم أوسع من مفهوم النحو. ويطلق على القواعد اللغوية عادة مصطلح Grammar، بينما يطلق على النحو مصطلح Syntax يقول ديكنز وزميله رودز : >إن المبادئ اللغوية تنضم بعضها إلى بعض لتكون نظاماً، هو القواعد التي تقدم وصفاً واضحاً صريحاً وشاملاً لكل جملة تتكون من مجموعها اللغة<(52).
القواعد اللغوية، وليس مجرد النحو، هي العمود الفقري في أي لغة، ولقد ساد هذا التصور بين المشتغلين بتعليم اللغات إلى الدرجة التي اعتبرها البعض مساوياً لتعلم اللغة. ولقد سبق مناقشة مفهوم لنت Lent لمهارات الاتصال، حيث قرر فيه أن مهارات الاتصال عبارة عن قدرة الفرد على تكييف القواعد اللغوية، واستخدامها. وينتشر هنا التصور بين كثير من الدارسين، والمعلمين، والخبراء في تعليم اللغات الأجنبية، فتعلم اللغة عند هؤلاء يعني القدرة على استظهارها، واسترجاعها قاعدة قاعدة. وانعكس هذا التصور بالطبع على كل ما يختص بالعملية التعليمية بدءاً من المنطلقات وانتهاء بأساليب التقويم.
فمن حيث المنطلقات يرى إيجر Ager أن الفرق بين اكتساب اللغة وبين تعلمها يكمن في أن الأول Acquisition يتميز بالتعرض الكامل للغة واستعمالها، بينما يتميز الثاني Learning بالدراسة المنظمة للقواعد اللغوية(53).
ويضيق المصطلح عند آخرين فيقصد به القواعد النحوية، ولا يقتصر هذا التصور على الكتابات الغربية بل يمتد إلى تراثنا العربي. ففي تراثنا أيضاً تصور بأن القدرة التواصلية يمكن أن تتم للفرد إذا تمكن من قواعد اللغة خاصة النحو. يقـول الـدكتور محمد الأوراغي في كتابه : "اكتساب اللغة في الفكر العربي القديم" : >إن مما يمكن من فهم اللغة أو معرفتها أو اكتسابها توسيع الرؤية إلى الموضوع بحيث يكون المطروح نشأة القدرة التواصلية لدى الإنسان، ويكون السؤال الموجه هو أنىَّ للفرد المهيأ للتكلم من أن يبني نحواً يعمل به أبنية أو صوراً قولية ويبلغ بواسطتها إلى غيره ما يريد أن يفهمه إياه، ويفهم بها ما يبلغه من غيره ؟ إذن الأشكال الرئيسية في الموضوع هي بيان حصول النحو في نفس المتكلم وإذا حصل له يكون قد امتلك قدرة تمكنه من العمل التواصلي، لذا يكون تعلم اللغة مرادفاً لامتلاك الإنسان قدرة نحوية لم تكن له من قبل<(54).
بالرغم من هذه العلاقة بين تعلم اللغة وتملك القدرة النحوية والتي سادت في تراثنا، إلا أننا نجد في تراثنا أيضاً من يفصل بين الأمرين.
إن ابن خلـدون مثلاً بناء على نظرته للملكة اللسانية يرفض ابتداء أن يكون للنحو صلة بالكلام.
ويقرر ذلك تقريراً حاسماً بقوله : >فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة< وقدم قبل ذلك أساس هذا الرفض بقوله : >وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها، فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية وليس هو نفس الكيفية<(55).
هناك في رأي ابن خلدون إذن فرق بين "الملكة اللسانية"، أي القدرة على استخدام اللغة وبين "صناعة العربية" أي الانخراط في قضايا النحو والإعراب.. هذا الفرق هو ما يسميه الدكتور محمد عيد بالفرق بين نحو اللغة ونحو الصنعة في دراسة له قدمها لمؤتمر اللغة العربية في الجامعات بالإسكندرية 1981. في دراسته تلك يحدد الدكتور محمد عيد خصائص نحو اللغة قائلاً : إن نحو اللغة هو نحو اللباب والجوهر دون تفريط أو إفراط وأهم سماته :
1. المحافظة على المادة الأساسية في كتب النحو التي تخدم النطق.
2. المحافظة على مصطلحات النحو المتعارف عليها من المشتغلين بالعربية قديماً وحديثاً.
3. المحافظة على نصوص النحو الموثقة نثراً وشعراً لما لها من صلة بتكوين ملكة اللسان لدى المتعلمين.
4. التركيز على تكوين الملكة اللسانية بالتدريب على النصوص والتطبيق عليها وكثرة الجداول الشارحة التي تستقرأ منها النصوص.
5. اعتماد عرض النحو على الاستقراء والاستنباط من النصوص المختارة والأمثلة التي تحمل لغة عصرنا وثقافته بدلاً من المعايير والقوانين.
إنه ببساطة النحو الخالي من الفضول والمماحكات المستنبطة من اللغة لخدمة استعمالها نطقاً وقراءة وكتابة. أما نحو الصنعة فمن سماته العلل الجدلية النظرية التي لا جدوى منها لدارس النحو. ومن مظاهـر نحو الصنعة أيضاً الجدل الذهني العقيم حول مسائل النحو ونصوص الشواهد(56).
ما معنى ذلك في تعليم الدارسين النحو العربي ؟ معناه ببساطة أن هناك فرقاً بين نظريتين للنحو، الأولى ترى أنه غاية والأخرى ترى أنه وسيلة. فهو غاية عندما نجد الكتاب يصرف الجهود لتعليم متاهاته، وتأويلاته، وتقديراته. ويقدم أمثلة واستشهادات ليست من الحياة، ويركز على شرح القاعدة دون التدريب عليها أحياناً، وهنا ينصرف الشكل عن المعنى.
والنحو وسيلة عندما نجد الكتاب يقدمه كوسيلة لصحة الأسلوب وسلامة التراكيب وتقويم اللسان من الاعوجاج والزلل، هنا يقدم النحو من خلال نصوص موثقة أو قراءة نصوص أدبية، فاللغة كما يقولون أقدم من قواعدها وأوسع من معاجمها، ولقد أدرك الجاحظ هذه المشكلة من قديم، حين ميز أيضاً بين النحو كوسيلة والنحو كغاية واعتبر النحو كغاية مضيعة لوقت الصبى وشغلاً له عما هو أولى به. يقول الجاحظ : >أما النحو فلا تشغل قلبه ــ أي الصبى ــ إلا بمقدار ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب، إن كتبه وشعر إن أنشده، وما زاد على ذلك فهو مشغلة للصبى عما هو أولى به<(57).
النظر إلى النحو بوصفه غاية أو وسيلة هو محور الخلاف بين طرق تعليم اللغات الأجنبية من حيث موقع القواعد النحوية فيها. فالنحو في بعضها يمثل الأساس الذي يستند إليه تعليم اللغة (طريقة النحو والترجمة)، والنحو في بعضها الآخر يمثل أحد الأسس ولكن أن يعلم بطريقة غير مباشرة (السمعية الشفوية.... )، والنحو في بعضها الثالث لا يعلّم وإنما يكتسب بالمران على استخدام اللغة في مواقف طبيعية (الطريقة المباشرة). ولقد انبثق هذا الأسلوب من فكرة جون لوك التي يرى فيها منذ القرن السابع عشر >أن تعلم اللغة يتم بالتحدث مع الأطفال بواسطة المحادثة المستمرة وليس بواسطة القواعد النحوية<(58).
ولعل عبارة جون لوك السابقة توحي لنا بتصور عن العلاقة بين النحو والاتصال، مؤداه أنهما عمليتان منفصلتان تستقل كل منها عن الأخرى وليستا عملين متكاملين ولازمين للاستخدام الفعال للغة، ساد هذا التصور بين كثير من خبراء تعليم اللغات الأجنبية إلى الدرجة التي صار النحو فيها يعلم أحياناً منفصلاً تمامـاً عن الحياة، فيعنى بالممارسة اللغوية الشكلية بعيداً عما له وجود حقيقي في الحياة. انفصل النحو عن السياق الاجتماعي، بدلاً من أن يتدرب الدارس على الممارسة العملية للغة مدركاً من خلالها أنماطها وقواعدها.
وهذا هو الملمح الأساسي من ملامح تدريس النحو اتصالياً، في المدخل الاتصالي يحرص مؤلف الكتاب على جعل حجرة الدراسة قريبة ما أمكن من السياق الاجتماعي الذي تستخدم فيه اللغة... وفي هذا الصدد يميز ديكنز وودز بين محتوى النحو Content، وأسلوب تقديمه أو طريقة بنائه Construct.
والعبرة في المدخل الاتصالي ليست بالموضوعات النحوية التي تقدم، وإنما بالسياق الذي تقدم فيه. وهنا يظهر مفهوم مطالب تعلم النحو Grammar Learning Tasks التي يقدمها المؤلفان بوصفها سمة أساسية من سمات تدريس النحو في المدخل الاتصالي. ويقصد بالمطالب هنا ما يرجو المؤلف من الدارس عمله حتى يكتسب تلقائياً مهارة إدراك القاعدة النحوية واستخدامها(59).
ينبغي، في ضوء المنهج الاتصالي، أن تكون التراكيب اللغوية التي يشتمل عليها الدرس مؤشراً صادقاً للسياق الاجتماعي الذي استخدمت فيه مثل :
ــ العلاقة بين أهداف الحوار. فصيغة الأمر مثلاً تأخذ معنى عندما يطلب كبير من صغير شيئاً، بينما تأخذ معنى آخر عندما يرجو صغير من كبير شيئاً. واللغة المستخدمة من رئيس لمرءوس تختلف عن اللغة المستخدمة من مرءوس لرئيسه، والنحو في المدخل الاتصالي مؤشر صادق لهذه العلاقة.
ــ الموضوع الذي يناقش بين الأفراد. أو الذي يدور حوله النص، فهناك موضوعات تشيع فيها لغة الرجاء، وهناك موضوعات تشيع فيها لغة الوصف.. وللموضوع، كما نعلم، سمات تفرض نفسها على اختيار التراكيب وليس المفردات فقط.
ــ الوقت والظروف التي تدور فيها الأحداث، وكذلك الحالة المزاجية لأطراف الحوار فاللغة التي تصدر عن رجل غاضب تختلف عما يصدر عنه في حالة الرضا، وكذلك الاتجاهات النفسية للأفراد أطراف الحوار.
ولا يعترف المدخل الاتصالي إذن بقواعد شكلية، وصيغ مطلقة للنحو، وإنما يربط هذا بالسياق ويساعد الدارس على تعلمه من خلال هذا السياق.
وتقديم القواعد النحوية في المدخل الاتصالي يخضع لمجموعة من المعايير التي عالجها عدد من خبراء تعليم اللغات الأجنبية سنقتصر فيما يلي على عرض هذه المعايير عند اثنين منهما :
(أ) يرى شيلدون أن من أهم معايير تقديم النحو اتصالياً ما يلي :
1. التحديد الدقيق لشخصية مستعمل اللغة، أي شخصية أطراف الحوار. إن هناك متغيرات كثيرة تلعب دورها في بنية اللغة المقدمة، منها السن والثقافة ومستوى التلميذ اللغوي عند الدخول في برنامج تعليم اللغة، والمستوى المطلوب توصيله له.
2. الصلة Linkage ويقصد بذلك كيفية ارتباط وحدات النحو في الكتاب الذي يدرس.
3. اختيار وتدرج الوحدات اللغوية Selecting and grading language items.
الكفاية Sufficiency ويقصد بذلك ما إذا كان الكتاب كافياً إذا اعتمد عليه الدارس وحده(60).
(ب) أما وليامز فيقدم أربعة معايير :
1. التأكيد على القدرة الاتصالية في تدريس وحدات النحو (قواعد اللغة).
2. تقديم عدد كاف من الأسئلة يوضح السمات الرئيسية للتركيبات اللغوية التي يراد تدريسها.
3. بيان أنواع الإجابات المطلوبة في التدريبات المقدمة بوضوح.
4. اختيار التراكيب اللغوية بناء على دراسات توضح الفروق بين ثقافة كل من اللغتين، لغة الدارس واللغة الأجنبية.


الفصل السادس
تطبيقات وتوجيهات


إعداد المواد التعليمية

في ضوء المفاهيم السابقة يطرح السؤال الآتي نفسه : كيف لهذه المفاهيم أن تجد طريقها للمواد التعليمية خاصة الكتاب المدرسي لتعليم العربية كلغة أجنبية ؟
فيما يلي مجموعة من التطبيقات التي تشكل أساساً من أسس بناء قائمة المعايير ومصدراً من مصادرها :
1. إن هناك فرقاً بين صورتين لتعليم اللغة اتصالياً. هناك الصورة الضعيفة، وهي التي يتم فيها تزويد الدارس بمجموعة فرص لاستخدام اللغة في الاتصال. وهناك الصورة   القوية، وهي التي تستثار فيها الإمكانات اللغوية عند الدارس في مواقف اتصال طبيعية. إن هذا هو الفرق بين تعليم الاتصال من خلال اللغة، وبين تعليم اللغة من خلال  الاتصال. والكتاب الجيد هو الذي تسود فيـه الصورة القوية لتعليم اللغة اتصالياً، فتكثر فيه الفرص التي يتم فيها توظيف المصادر اللغوية، والثقافية المتاحة في المجتمع حتى يمكن للدارس أداء المهام الاتصالية التي يكلفون بها في المهارات اللغوية المختلفة.
2. إن هناك نوعين من الاتصال : اتصال بين الفرد ونفسه Intralingual Communication وهو الذي يدور داخل عقل الفرد في أثناء علاقته بالآخرين، وتبادله وجهات النظر معهم وهناك اتصال بين الفرد والآخرين Interlingual Communication، وفيه يتم تبادل المعلومات والمعارف بين فرد وآخرين. والكتاب الجيد هو الذي يساعد على تنمية كل من النوعين عند الدارسين باللغة العربية، فيدرب الدارس على التفكير بالعربية ويدربه أيضاً على تبادل الآراء مع غيره بالعربية.
3. إن مواقف الاتصال التي يستخدم الفرد اللغة فيها مواقف غير محدودة، ومن غير الممكن استيعاب الكتاب لها، وتدريب الدارس على المرور بها جميعاً. من هنا تصبح تنمية القدرة على الاختيار بين البدائل والتكيف مع مواقف الاتصال الجديدة هدفاً أساسياً من أهداف تعليم اللغة في الكتاب الجيد.
4. إن المادة التعليمية الجيدة هي التي تحول الكفاية اللغوية عند الدارسين إلى كفاية اتصالية حسب ظروف كل مجموعة، فقد يكون من بينهم من لديه خبرة سابقة محدودة باللغة، وقد تختلف أهدافهم من تعلم اللغة، وقد تتفاوت قدراتهم ودوافعهم إلى غير ذلك من متغيرات يجب أخذها في الاعتبار عند إعداد المادة التعليمية بحيث تناسب كل فئة منهم.
5. ينبغي بناء المادة التعليمية على أساس التحليل الدقيق للحاجات اللغوية عند الدارسين، وتحويل هذه الحاجات إلى وظائف لغوية تشبعها المادة التعليمية المقدمة في الكتاب.
6. ينبغي أن يؤدي الكتاب ثلاث وظائف أساسية بالنسبة للمادة التعليمية :
الأولى : تقديم نماذج منها.
الثانية : تمكين الدارس من ممارستها.
الثالثة : تدريب الدارس على إنتاج مثلها.
7. ينبغي استثارة دوافع الدارسين على تعلم اللغة، وذلك بتعريفهم بأهداف الدارس، وموقع هذه الأهداف من مواقف الاتصال الحقيقية في الحياة. إن الكتاب الجيد هو ذلك الذي يتعرف الدارس من خلاله على أهداف كل أداء لغوي مطلوب منه القيام به، أو كل معلومة مطلوب منه أن يعرفها سواء نص الكتاب عليها صراحة، أو استنتجت من ثناياه.
8. إن هناك فرقاً بين معنى الجملة، والطريقة التي تستخدم بها في سياقات معينة. إن هناك عدة طرق وأساليب لأداء اللغة في الحياة، والمطلوب أن تعرف هذه الطرق والأساليب، وليس مجرد معرفة المفردات والتراكيب والجمل. والكتاب الجيد هو ذلك الذي يقدم للدارس الطرق التي تستخدم بها هذه الجمل في الحياة، وليس المقصود هنا مجرد المفردات أو الجمل التي تتكون منها، وإنما أيضاً الإشارات المصاحبة لاستخدام هذه المفردات والجمل، أو ما يسمى باللغة المصاحبة التي سبق الحديث عنها.
9. ينبغي أن يحرص الكتاب على توجيه الدارسين إلى أن الاهتمام يجب أن ينصب على المعنى وليس على البراعة اللفظية ! لا انفصال في المدخل الاتصالي بين الشكل والمعنى والتركيز هنا ينبغي أن يكون على نقل الأفكار والتعبير عنها وتحقيق هدف المرسل من رسالته.
10. ينبغي قياس قدرة الدارسين باستمرار على إدراك موقع الحرف والكلمة والجملة في إتمام عملية الاتصال بشكل معين.
11. ينبغي اعتماد الكتاب على نصوص أصلية موثقة، فهي أقرب إلى الحياة وأصدق في التعبير عنها، مع تعديل ما يلزم تعديله من أجل أن يصلح لتأدية الأغراض التعليمية والتدريبات.
12. ينبغي تقديم نماذج من المواد الأصلية Authentic materials التي تستخدم في المجتمع حتى يتعرف الدارس على أشكال هذه المواد في الحياة وأسلوب التعامل معها. ومن هذه المواد الأصلية :
أ) نشرة أخبار حقيقية.
ب) نسخة من جريدة عربية.
ج) تذكرة لإحدى شركات الطيران العربية.
د) قائمة طعام بأحد الفنادق العربية.
هـ) أغنية من الأغاني العربية.
و) تعليمات تشغيل جهاز باللغة العربية.
ز) خرائط لبلاد عربية.
ح) طوابع بريد عربية.
ط) نماذج لملابس عربية.
13. ينبغي تنويع النصوص والتدريبات اللغوية بحيث تغطي الأنواع المختلفة للكفاية الاتصالية، أو المكونات الأساسية لها وهي :
ــ الكفاية النحوية                                     ــ الكفاية اللغوية الاجتماعية
ــ كفاية التخاطب أو الخطابDiscourse              ــ الكفاية الاستراتيجية
14. يخضع ترتيب المهارات اللغوية في الكتاب لاعتبارات خاصة بأهداف البرنامج واحتياجات الدارسين، وليس لاعتبارات تقليدية مطلقة. فقد يبدأ بالاستماع في كتاب بينما يبدأ بالكلام في آخر، ليس هناك إذن، في المدخل الاتصالي، ترتيب مطلق للمهارات اللغوية.
15. ينبغي إبراز التكامل بين المهارات اللغوية بالشكل الذي تتم به في الحياة، فقد يتدرب الدارس على الاستماع من خلال حوار بينه وبين غيره، وقد يتدرب على القراءة من خلال الكتابة... وهكذا.
16. ينبغي أن تتعدد الاستجابات اللغوية التي يدرب الدارس على استخدامها في الموقف الواحد، مثل عبارات الشكر التي ترد في حوارات معينة، مما يعني البعد عن الكليشيهات المحفوظة في كتب تعليم اللغات.
17. ينبغي التخلص من تقديم القواعد اللغوية عن طريق الجمل المصطنعة، أو المعزولة عن سياقها. وأن تكون المادة اللغوية المقدمة في الدرس متاحة للدارس، يستطيع أن يجدها في يسر.
18. يفضل توزيع الظاهرة اللغوية على عدد من الدروس حسب ورودها في مواقف الاتصال، وعدم تركيزها في درس واحد. وعلى سبيل المثال يقدم موضوع العدد في دروس مختلفة، وكذلك أدوات النفي والاستفهام وغيرها. ليس من اللازم إذن أن نأتي على كل جزئيات الظاهرة اللغوية في درس واحد حتى لا يشعر الدارس بالإحباط.
19. ينبغي اختيار المفردات ذات الصلة الوثيقة بمواقف الاتصال، مما يساعد الدارس على أداء الوظائف اللغوية المطلوبة في الموقف الاتصالي، ولا ينبغي في مثل هذا الموقف الاعتماد على القواميس في انتقاء هذه المفردات، وعلى حد قول ساطع الحصري : >إن مثل الذين يتفاخرون بكثرة الكلمات المسطورة في القواميس بدون أن يلاحظوا حيوية تلك الكلمات، وفائدتها كمثل من يتفاخر بسعة بلده، بدون أن يميز بين مساكنها ومدافنها<(61).
20. ينبغي توفير الفرص لكي يتحرك الدارس في أنشطة اتصالية، ومواقف طبيعية تنقل الحياة على قدر الإمكان إلى حجرة الدراسة.
21. ينبغي عدم المبالغة في التوقعات من الدارسين، إن هناك فرقاً بين الكفاية الاتصالية لدى الناطقين بالعربية عندما يستخدمونها، وبين الكفاية الاتصالية لدى الناطقين باللغات الأخرى عندما يستخدمون العربية، حسب الأجنبي أن يقرب من العربي دون توقع له بالوصول إلى مستواه.
22. ينبغي أن تحتل الاختبارات التكاملية مكانها في كتب تعليم اللغة في ضوء المدخل الاتصالي، إذ هي أقدر على قياس الأداء العام في اللغة عند الدارس. من هذه الاختبارات التعبير الشفوي والتحريري، الإملاء، واختبار التتمة.
23. من حيث القدر الذي ينبغي أن يعلّم من اللغة ففيه وجهات نظر نعرضها فيما يلي :
ينص مشروع تحديد العربية الأساسية على أن المفردات الألف الأولى تمكن القارئ من فهم ما يزيد على 80% من مفردات أي نص عادي..
وتنص دراسة أخرى على أنه لو أمكن تعليم أطفال المدرسة الابتدائية من 2000 إلى 2500 كلمة أساسية لاستطاعوا مواجهة كافة احتياجاتهم الاتصالية لو صحب هذه الخبرة تدريب على بناء كلمات جديدة وعلى استخدام القاموس ولاستطاعوا أيضاً إضافة الكلمات التخصصية التي تلزم في مستقبل حياتهم الوظيفية وعلاقاتهم الاجتماعية(62).
ويحدد مناحم منصور هذا القدر بالمعرفة المفيدة ويلتزم بالتعريف الإجرائي "للمعرفة المفيدة" والذي نص عليه القرار رقم 267 الصادر في أغسطس سنة 1957 والخاص بمواصفات العاملين بالخدمـــات الأجنبية بالإدارة الأمريكية. ويقصد بالمعرفـة المفيدة حسب هذا التعريف الإجرائي ما يلي :
>السيطرة الكافية على تراكيب اللغة والرصيد الوافي من المفردات مما يُمكن الدارس من مواجهة متطلبات التعامل مع نماذج من المواقف العادية والمناقشات المهنية في حدود ميدان واحد أو أكثر. بالإضافة إلى القدرة على قراءة الأخبار غير المشبعة بالمصطلحات، وكذلك الكتابات الفنية المتخصصة في مجال واحد على الأقل<(63).
مع هذه الاجتهادات تبقى هناك حقيقة تجعل من الصعب تحديد القدر المناسب بشكل قاطع.. اللغة كلٌّ كبيرٌ تعطيك نفسها وعليك أن تنتقي منها ما يناسب.. يختلف هذا القدر من برنامج لآخر ومن دارسين لآخرين ومن بيئة لأخرى..
من هنا يمكن القول : إن هذا الذي يحتاج إليه الدارسون لتحقيق الاتصال اللغوي في المواقف الاجتماعية التي تتفق مع أهدافهم وخصائصهم، ويستجيب لمتطلبات الحضارة الحديثة ويُمكنهم من القدرة على التعبير الدقيق عن حاجاتهم، هذا القدر هو الذي ينبغي أن يعلَّم...

توجيهات عامة

ينبغي أن يتفهم المعلم التوجيهات الآتية حتى يستطيع تدريب طلابه على الاتصال الفعال :
1. تدريب الطلاب على الاعتماد على ما لديهم من خبرات وتجارب.. فلا يتكلمون عن أشياء لا عهد لهم بها أو لا خبرة لهم عنها لمجرد الرغبة في الكلام.
2. قبول مستويات التعبير التي تصدر عن الطلاب ما دامت الرسالة واضحة وعدم تكليفهم ما يصعب عليهم خاصة في المستوى الابتدائي لتعلم اللغة.
3. تدريبهم على عرض الفكرة بتفصيل أكثر حتى تصل إلى الآخرين.
4. مناقشة المفاهيم الموجودة عند الطلاب والتأكد من صحتها.
5. تدريبهم على إدراك الفروق الدقيقة بين الكلمات المتشابهة، حتى تختار أكثر الكلمات مناسبة لموقف الاتصال.
6. توجيه الطلاب إلى أن الاهتمام يجب أن ينصب على المعنى وليس البراعة اللفظية.
7. تقديم الرسالة من خلال عدة قنوات للاتصال، فقد تصلح إحداها لما لا تصلح له غيرها.
8. التأكد من عدم وجود مشوشات تؤثر على الرسالة.
9. الحرص على استخدام السياق في عرض الأفكار الجديدة حتى تساعد الطلاب على فهمها سواء من خلال تتابع الأحداث أو واقعية السياق.
10. التأكد من فهم الطلاب للفكرة من خلال متابعتهم بالأسئلة أولاً بأول، وتكليفهم بإعادة عرض الفكرة عليه ليتأكد من فهمهم لها.
11. البناء على خبرات الدارسين وتقديم الأفكار الجديدة في عبارات مألوفة حتى لا يجتمع على الطالب صعوبتان، حداثة الفكرة وصعوبة اللفظ.
12. التأكد من وضوح الصوت ومخارج الحروف وتمييزها.
13. دعوة الطلاب الضعاف إلى مراجعة الطبيب للتأكد من سلامة أجهزة الاستقبال (أذن، عين) وأجهزة الإرسال (أحبال صوتية).
14. إشاعة جو من الوئام بين المعلم والطالب.. فالطالب لا يحسن استقبال رسالة من معلم يكرهه.
15. التأكد من أن الطلاب على علم بالأصوات المختلفة وقادرون على التعرف على الفروق بين الأصوات.
16. على المعلــم أن يأخذ في الاعتبار جميع العناصر الموجودة في مجال الاتصال (حجرة الدراسة، الحالة النفسية للطلاب، طبيعة المادة، هدف الاتصال وقت التدريس وغيرها). 
   

المراجع

المراجع العربية
1. أبو خلدون ساطع الحصري : اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.
2. أبو الفتوح رضوان وآخرون : الكتاب المدرسي، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1962.
3. تشارلز بروجرز ورونالد : "الكتابة فن اكتشاف الشكل والمعنى"، عرض وتحليل لنسفورد ياسر الفهد، مجلة الفيصل، الرياض، العدد 166، نوفمبر 1990.
4. حسين حمدي الطوبجي : وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم، الكويت، دار القلم، 1982.
5. راجى محمد راموني : "اللغة العربية في الجامعات الأمريكية بين التقليد والتجديد في التربية"، الدوحة، اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، العدد 92، السنة العشرون، يناير 1990.
6. رشدي أحمد طعيمه : الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، مكة المكرمة، معهد اللغة العربية، جامعة أم القرى، 1982.
7. ----------------- : "نحو أداة موضوعية لتقويم كتب تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها"، المجلة العربية للدراسات اللغوية، معهد الخرطوم الدولي، المجلد الأول  العدد الثاني، فبراير 1983م.
8. ----------------- : "اختبار التتمة وتعليم العربية كلغة ثانية"، مجلة معهد اللغة العربية، مكة المكرمة،جامعة أم القرى، العدد الثاني، 1984م.
9. ----------------- : دليل عمل في إعداد المواد التعليمية لبرامج تعليم العربية، مكة المكرمة، معهد اللغة العربية، جامعة أم القرى، 1985م.
10. ----------------- : المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى ( جزآن)، مكة المكرمة، معهد اللغة العربية، جامعة أم القرى، 1986.
11. ----------------- : تعليم العربية لغير الناطقين بها، مناهجه وأساليبه، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط، 1989.
12. ----------------- : تحليل المحتوى في العلوم الإنسانية، القاهرة، دار الفكر العربي، 1988.
13. عبده الراجحي : النحو في تعليم العربية لغير الناطقين بها، ندوة تعليم اللغة العربية في ماليزيا الجامعة الإسلامية، كوالالمبور، أغسطس، 1986.
14. محمد الأوراغي : اكتساب اللغة في الفكـر العربي القديم، الرباط، دار الكلام للنشر والتوزيع، 1990.
15. محمد عبد الرؤوف الشيخ : الجانب الثقافي في كتب تعليم اللغة العربية للأجانب في المستوى الأول، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة طنطا، 1985.
16. محمد عيد : الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون، القاهرة، علم الكتب، 1979.
17. محمود أحمد السيد : شؤون لغوية، دمشق، دار الفكر، 1989.
18. -----------: تطوير مناهج تعليم القواعد النحوية، تونس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1983.
19. محمود إسماعيل صيني : "إعداد المواد التعليمية لتدريس اللغات الأجنبية، بعض الأسس العامـــة"، مجلة دراسات، كلية التربية، جامعة الملك سعود، الرياض، المجلــد الرابع، 1982.
20. محمود فهمي حجازي : علم اللغة العربية، الكويت، وكالة المطبوعات، 1973.
21. محمود كامل الناقة ورشدي أحمد طعيمه : الكتاب الأساسي لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، إعداده وتحليله وتقويمه، مكة المكرمة، معهــد الـلغـة العـربـيـة، جامعة أم القرى، 1983.
22. معهد اللغة العربية : قائمة مكة للمفردات الشائعة، مكة المكرمة، جامـعة أم القـرى، د. ت.
23. مليكة بودالية فريفو : المدرسة الجزائرية من ابن باديس إلى بافــلوف، الجزائر، المؤسســـة الجزائرية للطباعة، 1989.
24. ميشال زكريا : الألسنية وعلم اللغة الحديث، المبادئ والأعلام، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1983.
25. نايف خرما وعلي حجاج : اللغات الأجنبية، تعليمها وتعلمها، الكويت، سلسلة علم المعرفة، العدد، يونيو 1988.

المراجع الأجنبية

26. Abboud, Victoria : A Computer - Assisted Instruction Program in the Arabic Writing System, University of Texas, Texas, U.S.A., 1981.

27. Brown, H.D. : Principles of Language Learning and Teaching, Englewood Cliffs, 1980.

28. Brumfit, C. : Communicative Methodology in Language Teaching, Cambridge, Cambridge University press, 1987.

29. Brumfit, C. and K. Johnson, The Communicative Approach to Language Teaching, Oxford, Oxford University press, 1983.

30. Carrol, P. et al. : Interactive Approaches to Second Language Reading, Cambridge, Cambridge University press, 1989.

31. Critchfield, - David - Lawrence : A Field Guide for Continued Study for the Arabic Language in Yemen and Oman, Peacecorps, Washington, D.C., 1979.

32. Crystal, D. : The Cambridge Encyclopedia of Language, Cambridge, Cambridge University Press, 1989.

33. Dickins, P & Woods : زSome Criteria for the Development of Communicative Grammar Tasksس, in TESOL Quarterly, Vol. 22, N! 4, December 1988.

34. Elbashbishy, E. : A Descriptive Study of the Oral Proficiency of  Prospective Egyptian Teachers of English as a Foreign Language, Ph. D. Dissertation, University of New Mexico. 1987.

35. Finocchiaro, M. : English as a Second Language from Theory to Practice, New York, Regents Publishing Company, SNC, 1974.

36. Geddes, M. : زListeningس in Johnson K. & K., Morrow (eds), Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

37. Gremmo, M. : زLearning a Language or Learning to Readس in Riley, P. (ed) Discourse and Learning, London, Longman, 1983.

38. Howatt, A. P. : A History of English Language Teaching, Oxford, Oxford University Press, 1974.

39. Jorstad, H. زTesting as Communicationس, in Jarvis, G. (ed) The Challenges of Communication, Skokie Illinois, National Textbook Company, 1974.

40. Johnson, K. : Communicative Syllabus Design and Methodology, Oxford, Perganon Press, 1983.

41. Johnson K. : زWritingس in Johnson, K. & K. Morrow (eds), Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

42. Johnson, R. : The Second Language Curriculum, Cambridge, Cambridge University Press, 1989.

43. Krashen, S. & T., Terrell : The Natural Approach, Language Acquisition in the Classroom, Oxford, Pergamon Press, 1985.

44. Leech, G. & J., Svartvik : A Communicative Grammar of English, Essex, England, Longman, 1982.

45. Morrow, K. & k., Johnson : Communicate 1. Cambridge, Cambridge University Press, 1979.

46. Munly, J. : Communicative Syllabus Design, Cambridge, Cambridge University Press, 1983.

47. Mansour, M. : زArabic, What and When to Teachس in The Teaching of Arabic, Monograph Series on Language and Linguistics, Panel II, Washington, D. C. Georgetown University Press, 1959.

48. Richards, G. & T. Rodgers : Approaches and Methods in Language Teaching, Cambridge, Cambridge University Press, 1986.

49. Riley, P. : Discourse and Learning, London, Longman, 1985.

50. Rivers, W. : Communicating Naturally in a Second Language, Cambridge, Cambridge University Press, 1983.

51. Rivers, W. : Interactive Language Teaching, Cambridge, Cambridge University Press, 1987.

52. Rivers, W. : A Practical Guide to the Teaching of English, Cambridge, Cambridge University Press, 1978.

53. Savignon, S. : Communicative Competence, Theory and Classroom Practice, Reading, Adison - Wesley Publishing Company, 1983.

54. Scott, R. زSpeakingس in Johnson, K. & K. Morrow (eds) Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

55. Sheldon, L. E. : زEvaluation ELT Textbooks and Materialsس in ELT Journal, Vol. 42, N! 4, October 1988.

56. Stern, H. H. : Fundamental Concepts of Language Teaching, Oxford, Oxford University Press, 1983.

57. Steveck, E. W. : A Way and Ways, Rowley, Newbery House Publishers Inc., 1980.

58. ------------------- : Teaching and Learning Languages, Cambridge, Cambridge University Press, 1988.

59. Strickland, R. : The Language Arts in the Elementary School, Lexington, D. C. Heath and Company, 1969.

60. The Encyclopedia Britannica, Vol. 3, Micropedia, 15th ed, 1986.

61. White, R. زReadingس in Johnson, K. & K. Morrow (eds), Communication in the Classroom, London, Longman, 1983.

62. Widdowson, H. C. : Teaching Languages as Communication, Oxford, Oxford University Press, 1981.

63. Wilkins, D. : زSome Issues in Communicative Language Teaching and their Relevance to the Teaching of Languages in Secondary Schoolس in Johnson, K. and D. Rorler (eds) Prespective in Communicative Language Teaching, London, Academic Press, 1983.



(1) محمود فهمي حجازي، 20، ص 10-9.
(2) Crystal, 32, p. 396
(3) Crystal, 32, p. 396
(4) Crystal, 32, p. 396
(5) Crystal, 32, p. 396
(6) Finocchiaro, M. 35, p. 3
(7) محمود أحمد السيد، 17، ص 110.
(8) رشدي أحمد طعيمة، 11، ص 120-119.
(9) Rivers, W., 50, pp. 107-109
(10) Carroll, &. B., 30, p. 88
(11) Riley, 49, p. 7
(12) حسين حمدي الطوبجي، 4، ص 25.
(13) The Encyclopaedia Britannica, 60, p. 496
(14) The new Encyclopaedia Britannica Macropedia, 104, p. 685
(15) Savignon, S, 53, p. 8
(16) Wilkins, D, 109, p. 30
(17) Wilkins, D, 63, p. 34
(18) حسين حمدي الطوبجي، 4، ص 31.
(19) Rivers, W. & M. Temperly, 52, p. 47
(20) Howatt, A. P. R., 38, p. 193
(21) Stern, H. H., 56, p. 99
(22) Richards, J. C. T. Rodgers, 48, p. 64
(23) رشدي أحمد طعيمة، 10، ص 214.
(24) Richards, J. C. T. Rodgers, 48, p. 65
(25) Crystal, D., 32, p. 375
(26) Howatt, A. P., 38, p. 192
(27) Stern, H. H., 56, p. 113
(28) مليكة بوداليه فريفو، 23، ص 42.
(29) رشدي أحمد طعيمة، 11، ص 119-118.
(30) مليكة بوداليه فريفو، 23، ص 20.
(31) Crystal, D., 32, p. 417
(32) Stern, H. H., 56, p. 229
(33) Crystal, 55, p. 417
(34) Elbashbishy, 34, p. 17
(35) Elbashbishy, E. M., 34, p. 16
(36) Savignon, S., 53, pp. 9-10
(37) رشدي أحمد طعيمة، 11، ص 120.
(38) Stern, H. H., 56, p. 229
(39) محمد عيد، 16، ص 76-75.
(40) Elbashbishy, E. M., 34, p. 43
(41) Howatt, A. P. R., 38, p. 192
(42) Howatt, A. R., 38, p. 279
(43) Widdowson, H. G., 62, p. 60
(44) Geddes, M., 36, p. 79
(45) Widdowson, H. G., 62, p. 59
(46) رشدي أحمد طعيمة، 10، ص 518.
(47) Gremmo, M. J., 37, p. 75
(48) White, R., 61, p. 87
(49) Riley, P., 49, p. 872
(50) Johnson, K., 41, p. 48
(51) تشارلز بروجرز، رونالد لنسفور، 3، ص 93-92.
(52) Dickins, P & Woods, 33, p. 633
(53) Johnson, R. K., 42, p. 161
(54) محمد الأوزاعي، 14، ص 13.
(55) محمد عيد، 16، ص 134.
(56) محمد عيد، 16، ص 3.
(57) محمود أحمد السيد، 17، ص 21.
(58) Howatt, A. R., 38, p. 194
(59) Dickins, P. & E. Woods, 33, p. 633
(60) Sheldon, L. E., 55, p. 242
(61) أبو خلدون ساطع الحصري، 1، ص 73.
(62) Strickland, R. G., 59, p. 401
(63) Mansour, M., 47, p. 86

http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Taalim%20Logha/P1.htm

هناك تعليق واحد: