السبت، 18 يناير، 2014

نظريات اكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية




(القسم الأول)
د. موسى رشيد حتاملة

كلية الدراسات العربية والإسلامية- دبي

مقدمة:
أصبح العالم اليوم قرية صغيرة بفضل تطور وسائل الاتصال، ولكي نكون على اتصالٍ بهذا العالم والذي يأتينا كل لحظةٍ بجديد في مجالات العلم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والتربية وغيرها، كان لا بد لنا من إتقان لغتنا، ومن ثم تعلّم لغةٍ ثانية، لتنفتح الأكوان المنغلقة أمامنا، ولنكون على علم ودراية بما يجري حولنا، ولنعدّ أنفسنا لمجاراة المستجدات والتكيّف معها، إضافة إلى انفتاح الآفاق للتفاعل الثقافي مما يساعد في فهم الآخر. لذلك يعد تعلّم اللغات أمراً مهمّاً، على ألاَّ يكون ذلك على حساب اللغة العربية، التي تعتبر هوية الأمة وعنوان استقلالها، ووعاء ثقافتها وحضارتها.
وقبل الشروع في تعلّم أيّ لغةٍ، يجب إلقاء الضوء على جهود الرواد ودراساتهم وبحوثهم في مجال اكتساب اللغة. فقد مهدت جهودهم الطريق لتقبل اللغة الثانية، وكيفية اكتسابها، ومكّنت من إدراك العقبات والعوائق التي تقف حجر عثرةٍ أمامها. وقد أفادت هذه الجهود والنظريات اللغة العربية في مجال تعلّمها وتعليمها، وسدت هذه الدراسات بعض الثغرات الناتجة عن قصور البحث اللساني العربي خاصة في المجال التطبيقي. ويجب أن يُعلم أن حقل البحوث المتعلقة باكتساب اللغة الثانية لم يتوقف تأثيره على اللغة، بل تجاوز ذلك إلى تغيير الطريقة التي نفكر بها فيما يخص التعلم والتعليم، وإلى تشكل معرفتنا حول اللغات الإنسانية بشكلٍ عام.
إنّ معظم البحوث التي أجريت في مجال اللغة، كان محورها معرفة كيفية اكتساب اللغة وكيفية تطوّرها وممارسة تدريسها على أسس لسانية ونفسية واجتماعية وتربوية. ففي الخمسينيات من هذا القرن كانت هناك نظريتان قد تطوّرتا وأصبحتا شائعتين حول كيفية اكتساب اللغة. وهاتان النظريتان كانتا متضادتين في الأفكار: الأولى النظرية السلوكية( Behaviorism) وهي التي ترى أنّ اللغة تتطوّر نتيجة عوامل أو مؤثراتٍ بيئية(Environmental Influences) والنظرية الثانية، هي النظرية الفطرية(Nativism) وترى أنّ اللغة تتطور بفعل عوامل فطرية تولد مع الإنسان وتصاحبه في حياته، وهي موجودة في داخله، أما الأفكار ووجهات النظر الحديثة حول كيفيَّة اكتساب الإنسان اللغة، فتركِّز على الجمع أو التفاعل بين العوامل البيئية والقدرات الفطرية وهو ما يصح أن نطلق عليه النظريات التفاعلية ( Interactionist Theories ) التي تختلف في تفسيرها لعملية اكتساب اللغة.(Berk,1998)
تعريف اللغة:

قبل الدخول في دراسة نظريات اكتساب اللغة كان لا بدّ من تعريف اللغة من قبل عددٍ من العلماء والباحثين حيث نستطيع التعرّف على نقط التلاقي ونقط الاختلاف بين العلماء ونستطيع أن نستخلص ما ينفعنا في مجال تعلّم اللغة العربية واللغات الأجنبية الأخرى.





يعرف كينيث بايك(kenneth pike, 1967) اللغة بقوله:
اللغة سلوك، وهي وجه من وجوه النشاط البشري والذي يجب ألاَّ يعامل في جوهره منفصلاً عن النشاط البشري غير الشفوي.
ويعرفها بلوتنك((Plotnik ,1999 فيقول:
اللغة شكل من أشكال التواصل، نتعلم منه استعمال قوانين معقدة تشكّلُ رموزاً (كلماتٍ أو إشاراتٍ)، تولّد بدورها عدداً غير محدود من جمل ذات معنى.
أمّا باي(Pie, 1966) فيعرّفها بقوله:
اللغة طريقة اتصال بين أعضاء مجموعة من الناس عن طريق الأصوات، تعمل من خلال عضوي النطق، وذلك باستعمال رموز صوتية تحمل معاني معنية.
ويعرّف ويدون(Weedon,1997) اللغة بقوله:
" اللغة هي المكان الحقيقي والمعقول لأشكال النظام الاجتماعي وما يترتب عليها من أمورٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ محددةٍ، ولكنها أيضاً مكانٌ لأحاسيسنا الذاتية التي بنيناها".
ويعرّف برونزلو مالينوسكي(Malinowski, 1965) اللغة بقوله:
" اللغة نوعٌ من الكلام يقوِّي الروابط عن طريق الكلام الذي يمارسه كلٌّ من البدوي والحضري؛ وإن كان هذا الحديث قصيراً عديم الفائدة فهو مهمٌّ للناس وضروري لهم، ليكونوا في انسجامٍ تامٍّ مع بعضهم بعضاً".
أما همبولت فيرى أن اللغة هي: "إنتاج فردي واجتماعي في آن واحد، وهي شكل ومضمون، وهي آلة وموضوع، وهي نظام ثابثٌ وصيرورة متطورة، وهي ظاهرةٌ موضوعية، وحقيقة ذاتية".(Mounin,1972).
ويعرف ابن جني(ت.392هـ)اللغة بقوله: " أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". (1 )
وبهذا التعريف نلاحظ أن ابن جني سبق علماء اللغة المعاصرين بمئات السنين، وعرف اللغة تعريفاً موجزاً وشاملاً. وكلمة القوم عند ابن جني يقصد بها المجتمع بالمفهوم المعاصر. ومن هذه التعاريف نستخلص التعريف الآتي:
" اللغة هي الطريقة الأهم في حفظ التراث ونقله من جيلٍ إلى جيل، وهي وسيلة التعبير عن أفكارنا ونقل أحاسيسنا للآخرين، والتواصل معهم وفهم مشاعرهم، ليكون الجميع في انسجام تام".
اكتساب اللغة:
يتعلق اكتساب اللغة الثانية بدراسة الطريقة التي يصبح فيها الفرد قادراً على تعلّم لغةٍ أو أكثر، غير لغته الأولى. ويمكن أن يحصل ذلك بمخاطبة أهل اللغة. كما أنّ التحصيل اللغوي أمرٌ خاضعٌ للنقاش، قد يبدأ من الطفولة أو بعد سنّ البلوغ، والفرد الماهر في تعلّم لغتين ويستطيع أن يتحدّث بسجيةٍ وتلقائيةٍ يمكن اعتباره ثنائي اللغة(Bilingual).
ويمكن تقسيم الدراسات حول موضوع اكتساب اللغة إلى قسمين: القسم الأول ويتعلق بدراسات اللغة الأم(L1) أي اللغة الأولى، والقسم الثاني يتعلّق باللغة الثانية(L2) أي اللغة المستهدفة. وتتعلق معظم الدراسات في القسم الأول حول اللغة الأم بالأطفال وتتعلق الدراسات المتعلقة بالقسم الثاني بالبالغين، لكن الأغلب أن النظريات المتعلقة باكتساب اللغة الأولى ملائمة لاكتساب اللغة الثانية. فودر (Fodor 1974).
حاول علماء الاجتماع الأمركيين أمثال روبرت سيرز (Robert Seare) وجون دولارد (John Dollard) ونيل ميللر (Neal Miller) إبان عقدي الثلاثينيات والأربعينيات أن يوحدوا التحليل النفسي مع مفاهيم التعلم لتحقيق فائدة أكبر في سبيل تطوير الإنسان. وقد أصبحت هذه الطريقة شائعة لعدد من السنوات، لكن تفسيرات التحليل النفسي بقيت مسألة عسيرة بحيث يصعب تفسيرها أو فحصها، وكانت نتائج البحوث غامضة ومتداخلة في أغلب الأحوال. شابلن وكرويك(  1979 Chaplin and Krawiec) وبقيت الحال كما هي من دون إحراز أيِّ تقدم حتى جاء سكنر (Skinner) وأحدث انقلاباً في مجال التعلم وطبقت نظريته في مجال التعليم الصفي، واستعمال " اللغة والفكر". جلفاند وآخرون(Gelfand &Others,1982).
يقول بيرت ودوليه (Burt &Dulay,p.55):
ما نعلمه الآن أن الكبار والأطفال سيّان، يبدو أن لديهم القدرة على اكتساب اللغة في أيّ سن. ولكن إذا وجد شخصٌ لم يستطع اكتساب اللغة، فيرجع ذلك لأسبابٍ طارئةٍ أو مؤثرٍ خارجي وليس بسبب تواضع قدراته الفطرية.
وفي الحقيقة فإن عدم اكتساب اللغة لا يتوقف على مدى قدرات الفرد الفطرية فقط، بل هناك أسباب كثيرة جداً. منها أن بعض الدراسات تشير إلى أنّ فشل الطلاب الأجانب في إتقان اللغة الثانية، يعتمد على السن الذي بُدِئ فيه بدراسة تلك اللغة، وعلى الزمن الذي يمضونه بصحبة أبناء اللغة المستهدفة. ففي إسبانيا أجريت دراسة على عينة من الطلاب البولنديين والمغاربة الذين يعيشون هناك، فكانت نتيجة الدراسة أن إتقان البولنديين للإسبانية لا يواجه أي مشكلة، وذلك لاندماجهم في الجو المدرسي، بينما يواجه الطلبة المغاربة مصاعب جمة، نظراً لانعزالهم عن الآخرين وبقائهم مع بعضهم بعضاً في أغلب الأحيان.             (Santos, 1999).
والمعروف أن اللغة تنمو وتتطور باستمرار، كلما زاد اتصال الفرد بالآخرين، وبسبب ذلك تزداد الثروة اللغوية وتتسع، بينما كلما مال الفرد إلى العزلة ضاقت مساحة اللغة التي يمتلكها. لقد أُجريت كثير من الدراسات في موضوع اكتساب الطفل اللغة الأولى، ويوجد كمٌّ هائلٌ من هذه الدراسات مما أعطى الفرصة للمدرسين والباحثين أن يضعوا خلاصة لهذه البحوث ومناقشة نتائجها ومقارنتها مع الدراسات التي أُجريت حول موضوع اكتساب اللغة الثانية.
ويرى كمنز(Cummins, 1984) أن العلاقة بين اللغة الأم واللغة الثانية          (L2) كبيرة وقد أجريت دراسات كثيرة في هذا الصدد بيّنت أهمية التطور المعرفي في اللغة الأم(L1) وتأثيرها في تعلم اللغة الثانية(L2). أشار كل من فارش وكاسبر(Faerch&Kasper) إلى أهمية المساهمة الأساسية التي تقوم بها اللغة الأولى في تدريس اللغة الثانية(L2) أو استعمالها.
وأجرى بيكر(Baker, 1988) دراسة على عيِّنة من الأطفال من الجنسيتين العربية والتركية والمقيمين في هولندا، ممن يدرسون في المرحلة الابتدائية في المدراس الحكومية.
فقد تلقى الأطفال التعليمات في السنوات الثلاث الأولى بلغتهم الأم وفي السنة الرابعة تلقوا التعليمات بلغتهم الأم وباللغة الهولندية، وبعد السنة الخامسة تلقوا التعليمات باللغة الهولندية فقط.
وقد دلت بعض الدراسات على "أن إتقان الفرد للغته الأولى يسهل عليه تعلم اللغة الثانية، لأنه يكتسب خبرةً في تعلم اللغة بشكلٍ عام. ولقد تبين أن الأطفال الذين يتعلمون اللغة الثانية قبل إتقان اللغة الأولى يعانون من ضعفٍ في اللغة الأولى واللغة الثانية على السواء. ولهذا فإن تعليم اللغة الثانية بعد إتقان الأولى يعتبر قراراً في صالح اللغتين في آنٍ واحد".(Alkholi,1988) .
وخلص الباحثون المشاركون في هذه الدراسة إلى أنّ الأطفال حققوا مستوىً مقبولاً في لغتهم الأم وفي اللغة الهولندية، وذلك مقارنة مع الأطفال الذين يدرسون في المدارس الهولندية الأخرى، والذين لم تجر عليهم الدراسة. ومن هنا فقد حازت فكرة تعليم اللغة الهولندية بهذه الطريقة على أرضية معقولة، وأقرت الحكومة الهولندية عام 1991م الدور المهم الذي تقوم به لغة الطفل الأولى في تسهيل دراسة اللغة الهولندية. وعلاوة على ما سبق فقد تم التركيز على ثقافة الطفل الأصلية واستعمال المزيد من لغته الأم في المراحل الأولى، أما في المراحل الدراسية العليا فالواجب استعمال لغة البلد الذي يقيمون فيه         (Driessen,1997).
ومن الدراسات الحديثة دراسة أجراها انتوان وديكاميلا                     (Anto’n and Dicamilla,1998) كانت نتيجتها أن استعمال اللغة الأولى            (Mother Language) مفيد في تعلم اللغة المستهدفة(Target Language).
وأحدث الآراء المؤيدة لاستخدام اللغة الأولى في تدريس اللغة الثانية جاءت من دراسة قام بها البنك الدولي، وأجراها دوتشر بالتعاون مع تكر           Dutcher and Tuker,1997)) وفي هذه الدراسة المكثفة راجعا بها جميع الدراسات السابقة ذات العلاقة، وكانت النتيجة الأهم التي توصلوا إليها هي: عندما يكون التعلم هو الهدف بما في ذلك تعلم اللغة الثانية، يجب استعمال لغة الطفل الأولى أو اللغة الأم كوسيطٍ في التعليمات وذلك في السنوات الأولى من المدرسة. إن استعمال اللغة الأولى أساسي عند بداية تدريس القراءة أو الاستيعاب في المادة موضوع الدراسة. إنها خطوة ضرورية تساعد في تطور المعرفة، التي يقوم عليها اكتساب اللغة الثانية.
وهناك المزيد من الدراسات التي تؤيد وجهة النظر هذه، وللعلم فإن جميع التجارب أجريت على الحيوانات وليس على الإنسان لأنه ليس سهلاً إجراء هذا النوع من الدراسة على الإنسان.(Elman et al.,1997).
وأكد علماء النفس والتربية بأن النمو العقلي للإنسان منوط بنموّه اللغوي، وأنه كلما تطورت واتسعت لغته ارتقت قدراته العقلية ونما ذكاؤه وقوي تفكيره وإدراكه، والعكس بالعكس.(Akel,340).
لذا يمكننا القول إن استعمال اللغة الأم عند تدريس اللغات الأجنبية أمر مشجع عند تعلم اللغة الثانية، على أن يكون ذلك للمبتدئين. ويؤيد الباحث استعمال اللغة الأم في المراحل الأولى خاصة، وضمن نطاق محدد، وذلك في تفسير الأسئلة أو التدريبات، وذلك لعدم امتلاك الطفل القدرة على القراءة ومعرفة المطلوب منه.
وربما يواجه هذا الرأي بالاعتراض، بدعوى أنه ليس من المصلحة أن تدخل اللغة الأجنبية في التدريس إلى جانب العربية، نقول لهؤلاء الغيورين على لغتهم، إن وجهة النظر هذه صحيحة إذا تم تدريس اللغة الثانية جنباً إلى جنب مع اللغة الأم. ويجب ألاَّ يحدث ذلك إلا بعد أن يمتلك الطفل أساسيات لغته ويستوعب نظامها، وإلا فسيتعرّض إلى الضرر نفسياً وذهنياً.
ونذكر في هذا المقام أننا نواجه ازدواجاً لغوياً(Diglossia) وصراعاً داخلياً من نوعٍ آخر، ألا وهو الصراع بين اللهجات العامية والفصحى. ومعلوم اليوم أن شيوع العامية واكبه انحدار اللغة الفصحى. لذلك وجب علينا أن نحرص على لغتنا ونحافظ عليها من الأخطار الداخلية والخارجية، لأن الاستقلال اللغوي يعادل الاستقلال السياسي.
ويؤيد وجهة نظر الحريصين أو المتخوفين من استعمال اللغة الثانية، ما يقوله كلوس(kloss.1969) بأنّ " اللغات لا يمكن أن يترك بعضها بعضاً وشأنها، فاللغة دائماً تحاول أن تزيح الأخرى جغرافياً واقتصادياً".
ومن هنا على الدولة ألاَّ تقف موقف المتفرج، فعليها تبنِّي قرارات تخدم السياسة التربوية عامة والسياسة اللغوية خاصة، وذلك باستصدار قوانين تحقق أهدافها  وتحفظ هيبة لغتها.
ومع تقدم العلم وتوفر المختبرات والأجهزة أتيحت الفرصة لخدمة اللغة وإعطائها دفعة قوية إلى الأمام، وذلك بدراسة الأعصاب وعلاقتها باكتساب اللغة. وأجريت دراسات ميدانية عديدة، لمعرفة وظائف الدماغ وعلاقته باللغة. ومن بعض هذه الأبحاث، أبحاث باولا طلال (Paula Talal,1999,p.23) اختصاصية الأعصاب في جامعة دنفر. ترى الباحثة أن الارتباطات اللغوية تبدأ في التشكل بدماغ الجنين وهو في بطن أمّه. وأن بعض المشكلات اللغوية تعود بجذورها إلى الإجهاد والضغط النفسي للأم في فترة الحمل، حيث يعمل الإجهاد على إخفاق هرمون الجنس ووضع هرمونات الإجهاد والضغط إلى مستوياتٍ صحيّةٍٍ.
ومن المعروف منذ زمن بعيد أن هناك مناطق مختلفة بالدماغ لها وظائف محددة، فالأجزاء الأمامية عملها متعلق بالتفكير المنطقي والتخطيط، بينما الأجزاء الخلفية تتعلق بالنظر ومنذ عهد قريب كان الاعتقاد سائداً أن هذه الأجزاء المتخصصة تطورت عن مخطط وراثي هو المسؤول عن عمل هذه الأجزاء في الدماغ.(Sotillo, 2002).
أما ما ثبت بعد إجراء هذه الدراسات الحديثة، هو أن الدماغ أكثر مرونة مما كان يعتقد سابقاً. فنتيجة الدراسات تشير بأن الأعمال المحددة التي تقوم بها بعض أجزاء الدماغ لم يكن عملها محدداً منذ الولادة، ولكنها تشكلت فيما بعد نتيجة الخبرة والتعلم.
  وهناك مزيدٌ من البحوث التي أجريت على الدماغ أثبتت أن النصف الأيسر من الدماغ يتدخل في معظم وظائف اللغة، واستدلّ على ذلك من أن أي إصابةٍ أو عطل لدى البالغين في هذا الجانب يؤدّي إلى مشكلة تتعلق باللغة ويلازمه عاهة مستديمة. ومهما يكن من أمر، فإن 10% من الأفراد الذين يكتبون باليد اليمنى/ يصابون بحالات من التأخر الدراسي، ويكون لأجزاء الدماغ اليسرى أو اليمنى أو كليهما تأثيرٌ مهم في تعلم اللغة.(Banich,1997).
ويرى (Bigler,1992): أن هناك اختلافاً بين الذكور والإناث إلى حدّ ما من حيث طبيعة وعمل الدماغ، فالأجزاء الأمامية من الدماغ تتدخل في تعلم اللغة في المراحل الأولى من التعلم، ولكنها تقل في المراحل المتأخرة.
وأجرى كلٌّ من ألبرت وأولفر( Albert and Oliver,1978) دراسة تتعلق بالأعصاب، وخلصا إلى أن من يعرف أكثر من لغةٍ واحدة، يستعمل دماغه أكثر من أحادي اللغة، ومع أن التجارب والدراسات ما زالت محدودة، ولكن تبين أن الجزء المتعلق بوظائف اللغة في الدماغ عند أحادي اللغة ما زال على حاله. وأجرى الباحثان مراجعة للعديد من الدراسات والبحوث لمتعددي اللغات من ثلاث لغات إلى ست وعشرين لغة، فوجدوا أن مناطق محددة في الدماغ قد تطورت وكذلك برزت تفاصيلها بشكل ملحوظ..
نستخلص من هذه الدراسة أن مناطق محددة في الدماغ تسيطر على اللغة، وهذه الأجزاء يمكن أن تتغير وتتطور مع الخبرة الحياتية.
النظريات البيئية(Environmentalist Theories):
   يرى اتباع هذه النظرية أن اللغة تنشأ وتتطور ضمن محيطها وبيئتها الاجتماعية، وحين توجد مؤثرات خارجية يحصل التفاعل ويؤدي إلى تشكيل سلوك لغوي يدفع إلى التعلّم، وأبرز مؤيدي هذه النظرية أصحاب المدرسة السلوكية. ويرى أتباع هذه النظرية أن عملية اكتساب اللغة لا تختلف عن أي نوع من أنواع التعلم الأخرى، كما أنها تخضع للقوانين والمبادئ ذاتها التي تخضع لها أنواع التعليم كافة، كالمحاكاة والثواب والعقاب والتعزيز.
وقد انتقد ماكنيل(McNeil,1970 ) أصحاب النظرية البيئية، لأنهم من وجهة نظره فشلوا في تفسير ظاهرة الابتكار اللغوي التي تتبدَّى عند الطفل فيما بين الثانية والخامسة من عمره، والتي تمكنه من إنتاج عبارات لم يسمعها في بيئته. ومن استخدام بعض القواعد اللغوية غير المتوافرة في لغة الراشدين في بيئته. كما أن الفطريين يعجزون عن تفسير عملية اكتساب اللغة من دون عمليتي التقليد والتعزيز، لأن هاتين العمليتين تشكلان المفتاح الأساسي لاكتساب اللغة.
النظرية السلوكية (Behaviorist Theory):
بدأت النظريات السلوكية بالثورة على علم النفس التقليدي وذلك برفضها لمنهج الاستبطان في البحث، معتمدة على المنهج التجريبي المخبري. ومن رواد هذه الاتجاه إيفان بافلوف صاحب نظرية التعلّم الشرطي الكلاسيكي، وسكنر صاحب نظرية التعلم الشرطي الإجرائي ونظرية التعليم الذاتي المعزز وفكرة التعليم المبرمج، وإدوارد ثورندايك صاحب نظرية المحاولة والخطأ، والذي أضاف قانون انتقال الأثر والتدريب، وتولمان الذي نجح في المزج بين أفكار المجال والسلوكية. ويعتبر بافلوف رائد المدرسة السلوكية التقليدية ومنشئها في روسيا، وواطسون منشئ السلوكية التعلمية في أمريكا عام 1912-1914.
كانت وجهات نظر السلوكيين حول تعلم اللغة وتعليمها مسيطرة في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية. ويرى(Gasem,2000) أن هذه الأفكار رسمت النظريات العامة للتعلم من قبل السيكولوجيين مثل سكنر(Skinner,1957) صاحب كتاب " التعزيز في تكنولوجيا التعليم" وشهرته اتسعت بعد إصدار كتابيه:" تعديل السلوك" "Behaviour Modification" و" السلوك  اللغوي/ اللفظي" " Verbal Behaviour" وبحث عنوانه" علم التعلم وفن التعليم".
أما واطسون(Watson, 1924) فهو مؤسس المذهب السلوكي والرائد في مجال علم النفس التطبيقي وعلم نفس النمو، وثورندايك(Thorndike,1932) الذي توصل في نهاية تجاربه إلى ثلاثة قوانين رئيسية وهي:1- قانون الأثر         (Law of Effect)2- قانون التدريب(Law of Exercise) 3- قانون الاستعداد(Law of Readiness).
ويعتبر السلوكيون اللغة جزءاً من السلوك الإنساني، وقد أجروا الكثير من الدراسات بقصد تشكيل نظريةٍ تتعلّق باكتساب اللغة الأولى. والطريقة السلوكية تركّز على السلوك اللغوي الذي يتحدد عن طريق استجابات يمكن ملاحظتها بشكل حسي وعلاقة هذه الاستجابات في العالم المحيط بها. ولقد سيطرت هذه المدرسة في مجال علم النفس في الخمسينيات واستمرت إلى السبعينيات من القرن الماضي. وكان لها تأثيرها القوي على جميع النظم التعليمية وعلى جميع المختصين والعاملين في الميدان التربوي.
ويمكن إيجاز التطبيقات التربوية المتعلقة بنظرية التَّعلُّم الشرطي الكلاسيكي بما يأتي:
1-إتقان ما هو متعلم:
إن كل تعلم عبارة عن استجابة لمثير أو باعث والاستجابات التي يقوم بها المتعلم هي التي تحدد مدى نجاحه وإتقانه لما تعلمه. ولا يتحقق النجاح إلا إذا قام المعلم بتدوين تلك الاستجابات لتحديد مدى التقدم الذي أحرزه المتعلم، وبيان الصواب من الخطأ للتلميذ، وإعلام كل طالب بالتحسن الذي أحرزه، إذ إن ذلك مدعاة لاطِّراد التحسن، ولا يتم ذلك إلا بسلسلة من الإجراءات والاختبارات والتقويم المستمر.
2-      التكرار والتمرين:
التكرار له دور مهم في حدوث التعلم الشرطي، حيث يرتبط المثير الشرطي بالمثير الطبيعي وينتج عن ذلك الاستجابة. إن المحاكاة أو التكرار بني عليها في المجال التطبيقي ما يسمى بتمارين الأنماط                     ""Pattern Drills وكان الهدف منها تعليم اللغة عن طريق تكوين عادات لغوية بطريقة لا شعورية. وهو أسلوب مهم في التعلم خاصة في المراحل الأولى، وليس في المراحل المتأخرة، ولكن يجب أن يُعلَم بأن ليس كل تكرار يؤدي إلى التعلم، بل التكرار المفيد أو الذي له معنى، حيث يلعب دوراً مهما في حدوث التعلم الشرطي، وكلما كانت مرات التكرار أكثر زادت قوة المثير الشرطي عند ظهوره بمفرده. ولكن يجب على المعلم حتى يضمن النجاح أن يحسن الاختيار وأن يكون ما يختاره من ضمن اهتمامات التلميذ ومن مستواه. ويمكن استخدام التكرار والتمرين في حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وفي دروس الحساب والجغرافيا وخاصة دراسة الخرائط، وقواعد اللغة العربية والأناشيد والقصائد الشعرية وحفظ معاني المفردات في اللغة والقوانين العلمية، بالإضافة إلى الأشغال اليدوية واستعمال الآلات الكاتبة.


3-استمرار وجود الدوافع:
توفر الدوافع أمراً لا مناص منه إذا أردنا تحقيق تعلم فعّال، وكلما قوي الدافع تحقق التعلم المرغوب، وتعود الفائدة المرجوة على التلميذ، ونجاح المعلم في تحقيق الأهداف المرسومة. لذلك وجب إحاطة البيئة الصفية بالمثيرات الفعالة حتى نضمن استمرار التواصل بين المعلم وطلابه، ونكون بذلك ضمنَّا التواصل بين عناصر العملية التعليمية وفي نفس الوقت رسخ ما تعلمه التلاميذ في أذهانهم، وبالتالي يصعب النسيان.
4- ضبط عناصر الموقف التعليمي وتحديدها:
إن ضبط وتحديد عناصر الموقف التعليمي وتحديده وتقديمه بشكل مناسبٍ في شكل وحداتٍ رئيسية أو فرعية وحسب مستوى التلاميذ يدعو إلى شدّ انتباه المتعلم وبذلك يتحقق الهدف بحدوث التعلم من دون إبطاءٍ أو تأخير ومن دون الحاجة إلى التكرار والتمرين وهدر الوقت. وعلى المدرس أن يدرك بأن تنظيم عناصر المجال الخارجي، يساعد على تكوين ارتباطات تساعد في إنجاز الاستجابات المطلوبة، كما تجعل موضوع التعلم في حالة نشاط مستمر. وعلينا أن ندرك بأن كثرة المثيرات لا تعني بالضرورة تحقيق النجاح، بل ربما تأتي بنتائج عكسية ولا يحدث التعلم المرغوب.
ومن المعارضين لنظرية السلوكيين رفرز( Rivers, 1964) حيث لم يقتنع بادّعاء السلوكيين، بأن التعلّم هو عملية ميكانيكية لتشكيل العادة. وطعن في القسم الميكانيكي أو الآلي من فرضيتهم، وبين أنّ العادة تتطور فقط عن طريق الحاجة للتواصل مع الآخرين وفي حالة الاسترخاء.
أما تشومسكي(Chomsky,1959) فطعن في مفهوم العادة نفسه. وبيّن أنّ مفهومي المثير والاستجابة هما مفهومان أجوفان. فنحن لا نستعمل اللغة استجابة لمثيرٍ سلوكي محددٍّ وواضح.
وإنما ما يتعلّم بالفعل هو قواعد تحويلية تعطي القدرة للمتحدث على توليد أنواع يصعب حصرها من الجمل الجديدة ذات الطابع النحوي. أي أن ما يُتَعَلّمُ ليس سلسلة من الكلمات في حد ذاتها، وإنما يتعلمها الفرد كمفاهيم تمثل فئة بعينها تنتمي إليها هذه المفاهيم.
ومن وجهة نظر السلوكيين، فإن عادات اللغة الأولى تكون مساعداً لاكتساب عادات اللغة الثانية، وهذا ما يطلق عليه( Positive Transfer) كما أن تعلم اللغة الثانية يساعد في التغلب على الفروق بين نظام اللغة الأولى ونظام اللغة الثانية(William Little). وقد صاغها روبرت لادو               (Robert Lado, 1957) صاحب كتاب " اللسانيات عبر الثقافات"   Linguistics Across cultures)) بالآتي:
1-   يمكن مقارنة لغة الدارس الأولى باللغة الثانية التي يرغب في تعلّمها، وهذا ما يطلق عليه " المقابلة التحليلية                                ) Contrastive analysis).
2-  ومن الاختلافات التي تبرز بعد هذا التحليل، يمكننا أن نتنبّأ بالعناصر اللغويَّة التي تسبب الصعوبة، وكذلك الأخطاء التي يتعرّض لها وهو ما يطلق عليه عادة فرضية التباين التحليلي                      ) (Contrastive analysis hypothesis.
3-   يمكننا الاستفادة من هذه الاستنتاجات، أيّ العناصر التي تحتاج إلى مراعاةٍ خاصةٍ في المساقات التي ندرسها أو المواد التي نكتبها.
4-   بالنسبة لهذه العناصر على وجه الخصوص، يمكننا أن نستعمل تقنياتٍ مكثفةٍ كالتمارين التي تعتمد على التكرار والإعادة، حيث يتمّ التغلّب على هذا التداخل وتأسيس عادات ضرورية جديدة. ومن هذه التقنيات أيضاً ما يطلق عليها المساقات السمعية- البصرية.
وقد طوّر مؤيدو هذه النظرية التعلّم عن طريق العلاقات التي تتصل بين أجزاء المثير اللغوي، بمعنى أنّ قوة هذه العلاقات أو ضعفها قد يزيد أو يقلّل من السلوك اللغوي. سامبسون(Sampson,1987).
ورائد هذه المدرسة السلوكية هو سكنر(Skinner, 1957) وقد حوى كتابه" السلوك اللغوي" محاولاته بناء نظرية جديدة في التعلم اللغوي. وهو معروف بتجاربه على السلوك الحيواني وما يعرف بـ" صندوق سكنر" والذي استطاع أن يساهم في تطوير التعليم عن طريق التعليم المبرمج وأدوات التعليم الأخرى. وتعتبر نظرية سكنر (Skinner,1968) حول السلوك جزءاً من نظريته للتعلّم عن طريق المثير الشرطي ويؤكد قانون الأثرThe Law of Effect) ) أهمية تعزيز إجابات المتعلم وذلك بمكافأته على الإجابات المتعددة وتصحيح الأخطاء. ويرى السلوكيون أن المبدأ الأساسي في تشكيل السلوك المرغوب للمتعلم سيتحقق بسهولة من دون عوائق إذا قسمنا جزئياً السلوك المعقد إلى عناصر وعلمناه عنصراً  بعد عنصر، وتحت هذه المبادئ الافتراض بأن تعلُّم اللُّغة كأيِّ تعلُّم آخر، يأخذ أُنموذج تشكيل العادة، حيث إنَّ العادة(Habit) والتي تتألف من استجابات أتوماتيكية تحدث عند إعطاء المثير. وقد صاغها بروك(Brook, 1960) بالشكل الآتي:
إن الحقيقة الواضحة حول تعلم اللغة تتعلق ليس بحل مشكلة بل في تشكيل وإنتاج عادات، وهكذا فإن التعلم يأخذ مكانه عندما يكون لدى المتعلم الفرصة للتدريب وذلك عن طريق إجابات صحيحة عن أسئلة معينةٍ. رود إلس(Ellis,1998) ومن هنا كانت الإفادة من المعرفة السابقة عند السلوكيين أهم عاملٍ في التعلم.
كما أن هذه النظرية تناقش علاقة التعزيز والمحاكاة كعوامل أولية في اكتساب اللغة. حيث يرى السلوكيون أنّ تعلّم اللغة الأجنبية (FLL) هو عبارة عن محاكاة المتعلمين لما يسمعونه، ثم يطورون عاداتهم في اللغة الأجنبية (FL) بالتكرار الروتيني. كما يحاول المتعلمون في هذه النظرية أن يربطوا ما يعرفونه في لغتهم الأولى (F1) بما يرغبون في معرفته باللغة الثانية(L2). فإذا كان هناك تشابهٌ أو تقارب بين اللغتين فسيتم نقل الخبرة بسهولة، ويطلق على ذلك مصطلح(Positive Transfer) وإذا كان هناك اختلاف فتنتقل الخبرة بصعوبة، وتكون النتيجة سلبية، ويطلق على ذلك مصطلح(Negative Transfer) أي أن الأخطاء التي تحدث تكون نتيجة استعمال عاداتٍ من اللغة الأولى.
والمشكلة في هذه النظرية (FLL) أن التقليد والمحاكاة في الحقيقة لا يساعدان المتعلم في الواقع الحياتي، ذلك لأن المتعلم يحتاج إلى تشكيل جملٍ عديدةٍ لم يألفها من قبل. كما أن التدريب السابق ليس كافياً في سبيل الاسترسال في الحديث وحتى بتوجيهٍ من المعلم.
والمشكلة الأخرى التي تواجه هذه النظرية أن العديد من الأخطاء التي ترتكب من قبل متعلمي اللغة الثانية(FL) تكون ناتجة عن اللغة الأم (L1) وبالمقابل فإن الأخطاء التي تواجه المتعلمين من الأطفال إبان تعلّم اللغة الأم متشابهة. كونراد(Conrad, 1978).
ويرى الباحث أن النظرية السلوكية ما زالت مقبولة لدى بعض العاملين في الميدان التربوي على الرغم من قصورها، حيث ما زالت تمارس في تعليم اللغات. ففي كثير من مدارسنا ما زال العديد من مدرسي اللغات، يعتمدون مبدأي التكرار والتعزيز، حيث يعد المدرس نماذج لغوية جاهزة، ويطلب من الطفل محاكاتها، ومعقباً على كل إجابة صحيحةٍ بالاستحسان والتشجيع.
ويمكن تطبيق هذه النظرية في تدريس اللغة العربية وذلك على النحو الآتي:
(1)   تبنى عملية تعليم اللغة على منهجية تكوين عادات كلامية انطلاقاً من إثارة المثير ومن الاستجابة التلقائية لهذا المثير.
(2)       تتم تقوية العادات الكلامية بوساطة تعزيزها وتدعيمها بصورةٍ متواصلة.
(3)        تقتضي الأساليب الأساسيَّة المعتمدة بهدف تنمية الأداء الكلامي للتلميذ الترداد والممارسة وتدعيم العناصر الكلامية وتتابعها في السياق الكلامي.(Assayed,1982).
(4)        تسلسل المادة التعليمية في خطوات متتالية يساعد في استمرار النشاط لدى الطالب واهتمامه باللغة العربية.
ولتحقيق نجاح عملية التدريس لا بد من إعداد التمارين التي تتضمن البنى اللغوية بصورة واضحة، ضمن تمرين متخصص مع ضرورة ترديد التلاميذ لهذا التدريب أكثر من مرة، مع تصحيح الخطأ مباشرة حال حدوثه. وهكذا يتعلم التلميذ اللغة عن طريق تكرار الجمل، وتقليد البنى اللغوية وممارستها، وتتم الممارسة عن طريق التمارين النمطية. ولضمان نجاح هذه الطريقة، يجب على المدرس عند وضع التمارين أن يأخذ بالاتجاهات التربوية الآتية:
1-       يجب ألاَّ تذكر القاعدة التي يبنى عليها التمرين النمطي، إذ تبقى القاعدة ضمن اهتمامات المدرس المسؤول عن إدارة التمرين.
2-                   يجب إكساب التلميذ بصورة آلية البنى الصرفية والتركيبية للغة.
3-       يجب إعطاء المتعلم فرصة استعمال البنى المكتسبة واعتماد نوع من التدرج في تركيز البنى المختلفة واستعمالها واستغلالها على أحسن وجه في عملية تعلم اللغة.
4-       يجب تزويد التلاميذ دائماً بالجمل الصحيحة كي لا يطرأ عليهم وضع لا يعود في ظله تحقيق الاستجابة المطلوبة في حال سماعهم جملاً غير صحيحة، مما يسيء مباشرة إلى عملية التعلم.(Assayed, 1998).
ويرى الباحث أن التعليم القائم على هذين المبدأين (المحاكاة والتعزيز) لا يقدم تفسيراً شاملاً لاكتساب اللغة، على الرغم من أدائه دوراً لا بأس به في مجال مساعدة الطفل في تعلّم اللغة، وبالأخص في المراحل الأولى من التعلم. فالطفل يتعلم الكثير من دون اللجوء إلى المحاكاة، حيث يبتكر كلمات لم يسبق أن تعلمها. أما مبدأ التعزيز فقد يفقد قيمته في كثير من المواقف، فالأطفال يتعلمون ويكتسبون اللغة بغض النظر عن ممارسة التعزيز.
وقد تعرضت نظرية سكنر للنقد الشديد من قبل الكثيرين ومنهم نعوم تشومسكيChomsky,1970) ). وبعد عدة سنوات ردّ على تشومسكي كنث ماكوركدال  (MacCorquodal,1970) وكان رده ردّاً شديداً دافع فيه عن آراء سكنر.
وانتقد تشومسكي سكنر فقال:" في التعامل مع موضوعات مثل اللغة، كان سكنر غامضاً وغير دقيق، بحيث لا يستطيع أحدنا الكلام عن المثير والاستجابة في تحليل الأبنية النحوية المعقدة. وفي محاولة سكنر أن يقترح فائدة معقولة للمفاهيم الشرطية في اكتساب اللغة، فمن الممكن أن يبتعد إلى ما وراء الملاحظة المخبرية والحقائق المعروضة". ماركس وهليكس                     (Marx and Hillix,1979).
وهكذا بدأت النظريات السلوكية تتهاوى أمام الهجمات العنيفة من قبل التشومسكيين.(1959) إنّ رفض النظرية السلوكية كان قائماً على دراساتٍ تجريبيةٍ كان لها الأثر المعتبر في علم اللغة التطبيقي ومجال تعلم اللغة. إلس           (Ellis,p.9).
ويعتبر السلوكيون أن الطريقة السمعية- البصرية في التدريس (Audio-Lingual Method ) مستخلصة من نظريتهم. والمعروف أن اسم هذه الطريقة مرتبط بالأسلوب المتبع بالتدريس والذي بلغ ذروته في الستينيات، ومن مؤيدي هذه الطريقة لادو(Lado,1964) حيث تعرّض لها في كتابه " تعليم اللغة ". ويؤكد لادو تعليم اللغة الدارجة بالحوار والتمارين، وفي الحوار يكون منضبطاً باستعمال عددٍ محدّدٍ من المفردات الجديدة، حيث يستمع التلاميذ إلى الحوار كله أو على شكل أجزاء أو عن طريق القراءة من قبل المعلّم.
كما أن هذه النظرية كانت موضوعاً للتحليل والنقد، حيث إنَّ الفكرة المركزية في التعلم موجهة من الخارج، وذلك بالتعامل مع سلوك المتعلم، وقد رفضت هذه من قبل الفطريين الذين يعتبرون أن المتعلمين أنفسهم يضبطون تعلم اللغة. إلس (Ellis,p.27)
ومن المنتقدين لهذه النظرية فيفيان كوك(Vivian Cook,1991) الذي يرى أن كثيراً من المدرسين قد اتبعوا هذه الطريقة لأسباب منها:
- أنها تزود المدرس بأنموذج محددٍ يستخدمه، بالإضافة إلى معرفة المعلم ما سوف يعمله مسبقاً. وتقع هذه النظرية تحت " نظرية تشكيل العادة                  " Habit Formation Theory"  وهذه الطريقة غير مناسبةٍ لتدريس القواعد وبعض الجوانب التي تتعلق باستعمالات اللغة الأخرى كما أنها تمتاز بعدم القدرة أو الكفاية في تشكيل العادة كطريقة للتدريس.
ويضيف إلس(Ellis,1992) في مجال نقده لهذه الطريقة فيقول:
" لقد فقدت هذه النظرية شعبيَّتها في الولايات المتحدة، لكثرة ما دار ضدها من مناقشات حادة. ولما حصله التلاميذ من نتائج مخيبة للآمال. لأن هذه الطريقة تحتاج إلى مدرسين من ذوي الكفايات العالية، وهم في الواقع قلةٌ وغير متوافرين. كذلك وجد الدارسون أن هذا الأُنموذج التدريبي ممل ويفقد التلاميذ اهتمامهم وانتباهم، وحتى المتحمِّسين منهم. إنّ نظريات السلوكيين والفطريين في التعلّم، يلعب فيها الدارس دوراً فعّالاً فيما يدرسه ويتعلّمه منها. وأمام هذه المناقشات بدأ بناء الطريقة السمعية- البصرية ينهار، وبالأخصّ فيما يتعلّق بالاعتقاد بتراجع ضبط عملية التعلم من الخارج. وقال ديكن (Dakin,1973): 
" ومع أن المدرس يمكن أن يضبط المختبرات التي يمكن أن تعرض على المتعلم إلاّ أنّ المتعلّم هو الذي يختار ما يمكن تعلمه منها". إلس(Ellis,1992).
ويرى الباحث أنه على الرغم من الانتقادات الحادة التي واجهت هذه النظرية إلا أنه إذا أحسن استغلالها، وتوافر لها المدرّسون المخلصون، يمكن الاستفادة منها في تعليم اللغة العربية.
وفي مدارسنا يمضي الطالب جميع المراحل الدراسية بالتعرض لمهارتي القراءة والكتابة، مع العلم أنه بأمس الحاجة إلى مهارتي الاستماع والكلام. إننا نادراً ما نجد مدرساً يطبق في تعليم دروس اللغة العربية أو غيرها مهارتي الاستماع أو الكلام. ومن هنا نلاحظ أن بعض طلابنا حتى المختصين بدراسة اللغات الأجنبية، يتخرجون من الجامعات وهم ما زالوا يعانون من الضعف في هاتين المهارتين وحتى في لغتهم الأم.
إن الطريقة الحديثة في تعليم اللغات تركِّز تركيزاً شديداً على هاتين المهارتين ومهارة الكلام أو المحادثة بشكل خاص، وإلا ما الفائدة من تعلم لغة نعرف الكثير من قواعدها وأدبها ولا نستطيع التحدث بها بطلاقة.
يرى فرانك مارشند(Franc Marchand, 1970) أنه ينبغي تحقيق هدفين من خلال دروس المحادثة، وهما أن يحاول الدارس أن يتدرب على الكلام ما أمكنه ذلك، وأن يتدرب منذ البداية على الكلام بالشكل الأفضل. أما دور المدرس فيكون التشجيع ويلي ذلك مرحلة التصحيح للخطأ حال وقوعه، وعلى المدرس عند التصحيح أن يتسم باللين واللطف، وفي المرحلة التالية يفسح المجال للدارس أن يصحح خطأه بنفسه. ومن هنا يمكننا القول إن أي تدريس في مجال اللغات لا يعطي الفرصة لتنمية مهارة التعلم الذاتي، هو تعلم ناقص لا بل فاشل، وإن التدريس الفعّال هو الذي يزود الدارسين بالمهارات اللازمة لهم في هذا العصر عصر التفجر المعرفي وتدفق المعلومات والانتشار السريع للثقافات على اختلافها، والتي لا يلم بها أو يدركها مخلوق. لذلك فإن مهارة التعلم الذاتي المستمر أمر يفرضه الواقع ومقتضيات العصر، والتعلم اليوم أصبح خارج أسوار المدرسة أكثر منه في داخلها.
واليوم هناك القليل من علماء النفس واللغويين ممن يؤيدون سكنر تأييداً كاملاً، إلا أنّ بعض علماء النفس استفادوا من نظريته وحاولوا توسيع قاعدتها لتكون مقبولة أكثر وذلك بتعديلها، وأطلقوا عليها نظرية الوسيط                       ( Mediation Theory). وطورها بافلوف بدوره إلى ما يعرف بنظرية التواصل(Contiguity Theory) والمقصود بذلك أن يكون المثير اللغوي كلمة أو جملةً يستلزم استجابة غير مباشرةٍ وهو ما يطلق عليه المثير الذاتي                     ( Self- Stimulus) وعلى أيِّ حالٍ فقد تركت مدرسة علم النفس السلوكي عدداً من الأسئلة التي لم تستطع الإجابة عنها بخصوص اللغة. براون           (Brown, 1987) وكذلك باندورا (Bandura,1977): " فقد انتقدت سكنر لفشله في أن يتعامل مع المثير الحسي للناس ومع قدرات التنظيم الذاتي".
وقد استعملت هذه المدرسة استراتيجية الحوافز والمكافآت الخارجية لزيادة الدافعية للتعلم. وقد نجحت بشكل محدود، إلاّ أنّه مع تقدّم العلم في هذه الأيام فقد حدثت تطوراتٌ كبيرة فيما يخص الدماغ والأعصاب، مما يشجع على دراسات جديدةٍ. فقد دلّت نتائج أبحاث ديسيفالي وزملائه                            (Decivalle and Others,1991) وأبحاث كوهن (kuhn,1993  ):
أن هناك فرقاً كبيراً بين استجابة الدماغ البشري للمكافآت على الأفعال البسيطة واستجابته عليها لحلّ المشكلات المعقدة. فالمكافآت قصيرة المدى يمكن أن تثير استجابة مادية وجسمية بسيطة وأما القضايا الصعبة فإن المكافآت المادية لا تنفع بل قد تكون ذات أثر ضار ومعاكس.
إن جميع علماء النفس يناقشون الحوافز والمكافآت والسلوك من الناحية الظاهرية، بعكس علماء الأعصاب الذين ينظرون إلى الموضوع من الداخل ويتساءلون: ماذا يُجرَى بالدماغ؟ فهم يرون أن الدماغ ذاتي التشغيل فيما يتعلق بالمكافآت. أي أنّ لديه جهاز مكافآت داخلياً يثيب الشخص على النجاح ويعاقبه على الفشل. وتسمى المكافآت التي يصرفها الدماغ " المهدّئات". وتنتج هذه المهدئات أثراً يشبه أثر المورفين أو الكحول أو النيكوتين أو الهيروئين أو الكوكائين. ويقع جهاز المكافآت وسط الدماغ ويسمى جهاز مكافآت ما تحت السرير البصري (Hypothalamus Reward System) حيث يوجد فيه قسم لإنتاج المواد التي تشعرك بالابتهاج أو اللذة عند النجاح.                           (Al- Harithi, 2001).
كما دلت بحوث نيل((Neilعلى أن الحوافز المادية قد تفيد في كثير من الأحوال لكنها ليست فعالة مع جميع التلاميذ(Jansen, 1998).
أما مارينا برت وهايدي دوليه (Burt and Heidy Dulay,1977) فتريان أن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الطفل تقوم بدورٍ مهمٍّ في تعلم اللغة:
" إن البيئة الطبيعية للغة تكون ذات أهمية إضافية حينما يكون تركيز المتكلم على التواصل اللغوي لا على اللغة نفسها. ففي الحديث بين شخصين تكون المحادثة طبيعية، وكذلك ينساب تبادل الألفاظ بشكل طبيعي. إن المشاركين في تبادل الحديث يهتمون بتبادل المعلومات والأفكار، وفي الوقت نفسه يستعملون أبنية اللغة، ويحدث ذلك علمياً دون وعي أو إدراك لبناء الجمل الذي يستعملونه".
إن الكاتبتين مصيبتان فيما ذهبتا إليه، ويؤكد بنجامين وورف              Benjamin and Whorf,1956)) ذلك بقولهما: " إن التراكيب والعلاقة التي نستعملها لكي نفهم العالم، تأتي من داخل لغتنا الخاصة، وهكذا فإن المتكلمين للغات مختلفةٍ، يفهمون بطرق مختلفةٍ، وعليه فإن اكتساب اللغة، يعني التعلم كيف نفكِّر، وليس كيف نتكلم".
وتقول مارينا بيرت وهايدي دوليه(Burt& Heidi Dulay1981):
لقد حاولنا أن نضع المتعلم والبيئة معاً لتقديم حقائق حول تعلم اللغة تكون قابلة للتطبيق في الغالب، وتوصلتا إلى النتائج الآتية:

1-        البيئة الطبيعية ضرورية للاكتساب الأمثل للغة.
2-        يجب أن يكون الاتِّصال اللغوي بمستوى حصيلة الطفل اللغوية.
3-        أن تكون اللغة المستعملة مفهومة للمتعلّم.
ولعالم الاجتماع العربي ابن خلدون رأي في تعليم اللغة، فقد قال في معرض كلامه عن انتقال الألسن واللغات من جيلٍ إلى جيل، وذلك في فصلٍ عنوانه: "إنّ اللغة ملكة صناعية":
   "فالمتكلم من العرب حيث كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطبتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيُلَقَّنُها أولاً، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفةً راسخةً ويكون كأحدهم، هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيلٍ إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال.
وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم. ثم إنه لمّا فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم وسبب فسادهم أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى" .(المقدمة،320).
ويقول في مقام آخر:" وكلٌّ منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده، والإبانة عما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائرٍ لهم، كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد، وأما أنها أبعد عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة..".(المقدمة،           ص322).
يرى ابن خلدون أنَّ الملكة صفة راسخةٌ، ولا تتحقق وتحصل هذه الصفة إلا بتكرار الأفعال. ومفهوم الملكة عند ابن خلدون هو قدرة المتكلم على امتلاك ناصية الكلام. ومن قراءة هذا النص لابن خلدون ندرك أن آراءَه سليمة وترتكز على قواعد علمية صحيحة، ولا تبتعد كثيراً عن النظريات الحديثة.
ففي النص الأول عدة عوامل وتعتبر أساسية في تعلم اللغة وهي:
- العامل الأول: التكرار وهو مهم في اكتساب اللغة وفهم تراكيبها ومفرداتها. ويجب أن يتم التكرار في مواقف طبيعية، وفي مواقف حيوية، وأن يبنى على الفهم والإدراك للعلاقات والنتائج وإلا أصبح من دون الفهم مهارةً آلية لا تساعد صاحبها على مواجهة المواقف الجديدة.
- العامل الثاني: البيئة الصالحة لتعلم لغة ما، هي البيئة الطبيعية أي الاختلاط بأصحاب تلك اللغة الفصيحة حتى يستقيم اللسان.
- العامل الثالث: الاختلاط بالأعاجم يفسد اللغة، لذلك اشترط ابن خلدون أخذ اللغة بالاعتماد على التراث اللغوي والاختلاط بأهل اللغة وكان يقصد العرب الفصحاء.
- العامل الرابع: وجوب التقليد والاقتباس في بدايات تعلم اللغة، ثم تأتي مرحلة الاعتماد على ما وعاه وحفظه واستعماله في مواقف جديدة.
وفي النص الثاني يقرر ابن خلدون حقيقة علمية أخرى، وهي أن اللغة قد يصيبها التغيير، وتتبدل وتتطور تبدل الكائن الحي وتطوره سلباً أو إيجاباً، وأن العوامل الاجتماعية تتأثر بالبيئة وبالتالي تكون عاملاً من عوامل الصراع بين اللغة ومحيطها فإما أن تنتصر اللغة أو تنهزم.
وهناك عوامل وردت في المقدمة، لا مجال لذكرها. ومن مطالعة آراء ابن خلدون نلاحظ التوافق العجيب بين رؤيته التربوية للغة ودورها وأسس تعليمها ومدى مطابقتها للأسس النفسية والتربوية والنظريات الحديثة. فنظرية ابن خلدون في اكتساب اللغة تأخذ موقعاً متميزاً بين معظم النظريات، فقد أتى مقارباً لبورهوس سكنر وجون واطسون من السلوكيين، وفيجوتسكي من التفاعليين، وميللر ونعوم تشومسكي من العقليين وبقية أنصار الاتجاه التوليدي التحويلي.
كما أثبتت الدراسات التي قامت بها كارول (Caroll,1967) على        (2784) طالباً يدرسون اللغات الأجنبية بالجامعات الأمريكية، وهم يدرسون اللغات الفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية. تقدموا جميعهم لامتحان الكفاءة الخاص بجمعية اللغات الأجنبية الحديثة (M L A ) وتشير الدراسة إلى أن هناك علاقةً قويّةً بين الوقت الذي قضوه ببيئة البلد المضيف في الخارج ونتيجة الامتحان. أي أنّ الأشخاص الذين درسوا سنة أكثر من غيرهم كان تحصيلهم العلمي أفضل، من الذين أمضوا عطلة الصيف في الخارج سياحاً وضمن فصولٍ معدّةٍ لذلك.
وتوصل ريتشارد تكر(Tucker, 1977) إلى النتائج نفسها التي توصلت إليها كارول(Caroll)، وقد كتب تكر تقريراً عن دراسة أجريت حول تدريس اللغة الإنجليزية بالفلبين، " أشارت النتائج إلى أنّ الكفاءة باللغة الإنجليزية تعود مباشرة إلى استعمال اللغة الإنجليزية وسيطاً في التعليم" لعدة سنوات. ويؤكد برستول (Burstall,1975):" أن الاتصال بثقافةٍ أجنبيةٍ يبدو أنه ينمّي رغبة كبيرة لدراسة هذه اللغة الأجنبية، وذلك عن طريق الزيارات أو غيرها".
أمّا كراشن (Krashen,1981) فيقول: " إنّ هدفنا أن نضع التلميذ بالمكان الذي يساعد في تحسين لغته معتمداً على نفسه وذلك بوضعه ببيئةٍ طبيعيةٍ لأننا لا نستطيع أو نتوقع أن نحصّل مستوىً جيداً من الكفاءة في الفصل وحده".
ولذلك يلاحظ أن الطلاب الذين يدرسون في البلاد الأجنبية، ويعيشون مع عائلات تلك البلد يكونون أسرع من غيرهم في إتقان اللغة.
وهناك العديد من النظريات الحديثة يمكن تصنيفها ضمن النظريات البيئية، ومنها نظرية شومان، وهي قائمة على دراسة قام بها شومان           (Schumann, 1975) موّلتها جامعة هارفرد، ولها أهميةٌ خاصةٌ حيث إنها تفسرّ كيفية اكتساب المهاجرين البالغين اللغة المستهدفة.
وهذا الأُنموذج قائمٌ على افتراض أن هناك رابطاً يصل بين "التثاقف" واكتساب اللغة الثانية(SLA). إنّ نظرية شومان(Schumann,1978b) القائمة على التثاقف(Acculturation Model) تتضمن فرضيته الأساسية والتي يقول فيها: "إنني أحب أن أناقش بأن هناك مجموعتين من المتغيرات: العوامل الاجتماعية والعوامل النفسية واللتان تلتقيان لتشكلا متغيّراً واحداً، وهو المتغيّر الرئيسي المؤثّر في اكتساب اللغة الثانية. واقترح أن نطلق على هذا المتغيّر المثاقفة(Acculturation) وأعني بذلك أن تتوحد العوامل الاجتماعية والنفسية لدى الفرد مع مجموعة اللغة المستهدفة. أقترح كذلك أنّ أيّ متعلّمٍ يمكن أن يتعرّض لسلسلةٍ من العوامل الاجتماعية والنفسية تتسع أو تضيق مع متعلّمي اللغة المستهدفة(TL) وعندها فقط يمكن أن يكتسب المتعلّم اللغة حسب " المثاقفة" التي حققها".
إن نظريـة شومـان كما نرى قائمة على بعدين: البعد الاجتماعي                        وهو ما يطلق عليه "Socical Distance" والبعد النفسي ويطلق عليه                          "Psychological Distance ". ففي البعد الأول يرى أنه كلما زادت المسافة واتسعت الفروق الاجتماعية بين المجموعتين قلّت درجة تعلّم اللغة، وكلما تقاربت أنماط الحياة الاجتماعية أو تشابهت زادت درجة تعلم اللغة واقترب المتعلّم من إتقانها. وكذلك الحال بالنسبة للبعد النفسي، فإذا كانت الحالة النفسية جيدة زاد تفاعل الفرد وانخرط نفسياً مع المجموعة المستهدفة، وزادت الرغبة عنده في تعلم اللغة وإتقانها والعكس صحيح.
وتؤيد نظرية شومان النتائج التي توصلت إليها وونغ فلمور                  Wong Fillmore, 1976)) فهي تقول: إن اندماج المجموعة التي تدرس اللغة المستهدفة مع بعضها بعضاً يؤثر على المجموعة نفسها ويفقدها الاتصال أو التعاون مع المجموعة الأخرى. ذلك لأن هذا الاندماج يعطي الفرصة للمجموعة أن تتواصل بلغتها الأم، وبالتالي تبتعد المجموعة الأخرى التي لم تتواصل بلغتها الأم بل تواصلت باللغة الثانية، وهذا واضحٌ جدّاً في المجموعات ذات الخلفيات المختلفة في صفوف تعلم اللغة الإنجليزية كلغةٍ ثانيةٍ في الولايات المتحدة، حيث يشكلون مجموعات ويمضون وقتهم يتكلمون مع بعضهم بعضاً خارج الفصول بلغتهم الأم. ويمكننا أن نطلق على المجموعات أو المجموعة التي تنفصل عن المجموعة الرئيسة (الجماعة اللغوية) أو الجماعة الكلامية. ولتوضيح ذلك يعرف هدسونHidson, 1990)) الجماعة اللغوية: على أنها مجموعة اجتماعية قد تكون أحادية اللغة(monolingual)  أو متعددة اللغات            (multingual) تتماسك جماعة واحدة من تواتر أنماط التعامل الاجتماعي، ويفصلها عن الجماعات الأخرى في المناطق المجاورة ضغط             "خطوط الاتصال".
ويرى شومان أن هناك ثلاث استراتيجيات يمكن أن تتبنّاها أيُّ مجموعة تتعلم اللغة: الهضم(Assimilation) والمحافظة(Preservation) والمثاقفة             (Acclturation) فإذا ما رغبت مجموعة في هضم اللغة المستهدفة وتمثلها، فستتخلّى عن ثقافتها وتتبنّى ثقافة مجموعة اللغة المستهدفة بما في ذلك لغتها            (الهضم). المحافظة وتعني أن المجموعة- التي ستدرس اللغة الثانية- ترفض ثقافة اللغة المستهدفة وتتمسك بثقافتها. أما التثاقف فقد سبق أن تحدثنا عنه حيث إن تشابه الثقافة بين مجموعتين يسهل الاندماج بينهما ويساهم في تعلم اللغة المستهدفة.Izzo,1981)) .
ويؤيد ما ذهب إليه شومان دراسة قام بها كلٌّ من كلاين ودتمار             Klien and Ditmar,1979)) فقد أجريا دراستهما في ألمانيا على عدد من العمال الأجانب، 95% من هؤلاء العمال لم يحضروا درساً في تعلم اللغة. وكان عدد من طبقِّت عليهم الدراسة(48) عاملاً، وكلهم من الإسبان والإيطاليين، وكان هدف الدراسة معرفة العوامل التي تؤثر في تعلم اللغة. وخلصا من هذه الدراسة إلى أنَّ هناك ثلاثة متغيرات تُعتبر الأكثر تأثيراً في تعلم اللغة عند أفراد هذه العينة:
المتغير الأول: العمال الذين كانوا أكثر احتكاكاً بالألمان الأصليين، كانوا أكثر امتلاكاً واقتداراً باللغة. وأهم عاملٍ كان الاحتكاك أثناء وقت الفراغ.
المتغير الثاني: العمر، أي أنّ العمال الأصغر سنّاً كانوا الأكثر اتصالاً.
المتغير الثالث: الاحتكاك بالألمان أثناء العمل. أما طول الإقامة في ألمانيا فكان مهماً في السنتين الأولى والثانية، وحسب ما يعترض له العامل من عوامل اجتماعية.
وهناك دراسة أخرى تؤيّد شومان وهي دراسة يوجين ندا                Nida, Eugene.1971)) وشملت بعض الأمريكان والإنجليز الذين يعملون في أمريكا اللاتينية، فوجد أن أفراد عينة الدراسة بعضهم يتقن الإسبانية قراءةً وكتابةً ومع ذلك كان لا يتكلم إطلاقاً إلاّ بالإنجليزية. وقد كان ضمن أفراد العينة محامٍ ويرافقه مترجم خاص، وكان المترجم الخاص يقوم بالترجمة للمحامي مع العلم أنّ المحامي يتقن الإسبانية قراءةً وكتابةً. وكان المترجم يمثل رمزاً للهيبة، مما ساعد على وضع الحواجز بينه وبين هؤلاء الأميركيين والإنجليز، مؤكداً على التفوق والكبرياء. ومن جهةٍ أخرى، إذا كانت هناك مجموعة تتعلم اللغة أقلّ مستوىً من المجموعة المستهدفة اجتماعياً، فسيكون هناك اتصال محدودٌ لتعلم اللغة، إلا إذا كانت هناك  سلطة مسيطرة تفرضها. وأحسن الحالات لتعلم اللغة وانتشارها عندما تكون الجماعتان متساويتين اجتماعياً.
وفي الحالة الثانية يعني شومان( Schumann,1976b) أن اتجاهات ودوافع التلميذ تعتبر جزءاً مما سُمّي بالبعد النفسي. فمثلاً إذا كان إنجاز الطالب ضعيفاً في اللغة الثانية فهذا يعود إلى عوامل نفسية، ومنها رفضه تعلم اللغة الأجنبية، وأحياناً يرفض تعلمها نهائياً لأنه بتعلمه اللغة الجديدة يحدث له تغيّر جذريّ يمكن رؤيته من خلال تنكره لطبيعته وثقافته. ومهما يكن من أمر، فإن تعلم اللغة بشكلٍ ناقص أو غير كاف، يقف حجر عثرةٍ أمام الاندماج مع ثقافةٍ أخرى، ويعطي الفرد فرصة الاحتفاظ بهويته. من هنا كان للبعد أو الانعزال عن الآخرين وخاصة أصحاب اللغة المستهدفة أثر كبير في تثبيط المتعلم عن اكتساب اللغة الثانية المستهدفة لقلة معايشتها.
ويقول إيرل ستيفك (Earl Stevic, 1976): " هناك العديد من أشكال العزلة، العزلة بيني (أنا) وبين المعلم، وذلك لبعده عن ثقافتي الأصلية وبعدي عن الثقافة المستهدفة. والبعد أيضاً بيني وبين التلاميذ. وينشأ هذا الانعزال من الدفاع الذي نبنيه حول أنفسنا، وهذه الدفاعات التي نبنيها لا تسهّل التعلّم ولكن تثبطه، وإزالة هذا الحاجز يؤدي إلى الاندفاع لتعلم اللغة".
ويؤكد كلٌّ من فرنهام وبوشنر (Furnham and Bochner,1986):
أنّ اتجاهات المتعلّم نحو ثقافةٍ معيّنةٍ لها تأثير كبيرٌ على اكتساب اللغة الثانية، خاصة في مجال ما يسمى بـ" التثاقف". والمقصود بهذا المصطلح المسمّى      بـ" Acculturation" أن يصبح متعلّم اللغة الثانية جزءاً من المجموعة الجديدة التي يقيم بينها ويدرس لغتها. أو بتعبير آخر هي تعديلات تطرأ على ثقافةٍ بدائيةٍ نتيجة احتكاكها بمجتمع أكثر تقدّماً. وشأن هذا الأُنموذج              ((Acculturation شأن النظريات الأخرى في بداياتها، حيث ذهب بعيداً على اعتبار أنّ النجاح يعود إلى عوامل اقتصادية – اجتماعية، على الرغم من أنّ هناك عوامل أخرى عديدة تشير إلى أن اللغة تتعدى العوامل الاجتماعية والاقتصادية إلى العوامل النفسية التي تؤثر فيها تأثيراً كبيراً.
ويقول بوني نورتون(Bonny Norton,200) إنّ هذه النظرية تقوم على ثلاث فرضيات:
الفرضية الأولى:
التي تشير إلى أنه إذا كانت المجموعة التي تتعلم اللغة الثانية أدنى مستوىً من مجموعة اللغة المستهدفة، فإنها ستقاوم تعلّم اللغة الثانية.
الفرضية الثانية:
إذا كان أعضاء المجموعة التي تتعلّم اللغة الثانية، قد تنازلوا عن أسلوب حياتها وقيمها، وتبنوا طراز حياة المجموعة الثانية وقيمها، فإنّ اتّصالهم سيزداد بمجموعة اللغة المستهدفة ويزيد تشجيعهم على اكتساب اللغة        ((SLA.
الفرضية الثالثة:
العلاقة بين مجموعة اللغة المستهدفة والمجموعة الدارسة لها تزداد إذا توافرت الاتجاهات الإيجابية بينهما مما يزيد من الرغبة والاستعداد لاكتساب اللغة الثانية.
إن نظرية شومان تلامس الواقع، فقد لوحظ أن الطلاب العرب الجدد والقادمين من أجل الدارسة في الولايات المتحدة، كان كثير منهم ينتظمون في فصول دراسية معدة لتعلم اللغة الإنجليزية. وأن هناك بعض الجماعات التي كانت متلازمة معظم الوقت مع بعضها البعض، داخل الفصول وخارجها، وترتب على ذلك أنهم كانوا من أكثر المجموعات تأخراً ومكوثاً في برنامج اللغة الإنجليزية، وذلك لعدم تفاعلهم مع مجتمع اللغة المستهدفة، وذلك للخلاف الشديد بين ثقافتيهما.
ويرى الباحث أن ما يراه شومان يتضاءل جميعه أمام رغبة الطالب الوافد بمتابعة دراسته في البلد التي أوفد إليه إذ إن خوفه من الفشل والخزي بين أهله وبني قومه يعد من أقوى الدوافع التي تسهل أمامه كل صعب، فتذلل كل عقبة.
النظريات التفاعلية(Social Interactions)
باستعراض النظريات السابقة نرى أنه لا توجد نظرية واحدة شافية لتفسير اكتساب اللغة الثانية. لذلك دمجت أكثر من نظرية معاً، وذلك لإيجاد تفسيرٍ أكثر قبولاً. ومن هذه النظريات نظرية فيجوتسكي(Vygotsky) الذي يرى أنّ أساس تعلّم اللغة يعود إلى التفاعل الاجتماعي، وهذا لا يتعارض مع أفكار السلوكيين أو الفطريين حول تعلّم اللغة. ولكن في هذه الأيام نرى العديد من علماء النفس يحاولون الجمع بين هذه الأفكار ودمجها، وذلك لتشكيل نظريةٍ مؤلفة مدمجةٍ أطلق عليها اسم التفاعل الاجتماعي   (Social Interactions).
وهذه النظرية أوجدها تلميذ بافلوف ليف فيجوتسكي                             Lev  Vygotsky,1962)) وأعاد صياغتها بالكلمات الآتية: " العلاقة بين الفكر والكلمة هو إنسانٌ حيٌّ".(Sc ovel, 2001)  ويدور موضوع نظرية فيجوتسكي ضمن نطاق التفاعل الاجتماعي، حيث له تأثير قوي في تطور المعرفة. ويبسط فيجوتسكي (Vegotsky,1978) رأيه بقوله:
"إنّ أي عمل يتعلق بتطور الطفل الثقافي يظهر مرتين: مرةً على المستوى الاجتماعي مع الناس وبينهم، وأخرى على المستوى الفردي في نفسية الطفل وداخله (Interpsyclological)،(Intrapsychological)".
لذلك يعتقد فيجوتسكي أن الأقران عامل هام وأساسي لتطوير الفرد. إن كتاباته تؤكد دور العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية في المعرفة، كما أنه يجادل أن اللغة أهم أداةٍ رمزية وضعها المجتمع. ويقول لفرانكوسLifrancois,1994)): تنطوي نظرية فيجوتسكي على ثلاثة موضوعات، الأول: أهميّة الثقافة، والثاني: الدور الرئيسي للغة، والثالث وهو ما سمّاه فيجوتسكي:(منطقة النمو والتطور)،أي((Zone of Proximal Growthand Development).
أي أن هناك فترة زمنية محددة لتطوير المعرفة، والتطور التام خلال هذه الفترة ZPD)) يعتمد على التفاعل التام خلالها. إن مدى التطور الذي تصله المهارات من خلال إرشاد البالغين أو بالتعاون مع الأقران يزداد أكثر مما لو كان وحده. إن نظرية فيجوتسكي ما هي إلاّ محاولة لإيجاد إنسان اجتماعي. كما أن نظريته هي عملٌ تكميليّ لأعمال باندورا (Bandura) حول التعلم الاجتماعي. إن نظرية فيجوتسكي هي إحدى النظريات العامة في مجال تطوير المعرفة، ومعظم أعماله الأساسية أجريت في سياق كيفية تعلم الأطفال اللغة ( (Vegotsky, 1962 وعليه فإن التطبيقات على هذه النظرية هي في ازدياد واتساع. ((Wertsh, J.V.,1985
وترى إلس( (Ellis,1997 أنّ لهذا الأُنموذج تأثيراً كبيراً في مجال اكتساب اللغة الثانية.
وتمتاز النظريات التفاعلية بوجهات نظرها المختلفة فيما يخص تفسير عملية اكتساب اللغة الثانية. لذلك نرى أنّ جفون(Givon 1979,1984) على سبيل المثال، يعتمد النظرية التصنيفية الوظيفية                                      (Functional- Typological Theory) المبنيَّة على دراسة النحو الوظيفي وتغيّر اللغة تاريخيّاً.
أما هاتش(Hatch, 1978) وآخرون فقد اعتمدوا نتائج البحث الاجتماعي والمعرفي وتحليل الخطاب اللغوي(Discourse Analysis) لتفسير اكتساب اللغة، بينما اعتمد غيرهم على نتائج دراسات علم النفس اللغوي والمعرفي للتوصل إلى قواعد تفسير اكتساب اللغة                                  Pienemann and Johnston,1987) )  ويعتبر هاتش (Hatch,1983) وكثيرون من مؤيدي نظرية التفاعل (Theories of Discourse) التي تهتم بالتفاعل مع الآخرين في تعلّم اللغة. فعلى سبيل المثال بناء الجمل يتصوّر بالمحادثة. وقد ذكر فيجوتسكي ((Vygotsky أن جميع العمليات المعرفية بما فيها موضوع اللغة تبدأ من التفاعل الاجتماعي.
ومن أنصار هذه النظرية سوزان غاص وسلنكر                                  (Gass and Selinker,2001). فقد قاما بتفسير طبيعة المدخلات التي تجعلها مفهومة، وأن تكون موصولة مع المخرجات بالتفاعل الاجتماعي.
(القسم الثاني في العدد المقبل)



1 .  ابن جني، الخصائص، حققه محمد علي النجار. الجزء (1)، الطبعة الثانية، بيروت، ص23.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق