الأربعاء، 15 يناير، 2014

نظرية السياق عند فيرث ومدى تأثرها بنظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني


 
نظرية السياق عند فيرث ومدى تأثرها بنظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني
---------

الدكتور :حازم فارس أبوشارب
----------------------------------------------------------------
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله فاتحة كل خير وتمام كل نعمة ، أحمده سبحانه وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيد البشرية أجمعين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وبعد .
فاللغة العربية " كانت لغة أُمّيين وثنيين جاهليين ، فظهر فيها أكمل الأديان ، فكانت له أكمل مظهر ، وتجلى لهم العلم فكانت له خير مجلِّ ، وصارت بذلك لغة مجلِّ الدين والشريعة ، وعلوم العقل والطبيعة " (1) .
ويؤكد هذا القول الدكتور سمير استيتية ، عندما قال : إن اللغة العربية نزلت من السماء لغاية وغرض مقصود وهو الاستعداد لاستقبال القرآن الكريم .
لقد التفت القدماء إلى السياق اللغوي وغير اللغوي ؛وذلك لأهميتهما في الوصول إلى المعنى المراد من التركيب، ولا يتوقف ذلك ذلك على العناصر اللغوية فقط ،بل يعتمد أيضا على المقام المحيط للجملة وحال المتكلم والمخاطب ،طبيعة الموضوع ...الخ .
فقد سبق القدماء المستشرقين ،ومنهم عبد القاهر الجرجاني(2) الذي أبدع نظرية النظم، وأوضح أنّ السياق هو ترتيب الألفاظ في الجملة ،وتأليفها بحيث تأتلف مع ترتيب هذه الألفاظ ومعانيها في النفس والذهن والعقل ،وقد تناثرت أقواله في كتابيه : (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة ) فعبّر عن توافق اللفظ مع المعنى ، وعبر عن مدى الارتباط بين الكلمات بعضها ببعض ،ومناسبتها للسياق والمقام الذي تذكر فيه بقوله :"النظم هو توخي معاني النحو في معاني الكلم ..." (1) .
وجاء من المستشرقين من يؤيد نظرية النظم أوالسياق عند الجرجاني مثل (فيرث* وأتباعه) ،وذلك من خلال محاولة تأطيره ، وجعله أكثر منهجية ، وذلك من خلال قوله أي –فيرث - : " أن دراسة اللغة بشكل عام ، وكذلك دراسة عناصرها من كلمات وأصوات وجمل هي دراسة دلالية لمعاني هذه العناصر " (2) .
وذهب أيضا إلى اعتبار مهمة البحث اللغوي منحصرة في تقصي المعاني دون سواها (3) .
ويقوم هذا البحث البسيط بعقد مقارنة بين نظرية السياق بين فيرث ومدى تأثرها بنظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني .

*السياق لغة :
السياق لغة من الجذر اللغوي (س و ق)، والكلمة مصدر (ساق يسوق سوقاً وسياقاً) فالمعنى اللغوي يشير إلى دلالة الحدث، وهو التتابع(1). وذكر التهانوي: أن السياق في اللغة بمعنى (الإيراد) (2).
وقال الزمخشري : " ومن المجاز : هو يسوق الحديث أحسن سياق ،وإليك سياق الحديث ،وهذا الكلام مساقه إلى كذا ، وجئتك بالحديث على سوقه أي سرده (3) . ويقول في موضع آخر : "وسياق الكلام تتابعه ،وتواليه ،وأسلوبه الذي يجري فيه " (4) .
*النظم لغة : نظم ، التأليف نظمه ينظمه نظما ونظاما ونظمه فانتظم ، ونظمت اللؤلؤ أي جمعت في السلك ،والتنظيم مثله ومنه ،ونظم الأمر على المثل وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته (5).
فالناظر في مفهومي النظم والسياق ، يجد أنّ هناك تقارب بينهما في المعنى .إذن إضافة إلى ما دلّ عليه السياق أو النظم فإنه يدل على دلالة مجازية ، متمثلة في سياق الحديث الذي يعدّ مجال دراستنا .
السياق اصطلاحا :
لم تكن اللسانيات وحدها من اهتم بالسياق بل كان محور اهتمام اللسانيات بصفة عامة . " إذ يعني مصطلح السياق التركيب أو السياق الذي ترد فيه الكلمة ، ويسهم في تحديد المعنى المتصور لها " (1) .
فالسياق يطلق على التركيب اللغوي الذي يتجاوز في مكوّناته الجملة (2).
فهو وحدة لغويّة أساسية ذات دلالة متكاملة يمكن تحليلها بالاستعانة إلى مقولات لغوية ، ومقولات ما وراء لغوية . فالسياق يشكّل المكان الطبيعي لبيان المعاني الوظيفيّة لمكوّناته ، إذ تتحدّد الوظائف اللغوية (الصوتية ، والصرفية ،والنحوية ، والإيقاعية ) لكلّ مكوّن لغوي داخله ، فالسياق بهذا المفهوم يلتقى مصطلح (الوضع) المستعمل كثيرا في آثار النحويين العرب القدماء ، إذ عرّف بعضهم (الكلام) بأنّه اللفظ المركب المفيد بالوضع ، أي بحكم النمط التركيبي المحدّد لكلّ جملة من الجمل كالجملة الاسمية ، والفعلية ، والخبرية ، والإنشائية ،والمثبتة ، والمنفيّة ،والمؤكّدة ، والاستفهامية ، وجملة الأمر ،والنهي ،والتحضيض والشرط ... " (3) .
فمصطلح السياق (Contexte) يتكون من مقطعين text و cont ؛ أي مع النسيج ،حيث استعمل المصطلح الأول ليعني الكلمات المصاحبة للمقطوعات الموسيقية ، ثم بعد ذلك أصبح يستعمل بمعنى النص ؛ أي تلك المجموعات من الكلمات المتراصة مكتوبة أو مسموعة ، إضافة إلى معنى جديد متمثل في ما يحيط بالكلمة المستعملة في النص من ملابسات لغويّة وغير لغويّة (1).
ويرى هاليدي (M . Halliday) أنّ السياق : " هو النصّ الآخر ، أو النص المصاحب للنص الظاهر ، وهو بمثابة الجسر الذي يربط التمثيل اللغوي ببيئته الخارجية " (2) .
ويقول بروس أنغام : " السياق يعني واحدا من اثنين : أولا : السياق اللغوي ، وهو ما يسبق الكلمة ، وما يليها من كلمات أخرى ، وثانيا : السياق غير اللغوي : أي الظروف الخارجيّة عن اللغة التي يرد فيها الكلام " (3).
وهذا التفريق بين نوعين من السياق هما " السياق اللغوي والسياق غير اللغوي " هو ما أكسبته نظرية فيرث (Firth) حين أصبح تناول المعنى لهذين الجانبين ، ويصطلح عليهما في الإنجليزية على الاشهر :
* Verbal Context أو Linguistic context ، ويراد به السياق اللغوي أو سياق النص كما أسميته (1).
* context of situation أو the non-linguistic context ، ويراد به سياق الموقف أو السياق غير اللغوي (2).
ولقد عرضنا تعريف المحدثين بسب عدم وجود تعريف له من قبل القدماء ،وهذا لا يعني عدم معرفتهم ، بل على العكس من ذلك ، فقد بحثوا فيه كثيرا ، وكتبوا بحوثا مستفيضة بهذا الشأن ، ولكن بتسميات مختلفة ومفاهيم اخرى ، وهذه مشكلة يعاني منها علم الدلالة العربي والعلوم العربية الأخرى ، وهي عدم وضع تسمية للمصطلحات ،وبعضها غير وثيق وليس شاملا لكثير من المباحث التي تناولوها في مختلف علوم الأدب واللغة .




ويقول الغزالي سياق النحو : " يفهم به خطاب العرب ، وعادتهم في الاستعمال إلى حدٍّ يميز صريح الكلام ومجمله ، وحقيقته ومجازه ، وعامه وخاصه ، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده ، ونصّه وفحواه ،ونصّه ومفهومه " (1) .
فهذا المفهوم للنحو عند الغزالي قريب مما أشار إليه ابن جني حين عرّف النحو : " هو انتحاء سمت كلام العرب ، في تصرفه من إعراب وغيره ، كالتثنية ،والجمع ،والتحقير ، والتكسير والإضافة ،والنسب والتركيب ،وغيره ليلحق من ليس من أهل اللغة بأهلها ... "(2) . والسياق المفهوم عند الغزالي أنّه عرض من النحو كيفية الفهم ، وعرض ابن جني كيفية القول.
أمّا البلاغيون فقد ادركوا دور السياق مبكرا في إصابة المعنى وعرفوا أهميته في خدمة المعنى والوصول إليه ، فاشترطوا مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، وهو من ضمن حد البلاغة ،وقد أشار إليه الجاحظ عندما تحدّث عن شروط اللفظ والمعنى ، وتوافقهما في خدمة الدلالة ،ومنها : " لكل مقام مقال " (3).
وهذا الإمام عبد القاهر الجرجاني الذي اشتهر بتطبيق الشواهد القرآنية وتحليلها في نظرية النظم التي وضع أسسها .
وسنبحث نظرية النظم ودورها في تأصيل بحث السياق عند اللغويين الغرب (1).
ويذكر الخطيب القزويني (ت 739هـ) ما قاله الجاحظ ، معبّرا عن سياق الموقف ، بقوله : " أمّا بلاغة المتكلم فهي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته ، ومقتضاها الحال مختلف ، فإنّ مقامات الكلام متفاوتة فمقام لتنكير يباين مقام التعريف ،ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد ،ومقام التقديم يباين مقام التأخير ، ومقام الذكر يباين مقام الحذف ، ومقام القصر يباين مقام خلافه ، ومقام الفصل يباين مقام الوصل ، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب ، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام " (2).
من خلال النصّ السابق وغيرها من النصوص ، نقول : أنّ فكرة السياق عندما تناوله الغربيون في القرن العشرين لم تكن جديدة تماما ، وإنما كانت استمرارا لجهود الدرس اللغوي عند العرب وأبرزهم عبد القاهر الجرجاني .
ولكن نستطيع القول أن الغربيين (مثل فيرث وأتباعه ) قد صاغوا هذه الفكرة في شكل نظرية قابلة للتطبيق على جميع أنواع المعنى ، من صوتية ، وصرفية ،ونحوية واجتماعية. ووضعوا لها من المعايير والإجراءات ما يجعلها تقف على قدم المساواة مع بقية النظريات التي تتناول المعنى بالتحليل والتفسير .

• نظرية السياق عند فيرث ومدى تأثرها بنظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني :
عرفت مدرسة لندن بما سمي بالمنهج السياقي (Contextual Approach) ، وكان زعيم هذا الاتجاه (فيرث) الذي وضع تأكيدا كبيرا على الوظيفة الاجتماعية للغة .
فتعدّ " نظرية السياق " هي الحجر الأساس في " المدرسة اللغوية الاجتماعية " التي أسسها (فيرث) في بريطانيا ، والتي وسّع فيها نظريته اللغوية بمعالجة جميع الظروف اللغوية لتحديد المعنى ، ومن ثم حاول اثبات صدق المقولة بأن " المعنى وظيفة السياق " .


فلقد قدّم فيرث السياق على أنه إطار منهجي يمكن تطبيقه على الأحداث اللغويّة (1) ، ولعلّ الذي قاد فيرث إلى تبني فكرة السياق ، ومحاولة تأطيره ، أو جعله أكثر منهجيّة ، وأكثر تجريدية ، مثل ما هي عليه المسائل اللغويّة الأخرى ، أنّه كان ينظر إلى " أنّ دراسة اللغة بشكل عام ، وكذلك دراسة عناصرها من كلمات ، وأصوات ، وجمل ، هي دراسة دلالية لمعاني هذه العناصر ، حتّى أنّه ذهب إلى اعتبار مهمة البحث اللغوي منحصرة في تقصي هذه المعاني دون سواها " (1).

لقد فهم فيرث المعنى على أنّه " علاقة بين العناصر اللغويّة والسياق الاجتماعي بحيث تتحدّد معاني تلك العناصر ، وفقا لاستعمالها في المواقف الاجتماعية المختلفة " (2).
إذا ، نجد أنّ فيرث نظر إلى المعنى على أنّه وظيفة في سياق ، وهو ما عدّ تحولا في النظر إلى المعنى، بعد أن كان يوصف بأنّه علاقة بين اللفظ وما يحيل عليه في الخارج أو في الذهن من حقائق واحداث ،لذلك رأى أنّ الوقت قد حان للتخلي عن البحث في المعنى ، بوصفه عمليات ذهنية كامنة ، والنظر إليه على أنّه " مركب من العلاقات السياقية " ؛ لأنّه رأى أنّ السياق الدلالي لا يتأتّى إلا بعد أن تتجسّد المقولة في موقف فعل معيّن ، أي بعد أن تخرج من خانة الوجود الوضعي الكامن ، إلى حيّز الوجود الاستعمالي الفعلي - وهو أمر لا يتحقق حسب رأيه - إلا في سياق الموقف (3) .
ومن خلال ذلك يجد الباحث أنّ هناك تقارب في فكرة سياق المعنى واللفظ بين (دي سوسير( و (فيرث) ، فالسياق اللغوي الدّارج عند سوسير ، يكمن في أنّ متكلمي اللغة عندما يستخدمون كلمة ما ، أو جملة ما لا يخطر ببالهم كيف كانت تستخدم تلك الكلمة ، أو تلك الجملة ،فينشأ عنده علاقة العنصر اللغوي الذي يستخدمه المتكلم أو (الذي يصفه اللغوي ) بالعناصر الأخرى ذات الصلة بالعنصر المستخدم ( أو الموصوف ) .
فتعريف " سوسير " للعلامة (Sign) بأنها : المجموع الناجم عن ارتباط الدال بالمدلول ، يقصد به أنّ العلامة ليست لفظا مجردا عن معنى ، بل هي لفظ يفهم منه معنى عند إطلاقه ،ولا يمكن الفصل بين الدال والمدلول (1) .
أعلم أنّه ليس موضوع بحثنا ، ولكن الفكرة من توضيح رأي سوسير ، ردّا على من قالوا أن (دي سوسير فصل اللفظ عن المعنى ) ، فالناظر في النصّ السابق ، يجد أن سيبويه يعدّ أنّ اللفظ لا يكتمل بدون المعنى .
سبق عبد القاهر الجرجاني المستشرقين ، في تعريفه لنظرية النظم (السياق) ، فيعرف عبد القاهر النظم ، بأنّه " تعليق الكلم بعضها ببعض ،وجعل بعضها بسبب من بعض" (2) ، ويقول عنه أيضا : " اعلم أن ليس النظم أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو ، وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها ، وتحفظ الرسوم التي رسمت فلا تخلّ بشيء منها "(1) . فهو لا يقصد بالنظم سوى تأليف الكلام بحسب أبواب النحو المختلفة .
ويتقارب مفهوما النظم والسياق ، فالنظم هو تأليف الكلم في سياق محدد يقتضيه علم النحو ( متوخَّى فيه معاني النحو) ، فالكلم لا تأخذه مواقعها في السياق عفوا ، وإنما من خلال إقامة علاقات معنويّة بينها ، كما يستخدم عبد القاهر الجرجاني في شرح نظريته مصطلحات تشير إلى السياق ، مثل : الضم ، والترتيب ،والتركيب ، والتأليف والنسق ، والسياق ... وغيرها .
فيجد الباحث أنّ (فيرث) قد وافق (عبد القاهر الجرجاني) وسار على نهجه ، عندما قال ؛ -أي فيرث- في تعريف لنظرية سياق اللفظ والمعنى : " أنّه علاقة بين العناصر اللغويّة ، والسياق الاجتماعي ، بحيث تتحدّد معاني تلك العناصر وفقا لاستعمالها في المواقف الاجتماعيّة المختلفة " (2).
فالجرجاني قد أحاط بهذا المعيار علما وفهما ، فيشير إلى أنّ الكلم يترتب في النطق بسبب ترتيب معانيها في النّفس ، وهذا ما عرف بترتيب المعاني مع الألفاظ ، ولمّا كانت المعاني لا تبين إلا بالألفاظ وكان لا سبيل لها إلا بترتيب الألفاظ ، فكفوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ ، وقالوا : " هذا لفظ متمكن وذلك لفظ نابٍ " (1).
وقوله : "... اللفظ تبعٌ للمعنى في النظم ، وأنّ الكلم تترتَّبُ في النطق بسبب ترتيب معانيها في النّفس ، وأنّها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف ،لما وقع في ضمير ، ولا هجس في خاطر ،أن يجب فيها ترتيب ونظم " (2) .
ويقول أيضا مؤكدا ذلك : " إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ ، بل تجدها تترتب لك بعلم أنّها خدمٌ للمعاني وتابعة لها ، ولاحقة بها ، وأنّ العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدّالة عليها في النطق " (3).
نجد ضمن هذا السياق أنّ الجرجاني ينفي في عملية إنشاء الكلام ، أن يكون تحديد اللفظ منفصلا عن تحديد موقع ذلك اللفظ ، وينفي أيضا أن يكون ترتيب الكلام منفصلا عن الترتيب الذي قامت عليه معانيه ،بل إن عملية إنشاء الكلام نفسه تتم بفعل إنشاء ترتب المعاني نفسها بحيث لا يحتاج ذلك الكلام الى قصد أو فكر منفصل عن القصد الذي يحتاجه إنشاء المعاني ونم هنا نجد أن الجرجاني لا يفصل نسق الألفاظ عن نسق المعاني , ولا يفصل أيضا القصد الذي يكون سببا في إنشائهما , ولذلك نجد أن المعاني النفسية لا يمكن أن تنفصل عمّا يشير اليها في السياق .
وهكذا بدلا من الحديث عن العلاقة الثنائية بين اللفظ والمعنى ، صار الحديث في المدرسة السياقية عند (فيرث) عن مركب من اللفظ والمعنى في علاقته بغيره من المركبات التي يمكن أن تحلّ محله في نفس السياق .
ولست في هذا البحث بموضع اتهام (لفيرث وغيره من المستشرقين) ، ولكن نجد أنّ نظرية السياق ليست نابعة منهم ، بل أخذوها عن العرب ، ونسبوها لأنفسهم.
فلو عدنا إلى رأي ابن جني* في تفسيره لفكرة المعنى واللفظ ، يقول :" - بما أوردناه - غلبة المعنى للفظ ، وكون اللفظ خادما ، مشيدا به ، وإنّه إنما جيء به له ، ومن أجله " (1) . فنجد الثنائية بائنة في كلامه حيث تعدّ اللفظة ملحقة بالمعنى .
وقول الجرجاني ،مؤكدا على ثنائية اللفظ والمعنى : " ألا ترى أنّك لمّا نظرت إلى قولهم : هو كثير رماد القِدْر ، وعرفت منهم أنّهم أرادوا أنّه كثير القِرى والضيافة ، لم تعرف ذلك من اللفظ ، ولكنك عرفته ، بأنك رجعت إلى نفسك فقلت ... " (2). فنظم الكلام إذن قائم على اقتفاء أثر المعاني . وكان لذلك أثر على المدرسة الاجتماعية عند فيرث ، فلقد ركزت على على دور السياق فى تحديد المعنى، فالكلمة يتحدد معناها من خلال السياق الذى ترد فيه، حيث إن للكلمة عدة استعمالات سياقية وكل سياق يظهر أو يحدد أحد هذه المعانى أو وجهًا منها،وتزعَّم "فيرث" فكرة السياق وأصَّل دراسة المعنى من خلال إطار منهجى، والسياق نوعان: لغوى، وغير لغوى.
ويقول الأستاذ الدكتور سمير استيتية في محاضرته : " أن فيرث كان يرى الكلام الذي نتكلمه ليس وسيلة للتواصل ، بل هي عبارة عن سياقات نرسلها ، ولما كانت هذه السياقات غير منفصلة عن المواقف استحال فصل اللغة عن السياق ، ولايمكن تعلم اللغة بمعزل عن السياق " (1).
ولهذا صنّف فيرث السياق صنفين ، أحدهما هو السياق اللغوي ويعني به السياق اللفظي (Verbal Context) بما فيه من اصوات وصيغ صرفيّة ، ومقاطع ذات نغمة منبورة وسلاسل إيقاعيّة فوق مقطعيّة ، وقواعد تركيبية نحويّة ، وجمل منظومة بعضها إلى بعض بعلاقات متشابكة ، والسياق الثاني هو سياق الحال أو المقام .
فالسياق اللغوي عند فيرث أن يدرس الكلام واللغة كلاهما بوصفهما كتلة واحدة ، في دراسة تعتمد التحليل الوصفي الداخلي إلى جانب الدراسة من الخارج ، فالنسبة للأصوات والعلاقة بين النطق والصرف ، لا يمكن للباحث اللغوي إلا أن يلاحظ الصلة المتينة بينهما ،فإطالة الحركة في كلمة سافر تجعلها تجعلها مختلفة عن كلمة سفر ، وزيادة النبر على مقطع من المقاطع التي تتألف منها الكلمة يمكن أن تغير صيغتها الصرفية مثلما نجد في كلمة (Star) الإنجليزية ، فالارتكاز على المقطع الأخير يجعل منها اسما في حين أنّ الارتكاز على الأول يجعل منها فعلا (1).
أمّا السياق الدلالي للإشارة اللغوية (الصوت )على المعنى ( الصورة المرتسمة في الذهن ) فهي عشوائية ، أي أنّه لا يوجد ارتباط مادي حقيقي ، كالارتباط مثلا بين الدخان والنار ،وليست ثمت علاقة سببية تجمع بين الكلمة المنطوقة والمعنى الذي تدلّ عليه ، وترمز إليه ، إنما العلاقة السياقية التي نشأت بينهما نشأت بالمصادفة ، لكنها تطورت مع الاستعمال المتكرر إلى شيء من الإلحاق ، ودليل ذلك أن الكلمة الواحدة تطلق على أكثر من معنى ، مثل : العين ، تطلق على نبع الماء ، والجاسوس ، ولكن السياق هو الذي يفرق بينهما ، وعندما نقول أيضا : هذا البيت من البحر الوافر ، نسبنا إلى كلمة بحر معنى آخر غير المعنى الذي تدلّ عليه فعندما تقول : فعلت ذلك في بحر اسبوع ، فإن السياق الجديد أعطى هذه الكلمة معنى آخر مختلف عن المعنيين السابقين .
فالكلمات تشابهت في اللفظة ولكنها اختلفت في المدلول ، فالسياق أدّى إلى اختلاف مفهوم الكلمة عن غيرها من شبيهتها في اللفظ .
ولو كانت ثمة علاقة ماديّة أو سببية بين الإشارة اللغوية ومعناها لوجب أن تسمّى الأشياء المشتركة في اللغات باسم واحد ، فالشجرة في العربية ، لا تسمّى شجرة في الإنجليزية بل تسمّى (tree) وهكذا ... (1).
يعني أن تراعى فيه القيمة الدلالية المستوحاة من عناصرلغوية، فالكلمة يتحدد معناها من خلال علاقاتها مع الكلمات الأخرى فى النظم .
ومن السياق اللغوى أيضا ما يسمى "المصاحبات اللفظية"، أو "التلازم اللفظى" Collocation، ويعرفه Firth بأنـه: " الارتباط الاعتيادى لكلمة ما فى لغة ما، بكلمات أخرى معينة"، أو "استعمال وحدتين معجميتين منفصلتين، يأتى استعمالـهما عادة مرتبطتين الواحدة بالأخرى (2) ، ومن أمثلة ذلك كلمة مجلس :
ـ مجلس علم ـ مجلس الشعب.
ـ مجلس الكلية ـ مجلس صـلح.
ـ مجلس الجامعة ـ مجلس الإدارة.
ـ مجلس تأديـب ـ مجلس الأمن.
ومن هنا تظهر أهمية السياق اللغوى ودوره فى تحديد المعنى وفهمه عند فيرث .
وقد مثل الدكتور سمير استيتية للمتلازمات والمتورادات ، في السياق عند فيرث، بقوله :" المتلازمات : جملا وهي التي تصنع السياق ، مثل كلمة (مال) من المتلازمات وهي التي تصنع السياق ومن المتلازمات أيضا ، الجر للاسم ، والرفع للمبتدأ ، والجزم للمضارع، والمتواردات : كلمات بحاجة إلى سياق يصنعها ، مثل مدرسة ،معلم ،كتاب ، مدير " (1).
فهذه الأمثلة تؤكد تعريف فيرث على أن: " العلاقة بين العناصر اللغوية والسياق الاجتماعي بحيث تتحدد معاني وفقا لاستعمالها في المواقف الاجتماعيّة المختلفة " (2).
ومن ناحية أخرى يرى فيرث أنّ معرفة السامع وحدها بالإشارة اللغويّة ، وعلاقة الدال بالمدلول ، أو التعبير بالمضمون ، لا تكفي لتحديد المعنى ، وإنما الذي يساعده على تحديده فضلا عن السياق اللغوي العرف الاجتماعي ، فكلمة (Set) الإنجليزية لها في المعجم (145) معنى ، تطلب شرحها في قاموس أكسفورد نحو ثماني عشرة صفحة ، فهل يستطيع السامع حين يسمع هذه الكلمة أن يتذكر جلّ هاتيك المعاني ، وتلك الصفحات ؟ من المؤكد أنّ السامع أو القارئ لا يستطيعان في لحظة الاستماع استعادة ذلك كله ، ولا بعضه ، وإنما يؤولان إلى شيئ من السياق بنوعيه اللغوي والحالي الذي لا يستبعد العناصر الخاصة بطبيعة الموضوع وظلاله الثقافية والاجتماعيّة (1) .
ونجد أن فيرث ركّز أيضا في نظريته السياق اللغوي وتوافق الوقوع أو ((الرصف)) ،وقد عرف الرصف أو النظم بأنّه " الارتباط الاعتيادي لكلمة ما في لغة ما بكلمات أخرى معينة " أو : " استعمال وحدتين معجميتين منفصلتين - استعمالهما عادة مرتبطتين الواحدة بالأخرى " (2). ومن أمثلة ذلك ارتباط كلمة "منصهر " مع مجموعة من الكلمات : حديد -نحاس - ذهب - فضة ... ولكن ليس مع "جلد " مطلقا ، وعدم تلاؤم (جلد) و( منصهر ) . ولذا يلجأ إلى الدليل الشكلي لإثبات عدم الملاءمة ،وسيثبت الدليل الشكلي أن الحديد والنحاس والذهب... تتقاسم عددا من الترابطات مثل الصلابة والثقل والبريق والبرودة .. التي لا توجد في مجموعة الجلد ، وإنما يوجد بدلا منها صفات الخفة والليونة وانظفاء اللون ... " (2).
يرى الدكتور سمير استيتية : " أن السياقات هي التي تدلك على المضامين ، وهي التي تدل على الحياة ، ولا وجود لسياق لغوي معزول عن الحدث "(4) .
ومن السياقات اللغوية التي مثّل لها الدكتور سمير استيتية :
- للرافعي كتاب عنوانه : وحي القلم .
- (ذلك الكتاب لاريب فيه ) . البقرة : 2.
- وصلني كتاب رسمي من المؤسسة .
- (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتاً)(النساء 103)
وردت كلمة (كتاب) في الجمل الأربع المذكورة أعلاه ، بأربعة معانٍ يختلف كل واحد منها عن سائر المعاني ،ففي الجملة الأولى انصرفت كلمة( كتاب ) لتكون دالة على مؤلف (بصيغة اسم المفعول) ، وانتفى كل معنى يمكن أن تحمله كلمة (كتاب) . وفي الآية (ذلك الكتاب لا ريب فيه ) دلت كلمة الكتاب على القرآن الكريم ، وانتفى كل معنى يمكن أن تدل عليه الكلمة ،وفي الآية (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتاً) دلت الكلمة على فرضية الصلاة ، وانتفى كل معنى يمكن أن تشير اليه الكلمة .
فالسياق أدى الى اثبات معنى محدد للكلمة وعمل ايضاً على نفي ضمني لأي معنى اخر تحتمله الكلمة وهذا ينفي ان الكلمة يمكن ان يكون لها معنيان او اكثر في سياق واحد .(1)
وقد ذكر فيرث مثالا تطبيقيا على عبارة (Say When) التي لها معانٍ مختلفة في سياقات مختلفة ، ودون هذه السياقات تصبح فارغة من المعنى (1).
ويسوق علي عزت مثالا لسياق الموقف في عبارة " الله يعوض عليك " على النحو التالي في بلدين مختلفين (2):
في لبنان :
أ- بائع ومشتري ( س و ص ) .
1- ص : يطلب شراء سلعة ما من ( س) ويدفع ثمنها .
2- س : يناوله السلعة ويقبض الثمن قائلا : "الله يعوض عليك " .
ب- محل أو مكان للبيع .
ج- ينصرف (ص) على إثر الكلام .
في مصر :
أ‌- شخصان متعارفان (س و ص) نمى إلى علم (س) أنّ (ص) في غاية التأثر والحزن بسبب فقده لشيء عزيز عليه .
1- يحاول (س) أن يسري عن (ص) ،و يشاركه وجدانيا بقوله : " الله يعوض عليك " .
2- (ص) يصمت أو يرد بعبارة مثل " الحمد لله " .
ب‌- خسارة كبيرة وقعت أو شخص قريب أو عزيز لدى (ص) قد توفي .
عند هذا المثال الذي وضح به علي عزت المعنى من عبارة " الله يعوض عليك " يربطها بالموقف الذي قيلت فيه .
يطلّ علينا سؤال مؤداه : أن يقف المعنى السياقي والمعنى العام لهذه العبارة (الله يعوض عليك ) ؟ وأقصد بالمعنى العام ذلك الذي نفهمه من أن عبارة " الله يعوض عليكم ،هي تعزية في خسارة شيء ما مادّي أو معنوي ، في حالات الشراء (في لبنان) أو حالات الخسارة أو الوفاة (في مصر وغيرها ) .
إن المعنى العام لهذه العبارة هو القاسم المشترك بين هذه المواقف ، وهو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عندما تقرأ هذه العبارة منفكة من كل سياق تستعمل فيه ،وقولنا الذي طرحناه في شكل السؤال سابقا ، هو رد الفعل الذي ظهر عند بعض اللغويين على مقولة فيرث حول السياق (سياق الموقف) ، حيث ترتبط " الله يعوض عليك " نحويا ومعجميا بقيمة دلالية تؤدي إلى المعنى العام " الدعاء عقب خسارة ما " .
ولذلك اتهم فيرث بالغموض في استخدامه لكلمة (Meaning) ؛ لأنه في حين أن سياق الحال قد يعالج المعنى بالمفهوم المعتاد (أي المفهوم الدلالي ) فمن الواضح أن المستويات الأخرى ليست معنية بالمعنى بالمفهوم نفسه " (1) .
ويصف " أولمان" منهج فيرث في شرح الكلمات وتوضيحها بأنه : " منهج طموح إلى درجة لا نستطيع معها في كثير من الأحايين إلى تحقيق جانب منه فقط ، ولكنه مع ذلك يمدنا بمعايير تمكننا من الحكم على النتائج حكما صحيحا " (2).
أمّا إذا ما قارنا أسلوب عبد القاهر الجرجاني بأسلوب فيرث ، فنجد أن الجرجاني قد توصل إلى مرحلة من الإبداع لم يستطع فيرث التوصل إليها ، فالجرجاني يوضح مدلوله السياقي بأسلوب بارع ، اعتمد فيه على أسلوب التحليل والتدرج في العرض إلى أن يصل إلى النتيجة المقنعة التي لا يجد القارئ فيها مجالا للننقاش والجدل ، بل يجد نفسه متفقا معه منسجما في تفكيره ، ويقول في هذا الباب : " واعلم أنك لا تشفي العلة ، ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملا إلى العلم به مفصلا ، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه والتغلغل في مكامنه ، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه ، وانتهى في البحث عن جوهر العود " (3) .
فأوضح معنى الإعجاز القرآني ، وذكر معالمه ، وفسر مفهوم اللغة واللفظة المنفردة ، وأسهب في ذلك وضرب كثيرا من الأمثلة الدّالة التي تسوقنا حتما إلى النتيجة التي يريدها ، وتطرق إلى علم النحو وأهميته في إبراز الإعجاز القرآني ، وشرح وظيفته التطبيقية ؛ فهو ليس قوانين وقواعد جامدة نعرف من خلالها صواب الجملة من خطئها بل هو ضرب من العلوم التي نفهم من خلالها أسباب التقديم والتأخير والتعريف والتنكير ، وهو رافد من روافد البلاغة التي تتصل بالمعنى المقصود تحديدا ، وبالتالي يتضح إعجاز القرآن من خلاله ؛ فالنحو عنده العلم الذي يكشف لنا عن المعاني ، وما المعاني عنده إلا الألوان النفسية المتباينة التي ندركها من علاقات الكلام بعضه ببعض ، وجاء إلى علم البلاغة فأوسعه شرحا وتفصيلا وميز بين البلاغة والفصاحة ، من خلال توضيحه مفهوم اللفظة ، وأنها تكتسب دلالاتها من خلال السياق وائتلاف الألفاظ مع بعضها البعض ، فالفصاحة عند الجرجاني بالنسبة للألفاظ صفة مكتسبة من المعاني عندما تكون اللفظة في سياق .
أي أن مرد الفصاحة هو المعنى المكتسب من ائتلاف الألفاظ مع بعضها البعض لتؤدي المعنى المقصود ، ولا يجوز أن تقول هذه لفظة فصيحة ، وتلك غير فصيحة لذلك نرى أن نفس الكلمة تكون فصيحة في موقع ، وغير فصيحة في موقعه آخر .
فإذا تأملنا التحليل السياقي في قوله تعالى " يَحْسَبُونَ كلَّ صَيْحة عليهم هم العدو فاحذرهم " سورة المنافقون : آية 4 . أفلا ترى أنّه لا يقع في نفس من يعقل أدنى شك إذ هو نظر إلى الآية الكريمة السابقة ، إلى إكبار شأن هذه الآية في الفصاحة ، أن يضع يده على كلمة منها ، فيقول : إنّها فصيحة ،كيف ؟وسبب الفصاحة أمر لا يشك في أنّها معنوية ، ثم يقول : " ...ولو أنك علقت عليها بظاهر وادخلت على الجملة التي هي ( هم العَدُوُّ) حرف عطف ،وأسقطت (الألف واللام )من العدو فقلت :( يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وهم عدوّ) لرأيت الفصاحة قد ذهبت عنها بأسرِها , ولو أنك اخطرت ببالك أن يكون ( عليهم) متعلقاً بنفس (الصيحة) ويكون حاله معها كحاله إذا قلت :(صِحْتُ عليه) لأخرجته عن أن يكون كلاماً فضلاً عن أن يكون فصيحاُ ، وهذا هو الفصيل لمن عقل " (1) .
يرى عبد القاهر الجرجاني هنا أن المزيّة تتحقق الانسجام بين الأغراض والمقاصد التي يوضع لها الكلام فالآية وضعت كل كلمة في موضعها اللائق من ناحية العلاقات النحوية واختيرت من حقول دلالية ذات استجابة لوظائفها المنوطة بها فلا بد أن تنال من الغرض المقصود .
فنجد هنا أن الجرجاني كانت نظرته أوسع مما دلل عليه فيرث ، لأنّ فيرث لم يخرج في تحليله اللغوي عن دائرة اللغة ، فقد حاول أن يدرس العلاقات داخل اللغة ، فابتعد عن الحالات العقلية الداخلية التي يصعب تفسيرها ،ومعالجة الكلمات باعتبارها أحداثا وأفعالا وعادات تقبل الموضوعية والملاحظة في حياة الجماعة المحيطة بنا .
ويؤكد "الجرجاني" في موضع آخر أن لا معنى لتفاضل الكلمات من غير النظر إلى السياق الذي وردت فيه، " وهل يقع في وهم ـ وإن جهد ـ أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم … وهل تجد أحدا يقول هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها " (1) .
وهذه هي الفكرة التي ظل "الجرجاني" يؤكدها في دلائل الإعجاز ولا يمل من إعادة شرحها في كل مرة من "أنّا لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكن نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها"(2) .
فالسياق العام هو الذي يحكم للفظة بالفصاحة أو بخلافها.
أما الدلالة فلا يمكن ـ برأي "عبد القاهر" ـ أن تستخلص من خلال اللفظة المفردة بل المعنى يتحصل من مجموع الخطاب، وتبعا لهذا لا يمكن أن تكون الكلمة أبسط عنصر لغوي ذي دلالة؛ لأن الدلالة حالة نفسية لا يمكن تجزئتها (3) .
ويرى بعض الباحثين أن "الجرجاني" يقرر ـ بذلك ـ ما قرره المحدثون اليوم من أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ بل هي مجموعة من العلاقات (4)؛ هذه العلاقات قد تولد انطلاقا من الأجزاء (المتعالقة) صفات وخصائص ليست لأجزائها بالأصل، يقول المسدي: «ومما لا شك فيه أن الكلام من الظواهر التي تخضع لقانون تفاعل الأجزاء، ولما كان الكلام نتاج المفردات الداخلة في تركيبه فإنه قد يبدو حاملاً في مجمله للسمة النوعية التي تحملها جميع أجزائه… غير أنه بموجب قانون الجدلية بين الجزء والكل فإنه يحصل للكلام انطلاقا من مجموع أجزائه ـ سمات ليست لأجزائه " (1).
وقد نظر «الجرجاني» إلى الخطاب ككل متكامل لا يمكن فصل الجانب اللغوي فيه عن المقام الذي يرد فيه، وبذلك يتعاضد السياق اللغوي وسياق الحال على إبراز الدلالة وفهم مرامي الكلام.
فالمخاطب ـ وهو أحد عناصر المقام ـ حظي بالأهمية الكبرى في هذه النظرية، سواء عند «عبد القاهر» أم عند البلاغيين من بعده (2)، إذ إن دراسة الأنماط النحوية للجملة خارج السياق الكلامي غير كافية لتبيان كيف تؤدي اللغة وظيفة الاتصال، ويعني ذلك أنه يجب دراسة كيف تحمل الأنماط النحوية للجملة فائدة بالنسبة للسامع (المخاطَب) تتجلى في حصوله على شيء جديد حين يدرك غرض المتكلم من كلامه، ويتم ذلك بربط دراسة الأنماط النحوية للجملة بقضية الإبلاغ حسب المقام أو الموقف الكلامي (3).
إذن، فنظرية النظم انبنت ـ أساسا ـ على قضية السياق والموقف الكلامي الذي يتطلب ـ كلما تغير ـ نمطا معينا من التركيب، ويدخل ضمن الموقف الكلامي كل ما يتصل بظروف عملية الإبلاغ، من مخاطِب ومخاطَب وخطاب وسوف يتضح هذا أكثر في ما يأتي؛ حيث نستعرض تطبيقات السياق في علمي المعاني والبيان.
لقد جسّد عبد القاهر الجرجاني السياق من خلال نظريته (النظم ) ، فقد تحدّث عن العلاقة بين اللفظ والمعنى وذلك من خلال سياق ترتبط به عملية انشاء الكلام ، يقول : "لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير أن تعرف معناه ، ولا أن تتوخى في الألفاظ ترتيبا ونظما ، وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك ، لم تحتج إلى ان تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ ، بل تجدها تترتّب لك بحكم أنّها خدم للمعاني ، وتابعة لها ، ولاحقة بها ، وأنّ العلم بمواقع المعاني في النفس ،علم بمواقع الألفاظ الدّالة عليها في النظر " (1).
نجد ضمن هذا السياق أنّ الجرجاني ينفي في عملية إنشاء الكلام ، أن يكون تحديد اللفظ منفصلا عن تحديد موقع ذلك اللفظ ، وينفي أيضا أن يكون ترتيب الكلام منفصلا عن الترتيب الذي قامت عليه معانيه ،بل إن عملية إنشاء الكلام نفسه تتم بفعل إنشاء ترتب المعاني نفسها بحيث لا يحتاج ذلك الكلام الى قصد أو فكر منفصل عن القصد الذي يحتاجه إنشاء المعاني ومن هنا نجد أن الجرجاني لا يفصل نسق الألفاظ عن نسق المعاني , ولا يفصل أيضا القصد الذي يكون سببا في إنشائهما .
لقد أولى الجرجاني السياق عناية خاصة ، فالفضيلة ترجع إلى ارتباط الكلم بعضها ببعض يقول:" وهل يقع من وهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التاليف والنظم ..... وهل قالوا لفظة متمكنة ومقبولة إلا غرضهمأان يعبروا بالتمكن عن حسن الاتقان بين هذه وتلك من جهة المعنى" ... (وهل تشك إذا فكرت في قولة تعالى: "وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "هود: 44فإنك ما وجدت المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة إلا لامر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض وإن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الاولى بالثانية والثالثة بالرابعة، وهكذا إلى أن يستقر بها إلى اخرها وان الفضل ناتج ما بينها وحصل من مجموعها (1).
لقد ركز عبد القاهر بشكل عميق على ما للنظم من مزية في أي تركيب من التراكيب ، وخصّ دلائله بعلم المعاني القائم على مراعاة الموقف ،وملاحظة الصلة التي تحدث بين معنى التركيب والمقام الذي يأتي له ، وأنّ أي تغيير في التشيكل اللغوي للكلام يؤدي إلى تغيير في معناه ، وكانت فكرة السياق وهو يتحدث عن النظم أساسية في الأنماط التي بحثها وعرضها بالتطبيق ، وذلك ما يكشف ربط الفصاحة بالبلاغة وربط ذلك النظم ،وكلاهما يرميان إلى الإبانة عن المعنى ، لأن علم المعاني يبحث في مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، وبه يتحقق مبدأ (لكل مقام مقال ) .
ومن خلال مقارنة الباحث بين نظرية السياق عند فيرث وتأثرها بنظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني ، وجد أن (فيرث ) كان يركّز على الاعتبارات الاجتماعيّة في تصوّرِه للسياق، فيؤكّدُ أنّ العلاقات النّحويّة أساس السياق الخارجيّ، ولولا القواعد
النّحويّة لما تمكَّنّا من بناء كلامٍ ذي دلالات اجتماعيّة .
ونحن نعلَم -مما سبق - أنّ عبد القاهر الجرجاني عندما بنى نظريّة النّظمِ بناها على أساس العلاقات النّحويّة، فهي التي يُبْنى منها الكلام، ولولا المعاني
النّحويّة التي هي أساس التّعليق، لَما استطعنا أن نضع دلالات الكلام في
سياقها المناسب .
فيجد الباحث أن الجرجاني وفيرث اتفقا في التّركيز على العلاقات النّحوية والقواعد التّركيبيّة . ويختلفان في نزوع فيرث منزعا اجتماعيا واضحا، واعتبارِه السّياقَ الاجتماعيَّ مرجعا لفهم الكلام أمّا عبد القاهر فإنّ المعاني النّحويّة والمعجميّة والصور البلاغيّة المتداوَلَة مرجع أساس في فهمٍ الكَلام .
ونختم حديثنا بقول تمام حسان : " إن دراسة عبد القاهر للنظم ، وما يتتصل به تقف بكبرياء ، كتفا إلى كتف مع أحدث النظريات اللغوية في الغرب ، وتفوق معظمها في مجال فهم طرق التركيب اللغوي ، هذا مع الفارق الزمني الواسع ، الذي كان ينبغي أن يكون ميزة للجهود المحدثة على جهد عبد القاهر " (1) .

أهم النتائج التي توصل إليها البحث
- يتقارب مفهوما النظم والسياق عند الجرجاني ، فالنظم هو تاليف الكلم في سياق محدد يقتضيه علم النحو .
- الجرجاني ينفي في عملية إنشاء الكلام ، أن يكون تحديد اللفظ منفصلا عن تحديد موقع ذلك اللفظ ، وينفي أيضا أن يكون ترتيب الكلام منفصلا عن الترتيب الذي قامت عليه معانيه ،بل إن عملية إنشاء الكلام نفسه تتم بفعل إنشاء ترتب المعاني نفسها بحيث لا يحتاج ذلك الكلام الى قصد أو فكر منفصل عن القصد الذي يحتاجه إنشاء المعاني ومن هنا نجد أن الجرجاني لا يفصل نسق الألفاظ عن نسق المعاني , ولا يفصل أيضا القصد الذي يكون سببا في إنشائهما .
- المدرسة الاجتماعية عند فيرث ، فلقد ركزت على على دور السياق فى تحديد المعنى، فالكلمة يتحدد معناها من خلال السياق الذى ترد فيه، حيث إن للكلمة عدة استعمالات سياقية وكل سياق يظهر أو يحدد أحد هذه المعانى أو وجهًا منها .





قائمة المصادر والمراجع
- استيتية ، سمير شريف ، اللسانيات (المجال ، الوظيفة ، والمنهج ) ،2005م، عالم الكتب الحديث.
- بالمر ، علم الدلالة (إطار جديد) ، ترجمة : صبري إبراهيم السيد ، 1992م ،دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية .
- بلعيد ، صالح ، التراكيب النحوية ودلالاتها عند عبد القاهر الجرجاني ، 1987م، الجزائر .
- التهانوي ،محمد علي الفاروقي ، كشاف اصطلاحات الفنون ، تحقيق : لطفي عبد البديع وآخرون ، 1963م، مكتبة النهضة ، مصر .
- الجاحظ ، البيان والتبيين ، تحقيق : عبد السلام هارون ، 1955م ، كتبة الخانجي ، مصر .
- الجرجاني ، عبد القاهر ،أسرار البلاغة ، تحقيق :محمود محمد شاكر ،1991م ، مطبعة المدني ، القاهرة .
- ........ ، دلائل الإعجاز ، تحقيق : محمد رضوان الداية و فايز الداية - 1986 م مكتبة سعد الدين ، دمشق .
- ابن جني، أبو الفتح عثمان ، الخصائص ، تحقيق : محمد علي النجار ، 1983م ، بيروت عالم الكتب .
- حسام الدين ، كريم زكي ، أصول تراثية في اللسانيات الحديثة ، 2001م، القاهرة .
- حنا ، سامي عياد ، و حسام الدين ، كريم زكي ، و جريس ، نجيب ، معجم اللسانيات الحديثة ،2002م . دار المسيرة ، بيروت ، ط2 .
- حسان ، تمام ، اللغة العربية معناها ومبناها،1973م،الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- الخطيب القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة ، (1975 م) ، تحقيق : محمد عبد المنعم خفاجي ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت .
- الزمخشري ، أبو القاسم محمود ، أساس البلاغة ، تحقيق : محمود شاكر ، 1991م ، مطبعة المدني ، القاهرة .
- سامسون ، جفري ، مدارس اللسانيات التسابق والتطور ، ترجمة : محمد زياد كبة ، 1417هـ ، مطابع جامعة الملك سعود ، الرياض .
- ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللغة ، ترجمة : كمال محمد بشر ، 1986م، مكتبة الشباب .
- الشرقاوي ، عفت ، بلاغة العطف في القرآن الكريم ،1981م، دار النهضة العربية بيروت .
- عبد اللطيف ، محمد حماسة ، النحو والدلالة (مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي ) 1983م ، دار غريب ، القاهرة .
- عزت ، علي، اللغة ونظرية السياق ، مقال في مجلة الفكر المعاصر ، الهيئة العامة للتأليف والنشر ، العدد (76) ، 1971 م .
- عمر ، أحمد مختار ،علم الدلالة ، 1982 م، دار العروبة للنشر ، الكويت .
- لاشين ، عبد الفتاح ، التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر ، 1980 ، دار المريخ ، الرياض .
- لطفي ، مصطفى ، اللغة العربية في إطارها الاجتماعي ، 1976م ، معهد الإنماء العربي
- مارتيه ، أندريه ،مبادئ اللسانيات العامة ، 1404هـ ، ترجمة : أحمد الحمو ، وزارة التعليم العالي ، دمشق .
- مراد ، وليد محمد ، نظرية النظم وقيمتها العلمية ، 1983م، دار الفكر دمشق .
- المسدي ، عبد السلام ، التفكير اللساني في الحضارة العربية ، 1981، الدار العربية للكتاب ، تونس.
- ابن منظور ، لسان العرب ، دار إحياء التراث العربي ، مؤسسة التاريخ العربي .
- يونس ، محمد محمد ، مدخل إلى اللسانيات ، 2004م ، دار الكتب الوطنية ، بنغازي ، ليبيا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق