الاثنين، 27 يناير، 2014

تعليمية التراكيب اللغوية في تفسير الظواهر اللسانية

تعليمية التراكيب اللغوية في تفسير الظواهر اللسانية
ظاهرة الفاعل والمفعول نموذجا[1]


                                                                                             د. محمد الغريسي
                                                               أستاذ باحث في اللسانيات ،
                                                            جامعة مولاي إسماعيل - المغرب -


      الحديث عن الواقع التعليمي بما يحويه من أبعاد مفاهيمية ومصطلحاتية يستوجب حتما العودة إلى مفهوم البعد التواصلي/الإبلاغي الذي يؤديه الفعل التعليمي داخل المنظومة المفاهيمية وخارجها؛الأمر الذي جعل من غالبية المهتمين في المجال التعليمي أن يولوا اهتمامهم البالغ إلى تعليمية النظام اللغوي العربي من بابه الواسع.
         غير أنّه من باب ما تقتضيه طبيعة الموضوعية العلمية أن ننبه أنّ ما يحوي النظام اللغوي العربي لا يقتصر على مفهوم واحد،بل يحوي في باطنه على عدة مفاهيم ومصطلحات تختلف باختلاف الحقول المعرفية؛الأمر الذي جعلنا نقتصر على مفهومين من مفاهيم الدرس النحوي وهما:الفاعل والمفعول به؛ وذلك وفق ما تقتضيه طبيعة الاتجاه الوظائفي سواء على سبيل التحديد أم السياق الذي يتنوع فيهما كل منهما.
       إن تحليل ظاهرة من ظواهر  اللغة يستلزم تفاعل وتكامل مستويات اللغة   اللسانية التركيبية والدلالية والتداولية  من جهة،والصرفية والصوتية من جهة ثانية؛إذ لا يمكن الاقتصار على مستوى واحد من هذه المستويات في معزل عن المستويات اللسانية الأخرى، ذلك أن اللغة تشتغل بنظام تتداخل فيه المستويات اللسانية ،وبمعنى أخر  إن تحليل ظاهرة من ظواهر اللغة العربية أو تفسيرها يستلزم الوقوف بالضرورة عند مستويات الدرس اللساني من صرف ونحو وتركيب ودلالة وتداوليات ..الخ .إذ تتفاعل هذه المكونات وتتكامل فيما بينها في تفسير ظواهر اللغة ، بل إن الفكر اللغوي  العربي القديم   كان يعتبر اللغة أو الخطاب اللغوي كلا لا يتجزأ في الاستعمال والتداول ، وأن فهم وتحليل ظاهرة لغوية يستلزم في سياقات متنوعة فهم الظاهرة وتحليلها في أبعادها التركيبية والدلالية والتداولية من جهة والصرفية والصوتية من جهة أخرى.
      سنركز الحديث في هذا المقال على  تكامل التركيب والدلالة وتوضيح دورهما  في تفسير الظواهر اللغوية،وسنركز الحديث أساسا على ظاهرة الفاعل والمفعول في اللغة العربية؛إذ يطرح موضوع الفاعل والمفعول،في الجملة العربية،إشكالات عديدة  ذات طبيعة تركيبية  ودلالية  على مستوى الموقع  التركيبي وعلى مستوى الوظائف الدلالية ، وعلى مستوى الأدوار الدلالية؛فمن الناحية التركيبية يحتل الفاعل والمفعول مواقع تركيبية مختلفة وغير متناظرة. ومن الناحية الدلالية  ليس كل اسم مرفوع بعد الفعل يشتغل كفاعل حقيقي،أو معنوي،وإنما قد يكون فاعلا نحويا أو تركيبيا ، أي له وظيفة تركيبية وليست وظيفة دلالية ، وما يقال عن الفاعل يقال عن المفعول به .. وسيتبين من خلال هذا الورقة  كيف يتفاعل التركيب  والدلالة ، كمستويين لسانيين ،  في تفسير ظواهر اللغة ، إذ سيتضح أن   الدلالة امتداد طبيعي للتركيب ، وأن كل إجراء تركيبي ينتج عنه تغيير دلالي ، بل إن الجانب التركيبي في أي دراسة غير مستقل عن الجانب الدلالي ، حيث إن  الدلالة تقتضي التركيب، من جهة ومن جهة أخرى  لا يوجد إطار تركيبي بدون مضمون دلالي، لأن التركيب متى افتقد الدلالة افتقد قيمته ، وقيمة المفردات في وظائفها الدلالية .
1: مستويات اللغة العربية اللسانية
     إذا كانت اللسانيات[2] في أبسط تعريفاتها هي الدراسة العلمية للغة ، فإن تحليل لغة من اللغات لا يتم إلا بعد تحديد مستوياتها  اللسانية  ، ومن هذه المستويات ما يلي :
 أ: المستوى الصوتي
المستوى الصوتي مستوى لساني ينظر إلى اللغة كبنية صواتية ، إذ يعالج أصوات اللغة من حيث مخارجها صفاتها ...الخ ، والتحليل اللساني للغة  يبدأ بالأصوات باعتبارها العناصر الأولى التي تتشكل منها الكلمات ، أو الوحدات الدالة ، وهذا المجال يهتم به علم الأصوات أو علم الصواتة .
ب: المستوى الصرفي 
بعد انتهاء المستوى الصوتي  ينظر في بناء الكلمة من حيث الصيغة الصرفية واستحضار القواعد المسؤولة عن سلامة بناء الكلمة ، وهذا المجال يهتم به علم الصرف أو ما يعرف بالمورفولوجيا .
ج: المستوى التركيبي
يحدد التركيب بكونه تلك الدراسة التي تتناول صيغ اللغة ، أو أجزاء الخطاب تأليفا وتركيبا ، والتركيب مستوى من مستويات التحليل اللسانية الحديثة ، وهو  فرع من فروع علم اللسانيات إلى جانب فروع أخرى منها الدلالة الصواتة ، المعجم .
وهو علم  دقيق  مجاله الجملة  تأليفا وتركيبا ، إذ هو علم يهتم بدراسة العلاقات  التركيبية داخل الجمل وبدون هذه العلاقات تصبح الكلمات مبعثرة بلا قيمة [3] ..
د: المستوى الدلالي
يقصد بالمستوى الدلالي في  إطار النظرية اللسانية العامة: " تلك الدراسة التي تتناول معاني الكلمات والمركبات والجمل والتعابير ،وحقولها وعلاقاتها الدلالية
و: المستوى التداولي .
يتناول هذا المستوى اللساني مجال استعمال اللغة من قبل المتكلمين والمخاطبين ، ودراسة جوانب هذا الاستعمال النفسية والاجتماعية والتواصلية والحضارية وما إلى ذلك في فضاء زمكاني محدد.
إن الفصل  بين هذه المستويات اللسانية هو فصل إجرائي فقط ، إذ تتفاعل هذه المستويات فيمالا بينها وتتكامل .
وإذا تأملنا بدقة في التراث اللساني العربي القديم يتبين أن  القدماء كانوا بالفعل يأخذون بعين الاعتبار تكامل المستويات اللسانية أثناء دراستهم لظواهر اللغة ، ويظهر ذلك واضحا من خلال مؤلفاتهم ككتاب سيبويه الذي كان يعتبر النحو مجالا واسعا لدراسة اللغة من  كل جوانبها الصرفية والصوتية والدلالية والتداولية ، ذلك أن  النحو عنده  هو دراسة تركيبية للغة صوتا وصرفا وتأليفا ودلالة وهو ما نجده أيضا واضحا عند ابن جني من خلال تعريفه للنحو[4] . سنركز في الفقرات اللاحقة على تكامل مستويين لسانيين ويتعلق الأمر بتكامل التركيب والدلالة وسنوضح ذلك من خلال مناقشتنا لوظائف مكونات الجملة وخاصة الفاعل والمفعول في اللغة العربية .وسنتناول الفعل والمفعول في بنية الجملة المبنية للمعلوم والجملة المبنية للمجهول .
2: وظائف مكونات الجملة في اللغة العربية قضايا  تركيبية ودلالية 
    في بنية الجملة  الفعلية العربية  يتصدر الفعل الفاعل والمفعول ،ويعتبر الفعل المكون الأساسي في الجملة الفعلية ، بل تعتبره  بعض اللسانيات[5] قطب الجملة.وعندما نتأمل  في التراث اللغوي العربي ونتعمق في دراسته نرى أن  النحاة والبلاغيين  كانوا يعتنون بتحديد وظائف مكونات الجملة؛إذ يرى النحاة أن الفعل على المستوى الدلالي يؤدي وظيفة دلالية تتمثل في تحديد الحدث أو ما يقوم مقامه[6] . وبمعنى أخر إن الفعل يتميز بقوة انتقائية تمكنه من انتقاء الأسماء التي تشتغل محلات الفاعلية والمفعولية ، ويكون هذا الانتقاء ذا طبيعة تركيبية ، حيث ينتقي الفعل الفاعل والمفاعيل المناسبة ، وبناء على ذلك إن الفعل في اللغة العربية يؤدي وظيفة أساسية في الجملة الفعلية ، كما يتحكم من الناحية التركيبية والدلالية في باقي مكونات الجملة.أما عن وظيفة الفاعل والمفعول التركيبية والدلالية فإن أغلب النحاة يرون أن وظيفة الفاعل هي الفاعلية ، وأن وظيفة المفعول هي المفعولية[7]،رغم أن النجاة  لم يوظفوا مصطلح وظيفة ، وإنما استعملوا مصطلح عام هو لفظ " معنى " : معنى الفاعلية ومعنى المفعولية[8] .
وتتضح الوظيفة التركيبية للمفعول مثلا في تعريفات النحاة ، فهم يعرفونه "  بأنه ما وقع عليه فعل الفاعل[9] ".
واهتمت اللسانيات الحديثة  بدورها  بوظائف الجملة ، ففي إطار النحو الوظيفي يرى أحمد المتوكل أن كلا من الفاعل والمفعول به وظيفة تركيبية أساسية[10] . وفي اللسانيات التوليدية ، ولاسيما في البرنامج الادنوي فإن الفعل الرئيسي ،وبالإضافة إلى ما ينطوي عليه من معان ذات طبيعة مورفولوجية ، أو ذات أصول تصريفية كالزمن والتطابق ،والإعراب والبناء ، فإن قاعدته الدلالية أو رصيده المعنوي يتسع لقيمة دلالية تتمثل باختصار في معنى الحدث للفعل ، وبلغة أدق إن الفعل من حيث بنيته التكوينية الأساسية له بعدان : بعد مورفولوجي ، وبعد دلالي[11] . ويرى عبد العزيز العماري أن كل دور دلالي يناسبه موقع تركيبي[12].
،ووظفت  اللسانيات الحديثة في هذا الإطار [13] مصطلحات أكثر دقة للتعبير عن مفهوم الوظائف التركيبية والدلالية ومن هذه المصطلحات  : منفذ ، مستقبل ، مستفيد ...ألخ ،  وعليه يعتبر النحو التوليدي  الفاعل من الناحية الدلالية منفذا والمفعول به مستقبلا[14] .
  واعتماد على ذلك  تحلل جملة من قبيل :
      ذهب خالد من فاس إلى مراكش
 على النحو الأتي[15]:
ذهب ( محور – مصدر – هدف )
بينما جملة من قبيل :
يوجد الرجل في الحقل :
يوجد ( محور – محل )
      يتبين مما سبق أن النظريات اللسانية اهتمت بوظائف الجملة ، إلا أنها  لم تنطلق من فراغ ، ولم تبدأ من نقطة الصفر ، بل  استفادت بطريقة أو أخرى من الدرس اللغوي العربي القديم . 
3: الفاعل النحوي والفاعل الدلالي (المنطقي) : أية علاقة ؟
     سنحاول في  فقرة أولى   توضيح أنه ليس كل اسم مرفوع بعد الفعل يشتغل كفاعل حقيقي ، أو معنوي ، وإنما قد يكون فاعلا نحويا أو تركيبيا ، أي له وظيفة تركيبية وليست وظيفة دلالية ، وما يقال عن الفاعل يقال عن المفعول به ، كما تسعى هذه الفقرة إلى إبراز  أن الإجراءات الصرفية تساهم في تغيير بنية الفعل التركيبية ، إذ تساهم في تحويل الفاعل إلى مفعول به.
   بداية يمكن أن نميز في اللغة العربية بين نوعين من الفاعل : فاعل حقيقي وفاعل نحوي أو تركيبي ،ونقصد بالفاعل الحقيقي  من الناحية الدلالية  :الفاعل الذي يفعل الفعل ويحدثه ويقوم به  ، نحو قولنا :
                قام زيد
             دخل الطالب
إن الفاعل  المنطقي ، أو الدلالي هو الذي يدل على الذي قام بالفعل ، أو نفذ الواقعة الدال عليها الفعل أو المحمول نفسه، وهو الذي يظهر عادة في تركيب البناء للفاعل، أو ما يعرف ب: (المبني للمعلوم )،  بينما الفاعل النحوي ،  هو الذي لا يحدث العمل أو يقوم به ، وهو الفاعل الذي تقتضيه البنية التركيبية ، وذلك تطبيقا لمبدأ ملء موقع الفاعل أو ما تعبر عنه اللسانيات وخاصة اللسانيات التوليدية بمبدأ الإسقاط الموسع[16] الذي ينص على أن يكون لكل جملة فاعل . من هنا يمكن أن نميز بين وظيفتين مختلفتين للفاعل في اللغة العربية  :وظيفة تركيبية ووظيفة  دلالية ،  ذلك أن هناك تراكيب  لغوية يسند فيه الفاعل إلى الفعل ويبنى عليه ،ويظهر وكأنه فاعلا في حين أنه ليس فاعلا  حقيقيا (دلاليا ) ،وإنما يكون فاعلا تركيبيا ، ومن ثم فإن وظيفته تكون وظيفة تركيبية فقط وليست وظيفة دلالية ، مما يجعلنا نستنتج  القاعدة الآتية :
ليس كل ما أسندت إليه وظيفة الفاعل هو فاعل ".
إذ يشترط في كل مكون سيحمل وظيفة الفاعل أن يكون حاملا للوظيفة الدلالية منفذ ، وإلا فهو فاعل نحوي ، أو بنيوي فقط ، وبمعنى أخر يشترط في الفاعل المنطقي من الناحية الدلالية أن يكون منفذا في الوقت نفسه،  إن نحن وظفنا مصطلحات النحو الوظيفي .
لنتأمل الأمثلة الآتية :
-         سقط الجدار
-         مات زيد
-         انكسر الزجاج
-         تمزقت الورقة
من الناحية الدلالية والمنطقية لم يكن الجدار فاعلا للسقوط بالمعنى الحقيقي ، والحكم نفسه ينطبق على "زيد"  في المثال الثاني . كما أن"  الزجاج"  و"الورقة" لا يقومان بدور حقيقي فعال ، فهما لم يفعلا  شيئا ولا دخل لهما في عمل الانكسار والتحريك ، وكل ما في ذلك أنهما استجابا للحدث وتفاعلا معه ، دون أن يكون لهما اختيار أو دخل في إيجاده ، وإذا صح ذلك يمكن اعتبار "الجدار" ،  "و زيد" و " الورقة" فواعل نحوية تركيبية فقط وليست فواعل دلالية  ، فهي فواعل تركيبية بموجب الموقع التركيبي :لكونها  تقع فقط  بعد الفعل ، كما أن هذه الفواعل يمكن اعتبارها مفعولات ، وهذا يعني أن أصل الجمل السابقة مثلا  هو كالتالي :
-         أسقط الرجل الجدار
-         أمات الله زيدا
-         مزق الطفل الورقة
       يتبين من خلال الأمثلة السابقة أن الموقع التركيبي لا يمكنه وحده أن يحدد الفاعل الحقيقي ، بل الأمر يقتضي الاستعانة بالدلالة للتمييز بين الفاعل الحقيقي والمفعول الحقيقي .وبمعنى أخر هناك تراكيب في اللغة العربية أو جمل ينظر إليها من منظور تركيبي ومن منظور دلالي ، كما يجب أن نميز بين مصطلحين أساسيين : فاعل حقيقي أو معنوي ، وفاعل نحوي أو تركيبي ، وما يقال عن الفاعل يقال عن المفعول .
وهناك أمثلة أخرى يسلك فيه الفاعل نفس السلوك السابق منها :
-         ابيض شعر الرأس
-         تفتح النور
     وقد وردت في القران الكريم تراكيب متعددة يسند فيها الفاعل إلى الفعل بينما يكون الفاعل فيها ليس فاعلا حقيقيا وإنما هو مفعول ومن ذلك قوله تعالى :
{اقتربت الساعة وانشق القمر}( سورة القمر أية :1) 
    إن النحاة القدماء بدورهم كانوا ينظرون إلى الكلام من منظور دلالي ، كما يؤكدون منظورهم الدلالي بإجراءات تركيبية ، فهم ينظرون مثلا إلى المثال الأتي:
-         مات زيد
من منظورين : تركيبي ودلالي :
أ: تركيبي ، وفي هذه الحالة يعتبرون" زيد "  فاعلا تركيبيا ، وهذا التفسير لا يدخل في الاعتبار إلا الوظيفة التركيبية .
ب:  أما المنظور الدلالي فيسمح لهم بتأويل الجملة السابقة كالتالي :
-          أمات الله زيدا
وفي هذه الحالة يكون زيد في الجملة السابقة مفعولا به في المعنى .
4: الإجراءات الصرفية ودورها في تحويل وظيفة  الفاعل إلى مفعول 
          نقصد بالإجراءات الصرفية التغييرات المرتبطة بالصيغة الصرفية،  وينتج عن هذه التغييرات الصرفية تأثيرات تركيبية ، فالانتقال من صيغة صرفية إلى أخرى يؤدي حتما  إلى الانتقال من بنية تركيبية إلى بنية تركيبية أخرى في الجملة نفسها.  فقد  تمكننا الإجراءات الصرفية على سبيل المثال من تحويل الفاعل إلى مفعول كما توضح  الأمثلة الآتية ذلك  :
            فرح الطالب
           أفرح الأستاذ الطالب
           فرح  الأستاذ الطالب
          جلس خالد
         جالس زيد خالدا
يتبين من خلال هذه الأمثلة أنه  كلما تغيرت بنية الفعل الصرفية تغيرت البنية من الناحية التركيبية ، وبموجب ذلك  يتحول الفاعل إلى مفعول به 
3-1: وظيفة الفاعل والمفعول  في تركيب  المبني للمجهول
يقصد بالبناء للمجهول، في الأدبيات النحوية، كل جملة حذف منها الفاعل لغرض من الأغراض، وأقيم غيره مقامه مع تغيير شكل الفعل المبني للمجهول. وهناك من أطلق على هذه الظاهرة: بناء ما لم يسم فاعله، ومنهم ابن يعيش[17]. والآليات التي يقوم عليها هذا البناء كما وردت في كتب النحاة هي كالتالي:
- تغيير صيغة الفعل من: فَعَل إلى فُعِل.
- حذف الفاعل من الجملة.
- إقامة المفعول أو غيره مقام الفاعل.
وهذا يعني أن البناء للمجهول يعتمد إجراءات ذات طبيعة صرفية وتركيبية تتمثل في تغيير الصيغة، وتبادل المواقع التركيبية ، حيث يحل المفعول أو غيره محل الفاعل، كما يتضح من المثال الموالي:
                         أ- كتب الولد الدرس
                         ب- كُتب الدرس
تم الانتقال من )أ( إلى )ب( عن طريق تغيير صوتي  لصيغة الفعل ، ثم حذف الفاعل وحل محله المفعول به.
إن الآليات الصوتية و الصرفية والتركيبية التي يعتمد عليها البناء لغير الفاعل، تتفاعل وتتكامل فيما بينها. إلا أن التكامل بين هذه الآليات إجباري. ذلك أن حذف الفاعل وإقامة المفعول مقامه لا يمكن أن يحدث بدون أن يجري تغيير إجباري على صيغة الفعل، لأن التغيير الصرفي لا يكفي لتفسير أية ظاهرة، بل لا بد من مراعاة التغييرات  التركيبية والدلالية التي تطرأ على البنية، حيث إننا ننتقل من )أ( إلى )ب( في المثال الآتي:
                     أ - كتب خالد الدرس.
                     ب- كُتب الدرس.
إلا أننا لا يمكن أن ننتقل من )أ( إلى )ج( مثلا كما يظهر من لحن البنية التالية :
                       ج- * كَتب الدرسُ.
إن لحن )ج( ناتج عن عدم إنهاء تطبيق جميع أطراف المعادلة الصرفية ، أي عدم تغيير الصيغة من )فَعلَ( إلى )فٌعِل( .
ولهذا التغيير الصرفي سبب تركيبي. فقد لاحظ محمد الحناش أن " نقل الصيغـة من )فَعل( إلى )فُعل( إجباري يفسره رياضيا غياب الفاعل عن البنية"[18].
يتضح من كلام محمد الحناش أن الضمة في صيغة (فُعِل) تعتبر أثرا trace) ( للفاعل المحذوف، وهذا يعني أن الضمة في صيغة البناء للفاعل ليست حركة بسيطة وخالية من الدلالة، وإنما هي نتيجة عملية تضمير Pronominalisation) (، يختزل فيها الفاعل الحقيقي :الدلالي إلى حركة يكون حضورها إجباريا عند تطبيق هذا البناء[19].
لا يخلو هذا الافتراض الذي تبناه محمد الحناش من قيمة علمية، ويبدو أن هناك ما يؤيد كون الفاعل لا يحذف، وإنما يختزل في الضمة[20]. ذلك أن الفاعل يمتنع إبرازه في البنية مع حضور ما ينوب عنه، أي حركة الضمة الواقعة في فاء الكلمة.فهناك توزيع تكامليCOMPLEMENTARY DISTRIBUTION)) بين الفاعل والضمة . وبعبارة أخرى، لا يمكن أن نقول:
                                    - * كُتب الولد الدرسَ.
ففي هذا التركيب يتوارد الفاعل والضمة، التي تعتبر في هذا البناء حركة ليست بسيطة، مما نتج عنه بنية لاحنة. ولحن هذه البنية راجع بالأساس إلى توارد فاعل وما ينوب عنه، الذي هو الضمة.
إذا صح هذا التحليل، فإن صيغة الفعل المبني للمجهول تكون صيغة مركبة، يتداخل فيها الحدث وصاحب الحدث، أي: الفاعل. وينتج عن هذا أن الفاعل لم يحذف، وإنما أضمر واختزل إلى ضمة.وهدا يعني أن الضمة لها أبعاد دلالية .
إن ما سيترتب عن هذا التحليل، هو أنه سيضيف ضميرا جديدا إلى ضمائر اللغة العربية، وبمعنى آخر ستصبح الضمة ضميرا. وهو افتراض يحتاج إلى دراسة معمقة للبرهنة على القيمة التضميرية للضمة.
5: الفاعل والمفعول ونظرية الأدوار الدلالية
   بينا في بداية  المقال   العلاقة بين التركيب والدلالة ولا حظنا أنه يصعب الفصل بين التركيب والدلالة ، ذلك  أن الدلالة امتداد طبيعي للتركيب .
سنوضح  هذا الافتراض وندعمه من خلال مناقشتنا للعلاقة الموجودة بين الأدوار الدلالية والموضوعات التركيبية من خلال مستجدات النظرية التوليدية ونقصد  بذلك المقاربة الادنوية (تشومسكي 1998-1999  ) ، إذ سنناقش العلاقة الموجودة بين الأدوار الدلالية والموضوعات التركيبية بناء على بعض القيود التوليدية وسننطلق من قيد انطلق منه تشومسكي في أعماله الأولى وطوره في النظرية الادنوية ونقصد بذلك المقياس[21] المحوري 
  يصوغ تشومسكي ( 1981)  المقياس المحوري كالتالي :
" كل موضوع ( Argument ) يأخذ دورا دلاليا واحدا فقط وكل دور دلالي يسند إلى موضوع واحد فقط " .
لنأخذ الجملة  الآتية :
قرأت الطالبة الرواية في المكتبة
تتضمن هذه الجملة محمولا هو الفعل ، وموضوعين هما : الطالبة والرواية .
ويحمل الموضوع الأول دور المنفذ ( Agent) والثاني دور الضحية
ولا يسند المحمول دورا دلاليا إلى المركب " في المكتبة " لأنه ملحقا وليس موضوعا .
لنتأمل الجملة الآتية :
قرأت الطالبة الرواية المكتبة ( لحن)
تعد هذه الجملة لاحنة لأنها تخرق القيد السابق ( المقياس المحوري ) ، ذلك أن المحمول قرأ استوفى شروطه المحورية أو الدلالية التي يسندها إلى
" الطالبة"و " الرواية " ، وبقي المركب " المكتبة بدون دور دلالي .
ما يؤخذ على المقياس المحوري هو أن الحكم على سلامة البنية أو عدم سلامتها يأتي مؤخرا ، إذ لا يتنبأ بذلك في المرحلة التي يتم فيها ضم المكتبة إلى البنية التركيبية بل يؤجل الحكم إلى أن يصل الاشتقاق التركيبي الصورة المنطقية [22]
حيث ينطبق  القيد السابق
أما في البرنامج الادنوي فقد أدمج تشومسكي ( 1998)- (1999) هذا القيد في عملية الضم الخالص (pure merge )، التي أصبحت مقيدة بالانتقاء ، وعليه فإن الجملة اللاحنة السابقة ستقصى في المرحلة الأولى من اشتقاقها التركيبي ، بحيث لن يكون من الممكن ضم المكتبة إلى الفعل لأنه لا ينتقيها دلاليا ، ويمكن بلورة ذلك من خلال الضم الخالص الذي نصوغه بعد تشومسكي[23] ( 1998) كالتالي :
" الضم الخالص في الموقع المحوري مقصور على الموضوعات فقط "
من هنا يمكن القول إن قيد المقياس المحوري أصبح قيدا محليا موضوعا على الاشتقاق التركيبي لا على التمثيل النحوي .
ما يشير إليه القيد السابق ( الضم الخالص ) هو أن الموضوعات لا يمكن ضمها إلا في المواقع المحورية ولا يمكن ضم غير الموضوعات إلا في المواقع غير المحورية ، وتعتبر هذه صياغة جديدة للمقياس المحوري ، ووظيفة هذه الصياغة الجديدة هي سرعة الحكم على سلامة الاشتقاق محليا قبل الانتهاء من اشتقاق الجملة بأتمها والوصول  إلى مستوى وجيهة الصورة المنطقية[24].
خاتمة :
حاولنا في هذا المقال  توضيح كيف تتفاعل المستويات اللسانية في تفسير ظواهر اللغة ، وبينا كيف تتكامل هذه المستويات في التفسير اللساني مبرزين  أن  تحليل ظاهرة من ظواهر  اللغة يستلزم تفاعل وتكامل مستوياتها  اللسانية التركيبية والدلالية والتداولية  من جهة ، والصرفية والصوتية من جهة ثانية  ، وقد ركزنا أساسا على تكامل المستوى التركيبي والدلالي مبرزين أن الدلالة امتداد طبيعي للتركيب ، وأن كل إجراء تركيبي ينتج عنه تغيير دلالي .
المصادر والمراجع باللغة العربية :
ابن عقيل ،بهاء الدين عبد الله ، ألفية ابن مالك المكتبة التجارية الكبرى ، القاهرة
ابن يعيش ،أبو البقاء ،  شرح المفصل ، إدارة الطباعة المنيرية ، القاهرة بدون تاريخ
الحناش، محمد : البناء المقلوب في  للغة العربية، مجلة دراسات أدبية ولسانية عدد 2و3 ، 1986
العماري ، عبد العزيز ، أدوات الوصف والتفسير اللسانية ، سلسلة من  النحو إلى اللسانيات الطبعة الأولى 2004
الفاسي الفهري عبد القادر ، المقارنة والتخطيط في البحث اللساني العربي ، وانظر
الفاسي الفهري عبد القادر  ، المعجم العربي، نماذج تحليلية جديدة ، دار توبقال ،
المتوكل ،أحمد ، الوظائف التداولية في اللغة العربية ، الدار البيضاء ، دار الثقافة 1985.
.المتوكل ، أحمد دراسات في نحو اللغة العربية الوظيفي ، دار الثقافة البيضاء ، 1986
الرحالي،  محمد  ، بعض الخصائص الحاسوبية للغة ، مجلة أبحاث لسانية ، المجلد 13، العدد: 1-2، دجنبر 2008
الرحالي، محمد ،  : تركيب اللغة العربية مقاربة نظرية جديدة ، دار توبقال للنشر .
المراجع باللغة الأجنبية
Chomsky-1998(Minimalist  inquiries ;the frame work .Mit occasional papers in linguistics15
Chomsky-1998( derivation by phase.Mit occasional papers in linguistics18 .


[1]  الدكتور محمد الغريسي أستاذ باحث في اللسانيات ، جامعة مولاي إسماعيل ، الكلية المتعددة التخصصات الرشيدية – المغرب
[2]  نظرا لارتباط اللغة باللسانيات  ظهرت العديد من النماذج اللغوية والمناهج اللسانية التي تتناول إشكالية اللغة بصورة أعمق وأشمل بغية تحديد قضاياها ومستوياتها اللسانية  ، وهذه المناهج كانت تهدف إلى  بناء وصف لساني نسقي شامل للغة العربية  كما استهدفت وصف ظواهر لغوية  متعددة شملت المعجم والأصوات والصرف والتركيب والدلالة والتداول.،  ويمكن تقسيم الدراسات اللسانية التي تناولت اللغة العربية إلى نمطين : أنماط صورية تعتبر أن اللغات الطبيعية أنساق مجردة يمكن دراسة بنيتها بمعزل عن وظيفتها في التواصل داخل المجتمع المستعمل لها  وتعتبر اللسانيات التوليدية نموذجا لذلك  للتفاصيل أنظر : اللسانيات واللغة العربية  للدكتور الفاسي الفهري ،البناء الموازي : نظرية في بناء الكلمة وبناء الجملة . لنفس الكاتب ..الخ ،في مقابل ذلك هناك  أنحاء وظيفية ترى أن بنية أي لغة طبيعية لا يمكن فصلها عن وظيفتها التواصلية كما هو الشأن مع اللسانيات الوظيفية للتفاصيل في هذا الإطار : أنظر قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية ، البنية التحتية أو  التمثيل التداولي ، دار الأمان ، الرباط .للدكتور أحمد المتوكل . 
6   الدكتور محمد عيد ، أصول النحو العربي ، ص: 266-267، عالم الكتب – القاهرة 1978
[4]  أنظر ابن جني ، الخصائص ، ج1 ،30
[5]  نقصد هنا اللسانيات التأليفية  أنظر على سبيل المثال أعمال عبد العزيز العماري
[6]  أنظر على سبيل المثال شرح ابن عقيل ، ج 1  ص: 557
[7]  أنظر على سبيل المثال ابن يعيش ، شرح المفصل ، ج : 1  ، ص: 85
[8]  انظر الدكتور عبد العزيز العماري ، أفكار وظيفية في التراث اللغوي العربي ، مقال ضمن كتاب ك المنحى الوظيفي في اللسانيات العربية وآفاقه . ص: 23
[9]  الاستراباذي رضي الدين ، شرح الكافية في النحو، دار الكتب العلمية بيروت ط2، ج1، ً: 127
[10]  أحمد المتوكل ، الوظائف التداولية ، ص: 11
[11]  رشيد بوزيان ، قراءات في اللسانيات التوليدية : من العاملية والربط إلى البرنامج الادنوي ، ص: 28 - 29
[12]  عبد العزيز العماري ، المرجع السابق ، ص: 26
[13]  المتوكل ، أحمد الوظائف التداولية ، ً: 11وانظر أيضا كتابه : دراسات في نحو اللغة العربية الوظيفي ص: 36
[14]  للتفاصيل أنظر الفاسي الفهري ، المعجم العربي، نماذج تحليلية جديدة ، دار توبقال ، البيضاء
[15]  الفاسي الفهري ، المعجم العربي ، ص: 34-35
[16]  للتفاصيل حول مبدأ الإسقاط الموسع انظر : الفاسي الفهري : البناء الموازي ، نظرية في بناء الكلمة وبناء الجملة .
[17] - ابن يعيش، شرح المفصل، ج7،ص69.
[18] -  محمد الحناش: البناء المقلوب في اللغة العربية، مجلة دراسات أدبية ولسانية عدد 2و3 ، 1986 ص56.
[19] - نفسه ، ص57.
[20] - يمكن تعميم مفهوم الاختزال على ظاهرة المطاوعة في اللغة العربية كما يظهر من المثال الموالي:
أ-فتح الولد الباب.
ب- انفتح الباب.
حيث اختزل الفاعل في الهمزة والنون. مما يعطي لهذه الحروف بعدا ضميريا.
[21]  للتفاصيل حول المقياس المحوري ، أنظر الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري ، البناء الموازي ، نظرية في بناء الكلمة وبناء الجملة
[22]  للتذكير فقط احتفظ تشومسكي  في البرنامج الأدنوي بمستويين تمثيليين فقط عوض أربع مستويات كما كان سائدا في نظرية المبادئ والوسائط ، والمستويان التمثيليان الذان حافظ عليهما هما : الضورة الصوتية والصورة المنطقية : للتفاصيل أنظر : الدكتور الفاسي الفهري : المقارنة والتخطيط في البحث اللساني ، ص: 2-8
[23]  أنظر تشومسكي 1998، ص: 16 ، وانظر أيضا محمد الرحالي ، بعض الخصائص الحاسوبية للغة مجلة أبحاث عدد ، ، ص: 74
[24]  للتذكير فقط فقد قلص تشومسكي مستويات التمثيل اللساني في مستويين لسانيين هما الصورة الصوتية والصورة المنطقية ، حيث تخلى عن البنية العميقة والبنية السطحية  للتفاصيل انظر : الفاسي الفهري عبد القادر ، المقارنة والتخطيط في البحث اللساني العربي ، وانظر أيضا محمد الرحالي : تركيب اللغة العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق