الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2014

مباركة رواد المدونة بحلول السنة الميلادية الجديدة 2015 م

أبارك حلول السنة الميلادية الجديدة 2015 م لكل زائري هذه المدونة  ويارب اجعلها سنة خير وبركة للجميع

 

كلمات في طريق البناء



لا تيأس إذا تعثرت أقدامك وسقطت في حفرة واسعه ..‏

فسوف تخرج منها و أنت أكثر تماسكا وقوة ..‏
والله مع الصابرين

لا تحاول أن تعيد حساب الأمس .. وما خسرت فيه ..‏
فالعمر حين تسقط أوراقه لن تعود مرة أخرى ..‏
ولكن مع كل ربيع جديد سوف تنبت أوراق أخرى ..‏
فانظر الى تلك الأوراق التي تغطي وجه السماء ودعك مما سقط على الأرض فقد صارت جزءاً منها

إذا كان الأمس ضاع ..‏

فبين يديك اليوم وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل .. فلديك الغد ..‏
لا تحزن على الأمس فهو لن يعود ولا تأسف على اليوم .. فهو راحل

------------------------------------------------------------------------------------
















الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

خليليَّ ما أُذْني لأوَّلِ عاذلِ

تنسب القصيدة لأبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم




خليليَّ ما أُذْني لأوَّلِ عاذلِ بِصَغْواءَ في حقٍّ ولا عندَ باطلِ
خليليَّ إنَّ الرأيَ ليسَ بِشِركة ٍ ولا نَهْنَهٍ عندَ الأمورِ البَلابلِ
ولمّا رأيتُ القومَ لا وُدَّ عندَهُمْ وقد قَطَعوا كلَّ العُرى والوَسائلِ
وقد صارحونا بالعداوة ِ والأذى وقد طاوَعوا أمرَ العدوِّ المُزايلِ
وقد حالَفُوا قوما علينا أظِنَّة ً يعضُّون غيظا خَلفَنا بالأناملِ
صَبرتُ لهُمْ نَفسي بسمراءَ سَمحة ٍ وأبيضَ عَضْبٍ من تُراث المقاوِلِ
وأحْضَرتُ عندَ البيتِ رَهْطي وإخوتي وأمسكتُ من أثوابهِ بالوَصائلِ
قياما معا مستقبلين رِتاجَهُ لدَى حيثُ يَقضي نُسْكَهُ كلُّ نافلِ
وحيثُ يُنِيخُ الأشعرونَ ركابَهُم بِمَفْضَى السُّيولِ من أسافٍ ونائلِ
مُوسَّمَة َ الأعضادِ أو قَصَراتِها مُخيَّسة ً بين السَّديس وبازِلِ
تَرى الوَدْعَ فيها والرُّخامَ وزينة ً بأعناقِها معقودة ً كالعثاكلِ
أعوذُ بربِّ النَّاسِ من كلِّ طاعِنٍ عَلينا بسوءٍ أو مُلِحٍّ بباطلِ
ومِن كاشحٍ يَسْعى لنا بمعيبة ٍ ومِن مُلحِقٍ في الدِّين ما لم نُحاولِ
وثَوْرٍ ومَن أرسى ثَبيراً مَكانَه وعَيْرٍ ، وراقٍ في حِراءٍ ونازلِ
وبالبيتِ رُكنِ البيتِ من بطنِ مكَّة ٍ وباللَّهِ إنَّ اللهَ ليس بغافلِ
وبالحَجَرِ المُسْودِّ إذ يَمْسَحونَهُ إذا اكْتَنَفوهُ بالضُّحى والأصائلِ
ومَوطِىء إبراهيمَ في الصَخرِ رَطَبة َ على قَدميهِ حافياً غيرَ ناعلِ
وأَشواطِ بَينَ المَرْوَتَينِ إلى الصَّفا وما فيهما من صورة ٍ وتَماثِلِ
ومن حجَّ بيتَ اللَّهِ من كلِّ راكبٍ ومِن كلِّ ذي نَذْرٍ ومِن كلِّ راجلِ
وبالمَشْعَرِ الأقصى إذا عَمدوا لهُ إلالٍ إلى مَفْضَى الشِّراج القوابلِ
وتَوْقافِهم فوقَ الجبالِ عشيَّة ً يُقيمون بالأيدي صُدورَ الرَّواحِلِ
وليلة ِ جَمعٍ والمنازلُ مِن مِنى ً وما فَوقَها من حُرمة ٍ ومَنازلِ
وجَمعٍ إذا ما المَقْرُباتُ أجزْنَهُ سِراعاً كما يَفْزَعْنَ مِن وقعِ وابِلِ
وبالجَمْرَة ِ الكُبرى إذا صَمدوا لها يَؤمُّونَ قَذْفاً رأسَها بالجنادلِ
وكِنْدَة ُ إذْ هُم بالحِصابِ عَشِيَّة ً تُجيزُ بهمْ حِجاجَ بكرِ بنِ وائلِ
حَليفانِ شَدَّا عِقْدَ ما اجْتَمعا لهُ وردَّا عَليهِ عاطفاتِ الوسائلِ
وحَطْمُهمُ سُمْرَ الرِّماحِ معَ الظُّبا وإنفاذُهُم ما يَتَّقي كلُّ نابلِ
ومَشئْيُهم حولَ البِسالِ وسَرْحُهُ وشِبْرِقُهُ وَخْدَ النَّعامِ الجَوافلِ
فهل فوقَ هذا مِن مَعاذٍ لعائذٍ وهَل من مُعيذٍ يَتَّقي اللَّهَ عادِلِ؟
يُطاعُ بنا الأعدا وودُّا لو أنَّنا تُسَدُّ بنا أبوابُ تُركٍ وكابُلِ
كذَبْتُمْ وبيتِ اللَّهِ نَتْركَ مكَّة ً ونظعَنَ إلاَّ أمرُكُم في بَلابلِ
كَذَبْتُم وبيتِ اللَّهِ نُبَزى محمدا ولمّا نُطاعِنُ دونَهُ ونُناضِلِ
ونُسْلِمَه حتى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ونَذْهُلَ عن أبنائِنا والحَلائلِ
وينهضَ قَومٌ في الحديدِ إليكُمُ نُهوضَ الرَّوايا تحتَ ذاتِ الصَّلاصِل
وحتَّى يُرى ذو الضِّغْنِ يركبُ رَدْعَهُ منَ الطَّعنِ فِعلَ الأنكَبِ المُتَحامِل
وإنِّي لعَمرُ اللَّهِ إنْ جَدَّ ما أرى لَتَلْتَبِسَنْ أَسيافُنا بالأماثلِ
بكفِّ امرئٍ مثلِ الشِّهابِ سَمَيْدَع أخي ثِقَة ٍ حامي الحقيقة ِ باسلِ
شُهورا وأيّاما وحَولاً مُجرَّما عَلينا وتأتي حِجَّة ٌ بعدَ قابلِ
وما تَرْكُ قَومٍ ، لاأبالك ، سَيِّدا يَحوطُ الذِّمارَ غَيرَ ذَرْب مُواكلِ؟
وأبيضَ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بوجههِ ثِمالُ اليتامى عِصْمة ٌ للأراملِ
يلوذُ به الهُلاّكُ من آلِ هاشمٍ فهُم عندَهُ في نِعمة ٍ وفَواضلِ
لعَمري لقد أجرى أُسَيْدٌ ورهطُهُ إلى بُعضِنا وجزَّآنا لآكلِ
جزَتْ رحِمٌ عنَّا أُسَيداً وخالداً جزاءَ مُسيءٍ لا يُؤخَّرُ عاجِلِ
وعثمانُ لم يَرْبَعْ عَلينا وقُنْفُذٌ ولكنْ أطاعا أمرَ تلك القبائلِ
أطاعا أُبيّا وابنَ عبدِ يَغوثِهم ولم يَرْقُبا فينا مقالَة َ قائلِ
كما قَد لَقِينا من سُبَيعٍ ونَوفَلٍ وكلُّ تَوَلَّى مُعرضاً لم يُجاملِ
فإن يُلْقَيا أو يُمكنَ اللهُ منهما نَكِلْ لهُما صاعاً بكَيْلِ المُكايلِ
وذاكَ أبو عمرٍو أبى غيرَ بُغضِنا لِيَظْعَننا في أهلِ شاءٍ وجاملِ
يُناجَى بنا في كلِّ مَمْسى ً ومُصْبِحٍ فناجِ أبا عَمْرٍو بنا ثمَّ خاتِلِ
ويُقْسِمُنا باللهِ ما أن يَغُشَّنا بلى قد نراهُ جَهرة ً غيرَ حائلِ
أضاقَ عليهِ بُغْضَنا كلَّ تَلْعة ٍ منَ الأرض بينَ أخشُبٍ فمَجادلِ
وسائلْ أبا الوليدِ: ماذا حَبَوْتَنا بسَعْيِكَ فينا مُعْرِضا كالمُخاتِلِ؟
وكنتَ امرأً ممَّنْ يُعاشُ برأيهِ ورحمتُه فينا ولستَ بجاهلِ
أَعُتْبة ُ، لا تَسمعْ بنا قولَ كاشِحٍ حَسودٍ كذوبٍ مُبغِضٍ ذي دَغاوُلِ
وقد خِفْتُ إنْ لم تَزْجُرَنْهُمْ وتَرْعَووا تُلاقي ونَلْقَى منك إحْدَى البَلابلِ
ومَرَّ أبو سُفيانَ عنِّيَ مُعْرضا كما مَرَّ قَيْلٌ مِن عِظامِ المَقاوِلِ
يَفرُّ إلى نَجدٍ وبَرْدِ مياههِ ويَزْعمُ أنِّي لستُ عنكُم بغافلِ
وأَعلمُ أنْ لا غافلٌ عن مَساءَة ٍ كفاك العدوُّ عندَ حقٍّ وباطلِ
فميلوا عَلينا كُّلكُمْ؛ إنَّ مَيْلَكُمْ سَواءٌ علينا والرياحُ بهاطلِ
يخبِّرُنا فِعلَ المُناصِح أنَّهُ شَفيقٌ ويُخفي عارماتِ الدَّواخلِ
أمُطعِمُ لم أخذُلْكَ في يومِ نجدة ٍ ولا عندَ تلك المُعْظماتِ الجِلائلِ
ولا يومِ خَصمٍ إذْ أتَوْكَ ألدَّة ٍ أُولي جَدَلٍ من الخُصومِ المُساجِلِ
أمطعمٌ إنَّ القومَ ساموك خَطَّة ً وإنَّي متى أُوكَلْ فلستُ بوائلِ
جَزى اللهُ عنّا عبدَ شَمسٍ ونَوفلاً عُقوبة َ شَرٍّ عاجلاً غيرَ آجِلِ
بميزانِ قِسْطٍ لا يَغيضُ شَعيرة ً له شاهدٌ مِن نفسهِ حقُّ عادلِ
لقد سَفَهتْ أحلامُ قَومٍ تبدَّلوا بَني خَلَفٍ قَيضا بنا والغَياطلِ
ونحنُ الصَّميمُ مِن ذُؤابة ِ هاشمٍ وآلِ قُصَيٍّ في الخُطوبِ الأوائلِ
وكانَ لنا حوضُ السِّقاية ِ فيهمِ ونحنُ الذُّرى منُهمْ وفوقَ الكواهلِ
فما أدركوا ذَخْلاً ولا سَفكوا دَماً ولا حَالفوا إلاَّ شِرارَ القبائلِ
بَني أمَّة ٍ مجنونة ٍ هِنْدَكيَّة ٍ بَني جُمَحٍ عُبَيدَ قَيسِ بنِ عاقلِ
وسهمٌ ومخزومٌ تَمالَوا وألَّبُوا عَلينا العِدا من كلِّ طِمْلٍ وخاملِ
وشائظُ كانت في لؤيِّ بنِ غالبٍ نفاهُمْ إلينا كلُّ صَقْر حُلاحِل
ورَهْطُ نُفَيلٍ شرُّ مَن وَطىء َ الحصى وأَلأَمُ حافٍ من معدٍّ وناعلِ
أعبدَ منافٍ أنْتُمو خيرُ قَومِكُمْ فلا تُشْرِكوا في أمرِكم كلَّ واغلِ
فقد خِفتُ إنْ لم يُصْلحِ اللهُ أمْرَكُمْ تكونوا كما كانَتْ أحاديثُ وائلِ
لَعَمري لقَدْ أُوْهِنْتُمو وعَجزتُموْ وجِئتُمْ بأمرٍ مُخطىء ٍ للمَفاصلِ
وكُنْتُمْ قَديماً حَطْبَ قِدْرٍ فأنتمو أَلانَ حِطابُ أقدُرٍ ومَراجِلِ
لِيهْنئْ بَني عبدِ منافٍ عُقوقُها وخَذْلانُها، وتَرْكُنا في المعاقلِ
فإنْ يكُ قَومٌ سرَّهُمْ ما صَنَعْتُمو ستحتلبوها لاقحاً غيرَ باهلِ
فبلِّغْ قُصَيّا أنْ سَيُنْشَرُ أمرُنا وبَشِّرْ قُصيًّا بعدَنا بالتَّخاذُلِ
ولو طَرقتْ ليلاً قُصيّاً عَظيمة ٌ إذا ما لجأنا دونَهُم في المداخلِ
ولو صُدقوا ضَرباً خلالَ بُيوتِهم لكنَّا أُسى ً عندَ النَّساءِ المَطافلِ
فإنْ تكُ كعبٌ من لؤيٍّ تجمَّعتْ فلا بُدَّ يوما مرَّة ً مِنْ تَزايُلِ
وإنْ تَكُ كعبٌ من كعوبٍ كثيرة ٍ فلا بدَّ يوما أنَّها في مَجاهِلِ
وكلُّ صديقٍ وابنُ أختٍ نَعُدُّهُ وجدْنا لعَمري غِبَّهُ غيرَ طائلِ
سِوى أنَّ رَهْطاً مِن كلابِ بنِ مُرَّة ٍ بَراءٌ إلينا من معقَّة ِ خاذلِ
بَني أسَدٍ لا تُطرِفُنَّ على القَذى إذا لم يقلْ بالحقِّ مِقْوَلُ قائلِ
فنعْمَ ابنُ أختِ القَومِ غيرَ مُكذَّبٍ زُهيرٌ حُساما مُفردا مِن حَمائلِ
أَشَمُّ منَ الشُّمِّ البهاليلِ يَنْتَمي إلى حَسبٍ في حَوْمة ِ المَجْدِ فاضلِ
لعَمري لقد كَلِفْتُ وَجْدا بأحمدٍ وإخوتهِ دأبَ المحبِّ المُواصِلِ
أقيمُ على نصرِ النبيِّ محمدٍ أقاتلُ عنهُ بالقَنا والقنابلِ
فلا زالَ في الدُّنيا جَمالاً لأهلِها وزَينا لم ولاَّهُ رَبُّ المشاكِلِ
فمَنْ مثلُهُ في النَّاسِ أيُّ مؤمَّلٍ إذا قاسَه الحكَّامُ عندَ التَّفاضُلِ
حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غيرُ طائشٍ يُوالي إلها ليسَ عنهُ بغافلِ
فأيَّدَه ربُّ العبّادِ بنصرهِ وأظهرَ دَينا حقُّه غيرُ ناصلِ
فو اللهِ لولا أن أَجيءَ بسُبَّة ٍ تَجُرُّ على أشياخنا في المَحافلِ
لكنَّا اتَّبعْناهُ على كلِّ حالة ٍ منَ الدَّهرِ جِدا غيرَ قَولِ التَّهازُلِ
لقد عَلموا أنَّ ابْنَنا لا مُكذَّبٌ لَدَيهم ولا يُعْنى َ بقَوْلِ الأباطلِ
رجالٌ كِرامٌ غيرُ مِيلٍ نَماهُمو إلى الغُرِّ آباءٌ كرامُ المَخاصلِ
دَفَعناهُمو حتَّى تَبدَّدَ جَمعُهُمْ وحسَّرَ عنّا كلُّ باغٍ وجاهلِ
شَبابٌ منَ المُطَيَّبين وهاشمٍ كبيضِ السُّيوفِ بينَ أيدي الصَّياقلِ
بِضَربٍ تَرى الفتيانَ فيهِ كأنَّهُم ضَواري أسودٍ فوقَ لحمٍ خَرادلِ
ولكنَّنا نسلٌ كرامٌ لسادة ٍ بهم نَعْتلي الأقوامَ عندَ التَّطاوُلِ
سَيَعْلمُ أهلُ الضِّغْنِ أيِّي وأيُّهُمْ يفوزُ ويعلو في ليالٍ قلائلِ
وأيُّهُمو منِّي ومنْهُم بسيفهِ يُلاقي إذا ما حانَ وقتُ التَّنازُلِ
ومَنْ ذا يمَلُّ الحربَ مني ومِنْهمو ويحمدُ في الاڑفاقِ مِن قَولِ قائلِ؟
فأصبحَ فينا أحمدٌ في أُرومة ٍ تُقصِّرُ عنها سَورة ُ المُتَطاوِلِ
كأنَّي به فوقَ الجيادِ يقودُها إلى معشرٍ زاغوا إلى كلِّ باطلِ
وجُدْتُ نفسي دونَهُ وحَمَيتُهُ ودافَعْتُ عنه بالطُّلى والكلاكلِ
ولا شَكَّ أنَّ اللهَ رافعُ أمرِهِ ومُعليهِ في الدُّنيا ويومَ التَّجادُلِ

السبت، 20 ديسمبر، 2014

اللغة والسوق.. الواقع والتحديات




اللغة والسوق.. الواقع والتحديات
 
بين اللّغة والقوة علاقة انعكاسية، قامت في ظل اقتصاد المعرفة وعولمة السوق. ولأن القوة باتت تستند إلى المعرفة، اكتسبت لغة المعرفة نفوذا غير مسبوق في عالم الاقتصاد، لذلك شعرت بالكثير من القلق عندما سجّلت نتائج امتحانات شهادات التعليم المتوسط والثانوي تراجعا نسبيا في تعليم اللغات الأجنبية في بعض المناطق، على اعتبار أن اللغة قد تجاوزت، اليوم، بعدها الإيديولوجي، نسبيا، وابتعدت عن كونها مجرد جزء من النسق العقدي للدولة، بعد أن اكتسبت سلطة تابعة لتلك التي امتلكتها المعرفة، من حيث كونها أحد أعمدة خلق الثـروة في الاقتصاد الجديد. فبفعل الانفجار المعرفي، وبدفع من الاحتكارات الاقتصادية والإعلامية الكبرى التي تجعل من لغة الدولة الأقوى معرفيا، ومن ثم اقتصاديا، الأكثـر انتشارا، تحوّلت اللغة إلى سلعة ووسيط تجاري، وباتت تلعب دورا مهما في صناعة الذوق، اعتمادا على ما تحققه التغذية الارتجاعية لوسائل الدعاية من صور انطباعية، تسهم، بقوة، في تعميم أنماط ثقافية تمتد إلى كل مجالات الحياة من لباس ونمط معماري وديكور وفن وأدب...الخ. وباختصار كل ما يمكن أن ينتهي إلى منتوج أو سلعة، ويدخل في ما بات يعرف بأسلوب حياة (Life Style) يبدأ بالمسمى اللغوي، فلغة الدولة الأقوى باتت هي لغة المعرفة والاقتصاد والتسويق والخدمات، ومن ثم تكون اللغة قد تحولت إلى قيمة اقتصادية تبادلية واستعمالية وخدماتية. إن الاقتصاد الجديد، القائم على الاستثمار في رأس المال الفكري والمعرفي، يضعنا أمام تحديات كبرى، عندما ندرك بأن المعرفة التي باتت أهم مركب غير ملموس لاقتصاد الدولة ومؤشر قوتها، تتضمنها بنوك معلومات %70 مما تحتويه باللغة الانجليزية، الأمر الذي يجعل الحاجز اللغوي من أهم أسباب اتساع الفجوة المعرفية، وبالتالي الاقتصادية، حتى بين تلك القوى المتقاربة في أدائها الاقتصادي، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، الأمر الذي دفع المفوضية الأوروبية بصورة خاصة، إلى المسارعة بوضع برامج متعددة حول دراسة التعدد في اللسانيات، بهدف تطوير نظام الترجمة الفورية بالكومبيوتر، ومن بينها برنامج (سيستران Systran) المستعمل لترجمة ملخصات وثائق بنوك المعلومات، بهدف تضييق الفجوة المعرفية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من خلال ترجمة سريعة وعملية، سعيا وراء تحقيق بعض التزامن على مستوى الاستثمار الاقتصادي في الإنتاج المعرفي، ما يبيّن التأثير الخطير للغة على الاقتصاد، الأمر الذي تدركه القوى الاقتصادية جيدا، لاسيما الدول غير الناطقة باللغة الإنجليزية، خاصة عندما تؤكد مراكز البحوث ظهور حوالي أربعين ألف كلمة إنجليزية في اللغة العلمية سنويا، أي أكثـر من عدد الكلمات الموجودة في قاموس ''لاروس'' الفرنسي، بينما تجتهد الأكاديمية الفرنسية سنة كاملة في البحث عن تسع كلمات علمية باللغة الفرنسية. ويزداد العبء على من لا يتقن لغة القوة، عندما نعلم بأن المعرفة تتدفق بشكل يجعلها تتضاعف كل ثلاث سنوات، ما ينعكس على حجم وسرعة التراكم المعرفي، إذ يصدر، وفقا لهذا الإيقاع، مقال علمي كل دقيقتين في الدول الأكثـر تمكنا من المعرفة. الأمر الذي اضطر دولة مثل فرنسا، التي لديها حساسية خاصة اتجاه خصوصيتها الثقافية، إلى إصدار أفضل دورية علمية عن معهد باستور باللغة الإنجليزية، التي أصبحت تمثل إحدى حتميات العولمة والاقتصاد الجديد.
أما عن العلاقة بين اللغة والسوق، فإنها تتجسد من خلال تفاعلات تحرير التجارة وفتح الأسواق ونظم الاتصالات والعولمة، التي أفرزت آليات للسوق، اختزلت كيان الإنسان في بعد وظيفي اقتصادي، يتعامل مع اللغة من منطلق إجرائي، وفقا للترشيد الإجرائي، بمفهوم ماكس فيبر، الذي يعرّف الترشيد على أنه تحوّل العالم إلى حالة مصنع يسير وفق قواعد النفعية الداروينية، التي لا تخضع سوى لآليات السوق. ومن ثم فإن الدولة، وعلى قدر قوتها الاقتصادية، تكون حاجتها لفتح مزيد من الأسواق، وتسويق مزيد من المنتجات عبر اللغة كوسيط. ومن أجل ذلك تقوم بعمليات اختراق لغوي نموذجي للمنتجات، لا سيما في ظل المنافسة الحادة بين قوى الاستقطاب، حيث تكون وسيلة التواصل هي اللغة، التي تلعب دورا أساسيا في نشر النموذج الثقافي للدول الأقوى، بهدف جعل السلعة المعروضة والمنتجات المتوافرة في السوق منسجمة، تماما، مع النموذج الثقافي، الذي مثلت اللغة إحدى أدوات بنائه، لدى المستهلك.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح طبيعيا الشعور بالقلق تجاه التراجع النسبي لنتائج الامتحانات في اللغات الأجنبية في بعض المناطق، ما يتطلب تحديد الأولويات، حيث إن اكتساب اللغات أصبح يعني، بشكل مباشر، اكتساب المعرفة. وتقليصا للفجوة المعرفية بيننا وبين القوى الدولية من جهة، وتلبية لمتطلبات السوق من جهة ثانية، ودعما لمجال الخدمات، الذي بات يمثل جزءا لا يتجزأ من البنية الاقتصادية الجديدة، وعامل تأهيل لسوق العمل، وهذا يتطلب تشخيصا إستراتيجيا لوضع تعليم اللغات الأجنبية في مؤسساتنا التعليمية ومخابرنا ومراكزنا البحثية، لا سيما مع الحركة البطيئة جدا لعملية الترجمة، وانعدام التزامن بين مخرجات وانبثاقات الانفجار المعرفي وإيقاع عمل المجامع اللغوية، ومن ثم وضع إستراتيجية استعجالية واستدراكية لدعم تعليم اللغات الأجنبية، من خلال المؤسسات التعليمية، مع مزيد من الاهتمام بمعاهد ومراكز تعليم اللغات، من حيث الكم والنوع، سعيا وراء تحقيق بعض التزامن بين الإنتاج المعرفي والاستثمار في رأس المال الفكري، الذي من المفترض أن يتحول إلى قيمة مضافة مجسدة في الناتج الإجمالي المحلي، بشكل يتناسب مع الميزانية الضخمة المخصصة للتعليم، كل ذلك يسير، بالتوازي، مع المحافظة على كل دعائم الهوية والخصوصية الثقافية والحضارية.

*نقلاً عن صحيفة "الخبر"

سوق لغوية


في اللسانيات الاجتماعية، يشير مصطلح السوق اللغوية إلى نظرية أن اختيار المتحدث للغة يعتمد على دوره في المجتمع. وقد كتب عالم اللسانيات الاجتماعية جيه كيه تشامبرز أن المستمعين يضعون المزيد من القيمة على لغة "محترفي اللغة"، مثل المعلمين والكتاب والمحامين، أكثر من القيمة التي يضعونها على الكيميائيين والمهندسين. كما أنهم يضعون قدرًا كبيرًا من القيمة وبشكل مشابه على "فنيي اللغة"، مثل الممثلين والأمناء، لأن هذه الوظائف تتطلب المزيد من التفاعل مع الآخرين وزيادة مستوى الكفاءة فيما يتعلق بالكلمات.
وتؤثر الحاجة إلى العثور على الوظائف بشكل قوي على اللغة المنطوقة، كما كتب تشامبرز، حيث تدفع المتحدث في الغالب تجاه التعرف على اللغة القياسية أو اللغة الأفضل مكانة المستخدمة في المنطقة. عندما يتم وضع قيمة أقل على لغة ما في المهن التي تتطلب القليل من الحاجة إلى الحديث مع الآخرين، فإن هذه الدفعة تجاه التوحيد لا تحدث.
كما تلعب السوق اللغوية كذلك دورًا هامًا في الطرق التي يختلف بها حديث الرجل عن المرآة، بالإضافة إلى اختلاف طرق حديث المستويات العمرية المختلفة والمتنوعة.


السوق اللغوية بيير بورديو


ص1      الفهرس    المحور 
السوق اللغوية
بيير بورديو
ترجمة: حسن أحجيج
سأحاول عرض ما أود قوله بشكل تدريجي، آخذا بعين الاعتبار تنوع الفئات الحاضرة(1) التي لا يمكن أن تكون مختلفة أكثر مما هي عليه الآن، سواء من حيث التخصصات المعرفية أو من حيث الكفاءة التي يتوفر عليها كل فاعل داخل التخصص المعرفي الواحد، إلخ…، وسأفعل ذلك تحت طائلة أن أظهر تبسيطيا للبعض ومفرطا في السرعة والتلميح للبعض الآخر. سأطـرح في البداية عددا من المفاهيم والمبادئ التي تبـدو لي أساسية، على أمل أن نعود إلى بعض النقط التي يمكن أن أشير إليها بـسرعة من أجل مناقشتها وتدقيقها.
إن ما أريد القيام به أساسا هو أن أوضح نموذجا بسيطا جدا يمكن أن أصوغه على النحو التالي: تطبع(2) لغوي + سوق لغوية = عبارة لغوية أو خطاب. سأشرح على التوالي كل واحد من مصطلحات هذه المعادلة، وسأبدأ بمدلول التطبع. يجب أولا الاحتراس من الميل إلى تصنيم المفاهيم: إذ يتعين علينا أن نتناول المفاهيم بجدية وأن نراقبها، ويجب علينا بالخصوص أن نجعلها تعمـل في البحث تحت الحراسة. بـهذه الطريقة تتطور المفاهيم وليس بواسطة المراقبة المنطقية الخالصة التي تحجرها. إن المفهوم الجيد، كمفهوم التطبع، يدمر كثيرا من المشاكل المزيفة (كالخيار بين النـزعة الآلية والغائية مثلا)، ويستخرج منها مشاكل أخرى كثيرة، لكنها واقعية. فعندما يكون المفهوم مبنيا ومراقبا على نحو جيد، فإنه يميل إلى تحصين نفسه من عدوى الاختزالات.
يتميز التطبع اللغوي عن الكفاءة ذات النمط الشومسكي بكونه من نتاج الشروط الاجتماعية ولكونه ليس مجرد نتاج للخطاب، وإنما نتاج لخطاب خاضع لـ "وضعية" معنية، أو بالأحرى لسوق أو حقل معين. لقد تم الحديث من قبل على مدلول الوضعية باعتباره تصحيحا لكل النظريات التي تشدد فقط على الكفاءة وتنسى الشروط التي تعمل فيها تلك الكفاءة (ومن الذين استحضروا هذا المدلول، هناك برييتو Prieto الذي كـان يلح على أنه لا يمكن فهم عدد كبير من السلوكات اللغوية في استقلال عن الإحالة الضمنية لوضعية معينة : فعندما أقول "أنا"، يجب معرفة أن من يقول "أنا" هو أنا، وإلا فسيكون شخصا آخر ؛ يمكن أن نفكر أيضا في أشكال اللُّبْس الموجـودة بين الضميرين أنا وأنت اللذين تستعملهما القصص الغربية، إلخ). لقد استعمل مدلول الوضعية خصوصـا للتساؤل حول الفرضيات المسبقة والضمنية للنموذج السُّوسِيري الذي يختزل الكلام (كالكفاءة لدى شومسكي) في فعل التنفيذ، تنفيذ له نفس المعنى الذي يحمله تنفيذ قطعة موسيقية أو تنفيذ أمر ما. ويأتي مدلول الوضعية ليذكرنا بوجود منطق نوعي للتنفيذ، وبأن ما يحدث على مستوى التنفيذ لا يمكن استنباطه من مجرد معرفتنا للكفاءة. لقد انطلقت من هنا للتساؤل عما إذا كان الاحتفاظ بمدلول الوضعية في حالته المجردة لا يعني سوى القيام بما كان سارتر يعيبه علـى نظرية الانتماءات: وهو إعادة إنتاج الملموس من خلال الجمع بين مجردين، وهما الكفاءة والوضعية في حالتنا هذه.
لقد سبق وأن استحضر السوفسطائيون مدلولا يبدو لي مهما جدا، وهو مدلول الكايروس Kairos. إنـهم، باعتبارهم أساتذة للكلام، يعرفون أن تعليم الناس كيف يتحدثـون لا يكفي، وأنه يجب تعليمهم كيف يتحدثون بخصوص شيء ما. وبعبارة أخرى، إن فن الكلام بشكل جيد وصياغة المجازات اللفظية أو الفكرية والتلاعب باللغة والسيطرة عليهـا، إن ذلك الفن إذن لا يساوي شيئا دون فن استعمال ذلك الفن بخصوص شيء ما. فالكايروس يعني في الأصل هدف لوحة التصويب. وعندما تتحدثون بخصوص شيء ما فإنكم تصيبون الـهدف. ولكي تصيبوا الـهدف وتصيب الكلمات مرماها وتكون مربحة وتنتج مفاعليها، لا يجب التفوه بالكلمات الصحيحة نحويا فحسب، بل والكلمات المقبولة اجتماعيا أيضا.
لقد حاولت أن أوضح في مقالي المنشور بمجلة اللغة الفرنسية كيف أن مدلول التقبلية acceptabilité الذي أعيد إقحامه على يد الشومسكيين بقي ناقصا نظرا لأنـهم اختزلوه في مدلول النحوية grammaticalité. في الواقع، لا ترتكز التقبلية المحددة سوسيولوجيا على مجرد الحديث بلغـة صحيحة: ففي بعض الحالات التي يكون الناس يرغبون الحديث بنوع من الاسترخاء، يمكن لشخص فرنسي معصوم من الخطأ النحوي ألا يكون مقبولا. فالتقبلية بمعناها الواسع لا تقتضي فقط امتثال الكلمات للقواعد اللغـوية المحايثة، بل امتثالـها أيضا للقواعد المتحكمة فيها حدسيا والمحايثة لـ "وضعية" معينة أو لسوق لغوية ما. ما هي هذه السوق اللغوية ؟ سأقدم تعريفا مؤقتا على أساس تقديم تعريف معقد فيما بعد. توجد السوق اللغوية عندما ينتج شخص ما خطابا موجها لمتلقين قادرين على تقييمه وتقديره ومنحه سعرا معينا… ومجرد المعرفة بالكفاءة اللغوية لا يمكن من التنبؤ بالقيمة التي سيحظى بـها إنجاز لغوي معين في سوق معينة. إن الأسعار التي ستتلقاها منتوجات كفاءة معينة في سوق معينة تتوقف على قوانين تشكل الأسعار الخاصة بتلك السوق. ففـي السوق المدرسية مثلا، كانت صيغة نصب الفعل الناقص تحظى بقيمة كبرى في عهد أساتذتي الذين كانوا يوحدون بين هويتـهم الأستاذية وحدث استعماله ـ على الأقل بضمير الغائب المفرد ـ وهو ما يثير الضحك في أيامنا هذه، بحيث لم يصبح ممكنا استعمال تلك الصيغة أمام جمهور من الطلبة، اللهم الإشارة إليها إشارة ما وراء لغـوية من أجل توضيح أنه يمكن استعمالـها مثلما يمكن عدم استعمالـها. كما أن ما يفسر ميل المثقفين اليوم إلى تفضيل ضعف التنقيح المراقب هو الخوف من الإفراط في التنقيح، ويعتبر هذا الميل، كالميل إلى رفض استعمال ربطة العنق، شكلا من الأشكال المراقبة لعدم المراقبة المرتبطة بمفاعيل السوق. إن السوق اللغوية شيء ملموس جدا ومجرد جدا في آن واحد. فمن الناحية الواقعية، تعتبر السوق وضعية اجتماعية رسمية ومُطَقْسَنَة إلى هذا الحد أو ذاك، إنـها بمثابة مجموعة من المتحاورين الذين يشغلون مواقع عليا إلى هذا الحد أو ذاك في سلم التراتب الاجتماعي. إن هناك عديدا من السمات المدرَكَة والمقيَّمة بطريقة تحت واعية توجه عملية الإنتاج اللغوي بصورة لا واعية. ومن الناحية المجردة، تعتبر السـوق بمثابة نمط معين من القوانين (المتغيرة) التي تحكم تشكل الأسعار المنتوجات اللغوية. والتذكير بوجود قوانين لتشكل السعار، معناه التذكير بأن قيمة كفاءة خاصة ترتبط بسوق خاصة تعمل في أحضانـها، أو على وجه الدقة، ترتبط بحالة العلاقات التي تتحـدد فيها القيمة المسندة للمنتوج اللغوي الخاص بمختلف المنتجين.
كل ذلك يقودنا إلى استبدال مدلول الكفاءة بمدلول الرأسمال اللغوي. فالحديث عن الرأسمال اللغوي يعني وجود فوائد لغوية : إذ بمجرد ما يفتح الشخص المزداد بالدائرة السابعة فمه (هي حالة مجمل الناس الذين يحكمون فرنسا في الوقت الراهن)، فإنه يحصل على أرباح لغوية لا تحمل أي سمة خيالية أو وهمية، كما أوهمتنا بذلك الاقتصادوية التي فرضتها علينا الماركسية الأولى. إن طبيعة لغته (التي يمكن تحليلها فونولوجيا) تقول إنه شخص مرخص له بالكلام بغض النظر عما يقوله. يمكن للغة ألا تقوم بالوظيفة التي يعتبرها اللغويون محايثة لـها، أي الوظيفة التواصلية، دون أن تتوقف عن القيام بوظيفتها الحقيقية، أي الوظيفة الاجتماعية؛ فوضعيات علاقات القوة اللغوية rapports de force linguistiques هي الوضعيات التي يمكن فيها الكلام دون تحقيق التواصل، كحالة القداس مثلا. وهذا هو سبب اهتمامي بالشعائر الدينية. إنـها الحالات التي يكون فيها للمتكلم المرخص له سلطة كبيرة، والتي تمكنه فيها المؤسسة وقوانين السوق وكل الفضاء الاجتماعي من أن يتكلم دون أن يقول شيئا.
يعني الرأسمال اللغوي التحكم في آليات تشكل الأسعار اللغوية، وكذا القدرة على جعل قوانين تشكل الأسعار تعمل لصالح صاحبه (أي الرأسمال) والقدرة على استخلاص فائض القيمة النوعي. إن أي عمليـة تفاعل، وأي عملية تواصل لغوي، ولوبين شخصين أو بين صديقين أو بين طفل وصديقته، وباختصار، إن كل عمليات التواصل اللغوي هي أنواع من الأسواق الصغرى التي تبقى دوما تحت رحمة البنيات الإجمالية.
توجد في وضعية الصراعات الوطنية، حيث تكون اللغة رهانا أساسيا (كيبيك مثلا)، علاقة تبعية واضحة جدا بين آليات الـهيمنة السياسية وآليات تشكل الأسعار اللغوية المميزة لوضعية اجتماعية محددة. يكون دوما للصراعات الدائرة بين الناطقين بالفرنسية والناطقين بالعربية، في عدد من الدول العربية التي كانت تخضع للاستعمار الفرنسي سابقا، بعد اقتصادي بالمعنى الذي أعزوه لـهذه الكلمة، أي أن المالكين لكفاءة معينة يدافعون على قيمتهم الخاصة كمنتجين لغويين من خلال الدفـاع عن سوق معينة تلائم منتوجاتـهم اللغوية الخاصة. إن التحليل يتأرجح بين الاقتصادوية والصوفية أمام الصراعات القومية. أما النظرية التي أقترحها، فإنـها تمكن من أن نفهم أنـه يمكن ألا تكون للصراعات اللغوية قواعد اقتصادية واضحة، ويمكن أن تقحم مع ذلك فوائد حيوية للغاية تكون أحيانا أكثر حيوية من الفوائد الاقتصادية (بالمعنى الضيق).
إن إعادة إقحام مدلول السوق إذن يعني التذكير بـهذه الواقعة البسيطة: وهي أنه لا تكون للكفاءة قيمة ما إلا بوجود سوق تعرض فيها. لذلك فإن النـاس الذين يريدون اليوم الدفاع عن قيمتهم كمالكين لرأسمال لا تيني يجدون أنفسهم ملزمين بالدفاع عن وجود سوق اللغة اللاتينية، أي ملزمين بأن يعيدوا إنتاج مستهلكي اللاتينية بواسطة النظـام المدرسي. لا يمكن فهم وجود نوع من النـزعة المحافظة، المرضية أحيانا، في النظام المدرسي إلا انطلاقا من هذا القانون البسيط: وهو أن الكفاءة التي لا سوق لـها تصبح بدون قيمة، أو إن شئنا الدقة، تكف عن أن تكون رأسمالا لغويا وتتحول إلى مجرد كفاءة بمعناها اللغوي الخالص.
لذلك فإن الرأسمال لا يتحدد بما هو كذلك ولا يعمل بما هو كذلك ولا يحقق الأرباح إلا في سوق معينة. والآن، يتعين علي أن أتحدث بشيء من الدقة عن مدلول السوق وأن أحاول وصف العلاقات الموضوعية التي تمنح لـهذه السوق بنيتها. ما هي السوق؟ إن هناك منتجين فرديين (التصور الحدِّي للسوق) يعرضون منتوجاتـهم، وهناك الأحكام التي يصدرها آخرون وينتج عنها سعر السوق. هذه النظرية الليبيرالية للسـوق غير صحيحة بالنسبة للسوق اللغوية أو لسوق السلع الاقتصادية. ولئن كانت توجد في السوق الاقتصادية احتكارات وعلاقات قوة موضوعية تخلق في البداية تفاوتات بين المنتجين والمنتوجات، فإن نفس الأمر ينطبق على السوق اللغوية. إذ لـهذه الأخيرة قوانين تحْكُمُ تَشَكُّلَ الأسعار وتخلق تمايزات بين مختلف منتجي السلع اللغوية والأقوال. كما أن علاقات القوة، التي تسود في السوق اللغوية وتخول لبعض المنتجين وبعض المنتوجات امتيازات منذ البداية، تقتضي أن تكون تلك السوق موحدة نسبيا. القوا نظرة على النـص المقتطف من إحدى اليوميات البيارنية والذي نشرته في المقال المعنون: "وهم الشيوعية اللغوية"، وستجدون في بعض الجمل وصفا لنسق علاقات القوة اللغوية. تقول اليوميات بخصوص عمدة بُو Pau الذي يتوجه إلى الجمهور باللغة البيارنية أثناء حفل تكريم شاعر بيارني: "إن هذه الرعاية تؤثر في الحاضرين". ويتكون الحضور من أفراد يتكلمون البيارنية كلغة أولى، ولذلك "تأثروا" بكون عمدة بيارني يحدثهم بالبيارنية. لقد تأثروا بالرعاية التي تعتبر شكلا من أشكال التنازل، ولكي يكون هناك تنازل، يجب أن تكون هناك مسافة موضوعية: فالتنازل هو الاستعمال الديماغوجي لعلاقة قوة موضوعية مادام المتنازل يستخدم تلك العلاقة من أجل إنكارها؛ لكنه يستغل هذه العلاقة أثناء إنكاره لـها (كالشخص الذي يقال عنه "بسيطا"). إنـها حالات تسمح فيها علاقة التفاعل داخل جماعة صغيرة بأن تظهر فجأة علاقات قوة مفارقة. فما يجري بين العمدة البيارني والبيارنيين لا يمكن إرجاعه إلى ما يجري في عملية التفاعل بينهم. فلئن كان ممكنـا أن يبدو العمدة للبيارنيين كشخص يعبر عن اهتمامه بـهم، فذلك يرجع إلى كونه يلعب بالعلاقة الموضوعية القائمة بين اللغتين الفرنسية والبيارنية. لم يكن للكلام بالبيارنية أن ينتج هذا المفعول "المؤثر" لو لم تكن الفرنسية هي اللغة السائدة، ولو لم تكن توجد سوق لغـوية موحدة، ولو لم تكن الفرنسية هي اللغة المشروعة، أي اللغة التي يجب استعمالها في الوضعيات المشروعة، أي في الوضعيات الرسمية كالجيش ومكاتب الشرطة ومجال الضريبـة والمدرسة والخطابات… إنني أقصد بعلاقات القوة اللغوية العلاقات المفارقة للوضعية (أو المتعالية عليها)، ولا يمكن اختزال هذه العلاقات في علاقات التفاعل كما نمسك بـها في الوضعية. إن هذا التمييز مهم جدا نظرا لأن الكلام على الوضعية يؤدي إلى الاعتقاد بأن الاجتماعي أعيد إقحامه نظرا لأن التفاعل أقحم من جديد. يصبح الوصف التفاعلي للعلاقات الاجتماعية، الذي لا يخلو من أهمية، خطيرا جدا إن نحـن نسينا أن علاقات التفاعل ليست إمبراطورية داخل إمبراطورية، وكذا إن نسينا أن ما يجري بين شخصين (بين سيدة وخادمتها، أو بين زميلين، أو بين زميل يتكلم الفرنسية وآخر يتكلم الألمانية)، يبقى دوما خاضعا للعلاقة الموضوعية الموجودة بين اللغات التي يتكلمان بـها، أي الموجودة بين الجماعات التي تتكلم تلك اللغات. عندما يتحدث سويسري ناطق بالألمانية مع سويسري ناطق بالفرنسية، فإن السويسرية الألمانية والسويسرية الفرنسية هما اللتان تتحدثان. لكن يجب أن نعود هنا إلى الحكاية الصغيرة التي سلف ذكرها : لم يكن للعمدة البيارني أن ينتج مفعول التنازل لو لم يكن مبرزا. ولو لم يكن مبرزا لكانت لغته البيارنية لغة فلاحية، وبالتالي لا قيمة لـها، ولو لم يُخَاطَب هؤلاء الفلاحون بـهذه "البيارنية ذات المنزلة الرفيعة" لكان انشغالهم ينصب فقط على الكلام بالفرنسية. لذلك يتم إنعاش البيارنية ذات المنزلة الرفيعة في اللحظة التي يميل الفلاحون أكثر فأكثر إلى التخلي عنها لصالح الفرنسية. يجب أن نتساءل عمن له فائدة في إنعاش البيارنية في الوقت الذي يشعر الفلاحون أنـهم مجبرون على مخاطبة أبنائهم بالفرنسية حتى ينجحوا في دراستهم.
إن الفلاح الذي يقول إنه " لا يعرف كيف يتكلم" لكي يبرهن على أنه لم يكن ليفكر في أن يصبح عمدة القرية حتى وإن كان سيحصل على أكبر عدد من الأصوات، إن هذا الفلاح يحمل عن الكفاءة المشروعة تعريفا واقعيا وسوسيولوجيا جدا: فالتعريف السائد للكفاءة المشروعة يمارس السيادة لأن كفاءته الواقعية غير مشروعة. (يجب الانطلاق من هنا بغية تحليل ظاهرة الناطق بلسان الحال، وهي ظاهرة مهمة بالنسبة لمن يتكلمون عن اللغة والكلام). إن ممارسة الرأسمال والهيمنة لمفاعيلهما مشروطة بضرورة أن يكون السوق اللغوية موحدة نسبيا، أي أن تكون كل المتكلمين خاضعين لنفس القانون الذي يتحكم في تشكل أسعار المنتوجات اللغوية؛ ويعني ذلك على المستوى الملموس أن آخـر فلاح بيارني، سواء كان على بينة من ذلك أم لا (وفي الواقع، إنه على بينة من ذلك مادام يقـول إنه لا يعرف كيف يتكلم)، يُقاس موضوعيا بمعيار اللغة الفرنسية الباريسية الموحدة. وحتى إذا افترضنا أن هذا الفلاح لم يسبق له أن استمع إلى "الفرنسية الباريسية الموحدة" (والحال أنه يستمع إليها أكثر فأكثر "بفضل" التلفزيون) وأنه لم يزر باريس أبـدا، فإنه يكون خاضعا لسيطرة المتكلم الباريسي ويقيم معه علاقة موضوعية في كل وضعيات التفاعل، كمكتب الشرطة أو المدرسة، إلخ… أقصد بتوحيد السوق أو بعلاقات الهيمنة اللغوية ما يلي: تٌمَارَسٌ في السوق اللغوية أشكال من الهيمنة لـها منطقها الخاص؛ وككل سوق للسلع الرمزية، توجد في السوق اللغوية أشكال نوعية للهيمنة لا يمكن اختزالـها إلى الهيمنة الاقتصادية ولا إلى طرق ممارستها ولا إلى الفوائد التي تجنيها فقط.
إن أحد نتائج هذا التحليل يتعلق بوضعية البحث نفسها التي تعتبر، من حيث هي علاقة تفاعل، أحد الأماكن التي تظهر فيها علاقات القوة اللغوية والثقافية والهيمنة الثقافية. لا يمكن للباحث أن يحلم بوضعية بحث "خالصة" من كل مفعول للهيمنة (كما يعتقد أحيانا بعض علماء اللسانيات الاجتماعية). ولكي لا يتخذ الباحث من الوقائع المصطنعة أحداثا واقعية، يجب عليه أن يقحم في تحليله لـ"المعطيات" تحليل الحتميات الاجتماعية للوضعية التي أنتجت فيها تلك المعطيات، وكذا تحليل السوق اللغوية التي تكونت فيها الأحداث المدروسة.
أجريت قبل خمسة عشر سنة بحثا حول اختيارات الناس، أي حول الأذواق بمعناها الواسع، سواء تعلق الأمر بالطعام أو الموسيقى أو الرسم أو اللباس أو الشريك الجنسي أو غير ذلك. وجمعت مجمل المادة الخام عبر التفاعل اللفظي، وتوصلت بعد سلسلة من التحاليل إلى التساؤل حول الثقل النسبي الذي يمارسه كل من الرأسمال الثقافي المقاس بالشهادة المدرسية والأصل الاجتماعي في تحديد الاختيارات، وتساءلت أيضـا عن الكيفية التي يتغير بـها الثقل النسبي لكل من هذين العاملين تبعا لمختلف مجالات الممارسـة ـ وبدا لي مثلا أن الأذواق في مجال السينما أكثر ارتباطا بالأصل الاجتماعـي، بينما ترتبط الأذواق في مجال المسرح بالتكوين المدرسي ـ كان بإمكاني أن أستمر في قياس معاملات الارتباط لو لم يدفعني التنقيح المنهجي المفرط إلى مساءلة الوضعية التي جمعت فيها المعطيات. أليس أهم متغيرة تفسيرية هي مفعول المميزات الخاصة بوضعية البحث، وهو مفعول يوجد خلف المعطيات نفسها ؟ لقد كنت واعيا منذ بداية البحث بأن مفعول المشروعية، الذي يلعب دورا كبيرا في مجال اللغة أيضا، كان يجعل أعضاء الطبقـات الشعبية المستجوبين يميلون في وضعية البحث، عن وعي منهم أو عن غير وعي، إلى اختيار ما كان يبدو لهم أنه يتطابق أكبر مع الصورة التي يحملونـها عن الثقافة السائدة، بحيث أنني شعرت بأنـهم لا يختارون ما يحبونه بالفعل. إن أهمية لابوف Labov تكمن في إلحاحه على أن وضعية البحث هي إحدى المتغيرات التي يجب على التحليل اللساني الاجتماعي الصارم أن يغيرها. إن الأصالة التي تميز دراسته للغة الهارليم ترتكز في جزء كبير منها على أنه أخذ في حسبانه مفعول علاقة البحث حتى يرى ما سيحصل عليه الباحث عند ما لا يكون شخصا أبيض ينطق بالانجليزية وإنما عضو من مَنْبَذٍ Ghetto يتكلم مع عضو من منبذ آخر. فإذا ما غير الباحث وضعية البحث، سيلا حظ أنه كلما خفف من حدة توتر المراقبة أو كلما ابتعد عن قطاعات الثقافة الخاضعة لمراقبة شديدة، كلما كان الإنجاز أكثر ارتباطا بالأصل الاجتماعي. وكلما تشددت الرقابة، كلما كان الإنجاز أكثـر ارتباطا بالرأسمال المدرسي. وبصيغة أخرى، لا يمكن لمشكل الثقل النسبي لكـل من العاملين أن يجد حله في المطلق، أي بالإحالة إلى نوع من الوضعية الثابتة ؛ إذ لا يمكن حله إلا بإقحام متغيرة أخرى يجب ربطها بالمتغيرتين : وهـذه المتغيرة هي طبيعة السوق التي ستعرض فيها المنتوجات اللغوية والثقافية. (غالبا ما تدرك الابستمولوجيا كنوع من الخطاب الواصف المتعالي على الممارسة العلمية؛ وأنا أراها كنوع من التفكير الذي يغير الممارسة تغييرا واقعيا ويؤدي إلى تجنب الأخطاء وإلى عدم قياس فعالية عامل معين وإغفال عامل العوامل، وهو الوضعية التي تخضع فيها العوامل للقياس. يقول سوسير: يجـب على عالم اللغة أن يعرف ما يفعل؛ والابستمولوجيا هي العمل على معرفة ما نفعل).
إن ما يسجله البحث الثقافي أو اللغوي ليس تجليا مباشرا للكفاءة، وإنما هو نتاج معقد لعلاقة قائمة بين كفاءة وسوق معينة، نتاج لا يوجد خارج تلك العلاقة؛ إنه كفاءة في وضعية، كفـاءة من أجل سوق خاصة (يميل عالم اللسانيات الاجتماعي غالبا إلى نسيان مفاعيل السوق نظرا لأنه جمع معطياته في وضعية ثابتة). تتمثل الوسيلة الوحيدة الكفيلة بمراقبة العلاقة في تغييرها عبر تغيير وضعيات السوق، وليس في تفضيل وضعية سوق معينة على وضعيات أخرى (كما فعل لابوف مثلا عندما فضل خطاب أسود من هارليم على خطابات سود آخرين من هارليم) أو في البحث عن حقيقة اللغة -كاللغة الشعبية الأصلية- في الخطاب الذي أنتج في تلك الشروط.
إن مفاعيل الهيمنة وعلاقات القوة الموضوعية الخاصة بالسوق اللغوية تمارس في كل الوضعيات اللغوية: عندما يدخل أحد البورجوازيين الريفيين في علاقة مع أحد الباريسيين فإنه "يفقد قدراته" وينهار رأسماله. لقد اكتشف لابوف أن ما يمسك به الباحث في عملية البحث تحت اسم اللغة الشعبية ليس سوى اللغة الشعبية كما تبدو في وضعيـة سوق تسودها القيم السائدة، أي ليست إلا لغة معطلة. تعتبر الوضعيات التي تمارس فيها علاقات الهيمنة اللغوية، أي الوضعيات الرسمية، بمثابة وضعيات تكون فيها العلاقات القائمة في الواقع، أي التفاعلات، مطابقة تماما للقوانين الموضوعية للسوق. لنعد إلى الفلاح القائل: لا أعرف كيف أتكلم؛ فهو يقصد أنه لا يعرف أن يتحدث كما يجب الكلام في الوضعيات الرسمية؛ ويقصد أنه لو أصبح عمدة لكان شخصية رسمية مطلوبا منها صياغـة خطابات رسمية، أي خاضعة للقوانين الرسمية الخاصة بالفرنسية الرسمية. إنه لا يعرف كيف يتحدث لأنه غير قادر على أن يتحدث كما يتحدث جيسكار دي ستانغ. إذن، فكلما زادت درجة السمة الرسمية للوضعية كلما حظي المتكلم بمزيد من الترخيـص. ويتعين على المتكلم أن يكون متوفرا على شهادات مدرسية ونطق جيد، وبالتالي من المفروض أن يكون مولودا في المجال الذي يخول له كل ذلك. وكلما اقتربت الوضعية من الرسمية أكثر كلما كانت القوانين التي تتحكم في تشكل أسعارها أكثر عمومية. وعلى العكس من ذلك، إذا قيل إن هناك هامشا للحرية اللغوية، يمكن للبعض أن يلجأ إليه كما يلجأ إلى الحانة الشعبية؛ يقال: سنخلق جزيرات حرة ومستقلة عن القوانين اللغوية التي مازالت سائدة، الجميع يعرف ذلك، لكننا في حاجة إلى ترخيص. يمكن للمرء أن يكون لديه كلامه الحر ويمكن له أن يستعمله بلا تردد وأن يتكلمه كما يشاء. فعندما يتم تعليق قوانين السوق، يصبح الكلام الحر بمثابة كلام شعبي في وضعية شعبية. لكن من الخطأ القول بأن اللغة الشعبية الحقيقية هي الكلام الحر. تتمثل حقيقة الكفاءة الشعبية أيضا فيما يلي: عندما تواجه هذه الكفاءة سوقا رسمية، فإنـها تصاب بالعطالة، وعندما تكون مستعملة في ميدانـها فإنـها تصبح كلاما حرا. من الأهمية بمكان أن نعرف كون الكلام الحر يوجد بالفعل، لكن كجُزَيْرةٍ مفصولة عن قوانين السوق، جزيرة يبنيها المرء عندما يمنح لنفسه حصانة وإعفاء معينا. تُمَارَس مفاعيل السـوق باستمرار، بما في ذلك على الطبقات الشعبية المفروض أنـها خاضعة دوما لقوانين السوق. إن هذا ما أطلق عليه لفظ المشروعية: فعندما أتحدث على المشروعية اللغوية، فإني أقصد التذكير بأنه لا أحد يعذر بجهله للقانون اللغوي. وأنا لا أقصد بذلك أن أعضاء الطبقات الشعبية يعترفون بحسن أسلوب جيسكار. وإنما أقصد أنـهم سيفقدون توازنـهم إذا ما وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع جيسكار، وستصاب لغتهم بالعجز وسيلتزمون الصمت، هذا الصمت الذي يعتبر بمثابة تعبير عن الاحترام. إن قوانين السوق تمارس مفعولا مهما جدا، وهو مفعول الرقابة، على من لا يستطيعون الكلام إلا في وضعية الكلام الحر والمحكوم عليهم بالتزام الصمت في الوضعيات الرسمية التي توجد فيهـا رهانات سياسية وثقافية واجتماعية مهمة. (إن السوق الزواجية مثلا مجال يلعب فيه الرأسمال اللغوي دورا محددا: أعتقد أن ذلك الرأسمال يعتبر إحدى الوساطات التي يتحقـق عبرها الزواج الطبقي المتجانس). فمفعول السوق الذي يمارس رقابة على الكـلام الحر حالة خاصة من حالات مفعول الرقابة العامة التي تؤدي إلى التلميح : إن لكل حقل متخصص (الحقل الفلسفي والحقل الديني والحقل الأدبي…) قوانينه الخاصة ويميل إلى ممارسة الرقابة على الأقوال التي لا تمتثل لتلك القوانين.
يبدو لي أن العلاقات باللغة أقرب إلى العلاقات بالجسد. وحتى لا نطيل كثيرا، يمكن تقديم المثال التالي: إن العلاقة البورجوازية بالجسد أو باللغة هي علاقة اليسر الخاصـة بمن يوجدون في بيئتهم وتلعب قوانين السوق لصالحهم. إن تجربة اليسر تجربة شبه إلهية. فأن يشعر المرء بأنه على ما يرام، معناه أنه يعيش تجربة مغفرة، وهذا ما يُطْلَب من الدين أن يقوم به. إن إحساس المرء بأنه يعيش كما يجب أن يكون العيش هو واحد من أقصى الفوائد التي يحصل عليها السائدون. أما علاقة البورجوازي الصغير بجسده وبلغته، فإنـها علاقة خجل وتوتر وتنقيح مفرط ؛ فالبورجوازي الصغير، إما أنه يفرط في الخجل والتوتر والتنقيح وإما أنه يغفل ذلك تماما، ولذلك فإنـهم لا يعيشون حياة مستقرةn

الخميس، 18 ديسمبر، 2014

الكتاب المدرسي بين الإيجابيات والسلبيات

الكتاب المدرسي بين الإيجابيات والسلبيات

  مصطفى بغداد 

مجلة دعوة الحق - وزارة الاوقاف 
238 العدد
ينبغي في البداية أن نؤكد على قيمة الكتاب في كونه مصدر تثقيف وتوجيه وإرشاد وتوعية، ولدينا من الأمثلة على ذلك ما لا يعد ولا يحصى، فالكتب المتعددة التي غيرت مجرى المجتمعات والشعوب والأمم قد طبعت التاريخ بطابعها الخاص ورسمت في حقبه وأزمننته علاماتها وأهدافها المتوخاة، ومن هنا كان القرآن الكريم كتابا كان منطقه الأساسي القراءة، واستطاع بشموليته وأبعاده أن يرسخ القيم والمثل العليان كما كانت الكثير من الكتب في تصورها المحكم والدقيق ذات أبعاد ثقافية وسياسية واجتماعية وتربوية، ولذلك لا ينكر أحد الإعجاب والملازمة والمصافاة التي أولاها الإنسان للكتاب، وقد صدق المتنبي ما اعتبره خير جليس:
أعز مكان في الدنى ظهر سابح
وخير جليس في الزمان كتاب
وقد أثنى عليه الجاحظ خيرا، ذلك أنه نعم الدخر والدخيرة، وبفضل الكتاب استطاع الكثير من الوراقين والأميين والمتعلمين أن يصلوا إلى مراتب عليا في مجالات مختلفة، والأمثلة هنا كذلك متعددة ومختلفة.
انطلاقا من هذه المقدمة يكون الكتاب المدرسي حاملا رسالة مبادؤها التعليم والتربية والتثقيف والتوجيه وتهذيب الوجدان، وشحذ الهمم والقدرات. وما إلى ذلك من الأمور التي أنيطت بالكتاب المدرسي، وتناط به في مختلف المراحل وعلى جميع المستويات، ويبدو أن مهمة الكتاب المدرسي الآن قد غدت أكثر إلحاحا و طرحا، خصوصا في زمان كثرت فيه مشاكل الاستيلاب والتأثيرات المختلفة، وعصفت بكل المتعلمين ريح المادة مبعدة إياهم عن شفافية الروح وصدقها وتطلعاتها وعبثت بهم أيدي الإثم والانحرافات والشذوذ والهيمنة الإستعمارية يغزوها الثقافي والفكري، كما أن الكتاب المدرسي يدخل الآن في صراعات المنافسة، إذ لا يخفى ما حملته الثورة التكنولوجية والإعلامية من مظاهر وعلامات وصور أثرت في مختلف الأوساط ومن بينهم بالطبع المتعاملين مع الكتاب المدرسي، وحتى إذا لم تستطع التأثير بصفة تامة فقد ألهتهم وشغلتهم عنه، ومن هنا يكون الكتاب المدرسي مطالبا بتحديد شكله ولونه، بطرح مادته بقالب أو قوالب جديدة تناسب ومن الرؤية وتجعله بالتالي يفرض وجوده ومكانته وسط هذه التيارات المختلفة.
أكيد أن المربين والمرشدين التربويين والمدرسين قد طالبوا بكتاب مدرسي يتجاوب مع ما تقتضيه حاجيات العصر وملابساته، ومن هنا لا بد من طرح التساؤلات التالية للإحاطة بالموضوع. ماهي الوضعية الحالية للكتاب المدرسي؟ ما هي وجهات نظر النظريات التربوية في هذا الباب؟ كيف ناقش المهتمون ظروف ومشاكل الكتاب المدرسي؟ وكيف حددوا آفاقه و طموحاته؟
وتجدر الإشارة إلى أن التربية التقليدية اعتمدت في أساسها على كسب المعارف والمعلومات وذلك بالحفظ والإستظهار، وأن المعلم في نظر التربية التقليدية هو الذي يعي في صدره علوما مختلفة، ومن هنا كان الكتاب المدرسي إطارها ووسيلته وأداتها، غير أن التربية الحديثة ترى في ذلك نقصا وانحسارا وتقلصا في العملية التربية، ويمكن هنا أن نشير إلى قولة رايلي: عليكم بقراءة في جيل في المروج الخضراء ووسط الغابات، كما يمكن الإستفادة في هذا المعنى من قولة روسو: إن فلسفتنا هي أعيننا وأيدينا وأرجلنا. ويمكن كذلك الرجوع إلى مختلف الطرق التربية، طريقة ذكرولمي أو طريقة مراكز الإهتمام كما يطلق عليها، وطريقة المشروع، وغيرها من الطرق التي تومن أساسا بقدرات المتعلم وبسعي العملية التربوية على بلورتها وإذكائها، ومن هنا كانت التربية عموما تعمل في سبيل تفتح هذه القابليات ونموها، ومن هؤلاء فرويد الذي أسمى مدرسته بالروض إشارة إلى إيمانه بالترويض. وإضافة إلى ذلك تومن النظريات الجديدة بشتى الوسائل في العملية التربوية، وتعتبر الكتاب المدرسي جزءا منها، ومن هنا كانت التكنولوجيا التربوية تهدف إلى إثبات هذه الوسائل التي انبقت عن ثورة التواصل والتي يمكن استعمالها لأغراض تعليمية بالإضافة إلى المعلم والكتب المدرسي واللوح الأسود، وهناك من المربين من ينفي كل ذلك ويعتبر العنصر الأساسي في التربية هو المعلم، لا الكتاب ولا المناهج ولا النظم والقوانين، ذلك أن لب التربية هو اتصال عقل بعقل وشخصية بشخصية، وإزاء ذلك يبقى الكتاب المدرسي بعيدا عن تلك الثقة التي توليها إياه التربية التقليدية.
وقد طرحت ندوات تربوية متعددة مشكلة الكتاب المدرسي، ويكفي أن نشير إلى ندوة الجمعية الوطنية لمدرسي اللغة العربية بالمدرسة العليا للأساتذة بتاريخ 16-17-18 من مارس 1977. وقد استهدفت العروض جميعها والمناقشات غرضا أساسيا وهو تطوير البرامج والمناهج وتطوير الكتاب المدرسي على ضوء التطور الثقافي في مجالي علوم اللغة والعلوم الإنسانية بوجه عام، كما أكد الباحثون على ضرورة إعادة النظر في هذه الكتب، لأن الوقت المخصص لها قد استنفذ، زيادة على أنها وقعت في أخطاء منهجية نتيجة السرعة في الإنجاز وعدم التنسيق الكافي بين المؤلفين كما يؤكد على ذلك مصطفى بومنديل في مجلة الرسالة التربوية - أبريل 1977.
ويرى الأستاذ عبد الله بناني في نفس الندوة ومن خلال عرضه: الجوانب التربوية للكتاب المدرسي، أن القيمة التربوية للكتاب المدرسي تبقى متوقفة على الأستاذ والتلميذ في طريقة استغلال الكتب وتحليلها ومناقشتها، وأن الأستاذ إذا تعامل مع الكتاب تعاملا ذكيا وطعم مادته بالمناقشة الهادفة وأرشد تلامذته إلى طريقة الإستفادة فهو سيغني لا محالة الجوانب التربوية، وبغض النظر عن مساوئ هذه الكتب فإن قيمتها متجلية في طريقة استخدامها والتعامل معها، ومهما يقال عنها فإنها ستبقى وسيلة هامة في العملية التعليمية، وأن الكتب الجديدة - في رأيه - قد تطورت من كتاب سيء الطباعة جاف إلى كتاب بديع وجيد، ولذلك يقترح تغيير هذه الكتب كل سنتين للخروج من أزمة الكتاب المدرسي.
وقد ناقش الأستاذ عبد الرحيم حمدات تدريس اللغة نتيجة صعوبة ملاحظا نفور التلاميذ من مادة اللغة العربية نتيجة صعوبة نصوصها وبعدها عن ظروف وبيئة المتعلمين، وقد أكد على ضرورة تحديد برنامج دقيق في التأليف مستفيدا من النصوص الثقافية و الأدبية.
وقد ارتأيت أن أعود إلى هذه الملاحظات نظرا لأنها تطرح مشاكل الكتاب المدرسي بالفعل، ورغم أنها آراء قد أفرزتها السنة التربوية المشار إليها سابقا فهي آراء لازالت تطرح في كل ندوة تربوية وتعليمية، فجل الكتب المدرسية لازالت جافة ومنفرة بشكلها ومضمونها ورغم أنها ترجع إلى سنوات فهي لازالت تستعمل وتوجه في المقررات الدراسية، ولدينا الدليل القاطع هو كتاب النصوص الفنية الذي ظهر سنة 71 للشعب العلمية والذي يعتبر إهانة في جبين اللغة، وقد أبدى الأساتذة والمتعلمون استياءهم وعبروا عن رفضهم لهذا الكتاب الذي لا يلبي طموح الراغب في تحصيل المعارف والمعلومات وفي تذوق النصوص واستعابها.
ويبدوا أن هذه الملاحظات تجعلنا نقف عند مجموعة من الآراء التي ستغني بالطبع موضوع الكتاب المدرسي، يرى الأستاذ محمد السعيدي في دراسة الكتاب المدرسي وطريقة الاستفادة منه - الرسالة التربوية، يناير 1982 -  يرى أن دنيا التربية والتعليم قد عرفت مدارس شتى تتقارب أو تتباعد في الوسائل والأهداف، ولكنها تتفق جميعا على أن الحواس الطفل أقرب الطرق إلى عقله، وإنها يجب أن تكون سفر الحياة القيم الضخم أنفس كتاب يوضع بين يديه، وأن خير تعلم ما جاء نتيجة للتجربة الشخصية و للمارسة و الإحتكاك، وحتى اللغة لا يجوز أت تعلم عن طريق استظهار القواعد، وحفظ النصوص، بل يمتصها الطفل من البيئة وبواسطة التخاطب والتعامل كلما كان ذلك ممكنا... ويلاحظ الأستاذ السعيدي أن الرغبة في اجتياز الإمتحانات بنجاح هي المحرك الرئيسي لكل من الأستاذ والتلميذ وهي الإمتحانات بنجاح هي المحرك الرئيسي لكل من الأستاذ والتلميذ وهي امتحانات لا تهتم بنمو الملكات وتفتح المواهب والقابليات، بقدر ما تعنى بالإتزان والاستيعاب والحفظ والتحصيل، وأقوى التلاميذ ذاكرة أوفرهم حظا في النجاح، وفي وضع كهذا يكون الكتاب عموما والكتاب المدرسي على الخصوص المزود الرئيسي للمرشحين، ثم أن هناك مواد لا تستغني عن الكتاب - أحب اخصوم الكتب أم كرهوا - كالمطالعة والتاريخ والنصوص الأدبية والتربية الإسلامية.
وإذا كان ما يقوله الأستاذ السعيدي صحيحا فإن ضرورة الوقوف عند نوعية هذه الكتب التي أشار إليها أمر حتمي، فهل كتب المطالعة تستجيب لتلك الرغبة في التفتح وشحذ العزائم واستمالة العقول والقلوب إلى المثابرة والإستمرار في المطالعة والقراءة؟ وهل كتب التاريخ بما تزخر به من سرد وحشو ومغالاة وما إلى ذلك قادرة أن تقرب هذه المادة من الأذهان وتجعل المهتمين بها يحبونهاويتملون بمزاياها و فضائلها؟ وهل كتب النصوص قادرة على ترتيب نصوص جيدة ومتنوعة دون ملل ولا فوضى لتجعل المتعاملين معها يتذوقونها ويستمتعون بذررها الغالية وصورها الجميلة وقضاياها الفكرية والبلاغية؟ وهل تستطيع الآن كتب التربية الإسلامية أن تجلو هذه السحب المحملة بالفكر العلماني وطغيان المادة والاستيلاب وأن تجعل النشء قادرا على التمييز وتبث فيه في ذات الوقت روح الإبتكار والخلق والإبداع والقدرة على تحمل المسؤولية وتقديرها؟.
الواقع أن جل هذه الكتب لم تنج من أخطاء في المنهج والترتيب وتحديد الهدف والرؤيا. وحكمنا عليها الآن لن يكون بعيدا عن الإعتبار الأساسي لاطراد العلوم والمعارف الإنسانية والمتغيرات اليومية كما يقول تقرير ادجار فور الذي أعده لبيونسكو، بدليل أن هذه الكتب قد طال أمدها، وبدليل أن قضاياها وإن كانت صالحة، فهي تفتقر إلى الأسس التربوية والنفسية للمتعلمين ومراعاة ظروفهم الإجتماعية والبيئية والحاضر الذي يعيشونه بكل أبعاده وملابساته، وبدليل أن جل هذه الكتب لا تراعي الضبط اللغوي والنحوي، فالأخطاء متعددة، والحوار بين هذه الكتب والمستفيد منها يكاد يكون منعدما لما فيها من التعقيد والغموض أحيانا والركاكة والابتذال أحايين أخرى.
ولعل الأستاذ السعيدي كان صادقا عند ما تحدث عن مواصفات الكتاب المدرسي الأجنبي الذي يقول عنه أنه استفاد من الإنتقادات التي وجهت إليه والسلبيات التي أحصيت عليه، وكيف نفسه مع ما ينادي به كبار رجال التربية، فلم يعد مجرد مستودع لطائفة من المعلومات الجاهزة المتراكمة، كما لم يعد يختلف عن الكتب العامة في الحجم فقط، ورفض أن يكون مجرد تنحيص أو اختصار لما في الموسوعات والمطولات، وتطورت لغته، فجانبت الغموض والتعقيد، واتسم أسلوبه بالعذوبة والسلاسة والإشراق، وأضحى عاملا مساعدا على استقامة تعبير التلميذ والرفع من مستوى إنشائه، ولم يكتف بالحقائق يشرحها شرحا شفويا يبقيها في نطاق التجريد والعموم، وإنما عزز ذلك بالصور الملونة الزاهية والخرائط الموضحة الكاشفة والرسوم البيانية المعبرة.
هذا هو الكتاب المدرسي عند الأجانب، وشتان بين هذا وذاك، فكل الندوات واللقاءات التربوية والتعليمية وكل الدراسات والأبحاث تثبت بشكل جلي وواضح ما تتعرض له اللغة العربية من التحريف والتشويه وما يلحقها من التقصير والقصور بالرغم من أن حافظ إبراهيم يقول على لسانها:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن 
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
بالرغم من أن هذه اللغة ذات جذور حضارية وتاريخية عميقة بوأتها المكانة المرموقة عبر الحقب التاريخية واستطاعت أن تكون وعاء للفكر الإنساني تحفظه من الزوال والتلف والضياع، بالرغم من ذلك فإنها في كتب الإجتماعيات والفلسفة والرياضيات وحتى في كتب اللغة نفسها تبدو ركيكة وجافة ومعقدة تسعى فقط إلى إثبات قواعد ونتائج دون أن تكون هذه اللغة منسقة وملائمة ومعبرة عن خفايا وخبايا هذه القواعد نفسها من خلال نصوص ومختارات موحية ومشبعة بقضايا إنسانية.
وتبعا لذلك تلهث هذه الكتب وراء تحقيق هذه البغية دون مراعاة القضايا تربوية مهمة والتي تتمثل أساسا في صرف المتعلم عن القاعدة الأساسية وذلك بوقوفه وتساؤلاته عن الأخطاء الواردة في ثنايا هذه الكتب، ذلك أن اللغة أداة مهمة ووسيلة لا غنى عنها.
وبالنسبة لكتب النصوص الأدبية فإن الأمر يدعو إلى التأكيد على أن جلها يتسم برداءة اختيار خصومها وعدم انسجامها وتكافؤها، والتكرار الذي يعمها خصوصا كتب المطالعة والنصوص الأدبية، السنة الرابعة والخامسة والسادسة، وكذا الإكتضاض وتزاحم العصور الأدبية وتتابعها كما هو الشأن بالنسبة لكتاب النصوص الأدبية السنة الخامسة.
أما كتب التربية الإسلامية فقد سبق لندوة الأيام الدراسية للتربية الإسلامية - دجنبر 1979-أن برزت كل مشاكل المادة نفسها ومن ضمنها كتاب التربية الإسلامية، يقول الأستاذ محمد السعيدي: لقد عانت التربية الإسلامية ما لم تعانيه مادة أخرى من البخس والعبن و التحامل، منهاجا ومنهجية و تقديرا، فلم تكن تتعدى حصصها خمس عشر حصة في السنة الدراسية كلها وهي حصة لا تسمن ولا تغني من جوع، وأما المنهاج فخليط من الموضوعات التاريخية والحضارية والفقهية، ويلاحظ الأستاذ السعيدي أن الموضوعات الفقهية أبعد ما تكون عن أن تلقى الصدى المطلوب في نفس الدارسين لأنها لا تطرح القضايا التي يعيشونها ولا تثير المشاكل التي يودون رأي الإسلام فيها، وكانت المنهجية تقريرية مملة يحل فيها أسلوب الإرشاد والوعظ محل الحوار والإقتناع. مجلة الرسالة التربوية يناير 82.
يضاف إلى ما قاله الأستاذ السعيدي أن هذه المادة تسند إلى أساتذة غير متخصصين فيها مما ينتج عنه الملل التام لدى التلاميذ ويسبب لديهم نفورا واشمئزازا، ذلك أن تعامل الأستاذ هنا مع المادة يكون تعاملا سرديا وتقريريا معتمدا بالدرجة الأولى على الكتاب المدرسي الذي لا يخلو من هيئات وأخطاء منهجية من خلال تداخل مواده وموضوعاته، وسرد مباشر للآيات والأحاديث دون ربطها بالواقع والحياة اليومية، ومما يزيد في الطين بلة أن المادة لا تعتبر مادة أساسية في الاختبارات والإمتحانات مما يجعلها مادة لتزجية الوقت، وهذا قد أكدت عليه ندوة التربية الإسلامية وتؤكد عليه المجالس التعليمية، الشيء الذي يجب أخذه بعين الإعتبار لتصبح هذه المادة في مستوى ما هو مطلوب منها في أداء رسالتها الإنسانية والدينية والإجتماعية ولتغرس في النشء حب الخير والمكرمات والأخلاق الفاضلة، وتربي في النفوس العز والكرامة والسمو خصوصا والأجيال تمر بمراحل جد صعبة وشاقة، ومن هنا يكون الكتاب المدرسي مطالبا هو الآخر وبإلحاح مسايرة ومواكبة هذه القضايا بالحجة والدليل والحوار البناء المفيد. ولا نشك هنا في أن مجهودات بذلت في هذا المجال ولكنها مجهودات لازالت تحتاج إلى مزيد من الحوار والتحاور، لأن الأمر يتعلق بمادة تواجه وتجابه يوميا تيارات وأفكار مادية غربية وإعادة النظر من جديد في كتب هذه المادة وغيرها أمر حتمي وضروري إذا أردنا أن نحقق الأهداف المتوخاة من العملية التربوية والتعليمية.
ولعل الخطورة التي تحيط بمادة التربية الإسلامية وكتبها هي نفس الخطورة التي تحيط بمواد أخرى وكتبها مع تفاوت في نوعية هذه الخطورة نفسها، وقد سبق لي أن أثرت هذا الموضوع في برنامج: في رحاب الجامعة الذي كنت أعده للإذاعة، وذلك خلال ندوات مع أساتذة مختصين، حول كل مادة، وتبين من خلال التدخلات أن كتب مواد الإنجليزية والإسبانية والألمانية وحتى الفرنسية وبعض كتب الإجتماعيات لا تخلو من أخطاء ليس في المنهجية والموضوعات واللغة فقط ولكنها كتب تركز أساسا على موضوعات لا تمت بصلة للواقع المغربي والعربي والإسلامي وأنها تسبح في عوالم أخرى مما يحدث عند المتعلم استيلابا واضحا.
وقد أشار المشاركون في هذه الندوات إلى أن هناك كتبا ظهرت مؤخرا وقد حاولت أن تأخذ بعين الاعتبار الملاحظات السابقة، غير أن أمام المكلفين بإعدادها وتهييئها وفرصا أخرى لتلافي ما تبقى منها ولتهييء كتب أخرى ذات صلة وثيقة ببيئة المتعلمين وواقعهم مراعية في نفس الوقت النظريات التربوية و النفسية الحديثة وتطور اللغة والفكر والثقافات.
وكتعقيب على ما جاء في هذه الندوات فإن المسؤولين يولون حقيقة اهتماما كاملا لقضية الكتاب المدرسي نظرا لما يعرفونه عنه من تأثير بالغ الأهمية في العمليتين التربوية والتعليمية، ولذلك يوكلون أمره للجان متخصصة من المفتشين العامين ومن رجال التربية والتعليم، وقد أعطت هذه المجهودات بعض نتائجها لولا أن العمل غالبا ما يتم ببطء واضح وغالبا ما يكون التأخير هنا في غير صالح الكتاب المدرسي الذي لا يظهر في وقته مما يجعله معرضا لانتقادات من جهة، وأن الركب يفوته من جهة أخرى.
واعتقد من جهة أخرى أن الإتصالات التي تمت في بداية السنة الدراسية 83-84 بين لجان من تونس والمغرب على مستوى المفتشين العامين ومديري التعليم الثانوي لتبادل وجهات النظر والخبرات في مجال الكتب المدرسية تأليفها وبرامجها ومنهاجها، أعتقد أنها فكرة رائدة ما دامت تحث على التعريف بالكتاب التونسي من جهة، والكتاب المغربي من جهة أخرى، وما دامت تضع الثقافة التونسية والمغربية في محتواياتها، وهي فكرة ستكون أكثر نفعا وفائدة لو شملت مجالات التعاون في هذا الإطار بلدان عربية أخرى خصوصا والثقافة العربية تفترق لتتوحد في هدف واحد، والتربية العربية كذلك تسعى في شموليتها إلى نقلالإرث الحضاري والثقافي ولى تبديد غيوم المؤثرات الخارجية ومحو الأمية وإثبات الذات العربية ومقوماتها وأصالتها وتطلعاتها.
وما دمنا نتحدث عن المجهودات لا بد أن نشير إلى العناية التي أولتها وزارة التربية الوطنية للكتاب المغربي الذي ظل نسيا منسيا، وذلك بإدراجها كتبا مغربية ضمن المقررات الدراسية، فبعد " في الطفولة" لعبد المجيد بن جلون، و"دفنا الماضي" لعبد الكريم غلاب، و"مجموعة السقف" المجموعة القصصية لإبراهيم بوعلو، تدرج كتب أخرى: " كجيل الظمأ" لمحمد عزيز الحبابي، و" الهواء الجديد" لمحمد زنيبر، و " الطيبون" لربيع مبارك وغيرها، وهي بادرة طيبة ستكتمل فائدتها عند ما تدرج دواوين شعرية مغربية، وكذلك مجموعات قصصية جيدة، ومسرحيات مغربية متفوقة ودراسات نقدية هادفة، ذلك أن المستفيدين من الكتاب المدرسي سيعرفون أيضا مختلف الاتجاهات الأدبية، وسيقفون على أشكالها ومضامينها.
بعد هذا كله يحق لنا أن نتساءل عن الطرق والكيفية التي تمكن الجميع - مدرسين ومتعلمين - من الاستفادة منه؟ وبالتالي ما هو موقع الكتاب المدرسي من هذه المظاهر الحياتية الجديدة؟ وما هي سلبيات الكتاب المدرسي من الوجهة التربية و التعليمية؟ وما هي إيجابياته أيضا؟ وكيف نستطيع من خلاله تحقيق الأهداف و الطموحات؟.
الواقع أن الطرق والكيفية تكمن في كل درس بحيث يكون الكتاب المرجع الأول والأساسي على الأقل في ضبط النص، نص كل درس، ومن هنا تكون الطريقة المتبعة هي التي ينهجها كل أستاذ ويراها مفيدة ومبلغة ومودية إلى المرامي المقصودة، والنص في الكتاب المدرسي يتحول إلى درس بمراحله المتتابعة و أسئلته الذكية وإشاراته العميقة الدلالة وإحالاته التي تدفع بالمتعلمين إلى الإطلاع والتوسع والإتصال بمرجع أوسع وأشمل.
ومن هنا يكون النقص الحاصل في بعض الكتب المدرسية أنها جد محدودة 
في إيحاءاتها و تطلعاتها و إنها لا تجود إلا بما هو معروف لا يلبي رغبة المتعلمين و لا يشبع نهمهم العلمي وشغفهم بالثقافة و الفكر. ويمكن أن نعطي كنموذج لذلك دراسات المؤلفات، فمن المعروف أن المتعلم هنا لا غنى له عن الكتاب الأصلي أو المؤلف الأصلي، ولكن الدراسة التي يتناولها والتي هي بين يديه من خلال كتاب دراسة المؤلفات الذي هو عبارة عن دراسات لثلاثة مؤلفات، غالبا ما تتسم بالاختصار والتركيز المفرطين و اللذين لا يتفقان مع ما يوجه حول هذه المؤلفات من دراسات نقدية ومتابعات أدبية، وهو ما يمكن تأكيده كذلك بالنسبة لمواد أخرى من حيث أفق كتبها المحدود ومداها القصير.
وبالنسبة للواقع، واقع الكتاب المدرسي، فقد سبقت الإشارة إلى المنافسة التي تستهدفه من وسائل الإعلام المختلفة كالإذاعة والتلفزيون و السنيما و المجلات و الجرائد و ما إلى ذلك، ولكن جل المربين أثبتوا أن الكتاب المدرسي يبقى قادرا على تجاوز هذه المظاهر إذا كان يتدرع بشكل جيد و ممتاز ومادة غنية خصبة و أسلوب جيد رفيع.
يبدو أن المهتمين بالمجالات التربوية و التعليمية قد وضعوا الكتاب المدرسي في مكانه الخاص وحدودا بذلك سلبياته وإيجابياته، ومن ثم فلسلبيات الكتاب المدرسي تتجلى بصفة خاصة في نشره وتعويده المتعلمين التواكل والتكال على الغير، بحيث يصبح المتعلم رهين بمعلمه وزملائه في الفصل وغيره مرتبطا بهم في فهمهم لنصوص هذا الكتاب دون أن يكون لهذا المتعلم طموحات في البحث والتقصي والاطلاع على مصنفات ومؤلفات أخرى، وهي ظاهرة ربما تسربت بشكل واضح حتى إلى المدرسين الذين لم يعد لديهم ذلك الأفق الرحب وتلك النظرة الشمولية للمادة المدروسة، والحكم هنا بالطلع ليس عاما، ومن السلبيات أن الدورة كلها تقضي في البحث عن هذا الكتاب المدرسي الذي غالبا ما يكون مفقودا، ومن جهة أخرى فإن المكتبة المدرسية غالبا ما تكون فقيرة ومتواضعة في كتبها، و بالتالي فإن إلزام التلاميذ بإحضار الكتب المدرسية يكون لدى المتعلم فكرة خاطئة عن الكتاب المدرسي، الشيء الذي يؤدي به إلى الغياب التلقائي عوض أن يطرده أستاذه، مع العلم أن قضية إحضار الكتاب ضرورية ولكنها ليست كل شيء، والأمر الضروري والأساسي هنا ماذا تريد من الكتاب المدرسي؟ ما هي العلاقة التي نستشعرها ونحن نلقي درسا؟ هل هي علاقة حميمة بين المتعلم وهذا الكتاب؟
أن أكبر خطأ في نظري ترتكبه التربية الحديثة هو القراءة في حد ذاتها، فالقراءة الجيدة تكاد تكون منعدمة، إذن ما جدوى وجود كتاب مدرسي لدى المتعلم وهو لا يستطيع قراءة نص قراءة فصيحة، وخالية من الأخطاء، والأمر هنا يتعلق أيضا بمدى إهمال وعدم مراقبة المتعلم ومتابعة خطواته في التهييئ والتحضير وأداء الواجبات والفروض اليومية، مما يجعل هذا الكتاب في حد ذاته شيئا ثانويا إن لم نقل عاديا.
ومن إيجابيات الكتاب المدرسي أنه يصاحب المعلم والمتعلم في كل الأوقات يستأنس به كل منهما ويستجيب لرغباتهما ويدفعهماإلى التدبر والتأمل غير مخف عطاياه وسجاياه، يجود في كل لحظة بسخاء مطرد، يجمع المتعلم بأقرانه وزملائه ويكون مصدر حديثهم ومرجعهم وبداية محاوراتهم وأحاديثهم يغني أفكار ويصقل مواهبهم ويشحد هممهم وعزيمتهم.
ومن إيجابيات الكتاب المدرسي التي لا ينكرها أحد أنه يحفظ المستفيدين منه من التيه والضياع، ذلك أنه يربطهم بمقررهم الدراسي، ويقيهم مغبة الضلال والزيغ عن جادة الصواب، يغريهم بصوره الجميلة وطباعاته الأنيقة الجذابة ومعلوماته المفيدة، وآفاقه الرحبة الواسعة، وأسلوبه الشيق الممتع، وحواره المقنع، واستشرافه قضاياهم ومشاكل عصرهم وبيئتهم، يجمع ذلك كله بين دفتيه مفيدا وممتعا وقائدا لا يهيم ولا يستكين و لا يفتر.
عندما يكون الكتاب المدرسي كذلك، وعندما نحسن استعماله والاستفادة منه، وعندما نعمل على إثرائه وإغنائه بطرق تربوية مجدية، وعند ما نربي في المتعلمين مزاياه وإيجابياته وفضائله، عندئذ ستبلغ الأهداف والغايات وستحقق مرامي العملية التربوية التعليمية والتي تسعى أساسا إلى تكوين جيل واع مقدر لمسؤولياته، متطلع إلى المستقبل الباسم المشرق.

اللغة العربية وجدلية الانحسار والانتشار

  اللغة العربية
وجدلية الانحسار والانتشار
إعداد
الأستاذ المساعد الدكتور أحمد هاشم السامرائي
جامعة تكريت ـ كلية التربية / سامراء ـ قسم اللغة العربية


المقدمة
تعد مسألتا الانتشار والانحسار من المسائل المهمة التي تتعرض لها اللغات العالمية ، لما تواجهه من تحديات داخلية وخارجية ، فممَّا لا شكَّ فيه أن اللغة كائن حيٌّ ، فهي تمر بعصور وأدوار أشبه ما تكون بأدوار الكائن الحي ، ومن ضمنها الاتساع والاختصار ، ولكن يتوقف حجمهما على قوة اللغة وتمكنها في متكلميها ، فإذا ضعفت في نفوسهم واستهانوا بالدفاع عنها صارت عرضة للانحسار ثم الانقراض بعد ذلك ، وهذا حال كثير من اللغات ، والعكس صحيح ، فإذا قويت في نفوسهم وتكاتفوا للدفاع عنها ، فضلاً عن العناية بها وبدراساتها صمدت أمام موجات الانحسار ، وصارعت اللغات الأخرى ، بل احتلت مكان غيرها في الشعوب الأخرى .
تخضع هاتان المسألتان لظروف حددها علم اللغة الحديث ، من خلال دراسة اللغة الأم ولهجاتها ، فهي بين تولُّد وتجمُّع ، وكانت اللغة العربية من بين هذه اللغات ، ولأهمية دراسة مثل هذه الموضوعات في رفد دراسات أصول اللغة وعلومها بنظريات يمكن اعتمادها علاجًا لما يصيب لغتنا العربية في العصر الحديث ، عصر التكنولوجيا والتقدم العلمي ، عقدت العزم على دراسة هذا الموضوع ، وتقديمه إلى المجلس العالمي لإفادتي من خبرة أعضائه وخبرائه المعتمدين ، فوسمت البحث بـ
اللغة العربية وجدلية الانتشار والانحسار
فالعناية بدراسة مستقبل اللغة العربية في زمن المتغيرات الحاصلة والظروف الحالية ، واستنادًا إلى خلاصة التاريخ القريب ، ظاهرة تعبّر عن درجة عالية من التطور في فهم مقتضيات الحاضر ومتطلبات المستقبل ، وهو توجه سليم يؤدي إلى نتائج إيجابية تدعم خدمة لغتنا ، بل هي ضرورة من ضرورات الرقي الحضاري .
اقتضت طبيعة البحث أن يكون مقسمًا على تمهيد وقسمين وخاتمة ، وعلى النحو الآتي :
التمهيد : تناولت فيه مسألة الانحسار والانتشار في اللغات العالمية ، وركزت على : الانتشار اللغوي والحضارة ، والتأثر والتأثير اللغوي .
القسم الأول : تناولت فيه ( الانتشار في اللغة العربية ) من ناحية : اللغة العربية ولهجاتها ، وأسباب الانتشار ، واللغة العربية والواقع العربي الحديث .
القسم الثاني : تناولت فيه ( الانحسار في اللغة العربية ) من ناحية : عوامل  الانحسار ، واللغة العربية ولهجاتها .
الخاتمة : ذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات التي خرجت بها من هذا البحث .
تكمن أهمية البحث في مثل هذه الموضوعات بما تقدمه من كشف لخفايا أمور تهمُّ اللغة وتاريخها ، وفي مثل هذه الدراسة نجد أنَّ اللغة ، وبحسب تاريخها الطويل ، تواجه بين أوان وآخر تيارين متضادَّين ، هما : الانتشار والانحسار ، فتارة تنتشر حتى تصبح لغة سائدة في أرجاء واسعة من الأرض ، وتارة أخرى تنحسر حتى لا نكاد نسمع الفصحى إلاَّ في المحاضرات الرسمية ، وبطريقة مشوهة في أكثرها .
وفي الختام أدعو الله العلي القدير أن يوفقني في عملي هذا ، وأن يلهمه القبول في مشاركته ، وأن يوفِّق العاملين على المؤتمر لما يحبه ويرضاه .





وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين






الباحث









التمهيد
الانحسار والانتشار في اللغات العالمية
إن اللغة كائن حي ، ويعتري هذه اللغة ما يعتري الأحياء ، من غنى وفقر ومن سعة وضيق ومن انتشار أو انحسار ، ومن تجمع وتفرق ، ومن عزة وذلة ، ومن حياة وموت( ) .
تعدُّ شكوى الانحسار اللغوي من المشاكل المهمة التي تجتاح العالم ، فقد نجدها من قلب أوروبا نفسها ، ولاسيما فرنسا ، ففي (( المجتمعات الأوربية الراقية يدور حديث المثقفين بلغة هي الفصحى في أصواتها وصرفها ومعجمها ، وإن كانت أبسط [ كذا ] منها في نحوها ، ويحاول كل مثقف الارتفاع عن اللون المحلي في لهجته ، ليتوسل في حديثه باللغة     الفصحى ))( ) .
غير أن ذلك لم يعن بطبيعة الحال غياب القلق على وضع اللغة العربية ، لا أظن اللغة العربية مهددة بالانقراض ، لكنها تعيش انحسارًا لا يحتاج إلى بينات كثيرة ، بينات تشهد بها المفردات المنتشرة ولوحات الإعلانات وأسماء المحلات ولغة الإنترنت ، بل مفردة الإنترنت نفسها ، ضمن ما لا يحصى من الشواهد .
ومما لا يخفى على كلِّ دارس العلاقة الوثيقة بين المجتمع ولغته ، فكلُّ (( اللغات تنتشر في المجتمعات اللغوية التي تتحدث بها ، وأنَّ اللغة ، بعد أن يتعلمها المتحدث ، تصبح عملية تلقائية لا شعورية ، وأنَّ لكلِّ لغة من اللغات مناطق جغرافية تنتشر فيها وطبقات اجتماعية تتحدث بها ))( ) .
الانتشار اللغوي والحضارة
تتأثر اللغة بحضارة أمتها ، من حيث نظمها وتقاليدها واتجاهاتها العقلية ودرجة ثقافتها وشؤونها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، فيبحث كل تطور في ناحية من هذه النواحي ، فاللغات أصدق سجل لتاريخ الشعوب .
وكلما اتسعت حضارة أمة ، نهضت لغتها وسمت أساليبها ، وتعددت فيها فنون القول، ودخلت فيها ألفاظ جديدة عن طريق الوضع ، والاشتقاق والاقتباس أو الاقتراض للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة ، فتحيا هذه اللغة وتتطور عبر الزمن وتصبح أكثر مناعة وصلابة ضد أي صراع لغوي مع اللغات الأخرى .
ومن الواجب في هذا الموضع أن نعرف أنَّ الاهتمام بالتخطيط للمستقبل اللغوي لأيِّ أمة من الأمم يعكس مستوى راقيًا من الوعي بمتطلبات التغيير والتجديد اللغوي ، مع إعادة البناء على أسس ثابتة وراسخة ، وبهذا يعبّر التفكير في استشراف آفاق المستقبل اللغوي واستطلاع آماده ، عن نضج عقليّ لدى الدارسين ، فتتبلور إرادة ذاتية في الانتقال من طور لغوي إلى طور آخر على مستويين يتمثلان بالخاص والعام ، وينحوان نحو بناء الذات وترسيخ الكيان ، وتقوية القدرات اللغوية الكامنة في النفس والمجتمع .
التأثر والتأثير اللغوي
ويرى فندريس أن تطور اللغة مستمر في معزل عن كل تأثير خارجي ، يعد أمرا مثاليا لا يكاد يتحقق في أية لغة ، بل على العكس من ذلك ، فإن الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات مجاورة لها ، كثيرا ما يؤدي دورا هاما في التطور اللغوي ، ذلك لأن احتكاك اللغات ضرورة تاريخية ، واحتكاكها يؤدي حتما إلى تداخلها( ) .
لا أحد منا ينكر أن اللغات تتداخل وتتلاقح كلما اتصلت إحداها بالأخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وأن أية لغة من اللغات في العالم كما تؤثر في غيرها ، فإنها أيضًا تتأثر ، وإنه (( من المتعذر أن تضل لغة بمأمن من الاحتكاك كلغة أخرى ))( ) .












القسم الأول
الانتشار في اللغة العربية
اعتنى المسلمون باللغة العربية وانكب العلماء على تسهيلها وتيسيرها ، فوضعوا المعاجم التي تفسر معاني مفرداتها ، وقعَّدوا القواعد التي تبين معنى الجملة العربية ، وطريقة تركيبها والتعبير الفصيح والصحيح فيها ، وفعل البلاغيون الشيء ذاته ، إذ بيَّنوا الفرق بين الأسلوبين الجميل وغير الجميل ، فتوالت العلوم المختلفة ، من نظرية وعملية ، وتكلم المسلمون جميعًا بالعربية ، ويكتبون ويؤلفون بها ، وانتشرت اللغة العربية في كل مكان سطعت عليه شمس ، فقد قال الأب أنستاس الكرملي (( إنَّ لسان العرب فوق كلِّ لسان ، ولا تُدَانيها لسان أخرى من ألسنة العالم جمالاً ، ولا تركيبًا ، ولا أصولاً ))( ) .
وتفتح كتب التراجم فترى آلاف الأسماء من العلماء الذين من غير العرب في  جذورهم ، ولكنهم كانوا مسلمين في عقيدتهم ، وقد خلَّفوا لنا تراثًا ضخمًا رائعًا وخالدًا في شتى العلوم والفنون باللغة العربية ، ولعلَّ ما رواه الجاحظ عن موسى بن سيَّار الأسواري   (( وكان من أعاجيب الدنيا ، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية ، وكان يجلس في مجلسه المشهور به ، فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره ، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية ، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية ، فلا يدري بأي لسان هو أبين ))( ) .
ويكفي اللغة العربية فخرًا أنها لغة القرآن الكريم وحديث رسوله الحبيب ، ولغة هذه الأمة التي لم يعرف التاريخ عنها إلا الخير والحب والنور ورائع الحضارة ونفع بني البشر ، فإذا (( تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك على جانب الفكر ، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر ))( ) .
يعدُّ التفكير في مستقبل اللغة العربية من المسائل المهمة التي تواجه الدارسين ، فضلاً عمَّا تقدمه من خدمة للفكر العربي الإسلامي المعاصر ، ولها صلة وثيقة بسيادة الأمة العربية الإسلامية على ثقافتها وفكرها ، فهذه ليست مجرد قضية لغوية وأدبية وثقافية ، لأنَّ مستقبل اللغة العربية بالمعنى السياسي والسيادي والجغرافي العام مسألة سيادية ، فحياة الأمم في حياة لغاتها وقوتها وازدهارها ، فإذا ماتت اللغة أو ضعفت أو انهارت ضاعت الأمة ضياعًا لا يُبقي لها أثرًا في الحياة .
اللغة العربية ولهجاتها
تربط اللهجات باللغة الأم بمجموعة من الروابط الوثيقة ، فتنشأ هذه الروابط منذ ولادة اللهجات وقيامها بالدور اللغوي ، سواء أكان دور هذه اللهجات بارزًا في رفد اللغة بالألفاظ والأساليب ، أم هامشيًّا ؟
ليس من السهولة تحديد الحقبة التي تنشا فيها اللهجة( ) ، لأنَّها تمرُّ بمراحل حتَّى تختص بالسمات التي تميزها من اللهجات الأخرى من جهة ، ومن اللغة الأم من جهة أخرى . ولعلَّ من أهم هذه المراحل ( مرحلة التطوُّر ) ، وهي بلا شكٍّ مرحلة يحدد قدمها بقدم اللغة ، فلا يمكن تحديد مراحل نشأة اللهجات العربية إلا بعد تحديد مرحلة نشوء اللغة العربية ، وهذا أمر ليس بالسهل ، ولاسيَّما أنَّنا نفتقد النصوص التاريخية التي تحدد هذه المرحلة ، فما وصلنا من نصوص تمثل مرحلة الازدهار ، أو مرحلة النضج ، وهي مرحلة الإبداع الأدبي للغة( ).
لذلك أرى أن مسألة ولادة اللهجات وتكونها مهمة لانتشار اللغة ، وأُجمل أسباب تكونها بما يأتي :
1. الاتصال البشري :
يعدُّ الاتصال البشري من أهم أسباب ظهور اللهجات ، فالإنسان بحاجة إلى إنسان آخر لقضاء متطلبات حياته ، فيكون اتصالهما مباشرًا ، ويؤدِّي هذا الاتصال إلى ظهور ألفاظ لم تكن معهودة في كلامهم ، لسدِّ الحاجة التي يرونها قائمة في وقت الاتصال ، سواء أكان المتصلان من لغة واحدة أم من لغتين مختلفتين ، وكما يجري هذا الحكم على اتصال الأفراد ، يجري على اتصال الجماعات .
ولعل حالات الحروب التي تمرُّ بها الشعوب أقرب وسيلة هذا الاتصال ، فالمنتصر وسيطرته وسطوته ، وما يقابله من ضعف المنهزم وخضوعه ، وجهان يوضِّحان سيطرة اللغات وسيادتها ، وأوضح دليل عليه الفتوحات الإسلامية ، وسيادة العرب على الأمم  الأخرى ، فضلاً عن سيادة لغتهم ، التي هي لغة رسالتهم إلى العالمين ، وقيام عملية التقارض اللغوي بينهم ( ) .



2. اختلاف البيئات البشرية :
أعطى جماعة من المحدثين أهمية كبيرة لهذا العامل في نشوء اللهجات ، وتحدد أهميته بطول المدَّة التي يقضيها الإنسان في الظرف الجغرافي الواحد( ) ، وذهب دي سوسير إلى أنَّ العامل الجغرافي وتنوعه أوَّل مسألة لحظها علم اللغة في اختلاف اللهجات   واللغات( ) ، لأنَّ الواقع الأرضي لسكن المجتمعات البشرية يؤثر في واقع المفردات اللغوية ، إذ تختلف ألفاظ القاطنين بالمناطق الجبلية عن ألفاظ القاطنين بالمناطق الصحراوية ، أو السهلية ، أو البحرية ، لذلك نجد تأثير البيئات الجغرافية في ولادة اللهجات واضحًا .
وممَّا يؤيده ما نجده في اللغة العربية ، فألفاظ العربي البدوي تختلف عن ألفاظ العربي الحضري ، لأنَّ تأثير البداوة واضح في النطق ، ولاسيَّما في الأصوات ، إذ يميل البدوي إلى الأصوات الشديدة ، كما نراه في ( العجعجة ) و( الكشكشة ) وغيرها .
3. تنوع الظروف الاجتماعية :
لا بدَّ للغة من الاتصال الوثيق بالمجتمع ، لعدم تحقق أحدهما من غير الآخر ، فلا نجد لغة بلا مجتمع ، ولا مجتمعًا بلا لغةٍ ، ولهذا الارتباط تُولَد اللهجات بتأثير الطبقات المختلفة للمجتمع ، فمنها العامية وما دونها ، والفصيحة وما علت ، وما بين العامية والفصيحة ، فضلاً عن وجود الطبقات الصناعية والتجارية والزراعية وغيرها ، ولكل طبقة لهجة خاصة بها( ) .
وفي ظل هذه الأمور رأى بعض المحدثين أنَّ القيود والقواعد التي يضعها المتكلمون للغتهم هي أحد أسباب ولادة اللهجات( ) .
ونستنتج من هذا كلِّه (( أن اللهجات العامية لا ينبغي أن يرخى لها العنان ، لتبتعد بالمجتمع والناس عن لغتهم التراثية والمتجددة في آنٍ معًا ، ولا أن نحارب منطق القمع الذي يتنافى مع منطق التاريخ ، وإنَّما يكون سعي رجالات الفكر والثقافة والتربية في تضييق الهوة الفاصلة بين اللغتين ، لصالح لغة وسط لا تطمس الفصحى ولا تباعدُ ما بينها وبين قوانينها ، ولا تحدُّ من قانون التجدد اللغوي ، الذي يعبّر عنه باللهجات العامية أحيانًا ، أو بالتطور الذاتي للهجة الرسمية ( اللغة الفصحى ) ))( ) .
هذه هي أهم العوامل التي تؤدي إلى ولادة اللهجات ، لتُكوِّنَ مع لغتهم شيئًا محسوسًا ، فهي مجموعة من الجزئيات والتراكيب ، فكل جزء من هذا المحسوس يدلُّ على شيء من العام ، فأعطت الدلالة للهجات مكانة بارزة في الدراسات اللغوية ، حتى (( كان للمعنيين بهذا الموضوع من الفرنجة نظرتهم العامة إلى اللهجات ، إذ يرون أنَّ لهذه اللهجات ، على اختلافها وتشعبها ، حياتها واستقلالها ، وهم ينكرون قول من يقول : إنّ اللهجات العامية أو المحكية لغة حادثة مشوهة عن الفصحى مثلاً ، وقد توسَّعوا في هذه الناحية ، حتَّى ذهبوا إلى تأسيس علم جديد سُمِّي ( علم اللهجات ) ، وموضوعه : وصف اللهجات ، وتعريفها ، وصلتها بأمِّها التي انشقت عنها ))( ) .
أسباب الانتشار :
من دراسة متعمقة لواقع اللغة العربية قديمًا وحديثًا ، رصدت مجموعة من الأسباب التي أدَّت إلى انتشارها وذيوعها عبر العصور ، غير ناسين أنَّ واقعها في العصر الحديث يختلف عن واقعها في قديمًا ، وهو ما يسمَّى بعصر الازدهار الإسلامي ، بسبب ما آلت إليه الأمة الإسلامية ، ولكي يقف القارئ على أسباب الانتشار ، ويحاول أعادتها ، لإعادة مجد اللغة ، أوردها تباعًا ، وهي :
1.      شيوعها :
بقيت العربية سائدة في العالم لقرون عديدة ، حتى أصبحت لغة العلم والثقافة والتأليف والترجمة وغيرها ، فكانت ثمرة من ثمرات الحضارة العربية الإسلامية ، وفي عرس دائم في تلك القرون ، فأصبحت لغة الشرق والغرب ، لغة العلماء والشعراء والكتاب ، وذوي الخيالات المجنحة والمبدعين في أيِّ مجال من مجالات الحياة ، فبعد الفتوحات الإسلامية    (( نقلت اللغة العربية من مجالها البدوي المحدود في شمال [ كذا ] الجزيرة العربية ، لتصبح بمضي الوقت أهم لغات الحضارة في العصور الوسطى ))( ) .
ومع كل هذا رغب الكثير من غير العرب بدراستها ، ومنهم البابا بيوس الثاني عشر، الذي رحل إلى الأندلس ، وأقام فيها حقبة من الزمن بغية تعلم اللغة العربية ، والإفادة من كتب المسلمين .
2.      التأليف فيها :
لم يقتصر التأليف بهذه اللغة على الكتب الإسلامية ، وإنَّما تعدتها إلى العلوم كافة ، فأصبحت بعد مدَّة وجيزة من نزول القرآن الكريم لغة العلوم العقلية كـ ( الطب ، والكيمياء ، والفلك ، والطبيعة ) وغيرها ، مثلما هي لغة العلوم النقلية كـ ( الفقه ، والتفسير ، والكلام ، والأدب ) ، بل غدت لغة العلم الأولى التي لا تضاهيها لغة في القرون الوسطى ، وخلَّفت آثارًا تشهد بعبقرية علماء المسلمين على مرِّ العصور ، فألف بها : الخوارزمي ، والرازي ، وابن سينا ، والزهراوي ، وابن البيطار وغيرهم من غير العرب ، فكانت هذه الكتب سائدة في العالم ، وتدرس في معظم جامعات الغرب قرونًا عديدة ، ولا يزال كثير منها يدرس إلى يومنا هذا ، وسيظل يدرس طوال الدهر ، وعلى مدى بقاء اللغة العربية في هذه الدنيا( ) .
3.      دقة قواعدها وغزارة ألفاظها :
زاد اللغة العربية جمالاً أن قواعدها تميزت بالدقة ، ومفرداتِها بالغزارة ، ومناهجَها بالخِصب والتنوع والقدرة على التوليد والاشتقاق والتجديد ، وصدرَها بالسعة والقدرة على النقل والتعريب والتصوير ، وأسلوبَها بالجمال والبلاغة وحسن العبير ، فقد (( تكفلت القواعد التي وضعها النحاة العرب في جهد لا يعرف الكلل ، وتضحية جديرة بالإعجاب ، بعرض اللغة الفصحى وتصويرها في جميع مظاهرها ، من ناحية الأصوات ، والصيغ ، وتركيب الجمل ، ومعاني المفردات على صورة محيطة شاملة ، بحيث بلغت القواعد الأساسية عندهم مستوى من الكمال لا يسمح بزيادة لمستزيد ))( ) .
4.      عولمتها :
كانت اللغة العربية في تلك الأيام في سعتها وانتشارها في أرجاء العالم ، تشبه عولمة اللغة الإنكليزية اليوم من حيث الانتشار والتسابق إلى تعلمها ، فإلى (( جانب النشاط الأدبي في الدوائر العربية عرفت الجماعات الأخرى أفرادًا كثيرين دفعهم نزوعهم الفني إلى تعلم العربية ، لكي ينظموا بها شعرًا يفيدهم في حياتهم الشخصية ويرفع مكانتهم في المجتمع ))( ).
ولكن على الرغم من هذه العولمة ، إلاَّ أنَّ اللغة العربية لم تتجاوز حدودها اللغوية ، وآفاقها الحضارية ، ولم تحمل نزعة الشر والأذى والسيطرة الاقتصادية والعسكرية ، والسياسية ، والإنسانية لمخلوق ، كما تحمله عولمة هذه الأيام .


اللغة العربية والواقع العربي الحديث
حظيت اللغة العربية في القرن العشرين بانتشارٍ مقروءٍ ومسموعٍ ومنظورٍ غير مسبوقٍ في التاريخ ، وقد سَاعَدَ هذا الانتشار في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات ، ففي الوقت الذي كانت القوى الغربية تشنُّ هجومًا على اللغة العربية (( كان حال اللغة الفصحى في المدارس والصحف والنوادي من القوة بحيث لم تكتف بردِّ الهجمات ، بل زادت إلى ذلك نموًّا في قوتها وانتشارها وتمكنها في النفوس تمكنًا ما يزال يقوى على الرغم من التشكيك والعراقيل والمكايد والأحابيل ))( ) .
فضلاً عن العناية الفائقة بمسائلها ، من خلال التأليف والترجمة والتحقيق ، فظهرت كتب التراث ، حتى صارت في متناول الدارسين والقرَّاء ، وفي خضم معركة التسابق بين اللغة العربية وخصومها ، نجد أن أبناءها بدؤوا يطورون وسائل الانتشار يومًا بعد يوم ، فظهرت عدَّة وسائل ، ومنها :
1.      الصحافة : تعدُّ الصحافة وسيلة مهمة من وسائل النشر الثقافي والعلمي ، فضلاً عن أنَّه وسيلة من وسائل الهدم العلمي والأخلاقي ، وقد كانت في أول عهدها مدارسَ شعبية للغة العربية من خلال كتابات الأدباء والمثقفين فيها ، ويمكن أن نعدَّها الموجِّه الهادف للطبقة الشابة والمثقفة في ذلك الوقت ، والمتطلع إلى أي صحيفة منها يجد الأدب والتراث والدين والثقافة وغيرها ، فلم يقتصر أثرها (( على تأليف الناس على الفصحى ، بل ارتفع بهم إلى مستوى أدبي ، إن صح التعبير ))( ) .
فصدرت المجلات والجرائد الأدبية والثقافية الراقية ، والتي كانت منتدى لأقلام كبار الكتاب والأدباء والشعراء والباحثين في الحقول المختلفة ، كاللغة والثقافة والأدب والفكر والفن وغيرها ، فقام بعضها بتوثيق الصلات بين شعوب الأمة العربية ، ونشر آخر الثقافة والعلم ، ومن هذه الصحف :
أ‌.        ( مجلة المنار )( ) التي وصلت إلى المثقفين في إندونيسيا والصين وجنوب أفريقيا والشعوب الإسلامية في آسيا الصغرى وفي شرق أوروبا ، فحملت إلى القارئ نصوصًا راقية المستوى باللغة العربية .
ب‌.      ( جريدة  المقتبس )( ) التي كانت مدرسة موجِّهة موعِّية منوِّرة للعامة والخاصة من الناس .
ت‌.      ( مجلة الرسالة )( ) التي وصلت إلى بلدان المهجر في أمريكا اللاتينية ، فنقلت إلى المثقفين الأدب العربي والثقافة العربية .
ث‌.      ( مجلة الفتح )( ) التي وصلت إلى بلدان أوروبية وأفريقية وآسيوية بعيدة عن الوطن العربي ، فكانت السلطات الاستعمارية في كثير من البلدان العربية الإسلامية تحظر دخولها إليها ، لمَا كان لها من تأثير في نفوس القرَّاء .
ج‌.      ( مجلة المقتطف ) التي تترجم الفصول والمقالات العلمية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية ، فتساهم بذلك في تطعيم اللغة العربية بالمفردات الجديدة وتطويعها لاستيعاب المضامين والمفاهيم الحديثة في العلوم المختلفة ، فظلت تصدر نحو سبعين سنة ، وقد كان لهذه المجلة دور متميّز في نشر الثقافة العلمية باللغة العربية .
فضلاً عن الكثير من المجلات والجرائد التي صدرت في العراق ومصر ولبنان وغيرها( ) .
2.      الإذاعة : كان لظهور الإذاعة إسهام كبير في نشر اللغة العربية في مختلف الأصقاع من خلال نشرات الأخبار ، والأحاديث الدينية ، والبرامج الثقافية والأدبية ، والمسرحيات التاريخية والاجتماعية ، فقدمت لمستمعيها برامجَ باللغة العربية ، فكان الجمهور يتذوقها ويفهمها ، فكان تأثيرها (( أوسع ، لوجودها في كل دار ، يستمع إليها الذكور والإناث، الصغار والكبار كل يوم أكثر من مرَّة ))( ) .
3.      التلفزيون : لا يقل ظهور التلفزيون أهمية عن الصحافة والإذاعة ، وكان أوَّل ظهور له في مصر مع مطلع الستينيا ت، فقدم وظيفة أساسية في نشر اللغة العربية على نطاق واسع .
4.      تدريس اللغة العربية : ويعزز الانتشار للغة الضاد ظهورُ أقسام للغة العربية وآدابها في الجامعات العربية والإسلامية ، وفي بعض الجامعات الغربية التي تهتم بتدريس اللغة العربية والثقافة العربية والحضارة الإسلامية ، ففي النصف الأول من القرن العشرين أنشئت الجامعات التي فتحت فيها كليات للآداب ، فكان الأساس الذي قامت عليه دراسة اللغة العربية وآدابها في المقام الأول ، إذ كان (( إنشاء دار العلوم محاولة لتكوين مدرس اللغة العربية والدين الإسلامي ، على نحو حديث نسبيًّا يخالف ما عرفه الأزهر آنذاك ، فدخل مجموعة من العلوم الحديثة برامج التدريس في دار العلوم ، وكانت بهذا أول معهد عالٍ لتخريج مدرسي اللغة العربية في العالم العربي الحديث )) ( ) .
5.      الطباعة والنشر : كان من المفروض أمام هذه الثورة في الانتشار اللغوي أن تزدهر حركة الطباعة والنشر باللغة العربية على نطاق واسع ، فظهرت دور النشر المختلفة في عدَّة بلدان ، كالعراق ومصر ولبنان وغيرها ، فقامت بنشر الكتب والصحف والمجلات العربية ، وصاحب الطباعة اتساع نشرها ، ممَّا ضاعف من ذيوع اللغة العربية في الآفاق( ) .
6.      المجامع اللغوية : في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت الحاجة إلى إنشاء مجامع للغة العربية ، لما فرضتها المسائل اللغوية ، وبعد أن بدأ العالم العربي يصحو وتتفتح أعينهم على النهضة الأوربية ، فتأسست مجامع اللغة العربية ، وهي :
أ‌.        مجمع اللغة العربية بدمشق ، في العام ( 1918 م ) .
ب‌.      المجمع العلمي العراقي ببغداد ، في العام ( 1921 م ) .
ت‌.      مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، في العام ( 1932 م ) .
ث‌.      مجمع اللغة العربية الأردني ، في العام ( 1976 م )( ) .
كان تأسيس هذه المجامع مهمًّا لخدمة اللغة العربية ، إذ ساعد على تحقيق أمهات كتب التراث العربي الإسلامي ونشرها ، فبدأت هذه الحركة في مصر في الثلث الأول من القرن التاسع عشر ، وازدهرت واتسع نطاقها في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين ، وظهرت معاجم لغوية عربية جديدة ، وشرع في وضع المعجم التاريخي للغة العربية ، وإن كان العمل فيه قد تعثر ثم توقف في بدايته .
وبالنتيجة لا بدَّ من القول : إنَّ عصر ازدهار اللغة العربية بدأ في النصف الأول من القرن العشرين ، ولكنه سرعان ما خفت ضياؤه وخبا لمعانه ، بما شاب الحياة العقلية والأدبية والثقافية من انحرافاتٍ وانعكاسات ، لاستشراء الفساد العام ، ونتيجة لتدفق موجات من الغزو الفكري والاجتياح الثقافي والاستلاب الحضاري ، فضعفت اللغة العربية ، وتراجع دورها في الحياة العقلية والأدبية ، ممَّا أدّى إلى ضعف مستوى التعليم في جميع مراحله ، وإلى غلبة اللهجات العامية .



القسم الثاني
الانحسار في اللغة العربية
 انحسر الرقعة التي عرفتها اللغة العربية بانحسار مدّ النهضة والتطور الحضاري وبانحرافهما عن مسارهما الطبيعي ، بعد دخول الوطن العربي والعالم الإسلامي في متاهات من الارتباك والقلق ، فحين أطلَّ القرن الثامن عشر الميلادي كانت (( البلاد العربية تغِطُّ مع سائر الأقطار التي شملها الحكم التركي العثماني في نوم عميق ، الأمية منتشرة شاملة ، والسلطة استبدادية إقطاعية ، … ، وكان في كلِّ بلد أفراد طلبوا شيئًا من الفقه وعلوم الآلة يقيمون للناس صلواتهم وخطب الجمع والأعياد وبقية الشعائر ))( ) ، وبهذا الانتقال من مرحلة الاستقرار والانصراف إلى تجديد البناء الحضاري ، إلى مرحلة الاضطراب وخلخلة البنيات التحتية للمجتمعات العربية الإسلامية ، انتقلت اللغة العربية من مرحلة المدّ إلى مرحلة الجزر، على المستويات كافة .
عوامل الانحسار
الوضع الحالي للغة العربية واقع لا ينكره أحد ، إذ أدَّى الضعف اللغوي إلى ضعف في جميع مفاصل الحياة العربية والإسلامية ، ومنها : العقلية والثقافية ، وسبب ذلك تداخل فيه عوامل كثيرة ، ويعود في تعقيداته إلى عناصر متشعبة وأسباب يرتبط بعضها ببعض ، ويعود هذا الضعف إلى عدَّة عوامل ، وهي :
1.      ظهور مجموعة من الأصوات التي حاولت ردَّ الضعف إلى قصور اللغة وضعفها وعجزها عن تلبية متطلبات العصر الحديث ، من المواد المعرفية والعلمية والتكنولوجيا ، فضلاً عن أنَّ أهل اللغة لا يسايرون تطور العصر ، فلا يفلحون في تجديد اللغة وتطويرها ، فكانوا يطرحون بين أوان وآخر السؤال الآتي (( كيف تصلح لغة البداة للتعبير عن مكتشفات القرن العشرين ومخترعاته ))( ) .
2.      هناك علاقة جدلية بين اللغة والحياة ، فحين ساد الضعف في مجالات الحياة العربية كافة ، تأثرت اللغة به ، فكان لانحسار مدّ اللغة العربية ثمرة لانحراف أهل اللغة نحو مآزق أبعدتهم عن مصادر القوة الحقيقية ، والتي تتمثل في قوة الروح والفكر والضمير والإرادة ، فضلاً عن حماية الكيان العربي الشخصي والعام ، وفي صون الحقوق والذود عن المصالح العليا للأمة .
3.      الإهمال الشديد : انعكست حالة الضعف التي تسري في كيان الأمَّة العربية الإسلامية على حالة اللغة العربية ، فأصبحت اللغة في وضع يجعلها تتخلف عن العصر ، وتتعرض لإهمال شديد من أهلها الذين يعرضون عنها ، ويرمونها بكل نقيصة ، يستوي في ذلك من تعلَّم العربية وأجادها وملك ناصيتها ، ومن لم يتعلمها ، أو من تلقاها من مصدر غير كفء .
4.      هيمنة الأفكار والمذاهب الغربية : كان من الطبيعي أن تهيمن الأفكار والمذاهب والنظم الغربية على العقل العربي والإسلامي ، لما أصاب الجسد العربي من ضعف ووهن ، ففرضت سياسات وأملت اختيارات تَتَعَارَضُ مع الخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب العربية والإسلامية ، فضلاً عن شنّ حرب على اللغة العربية ، وبمساعدة مجموعة من العرب من جهة ، وتشجيع العناصر الأجنبية وتحريضهم من جهة أخرى ، فعملت من أجل فرض لغاتها وثقافاتها ونظم حياتها على الشعوب غير القادرة على حماية خصوصياتها .
5.      فشو اللحن واستشراء الضعف والهزال : ونجد في بعض الأوقات أنَّ استشراء اللحن وظهور اللحن والخروج على قواعد اللغة بلغ حدّ الاستخفاف والاستهانة باللغة وتجريحها والمس بكرامتها ، لأن لكل لغة كرامة كما للكائن البشري .
6.      الضعف السياسي والفكري والثقافي : كان للضعف الذي دبَّ في جسد الأمة الدور الكبير في انحسار اللغة ، إذ نجد الضعف قد استشرى في المجتمعات العربية كافة ، فظهرت زعامات شعبية قيادية تخطب في الجماهير باللهجات المحلية ، فإذا اضطرت إلى القراءة بالعربية الفصحى أفسدت اللغة وأساءت إليها بإشاعة الخطأ ، وفي هبوط مستوى اللغة العربية في جميع المجالات .
اللغة العربية ولهجاتها
تُعدُّ علاقة اللغة العربية مع لهجاتها من وسائل الانحسار اللغوي أو قل من أسبابه ، لما تتمتع به اللهجات من مكانة كبيرة في رفد اللغة بما تحتاجه من خزين لغوي ، ففي الوقت الذي نجد فيه اللهجات عاجزة عن رفد اللغة بما تريد ، نجد أن اللغة أصيبت بالانحسار في كثير من جوانبها ، ومن صور عجز اللهجات حين يظهر للعيان أنَّها تنصهر اللغة ، وهو ما يطلق عليه بـ ( توحُّد اللغة ) .
وهنا يظهر لنا سؤال : هل تبقى اللهجات مع اللغة الأم على حالٍ واحد ؟ لا يبقى سير اللهجات واحدًا في جميع اللغات ، فقد تتوحَّد اللهجات مع اللغة الأم ، إلاَّ أنَّ هذا التوحد محكوم بغلبة إحدى اللهجات على أخواتها في اللغة الواحدة ، لمكانتها ، فتأخذ اللغة الأم من هذه اللهجة الأساليب والألفاظ للتعبير عن متطلباتها ، فترتقي إلى درجة اللغة الأدبية ، ولا يمكن حصول هذا التوحد حتى تمرَّ اللغة ولهجاتها بعوامل تستدعي توحدها ، ومن خلال مرور اللغة العربية بهذه العوامل ، يمكن أن أجملها بما يأتي :
1.      العامل السياسي :
تعمل السياسة عملها في توحيد اللهجات ، ويكون هذا التوحيد في التقارب بين المتكلمين المنتشرين في المناطق المختلفة الخاضعة للحكم الواحد ، فيعمل حاكم البلاد على تجريد كلامه من الكثير من الصيغ والتعبيرات والألفاظ التي تستعمل في مجموعة من ولايات حكمه دون الأخرى ، ويتكلم بلغة واحدة ليتسنى لجميع شعبه فهم كلامه ، فضلاً عن رغبة أبناء الولايات الأُخرى الكلام بلغة أبناء العاصمة ، على أساس أنَّها اللغة الثقافية ، ويكون هذا واضحًا عند أبناء الأرياف الذين يرومون إبراز شخصيتهم وإثبات تماسهم مع الثقافات  المختلفة ، لأنَّهم لو تمسكوا بألفاظهم وتعبيراتهم فسيواجهون بردِّ فعل المجتمع ، وأقلُّه الاستهزاء والسخرية ، لأنَّهم يتكلمون على أساس اعتقاد أبناء العاصمة ، بلغة بدائية .
وفي هذه الحال تكون لهجة العاصمة غالبة على جميع ، فيحصل حينئذ توحد بين اللهجات واللغة الأم ، فتفرض لهجة العاصمة وجودها ، وأقرب مثال نلمسه على هذا التوحُّد ما نجده في السيادة السياسية العربية لقبيلة قريش ، إذ أصبحت السيادة اللغوية لها أيضًا ، فحين توحدت اللهجات العربية كانت الغلبة لها .
2. العامل الأدبي :
اللغة هي الوسيلة الوحيدة التي يعبر بها الأديب عمَّا في داخله ، فهي كالفرشاة واللون عند الفنان ، لذلك نجد التيارات الأدبية مختلفة فيما بينها ، سواء كان هذا الاختلاف في الأسلوب أم في غيره ، ولعلَّ من أهم الاختلافات القائمة بين الأدباء اختلافهم في استعمال نصوصهم ، فنرى مجموعة من أنصار القديم يرفضون الخروج عن نطاق اللغة المتوارثة ، ومجموعة من أنصار الحداثة يميلون إلى استعمال الألفاظ العامية أو اللغة غير الفصيحة ، وفي ظل هذا الاختلاف تنشب الصراعات بين المجموعتين .
3.      العامل الاقتصادي :
مكَّن العامل الاقتصادي اللغة الأم من التوحُّد مع لهجاتها ، لأنَّ استعمال اللغة الاقتصادية في البضائع والتجارة يفرض نفسه على الجميع ، ممَّا يجعل أبناء الولايات الأخرى خاضعين لهذا الاستعمال ، وخير مثال على ذلك أنَّ قريشًا احتلت مكانة مرموقة في الأقاليم المجاورة للجزيرة العربية( ) ، إذ ذكرت كتب التاريخ أنَّ قوافلها كانت تسير بأمن واطمئنان ، ناقلة مختلف أنواع البضائع إلى هذه المناطق( ) ، وأدت هذه السيطرة إلى سيطرة لغتها وشهرتها ، لأنَّ العمل التجاري وسيلة مهمة من وسائل نقل اللغة والأفكار ، فكانت قوافلها تسير إلى اليمن والشام والعراق ومصر( ) .
4.      العامل الديني :
تتحدَّد مكانة اللغة الدينية بمستوى الوازع الديني في نفوس شعبها ، فالدين يجمع الناس على كتاب واحد ، يردِّدون في مناسبات معينة تراتيلهم وأناشيدهم بهذه اللغة ، فإذا ساد الشعور الديني الشعب ، نجدهم ينكبون على تعلم اللغة الدينية ، فيتحصل حينئذٍ انحسار اللغة التي يتكلمون بها ، حتى تغلب اللغة الدينية على نطقهم .
وليس من المفروض أن تكون اللغة الغالبة تختلف تمامًا عن المغلوبة ، فقد يكون هذا التوحد بإلغاء مجموعة من الألفاظ ، وإحلال ألفاظ أخرى بدلاً عنها ، وعليه نجد غلبة اللهجة القرشية على اللهجات العربية الأخرى ، لمكانة القرشيين عند العرب ، فَهُمْ سدنة البيت والقائمون على سقاية الحجيج ، واستضافتهم ، وتلبية كل متطلباتهم ، فكان سلطانهم معروفًا لدى جميع العرب( ) .
بعد أن ذكرت العوامل السابقة( ) ، نلحظ بجلاء أثرها في اللغة الأم ، وهناك مجموعة أخرى من العوامل لا مجال لذكرها خشية الإطالة ، أو لعدم ارتقائها في الأهمية إلى ما ذكرته سابقاً( ) .







الخاتمة ونتائج البحث
بعد هذه الجولة في ( اللغة العربية وجدلية الانتشار والانحسار ) لا بدَّ لنا أن نرسم مجموعة من الخطوط التي توضح مستقبل اللغة العربية ، لأنَّنا أمام واقع لا يبشر بخير ، بعد أن بدأت اللغة تتفلت من بين يدينا رويدًا رويدًا ، وعلينا أن نرصدها السلبيات لنعيد جزءًا من ماضيها المشرق ، ونرسم لها المستقبل الزاهر ، لأنَّ مستقبل اللغة العربية جزء لا يتجزّأ من مستقبل الأمة العربية الإسلامية ، وعليه نكون قد خرجنا من هذا البحث بالنتائج الآتية :
1.      ليست اللغة العربية لغة محادثة فحسب ، بل لغة علم وثقافة وفن وأدب ، ففيها صُنِّفت الكتب العلمية الصرفة ، في الرياضيات والكيمياء والطب وغيرها ، فضلاً عن الكتب الأخرى .
2.      اعتنى غير العرب باللغة العربية عناية توازي عنايتهم بلغتهم ، وقد نجد عنايتهم بالعربية تفوق حتى العناية بلغاتهم ، لما وجدوه من طواعية اللغة وقدسيتها وعولمتها .
3.      يعدُّ ارتباط اللغة العربية بلهجاتها من أهم أسباب الانتشار اللغوي ، لما ترفده اللهجات من مفردات قد يحتاجها المتكلم فلا يجدها في مخزونه اللغوي .
4.      يساعد الاتصال البشري اللغات على الانتشار ، فبعد أن يجد المتكلم نفسه أمام مجتمع يغايره في اللغة ، يحاول المزاوجة بين أسلوبه وأسلوب غيره .
5.      تعمل البيئات البشرية على تطوير المستويات اللغوية ، لأن تقاربها أو تباعدها يساعد المتكلمين على التنوع اللغوي في المفردات .
6.      اجتمعت في اللغة العربية مجموعة من الأسباب التي ساعدت على انتشارها  قديمًا ، وهي : الشيوع ، والتأليف ، ودقة قواعدها ، وعولمتها .
7.      أخذت اللغة العربية في العصر الحديث قالبًا مغايرًا لما كانت عليه في القرون الماضية ، إذ اتصال العرب بالمجتمعات غير العربية ساعد في تفكك الرابطة بين العربي ولغته ، فظهرت مجموعة من الوسائل التي حاولت إعادة اللغة إلى المتكلم ، وهي : الصحافة، والإذاعة ، والتلفزيون ، والتدريس ، والطباعة والنشر ، والمجامع اللغوية .
8.      ومع كل ما توافر للمتكلم العربي من وسائل لإعادته إلى لغته ، إلاَّ أن هناك مجموعة من العوامل أدت إلى إبعاده عنها ، أو انحسار اللغة ، وهي : القول بقصور اللغة ، وجدلية المتكلم والحياة ، والإهمال الشديد لها ، وهيمنة الفكر الغربي ، وفشو اللحن ، والضعف السياسي والفكري والثقافي .
هذه النتائج وغيرها أهم ما خرجت به من هذه الدراسة ، على أن أجد تطبيقًا عمليًّا  لها ، حتى نخلص اللغة العربية من حاضرها المؤلم .
قائمة المصادر والمراجع
1.      الآداب السامية ـ محمد عطية الأبراشي ـ مطبعة عيسى البابي الحلبي ـ مصر ـ ط 1 / 1946 .
2.      أصول اللهجة العراقية ـ محمد رضا الشبيبي ـ مجلة المجمع العلمي العراقي ـ المجلد ـ الجزء الثاني / 1375 هـ 1956م .
3.      البيان والتبيين ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( 255 هـ ) ـ تحقيق : فوزي عطوي ـ دار صعب ـ بيروت .
4.      تاريخ الأدب العربي ـ السباعي بيومي ـ مطبعة الرسالة ـ ط 2 / 1955م .
5.      تاريخ العرب العام إمبراطورية العرب حضارتهم مدارسهم الفلسفية والعلمية والأدبية ـ ت . اسيديو ـ ترجمة : عادل زعيتر ـ مطبعة عيسى البابي الحلبي ـ القاهرة ـ ط 2 / 1969م .
6.      تاريخ اللغات السامية ـ إسرائيل ولفنسون ـ القاهرة ـ ط 1 / 1929م .
7.      تطور لغة الطفل ـ أحمد حسن أبو عرقوب ـ مركز غنيم ـ عمان ـ 1990م .
8.      الجهود اللغوية خلال القرن الرابع عشر الهجري ـ الدكتور عفيف عبد الرحمن ـ دار الحرية للطباعة ـ بغداد ـ 1981م .
9.      الخصائص ـ أبو الفتح بن جني ( 392 هـ ) ـ تحقيق : محمد علي النجار ـ عالم الكتب ـ بيروت .
10.    دراسة اللهجات العربية القديمة ـ الدكتور داود سلوم ـ عالم الكتب ـ ومكتبة النهضة العربية بيروت .
11.    السيرة النبوية ـ أبو محمد بن هشام الحميري ( 213 هـ ) ـ تحقيق : الدكتور همام عبد الرحيم سعيد ، ومحمد بن عبد الله أبو صعيليك ـ مكتبة المنار ـ الأردن ـ ط 1 / 1409 هـ ـ 1989م .
12.    الطبقات الكبرى ـ أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري ( 230 هـ ) ـ مطبعة دار صادر ، ودار بيروت ـ بيروت ـ 1376 هـ ـ 1957م .
13.    طرق تنمية الألفاظ في اللغة ـ محاضرات ألقاها : الدكتور إبراهيم أنيس ـ مطبعة النهضة الجديد ـ مصر ـ 1966 م ـ 1967م .
14.    العربية دراسات في اللغة واللهجات والأساليب ـ يوهان فك ـ ترجمة : الدكتور رمضان عبد التواب ـ المطبعة العربية الحديثة ـ القاهرة ـ 1400 هـ ـ 1980م .
15.    علم اللغة العام ـ فردينان دي سوسور ـ ترجمة : الدكتور يوئيل يوسف عزيز ـ مراجعة النص العربي : الدكتور مالك يوسف المطلبي ـ دار آفاق عربية للصحافة والنشر ـ بغداد ـ 1985م .
16.    فصول في فقه اللغة ـ الدكتور رمضان عبد التواب ـ مكتبة الخانجي ـ القاهرة ـ ط 3 / 1987 م .
17.    في اللهجات العربية ـ الدكتور إبراهيم أنيس ـ المطبعة الفنية الحديثة ـ مصر ـ ط 3 / 1965م .
18.    القرآن واللهجات العربية ـ الدكتور حسام النعيمي ـ بحث منثور ضمن كتاب ( رحلة في الفكر والتراث ) مطبعة جامعة بغداد ـ 1980م .
19.    لغات البشر أصولها ، طبيعتها ، تطورها ـ ماريو باي ـ ترجمة : الدكتور صلاح العربي ـ مطبعة العالم العربي ـ القاهرة ـ 1970 م .
20.    اللغة ـ فندريس ـ ترجمة : عبد الحميد الدوالي ، ومحمد القصاص ـ مكتبة أنجلو المصرية ـ القاهرة .
21.    اللغة العربية عبر العصور ـ الدكتور محمود فهمي حجازي ـ دار الثقافة للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ 1978 م .
22.    اللغة والمجتمع ـ الدكتور علي عبد الواحد وافي ـ دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة ـ 1364 هـ ـ 1945 م .
23.    اللهجات العربية نشأةً وتطورًا ـ الدكتور عبد الغفار حامد هلال ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ 1418 هـ ـ 1998م .
24.    مدخل إلى علم اللغة ـ الدكتور محمود فهمي حجازي ـ دار الثقافة ـ القاهرة ـ ط 2 / 1978م .
25.    المسلك اللغوي ومهاراته ـ محمد أبو العزم ـ مطبعة مصر ـ ط 1 ـ 1953م .
26.    معالم التطور الحديث في اللغة العربية وآدابها ـ محمد خلف الله أحمد ـ طبعة القاهرة ـ 1961 م .
27.    المغازي ـ الواقدي ـ طهران ـ نسخة مصورة عن طبعة جامعة إكسفورد ـ لندن ـ 1977م .
28.    من حاضر اللغة العربية ـ سعيد الأفغاني ـ دار الفكر ـ بيروت ت ط 2 / 1971 م .
29.    موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ـ الدكتور أحمد شلبي ـ مطبعة النهضة المصرية ـ 1977م .
30.    نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها ـ أنستاس ماري الكرملي ـ المطبعة العصرية ـ القاهرة ـ 1938م .