الخميس، 18 ديسمبر، 2014

اللغة العربية وجدلية الانحسار والانتشار

  اللغة العربية
وجدلية الانحسار والانتشار
إعداد
الأستاذ المساعد الدكتور أحمد هاشم السامرائي
جامعة تكريت ـ كلية التربية / سامراء ـ قسم اللغة العربية


المقدمة
تعد مسألتا الانتشار والانحسار من المسائل المهمة التي تتعرض لها اللغات العالمية ، لما تواجهه من تحديات داخلية وخارجية ، فممَّا لا شكَّ فيه أن اللغة كائن حيٌّ ، فهي تمر بعصور وأدوار أشبه ما تكون بأدوار الكائن الحي ، ومن ضمنها الاتساع والاختصار ، ولكن يتوقف حجمهما على قوة اللغة وتمكنها في متكلميها ، فإذا ضعفت في نفوسهم واستهانوا بالدفاع عنها صارت عرضة للانحسار ثم الانقراض بعد ذلك ، وهذا حال كثير من اللغات ، والعكس صحيح ، فإذا قويت في نفوسهم وتكاتفوا للدفاع عنها ، فضلاً عن العناية بها وبدراساتها صمدت أمام موجات الانحسار ، وصارعت اللغات الأخرى ، بل احتلت مكان غيرها في الشعوب الأخرى .
تخضع هاتان المسألتان لظروف حددها علم اللغة الحديث ، من خلال دراسة اللغة الأم ولهجاتها ، فهي بين تولُّد وتجمُّع ، وكانت اللغة العربية من بين هذه اللغات ، ولأهمية دراسة مثل هذه الموضوعات في رفد دراسات أصول اللغة وعلومها بنظريات يمكن اعتمادها علاجًا لما يصيب لغتنا العربية في العصر الحديث ، عصر التكنولوجيا والتقدم العلمي ، عقدت العزم على دراسة هذا الموضوع ، وتقديمه إلى المجلس العالمي لإفادتي من خبرة أعضائه وخبرائه المعتمدين ، فوسمت البحث بـ
اللغة العربية وجدلية الانتشار والانحسار
فالعناية بدراسة مستقبل اللغة العربية في زمن المتغيرات الحاصلة والظروف الحالية ، واستنادًا إلى خلاصة التاريخ القريب ، ظاهرة تعبّر عن درجة عالية من التطور في فهم مقتضيات الحاضر ومتطلبات المستقبل ، وهو توجه سليم يؤدي إلى نتائج إيجابية تدعم خدمة لغتنا ، بل هي ضرورة من ضرورات الرقي الحضاري .
اقتضت طبيعة البحث أن يكون مقسمًا على تمهيد وقسمين وخاتمة ، وعلى النحو الآتي :
التمهيد : تناولت فيه مسألة الانحسار والانتشار في اللغات العالمية ، وركزت على : الانتشار اللغوي والحضارة ، والتأثر والتأثير اللغوي .
القسم الأول : تناولت فيه ( الانتشار في اللغة العربية ) من ناحية : اللغة العربية ولهجاتها ، وأسباب الانتشار ، واللغة العربية والواقع العربي الحديث .
القسم الثاني : تناولت فيه ( الانحسار في اللغة العربية ) من ناحية : عوامل  الانحسار ، واللغة العربية ولهجاتها .
الخاتمة : ذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات التي خرجت بها من هذا البحث .
تكمن أهمية البحث في مثل هذه الموضوعات بما تقدمه من كشف لخفايا أمور تهمُّ اللغة وتاريخها ، وفي مثل هذه الدراسة نجد أنَّ اللغة ، وبحسب تاريخها الطويل ، تواجه بين أوان وآخر تيارين متضادَّين ، هما : الانتشار والانحسار ، فتارة تنتشر حتى تصبح لغة سائدة في أرجاء واسعة من الأرض ، وتارة أخرى تنحسر حتى لا نكاد نسمع الفصحى إلاَّ في المحاضرات الرسمية ، وبطريقة مشوهة في أكثرها .
وفي الختام أدعو الله العلي القدير أن يوفقني في عملي هذا ، وأن يلهمه القبول في مشاركته ، وأن يوفِّق العاملين على المؤتمر لما يحبه ويرضاه .





وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين






الباحث









التمهيد
الانحسار والانتشار في اللغات العالمية
إن اللغة كائن حي ، ويعتري هذه اللغة ما يعتري الأحياء ، من غنى وفقر ومن سعة وضيق ومن انتشار أو انحسار ، ومن تجمع وتفرق ، ومن عزة وذلة ، ومن حياة وموت( ) .
تعدُّ شكوى الانحسار اللغوي من المشاكل المهمة التي تجتاح العالم ، فقد نجدها من قلب أوروبا نفسها ، ولاسيما فرنسا ، ففي (( المجتمعات الأوربية الراقية يدور حديث المثقفين بلغة هي الفصحى في أصواتها وصرفها ومعجمها ، وإن كانت أبسط [ كذا ] منها في نحوها ، ويحاول كل مثقف الارتفاع عن اللون المحلي في لهجته ، ليتوسل في حديثه باللغة     الفصحى ))( ) .
غير أن ذلك لم يعن بطبيعة الحال غياب القلق على وضع اللغة العربية ، لا أظن اللغة العربية مهددة بالانقراض ، لكنها تعيش انحسارًا لا يحتاج إلى بينات كثيرة ، بينات تشهد بها المفردات المنتشرة ولوحات الإعلانات وأسماء المحلات ولغة الإنترنت ، بل مفردة الإنترنت نفسها ، ضمن ما لا يحصى من الشواهد .
ومما لا يخفى على كلِّ دارس العلاقة الوثيقة بين المجتمع ولغته ، فكلُّ (( اللغات تنتشر في المجتمعات اللغوية التي تتحدث بها ، وأنَّ اللغة ، بعد أن يتعلمها المتحدث ، تصبح عملية تلقائية لا شعورية ، وأنَّ لكلِّ لغة من اللغات مناطق جغرافية تنتشر فيها وطبقات اجتماعية تتحدث بها ))( ) .
الانتشار اللغوي والحضارة
تتأثر اللغة بحضارة أمتها ، من حيث نظمها وتقاليدها واتجاهاتها العقلية ودرجة ثقافتها وشؤونها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، فيبحث كل تطور في ناحية من هذه النواحي ، فاللغات أصدق سجل لتاريخ الشعوب .
وكلما اتسعت حضارة أمة ، نهضت لغتها وسمت أساليبها ، وتعددت فيها فنون القول، ودخلت فيها ألفاظ جديدة عن طريق الوضع ، والاشتقاق والاقتباس أو الاقتراض للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة ، فتحيا هذه اللغة وتتطور عبر الزمن وتصبح أكثر مناعة وصلابة ضد أي صراع لغوي مع اللغات الأخرى .
ومن الواجب في هذا الموضع أن نعرف أنَّ الاهتمام بالتخطيط للمستقبل اللغوي لأيِّ أمة من الأمم يعكس مستوى راقيًا من الوعي بمتطلبات التغيير والتجديد اللغوي ، مع إعادة البناء على أسس ثابتة وراسخة ، وبهذا يعبّر التفكير في استشراف آفاق المستقبل اللغوي واستطلاع آماده ، عن نضج عقليّ لدى الدارسين ، فتتبلور إرادة ذاتية في الانتقال من طور لغوي إلى طور آخر على مستويين يتمثلان بالخاص والعام ، وينحوان نحو بناء الذات وترسيخ الكيان ، وتقوية القدرات اللغوية الكامنة في النفس والمجتمع .
التأثر والتأثير اللغوي
ويرى فندريس أن تطور اللغة مستمر في معزل عن كل تأثير خارجي ، يعد أمرا مثاليا لا يكاد يتحقق في أية لغة ، بل على العكس من ذلك ، فإن الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات مجاورة لها ، كثيرا ما يؤدي دورا هاما في التطور اللغوي ، ذلك لأن احتكاك اللغات ضرورة تاريخية ، واحتكاكها يؤدي حتما إلى تداخلها( ) .
لا أحد منا ينكر أن اللغات تتداخل وتتلاقح كلما اتصلت إحداها بالأخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وأن أية لغة من اللغات في العالم كما تؤثر في غيرها ، فإنها أيضًا تتأثر ، وإنه (( من المتعذر أن تضل لغة بمأمن من الاحتكاك كلغة أخرى ))( ) .












القسم الأول
الانتشار في اللغة العربية
اعتنى المسلمون باللغة العربية وانكب العلماء على تسهيلها وتيسيرها ، فوضعوا المعاجم التي تفسر معاني مفرداتها ، وقعَّدوا القواعد التي تبين معنى الجملة العربية ، وطريقة تركيبها والتعبير الفصيح والصحيح فيها ، وفعل البلاغيون الشيء ذاته ، إذ بيَّنوا الفرق بين الأسلوبين الجميل وغير الجميل ، فتوالت العلوم المختلفة ، من نظرية وعملية ، وتكلم المسلمون جميعًا بالعربية ، ويكتبون ويؤلفون بها ، وانتشرت اللغة العربية في كل مكان سطعت عليه شمس ، فقد قال الأب أنستاس الكرملي (( إنَّ لسان العرب فوق كلِّ لسان ، ولا تُدَانيها لسان أخرى من ألسنة العالم جمالاً ، ولا تركيبًا ، ولا أصولاً ))( ) .
وتفتح كتب التراجم فترى آلاف الأسماء من العلماء الذين من غير العرب في  جذورهم ، ولكنهم كانوا مسلمين في عقيدتهم ، وقد خلَّفوا لنا تراثًا ضخمًا رائعًا وخالدًا في شتى العلوم والفنون باللغة العربية ، ولعلَّ ما رواه الجاحظ عن موسى بن سيَّار الأسواري   (( وكان من أعاجيب الدنيا ، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية ، وكان يجلس في مجلسه المشهور به ، فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره ، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية ، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية ، فلا يدري بأي لسان هو أبين ))( ) .
ويكفي اللغة العربية فخرًا أنها لغة القرآن الكريم وحديث رسوله الحبيب ، ولغة هذه الأمة التي لم يعرف التاريخ عنها إلا الخير والحب والنور ورائع الحضارة ونفع بني البشر ، فإذا (( تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك على جانب الفكر ، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر ))( ) .
يعدُّ التفكير في مستقبل اللغة العربية من المسائل المهمة التي تواجه الدارسين ، فضلاً عمَّا تقدمه من خدمة للفكر العربي الإسلامي المعاصر ، ولها صلة وثيقة بسيادة الأمة العربية الإسلامية على ثقافتها وفكرها ، فهذه ليست مجرد قضية لغوية وأدبية وثقافية ، لأنَّ مستقبل اللغة العربية بالمعنى السياسي والسيادي والجغرافي العام مسألة سيادية ، فحياة الأمم في حياة لغاتها وقوتها وازدهارها ، فإذا ماتت اللغة أو ضعفت أو انهارت ضاعت الأمة ضياعًا لا يُبقي لها أثرًا في الحياة .
اللغة العربية ولهجاتها
تربط اللهجات باللغة الأم بمجموعة من الروابط الوثيقة ، فتنشأ هذه الروابط منذ ولادة اللهجات وقيامها بالدور اللغوي ، سواء أكان دور هذه اللهجات بارزًا في رفد اللغة بالألفاظ والأساليب ، أم هامشيًّا ؟
ليس من السهولة تحديد الحقبة التي تنشا فيها اللهجة( ) ، لأنَّها تمرُّ بمراحل حتَّى تختص بالسمات التي تميزها من اللهجات الأخرى من جهة ، ومن اللغة الأم من جهة أخرى . ولعلَّ من أهم هذه المراحل ( مرحلة التطوُّر ) ، وهي بلا شكٍّ مرحلة يحدد قدمها بقدم اللغة ، فلا يمكن تحديد مراحل نشأة اللهجات العربية إلا بعد تحديد مرحلة نشوء اللغة العربية ، وهذا أمر ليس بالسهل ، ولاسيَّما أنَّنا نفتقد النصوص التاريخية التي تحدد هذه المرحلة ، فما وصلنا من نصوص تمثل مرحلة الازدهار ، أو مرحلة النضج ، وهي مرحلة الإبداع الأدبي للغة( ).
لذلك أرى أن مسألة ولادة اللهجات وتكونها مهمة لانتشار اللغة ، وأُجمل أسباب تكونها بما يأتي :
1. الاتصال البشري :
يعدُّ الاتصال البشري من أهم أسباب ظهور اللهجات ، فالإنسان بحاجة إلى إنسان آخر لقضاء متطلبات حياته ، فيكون اتصالهما مباشرًا ، ويؤدِّي هذا الاتصال إلى ظهور ألفاظ لم تكن معهودة في كلامهم ، لسدِّ الحاجة التي يرونها قائمة في وقت الاتصال ، سواء أكان المتصلان من لغة واحدة أم من لغتين مختلفتين ، وكما يجري هذا الحكم على اتصال الأفراد ، يجري على اتصال الجماعات .
ولعل حالات الحروب التي تمرُّ بها الشعوب أقرب وسيلة هذا الاتصال ، فالمنتصر وسيطرته وسطوته ، وما يقابله من ضعف المنهزم وخضوعه ، وجهان يوضِّحان سيطرة اللغات وسيادتها ، وأوضح دليل عليه الفتوحات الإسلامية ، وسيادة العرب على الأمم  الأخرى ، فضلاً عن سيادة لغتهم ، التي هي لغة رسالتهم إلى العالمين ، وقيام عملية التقارض اللغوي بينهم ( ) .



2. اختلاف البيئات البشرية :
أعطى جماعة من المحدثين أهمية كبيرة لهذا العامل في نشوء اللهجات ، وتحدد أهميته بطول المدَّة التي يقضيها الإنسان في الظرف الجغرافي الواحد( ) ، وذهب دي سوسير إلى أنَّ العامل الجغرافي وتنوعه أوَّل مسألة لحظها علم اللغة في اختلاف اللهجات   واللغات( ) ، لأنَّ الواقع الأرضي لسكن المجتمعات البشرية يؤثر في واقع المفردات اللغوية ، إذ تختلف ألفاظ القاطنين بالمناطق الجبلية عن ألفاظ القاطنين بالمناطق الصحراوية ، أو السهلية ، أو البحرية ، لذلك نجد تأثير البيئات الجغرافية في ولادة اللهجات واضحًا .
وممَّا يؤيده ما نجده في اللغة العربية ، فألفاظ العربي البدوي تختلف عن ألفاظ العربي الحضري ، لأنَّ تأثير البداوة واضح في النطق ، ولاسيَّما في الأصوات ، إذ يميل البدوي إلى الأصوات الشديدة ، كما نراه في ( العجعجة ) و( الكشكشة ) وغيرها .
3. تنوع الظروف الاجتماعية :
لا بدَّ للغة من الاتصال الوثيق بالمجتمع ، لعدم تحقق أحدهما من غير الآخر ، فلا نجد لغة بلا مجتمع ، ولا مجتمعًا بلا لغةٍ ، ولهذا الارتباط تُولَد اللهجات بتأثير الطبقات المختلفة للمجتمع ، فمنها العامية وما دونها ، والفصيحة وما علت ، وما بين العامية والفصيحة ، فضلاً عن وجود الطبقات الصناعية والتجارية والزراعية وغيرها ، ولكل طبقة لهجة خاصة بها( ) .
وفي ظل هذه الأمور رأى بعض المحدثين أنَّ القيود والقواعد التي يضعها المتكلمون للغتهم هي أحد أسباب ولادة اللهجات( ) .
ونستنتج من هذا كلِّه (( أن اللهجات العامية لا ينبغي أن يرخى لها العنان ، لتبتعد بالمجتمع والناس عن لغتهم التراثية والمتجددة في آنٍ معًا ، ولا أن نحارب منطق القمع الذي يتنافى مع منطق التاريخ ، وإنَّما يكون سعي رجالات الفكر والثقافة والتربية في تضييق الهوة الفاصلة بين اللغتين ، لصالح لغة وسط لا تطمس الفصحى ولا تباعدُ ما بينها وبين قوانينها ، ولا تحدُّ من قانون التجدد اللغوي ، الذي يعبّر عنه باللهجات العامية أحيانًا ، أو بالتطور الذاتي للهجة الرسمية ( اللغة الفصحى ) ))( ) .
هذه هي أهم العوامل التي تؤدي إلى ولادة اللهجات ، لتُكوِّنَ مع لغتهم شيئًا محسوسًا ، فهي مجموعة من الجزئيات والتراكيب ، فكل جزء من هذا المحسوس يدلُّ على شيء من العام ، فأعطت الدلالة للهجات مكانة بارزة في الدراسات اللغوية ، حتى (( كان للمعنيين بهذا الموضوع من الفرنجة نظرتهم العامة إلى اللهجات ، إذ يرون أنَّ لهذه اللهجات ، على اختلافها وتشعبها ، حياتها واستقلالها ، وهم ينكرون قول من يقول : إنّ اللهجات العامية أو المحكية لغة حادثة مشوهة عن الفصحى مثلاً ، وقد توسَّعوا في هذه الناحية ، حتَّى ذهبوا إلى تأسيس علم جديد سُمِّي ( علم اللهجات ) ، وموضوعه : وصف اللهجات ، وتعريفها ، وصلتها بأمِّها التي انشقت عنها ))( ) .
أسباب الانتشار :
من دراسة متعمقة لواقع اللغة العربية قديمًا وحديثًا ، رصدت مجموعة من الأسباب التي أدَّت إلى انتشارها وذيوعها عبر العصور ، غير ناسين أنَّ واقعها في العصر الحديث يختلف عن واقعها في قديمًا ، وهو ما يسمَّى بعصر الازدهار الإسلامي ، بسبب ما آلت إليه الأمة الإسلامية ، ولكي يقف القارئ على أسباب الانتشار ، ويحاول أعادتها ، لإعادة مجد اللغة ، أوردها تباعًا ، وهي :
1.      شيوعها :
بقيت العربية سائدة في العالم لقرون عديدة ، حتى أصبحت لغة العلم والثقافة والتأليف والترجمة وغيرها ، فكانت ثمرة من ثمرات الحضارة العربية الإسلامية ، وفي عرس دائم في تلك القرون ، فأصبحت لغة الشرق والغرب ، لغة العلماء والشعراء والكتاب ، وذوي الخيالات المجنحة والمبدعين في أيِّ مجال من مجالات الحياة ، فبعد الفتوحات الإسلامية    (( نقلت اللغة العربية من مجالها البدوي المحدود في شمال [ كذا ] الجزيرة العربية ، لتصبح بمضي الوقت أهم لغات الحضارة في العصور الوسطى ))( ) .
ومع كل هذا رغب الكثير من غير العرب بدراستها ، ومنهم البابا بيوس الثاني عشر، الذي رحل إلى الأندلس ، وأقام فيها حقبة من الزمن بغية تعلم اللغة العربية ، والإفادة من كتب المسلمين .
2.      التأليف فيها :
لم يقتصر التأليف بهذه اللغة على الكتب الإسلامية ، وإنَّما تعدتها إلى العلوم كافة ، فأصبحت بعد مدَّة وجيزة من نزول القرآن الكريم لغة العلوم العقلية كـ ( الطب ، والكيمياء ، والفلك ، والطبيعة ) وغيرها ، مثلما هي لغة العلوم النقلية كـ ( الفقه ، والتفسير ، والكلام ، والأدب ) ، بل غدت لغة العلم الأولى التي لا تضاهيها لغة في القرون الوسطى ، وخلَّفت آثارًا تشهد بعبقرية علماء المسلمين على مرِّ العصور ، فألف بها : الخوارزمي ، والرازي ، وابن سينا ، والزهراوي ، وابن البيطار وغيرهم من غير العرب ، فكانت هذه الكتب سائدة في العالم ، وتدرس في معظم جامعات الغرب قرونًا عديدة ، ولا يزال كثير منها يدرس إلى يومنا هذا ، وسيظل يدرس طوال الدهر ، وعلى مدى بقاء اللغة العربية في هذه الدنيا( ) .
3.      دقة قواعدها وغزارة ألفاظها :
زاد اللغة العربية جمالاً أن قواعدها تميزت بالدقة ، ومفرداتِها بالغزارة ، ومناهجَها بالخِصب والتنوع والقدرة على التوليد والاشتقاق والتجديد ، وصدرَها بالسعة والقدرة على النقل والتعريب والتصوير ، وأسلوبَها بالجمال والبلاغة وحسن العبير ، فقد (( تكفلت القواعد التي وضعها النحاة العرب في جهد لا يعرف الكلل ، وتضحية جديرة بالإعجاب ، بعرض اللغة الفصحى وتصويرها في جميع مظاهرها ، من ناحية الأصوات ، والصيغ ، وتركيب الجمل ، ومعاني المفردات على صورة محيطة شاملة ، بحيث بلغت القواعد الأساسية عندهم مستوى من الكمال لا يسمح بزيادة لمستزيد ))( ) .
4.      عولمتها :
كانت اللغة العربية في تلك الأيام في سعتها وانتشارها في أرجاء العالم ، تشبه عولمة اللغة الإنكليزية اليوم من حيث الانتشار والتسابق إلى تعلمها ، فإلى (( جانب النشاط الأدبي في الدوائر العربية عرفت الجماعات الأخرى أفرادًا كثيرين دفعهم نزوعهم الفني إلى تعلم العربية ، لكي ينظموا بها شعرًا يفيدهم في حياتهم الشخصية ويرفع مكانتهم في المجتمع ))( ).
ولكن على الرغم من هذه العولمة ، إلاَّ أنَّ اللغة العربية لم تتجاوز حدودها اللغوية ، وآفاقها الحضارية ، ولم تحمل نزعة الشر والأذى والسيطرة الاقتصادية والعسكرية ، والسياسية ، والإنسانية لمخلوق ، كما تحمله عولمة هذه الأيام .


اللغة العربية والواقع العربي الحديث
حظيت اللغة العربية في القرن العشرين بانتشارٍ مقروءٍ ومسموعٍ ومنظورٍ غير مسبوقٍ في التاريخ ، وقد سَاعَدَ هذا الانتشار في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات ، ففي الوقت الذي كانت القوى الغربية تشنُّ هجومًا على اللغة العربية (( كان حال اللغة الفصحى في المدارس والصحف والنوادي من القوة بحيث لم تكتف بردِّ الهجمات ، بل زادت إلى ذلك نموًّا في قوتها وانتشارها وتمكنها في النفوس تمكنًا ما يزال يقوى على الرغم من التشكيك والعراقيل والمكايد والأحابيل ))( ) .
فضلاً عن العناية الفائقة بمسائلها ، من خلال التأليف والترجمة والتحقيق ، فظهرت كتب التراث ، حتى صارت في متناول الدارسين والقرَّاء ، وفي خضم معركة التسابق بين اللغة العربية وخصومها ، نجد أن أبناءها بدؤوا يطورون وسائل الانتشار يومًا بعد يوم ، فظهرت عدَّة وسائل ، ومنها :
1.      الصحافة : تعدُّ الصحافة وسيلة مهمة من وسائل النشر الثقافي والعلمي ، فضلاً عن أنَّه وسيلة من وسائل الهدم العلمي والأخلاقي ، وقد كانت في أول عهدها مدارسَ شعبية للغة العربية من خلال كتابات الأدباء والمثقفين فيها ، ويمكن أن نعدَّها الموجِّه الهادف للطبقة الشابة والمثقفة في ذلك الوقت ، والمتطلع إلى أي صحيفة منها يجد الأدب والتراث والدين والثقافة وغيرها ، فلم يقتصر أثرها (( على تأليف الناس على الفصحى ، بل ارتفع بهم إلى مستوى أدبي ، إن صح التعبير ))( ) .
فصدرت المجلات والجرائد الأدبية والثقافية الراقية ، والتي كانت منتدى لأقلام كبار الكتاب والأدباء والشعراء والباحثين في الحقول المختلفة ، كاللغة والثقافة والأدب والفكر والفن وغيرها ، فقام بعضها بتوثيق الصلات بين شعوب الأمة العربية ، ونشر آخر الثقافة والعلم ، ومن هذه الصحف :
أ‌.        ( مجلة المنار )( ) التي وصلت إلى المثقفين في إندونيسيا والصين وجنوب أفريقيا والشعوب الإسلامية في آسيا الصغرى وفي شرق أوروبا ، فحملت إلى القارئ نصوصًا راقية المستوى باللغة العربية .
ب‌.      ( جريدة  المقتبس )( ) التي كانت مدرسة موجِّهة موعِّية منوِّرة للعامة والخاصة من الناس .
ت‌.      ( مجلة الرسالة )( ) التي وصلت إلى بلدان المهجر في أمريكا اللاتينية ، فنقلت إلى المثقفين الأدب العربي والثقافة العربية .
ث‌.      ( مجلة الفتح )( ) التي وصلت إلى بلدان أوروبية وأفريقية وآسيوية بعيدة عن الوطن العربي ، فكانت السلطات الاستعمارية في كثير من البلدان العربية الإسلامية تحظر دخولها إليها ، لمَا كان لها من تأثير في نفوس القرَّاء .
ج‌.      ( مجلة المقتطف ) التي تترجم الفصول والمقالات العلمية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية ، فتساهم بذلك في تطعيم اللغة العربية بالمفردات الجديدة وتطويعها لاستيعاب المضامين والمفاهيم الحديثة في العلوم المختلفة ، فظلت تصدر نحو سبعين سنة ، وقد كان لهذه المجلة دور متميّز في نشر الثقافة العلمية باللغة العربية .
فضلاً عن الكثير من المجلات والجرائد التي صدرت في العراق ومصر ولبنان وغيرها( ) .
2.      الإذاعة : كان لظهور الإذاعة إسهام كبير في نشر اللغة العربية في مختلف الأصقاع من خلال نشرات الأخبار ، والأحاديث الدينية ، والبرامج الثقافية والأدبية ، والمسرحيات التاريخية والاجتماعية ، فقدمت لمستمعيها برامجَ باللغة العربية ، فكان الجمهور يتذوقها ويفهمها ، فكان تأثيرها (( أوسع ، لوجودها في كل دار ، يستمع إليها الذكور والإناث، الصغار والكبار كل يوم أكثر من مرَّة ))( ) .
3.      التلفزيون : لا يقل ظهور التلفزيون أهمية عن الصحافة والإذاعة ، وكان أوَّل ظهور له في مصر مع مطلع الستينيا ت، فقدم وظيفة أساسية في نشر اللغة العربية على نطاق واسع .
4.      تدريس اللغة العربية : ويعزز الانتشار للغة الضاد ظهورُ أقسام للغة العربية وآدابها في الجامعات العربية والإسلامية ، وفي بعض الجامعات الغربية التي تهتم بتدريس اللغة العربية والثقافة العربية والحضارة الإسلامية ، ففي النصف الأول من القرن العشرين أنشئت الجامعات التي فتحت فيها كليات للآداب ، فكان الأساس الذي قامت عليه دراسة اللغة العربية وآدابها في المقام الأول ، إذ كان (( إنشاء دار العلوم محاولة لتكوين مدرس اللغة العربية والدين الإسلامي ، على نحو حديث نسبيًّا يخالف ما عرفه الأزهر آنذاك ، فدخل مجموعة من العلوم الحديثة برامج التدريس في دار العلوم ، وكانت بهذا أول معهد عالٍ لتخريج مدرسي اللغة العربية في العالم العربي الحديث )) ( ) .
5.      الطباعة والنشر : كان من المفروض أمام هذه الثورة في الانتشار اللغوي أن تزدهر حركة الطباعة والنشر باللغة العربية على نطاق واسع ، فظهرت دور النشر المختلفة في عدَّة بلدان ، كالعراق ومصر ولبنان وغيرها ، فقامت بنشر الكتب والصحف والمجلات العربية ، وصاحب الطباعة اتساع نشرها ، ممَّا ضاعف من ذيوع اللغة العربية في الآفاق( ) .
6.      المجامع اللغوية : في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت الحاجة إلى إنشاء مجامع للغة العربية ، لما فرضتها المسائل اللغوية ، وبعد أن بدأ العالم العربي يصحو وتتفتح أعينهم على النهضة الأوربية ، فتأسست مجامع اللغة العربية ، وهي :
أ‌.        مجمع اللغة العربية بدمشق ، في العام ( 1918 م ) .
ب‌.      المجمع العلمي العراقي ببغداد ، في العام ( 1921 م ) .
ت‌.      مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، في العام ( 1932 م ) .
ث‌.      مجمع اللغة العربية الأردني ، في العام ( 1976 م )( ) .
كان تأسيس هذه المجامع مهمًّا لخدمة اللغة العربية ، إذ ساعد على تحقيق أمهات كتب التراث العربي الإسلامي ونشرها ، فبدأت هذه الحركة في مصر في الثلث الأول من القرن التاسع عشر ، وازدهرت واتسع نطاقها في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين ، وظهرت معاجم لغوية عربية جديدة ، وشرع في وضع المعجم التاريخي للغة العربية ، وإن كان العمل فيه قد تعثر ثم توقف في بدايته .
وبالنتيجة لا بدَّ من القول : إنَّ عصر ازدهار اللغة العربية بدأ في النصف الأول من القرن العشرين ، ولكنه سرعان ما خفت ضياؤه وخبا لمعانه ، بما شاب الحياة العقلية والأدبية والثقافية من انحرافاتٍ وانعكاسات ، لاستشراء الفساد العام ، ونتيجة لتدفق موجات من الغزو الفكري والاجتياح الثقافي والاستلاب الحضاري ، فضعفت اللغة العربية ، وتراجع دورها في الحياة العقلية والأدبية ، ممَّا أدّى إلى ضعف مستوى التعليم في جميع مراحله ، وإلى غلبة اللهجات العامية .



القسم الثاني
الانحسار في اللغة العربية
 انحسر الرقعة التي عرفتها اللغة العربية بانحسار مدّ النهضة والتطور الحضاري وبانحرافهما عن مسارهما الطبيعي ، بعد دخول الوطن العربي والعالم الإسلامي في متاهات من الارتباك والقلق ، فحين أطلَّ القرن الثامن عشر الميلادي كانت (( البلاد العربية تغِطُّ مع سائر الأقطار التي شملها الحكم التركي العثماني في نوم عميق ، الأمية منتشرة شاملة ، والسلطة استبدادية إقطاعية ، … ، وكان في كلِّ بلد أفراد طلبوا شيئًا من الفقه وعلوم الآلة يقيمون للناس صلواتهم وخطب الجمع والأعياد وبقية الشعائر ))( ) ، وبهذا الانتقال من مرحلة الاستقرار والانصراف إلى تجديد البناء الحضاري ، إلى مرحلة الاضطراب وخلخلة البنيات التحتية للمجتمعات العربية الإسلامية ، انتقلت اللغة العربية من مرحلة المدّ إلى مرحلة الجزر، على المستويات كافة .
عوامل الانحسار
الوضع الحالي للغة العربية واقع لا ينكره أحد ، إذ أدَّى الضعف اللغوي إلى ضعف في جميع مفاصل الحياة العربية والإسلامية ، ومنها : العقلية والثقافية ، وسبب ذلك تداخل فيه عوامل كثيرة ، ويعود في تعقيداته إلى عناصر متشعبة وأسباب يرتبط بعضها ببعض ، ويعود هذا الضعف إلى عدَّة عوامل ، وهي :
1.      ظهور مجموعة من الأصوات التي حاولت ردَّ الضعف إلى قصور اللغة وضعفها وعجزها عن تلبية متطلبات العصر الحديث ، من المواد المعرفية والعلمية والتكنولوجيا ، فضلاً عن أنَّ أهل اللغة لا يسايرون تطور العصر ، فلا يفلحون في تجديد اللغة وتطويرها ، فكانوا يطرحون بين أوان وآخر السؤال الآتي (( كيف تصلح لغة البداة للتعبير عن مكتشفات القرن العشرين ومخترعاته ))( ) .
2.      هناك علاقة جدلية بين اللغة والحياة ، فحين ساد الضعف في مجالات الحياة العربية كافة ، تأثرت اللغة به ، فكان لانحسار مدّ اللغة العربية ثمرة لانحراف أهل اللغة نحو مآزق أبعدتهم عن مصادر القوة الحقيقية ، والتي تتمثل في قوة الروح والفكر والضمير والإرادة ، فضلاً عن حماية الكيان العربي الشخصي والعام ، وفي صون الحقوق والذود عن المصالح العليا للأمة .
3.      الإهمال الشديد : انعكست حالة الضعف التي تسري في كيان الأمَّة العربية الإسلامية على حالة اللغة العربية ، فأصبحت اللغة في وضع يجعلها تتخلف عن العصر ، وتتعرض لإهمال شديد من أهلها الذين يعرضون عنها ، ويرمونها بكل نقيصة ، يستوي في ذلك من تعلَّم العربية وأجادها وملك ناصيتها ، ومن لم يتعلمها ، أو من تلقاها من مصدر غير كفء .
4.      هيمنة الأفكار والمذاهب الغربية : كان من الطبيعي أن تهيمن الأفكار والمذاهب والنظم الغربية على العقل العربي والإسلامي ، لما أصاب الجسد العربي من ضعف ووهن ، ففرضت سياسات وأملت اختيارات تَتَعَارَضُ مع الخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب العربية والإسلامية ، فضلاً عن شنّ حرب على اللغة العربية ، وبمساعدة مجموعة من العرب من جهة ، وتشجيع العناصر الأجنبية وتحريضهم من جهة أخرى ، فعملت من أجل فرض لغاتها وثقافاتها ونظم حياتها على الشعوب غير القادرة على حماية خصوصياتها .
5.      فشو اللحن واستشراء الضعف والهزال : ونجد في بعض الأوقات أنَّ استشراء اللحن وظهور اللحن والخروج على قواعد اللغة بلغ حدّ الاستخفاف والاستهانة باللغة وتجريحها والمس بكرامتها ، لأن لكل لغة كرامة كما للكائن البشري .
6.      الضعف السياسي والفكري والثقافي : كان للضعف الذي دبَّ في جسد الأمة الدور الكبير في انحسار اللغة ، إذ نجد الضعف قد استشرى في المجتمعات العربية كافة ، فظهرت زعامات شعبية قيادية تخطب في الجماهير باللهجات المحلية ، فإذا اضطرت إلى القراءة بالعربية الفصحى أفسدت اللغة وأساءت إليها بإشاعة الخطأ ، وفي هبوط مستوى اللغة العربية في جميع المجالات .
اللغة العربية ولهجاتها
تُعدُّ علاقة اللغة العربية مع لهجاتها من وسائل الانحسار اللغوي أو قل من أسبابه ، لما تتمتع به اللهجات من مكانة كبيرة في رفد اللغة بما تحتاجه من خزين لغوي ، ففي الوقت الذي نجد فيه اللهجات عاجزة عن رفد اللغة بما تريد ، نجد أن اللغة أصيبت بالانحسار في كثير من جوانبها ، ومن صور عجز اللهجات حين يظهر للعيان أنَّها تنصهر اللغة ، وهو ما يطلق عليه بـ ( توحُّد اللغة ) .
وهنا يظهر لنا سؤال : هل تبقى اللهجات مع اللغة الأم على حالٍ واحد ؟ لا يبقى سير اللهجات واحدًا في جميع اللغات ، فقد تتوحَّد اللهجات مع اللغة الأم ، إلاَّ أنَّ هذا التوحد محكوم بغلبة إحدى اللهجات على أخواتها في اللغة الواحدة ، لمكانتها ، فتأخذ اللغة الأم من هذه اللهجة الأساليب والألفاظ للتعبير عن متطلباتها ، فترتقي إلى درجة اللغة الأدبية ، ولا يمكن حصول هذا التوحد حتى تمرَّ اللغة ولهجاتها بعوامل تستدعي توحدها ، ومن خلال مرور اللغة العربية بهذه العوامل ، يمكن أن أجملها بما يأتي :
1.      العامل السياسي :
تعمل السياسة عملها في توحيد اللهجات ، ويكون هذا التوحيد في التقارب بين المتكلمين المنتشرين في المناطق المختلفة الخاضعة للحكم الواحد ، فيعمل حاكم البلاد على تجريد كلامه من الكثير من الصيغ والتعبيرات والألفاظ التي تستعمل في مجموعة من ولايات حكمه دون الأخرى ، ويتكلم بلغة واحدة ليتسنى لجميع شعبه فهم كلامه ، فضلاً عن رغبة أبناء الولايات الأُخرى الكلام بلغة أبناء العاصمة ، على أساس أنَّها اللغة الثقافية ، ويكون هذا واضحًا عند أبناء الأرياف الذين يرومون إبراز شخصيتهم وإثبات تماسهم مع الثقافات  المختلفة ، لأنَّهم لو تمسكوا بألفاظهم وتعبيراتهم فسيواجهون بردِّ فعل المجتمع ، وأقلُّه الاستهزاء والسخرية ، لأنَّهم يتكلمون على أساس اعتقاد أبناء العاصمة ، بلغة بدائية .
وفي هذه الحال تكون لهجة العاصمة غالبة على جميع ، فيحصل حينئذ توحد بين اللهجات واللغة الأم ، فتفرض لهجة العاصمة وجودها ، وأقرب مثال نلمسه على هذا التوحُّد ما نجده في السيادة السياسية العربية لقبيلة قريش ، إذ أصبحت السيادة اللغوية لها أيضًا ، فحين توحدت اللهجات العربية كانت الغلبة لها .
2. العامل الأدبي :
اللغة هي الوسيلة الوحيدة التي يعبر بها الأديب عمَّا في داخله ، فهي كالفرشاة واللون عند الفنان ، لذلك نجد التيارات الأدبية مختلفة فيما بينها ، سواء كان هذا الاختلاف في الأسلوب أم في غيره ، ولعلَّ من أهم الاختلافات القائمة بين الأدباء اختلافهم في استعمال نصوصهم ، فنرى مجموعة من أنصار القديم يرفضون الخروج عن نطاق اللغة المتوارثة ، ومجموعة من أنصار الحداثة يميلون إلى استعمال الألفاظ العامية أو اللغة غير الفصيحة ، وفي ظل هذا الاختلاف تنشب الصراعات بين المجموعتين .
3.      العامل الاقتصادي :
مكَّن العامل الاقتصادي اللغة الأم من التوحُّد مع لهجاتها ، لأنَّ استعمال اللغة الاقتصادية في البضائع والتجارة يفرض نفسه على الجميع ، ممَّا يجعل أبناء الولايات الأخرى خاضعين لهذا الاستعمال ، وخير مثال على ذلك أنَّ قريشًا احتلت مكانة مرموقة في الأقاليم المجاورة للجزيرة العربية( ) ، إذ ذكرت كتب التاريخ أنَّ قوافلها كانت تسير بأمن واطمئنان ، ناقلة مختلف أنواع البضائع إلى هذه المناطق( ) ، وأدت هذه السيطرة إلى سيطرة لغتها وشهرتها ، لأنَّ العمل التجاري وسيلة مهمة من وسائل نقل اللغة والأفكار ، فكانت قوافلها تسير إلى اليمن والشام والعراق ومصر( ) .
4.      العامل الديني :
تتحدَّد مكانة اللغة الدينية بمستوى الوازع الديني في نفوس شعبها ، فالدين يجمع الناس على كتاب واحد ، يردِّدون في مناسبات معينة تراتيلهم وأناشيدهم بهذه اللغة ، فإذا ساد الشعور الديني الشعب ، نجدهم ينكبون على تعلم اللغة الدينية ، فيتحصل حينئذٍ انحسار اللغة التي يتكلمون بها ، حتى تغلب اللغة الدينية على نطقهم .
وليس من المفروض أن تكون اللغة الغالبة تختلف تمامًا عن المغلوبة ، فقد يكون هذا التوحد بإلغاء مجموعة من الألفاظ ، وإحلال ألفاظ أخرى بدلاً عنها ، وعليه نجد غلبة اللهجة القرشية على اللهجات العربية الأخرى ، لمكانة القرشيين عند العرب ، فَهُمْ سدنة البيت والقائمون على سقاية الحجيج ، واستضافتهم ، وتلبية كل متطلباتهم ، فكان سلطانهم معروفًا لدى جميع العرب( ) .
بعد أن ذكرت العوامل السابقة( ) ، نلحظ بجلاء أثرها في اللغة الأم ، وهناك مجموعة أخرى من العوامل لا مجال لذكرها خشية الإطالة ، أو لعدم ارتقائها في الأهمية إلى ما ذكرته سابقاً( ) .







الخاتمة ونتائج البحث
بعد هذه الجولة في ( اللغة العربية وجدلية الانتشار والانحسار ) لا بدَّ لنا أن نرسم مجموعة من الخطوط التي توضح مستقبل اللغة العربية ، لأنَّنا أمام واقع لا يبشر بخير ، بعد أن بدأت اللغة تتفلت من بين يدينا رويدًا رويدًا ، وعلينا أن نرصدها السلبيات لنعيد جزءًا من ماضيها المشرق ، ونرسم لها المستقبل الزاهر ، لأنَّ مستقبل اللغة العربية جزء لا يتجزّأ من مستقبل الأمة العربية الإسلامية ، وعليه نكون قد خرجنا من هذا البحث بالنتائج الآتية :
1.      ليست اللغة العربية لغة محادثة فحسب ، بل لغة علم وثقافة وفن وأدب ، ففيها صُنِّفت الكتب العلمية الصرفة ، في الرياضيات والكيمياء والطب وغيرها ، فضلاً عن الكتب الأخرى .
2.      اعتنى غير العرب باللغة العربية عناية توازي عنايتهم بلغتهم ، وقد نجد عنايتهم بالعربية تفوق حتى العناية بلغاتهم ، لما وجدوه من طواعية اللغة وقدسيتها وعولمتها .
3.      يعدُّ ارتباط اللغة العربية بلهجاتها من أهم أسباب الانتشار اللغوي ، لما ترفده اللهجات من مفردات قد يحتاجها المتكلم فلا يجدها في مخزونه اللغوي .
4.      يساعد الاتصال البشري اللغات على الانتشار ، فبعد أن يجد المتكلم نفسه أمام مجتمع يغايره في اللغة ، يحاول المزاوجة بين أسلوبه وأسلوب غيره .
5.      تعمل البيئات البشرية على تطوير المستويات اللغوية ، لأن تقاربها أو تباعدها يساعد المتكلمين على التنوع اللغوي في المفردات .
6.      اجتمعت في اللغة العربية مجموعة من الأسباب التي ساعدت على انتشارها  قديمًا ، وهي : الشيوع ، والتأليف ، ودقة قواعدها ، وعولمتها .
7.      أخذت اللغة العربية في العصر الحديث قالبًا مغايرًا لما كانت عليه في القرون الماضية ، إذ اتصال العرب بالمجتمعات غير العربية ساعد في تفكك الرابطة بين العربي ولغته ، فظهرت مجموعة من الوسائل التي حاولت إعادة اللغة إلى المتكلم ، وهي : الصحافة، والإذاعة ، والتلفزيون ، والتدريس ، والطباعة والنشر ، والمجامع اللغوية .
8.      ومع كل ما توافر للمتكلم العربي من وسائل لإعادته إلى لغته ، إلاَّ أن هناك مجموعة من العوامل أدت إلى إبعاده عنها ، أو انحسار اللغة ، وهي : القول بقصور اللغة ، وجدلية المتكلم والحياة ، والإهمال الشديد لها ، وهيمنة الفكر الغربي ، وفشو اللحن ، والضعف السياسي والفكري والثقافي .
هذه النتائج وغيرها أهم ما خرجت به من هذه الدراسة ، على أن أجد تطبيقًا عمليًّا  لها ، حتى نخلص اللغة العربية من حاضرها المؤلم .
قائمة المصادر والمراجع
1.      الآداب السامية ـ محمد عطية الأبراشي ـ مطبعة عيسى البابي الحلبي ـ مصر ـ ط 1 / 1946 .
2.      أصول اللهجة العراقية ـ محمد رضا الشبيبي ـ مجلة المجمع العلمي العراقي ـ المجلد ـ الجزء الثاني / 1375 هـ 1956م .
3.      البيان والتبيين ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( 255 هـ ) ـ تحقيق : فوزي عطوي ـ دار صعب ـ بيروت .
4.      تاريخ الأدب العربي ـ السباعي بيومي ـ مطبعة الرسالة ـ ط 2 / 1955م .
5.      تاريخ العرب العام إمبراطورية العرب حضارتهم مدارسهم الفلسفية والعلمية والأدبية ـ ت . اسيديو ـ ترجمة : عادل زعيتر ـ مطبعة عيسى البابي الحلبي ـ القاهرة ـ ط 2 / 1969م .
6.      تاريخ اللغات السامية ـ إسرائيل ولفنسون ـ القاهرة ـ ط 1 / 1929م .
7.      تطور لغة الطفل ـ أحمد حسن أبو عرقوب ـ مركز غنيم ـ عمان ـ 1990م .
8.      الجهود اللغوية خلال القرن الرابع عشر الهجري ـ الدكتور عفيف عبد الرحمن ـ دار الحرية للطباعة ـ بغداد ـ 1981م .
9.      الخصائص ـ أبو الفتح بن جني ( 392 هـ ) ـ تحقيق : محمد علي النجار ـ عالم الكتب ـ بيروت .
10.    دراسة اللهجات العربية القديمة ـ الدكتور داود سلوم ـ عالم الكتب ـ ومكتبة النهضة العربية بيروت .
11.    السيرة النبوية ـ أبو محمد بن هشام الحميري ( 213 هـ ) ـ تحقيق : الدكتور همام عبد الرحيم سعيد ، ومحمد بن عبد الله أبو صعيليك ـ مكتبة المنار ـ الأردن ـ ط 1 / 1409 هـ ـ 1989م .
12.    الطبقات الكبرى ـ أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري ( 230 هـ ) ـ مطبعة دار صادر ، ودار بيروت ـ بيروت ـ 1376 هـ ـ 1957م .
13.    طرق تنمية الألفاظ في اللغة ـ محاضرات ألقاها : الدكتور إبراهيم أنيس ـ مطبعة النهضة الجديد ـ مصر ـ 1966 م ـ 1967م .
14.    العربية دراسات في اللغة واللهجات والأساليب ـ يوهان فك ـ ترجمة : الدكتور رمضان عبد التواب ـ المطبعة العربية الحديثة ـ القاهرة ـ 1400 هـ ـ 1980م .
15.    علم اللغة العام ـ فردينان دي سوسور ـ ترجمة : الدكتور يوئيل يوسف عزيز ـ مراجعة النص العربي : الدكتور مالك يوسف المطلبي ـ دار آفاق عربية للصحافة والنشر ـ بغداد ـ 1985م .
16.    فصول في فقه اللغة ـ الدكتور رمضان عبد التواب ـ مكتبة الخانجي ـ القاهرة ـ ط 3 / 1987 م .
17.    في اللهجات العربية ـ الدكتور إبراهيم أنيس ـ المطبعة الفنية الحديثة ـ مصر ـ ط 3 / 1965م .
18.    القرآن واللهجات العربية ـ الدكتور حسام النعيمي ـ بحث منثور ضمن كتاب ( رحلة في الفكر والتراث ) مطبعة جامعة بغداد ـ 1980م .
19.    لغات البشر أصولها ، طبيعتها ، تطورها ـ ماريو باي ـ ترجمة : الدكتور صلاح العربي ـ مطبعة العالم العربي ـ القاهرة ـ 1970 م .
20.    اللغة ـ فندريس ـ ترجمة : عبد الحميد الدوالي ، ومحمد القصاص ـ مكتبة أنجلو المصرية ـ القاهرة .
21.    اللغة العربية عبر العصور ـ الدكتور محمود فهمي حجازي ـ دار الثقافة للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ 1978 م .
22.    اللغة والمجتمع ـ الدكتور علي عبد الواحد وافي ـ دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة ـ 1364 هـ ـ 1945 م .
23.    اللهجات العربية نشأةً وتطورًا ـ الدكتور عبد الغفار حامد هلال ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ 1418 هـ ـ 1998م .
24.    مدخل إلى علم اللغة ـ الدكتور محمود فهمي حجازي ـ دار الثقافة ـ القاهرة ـ ط 2 / 1978م .
25.    المسلك اللغوي ومهاراته ـ محمد أبو العزم ـ مطبعة مصر ـ ط 1 ـ 1953م .
26.    معالم التطور الحديث في اللغة العربية وآدابها ـ محمد خلف الله أحمد ـ طبعة القاهرة ـ 1961 م .
27.    المغازي ـ الواقدي ـ طهران ـ نسخة مصورة عن طبعة جامعة إكسفورد ـ لندن ـ 1977م .
28.    من حاضر اللغة العربية ـ سعيد الأفغاني ـ دار الفكر ـ بيروت ت ط 2 / 1971 م .
29.    موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ـ الدكتور أحمد شلبي ـ مطبعة النهضة المصرية ـ 1977م .
30.    نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها ـ أنستاس ماري الكرملي ـ المطبعة العصرية ـ القاهرة ـ 1938م .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق