الخميس، 18 ديسمبر، 2014


الأحوال اللغوية في إفريقيا السوداء ومركز العربية في القارة 

 

 

الأحوال اللغوية في إفريقيا السوداء ومركز العربية في القارة
  دعوة الحق
العددان 121 و122

للغة العربية في افريقيا السوداء، ماض طويل، وحاضر غني بمختلف الوعود، فالى اين يتجه الضاد في مناطق جنوب الصحراء؟ وهل من امكان الاسهامه في القضية اللغوية الكبرى، التي تواجه افريقيا الحديثة ؟
اللغات التي يتكلم بها في افريقيا السوداء، بالغة حدا اقصى من الكثرة والتشعب، بحيث انك تستطيع ان تحصيها في نطاق القطر الواحد، بالعشرات، اما اذا اضفت اللهجات الصغيرة المستعملة في نفس القطر فيسعك حينئذ – في بعض الاحيان – ان تعد ذلك بالمئات، ففي "الكامرون" مثلا، يرتفع عدد اللغات واللهجات المتكلم بها الى 70 وفي ساحل العاج 72. ولغات "نيجيريا" تقدر بنحو 50. اما غانا، فاللغات تتراوح فيما بين الاربعين والستين، واما اللهجات الصغيرة، فيحصونها بحوالي 800.
وهكذا الحال بصورة تقل عن هذا او تكثر في المناطق الاخرى من افريقيا، وقد يعلل المرء هذه الحالة من التعدد الواسع في اللغات واللهجات الافريقية، يكون عدد هذه المناطق لافريقية عاشت طويلا في عزلة عن بعضها البعض، وذلك بفعل الحواجز الطبيعية كالادغال والصحاري والانهار والمستنقعات ونحوها.
وقد يوتي بغير هذا من التعليلات، يحاول بها تفسير الصورة الموجودة. وعلى أي، فالتعدد اللغوي المتمثل في كثرة اللغات واللهجات بالقارة واختلافها عن بعضها البعض، يقوم كظاهرة قائمة وبارزة في افريقيا. ومن اكبر الظواهر التي تلفت انتباه الدارس للاوضاع الافريقية. ولا شك ان كثرة اللغات في المنطقة الواحدة على نحو ما ذكرنا. يخلق في العادة حالة ضعف في قدرات هذه اللغات المتكاثرة، وتشعبها في التعبير بها لا يساعد على تكوين صورة ثقافية قوم من الاقوام، تتميز بقوة ايحاءتها، وتناسقها الضروري. وفي افريقيا، يلحظ ايظا شيء من هذا في الكثير من اللغات التي تنتشر على نحو متشعب في طول القارة وعرضها. فالعديد من هذه اللغات، محصور في نطاق التعبير عن احوال الحياة البسطة اليومية، ولا يتوفر لها في معظم الاحوال تنظيم كتابي ولا اطار كافي لتقعيد الاسس التي يقوم عليها التعبير بها، ومع ذلك فان حركة الفكر والثقافة بافريقيا الحديثة، تسير خطوات متقدمة، ويسجل الانتاج الثقافي الافريقي ارقاما لا باس بها بسبب ما يصدر للمؤلفين الزنوج من قصص دواوين وابحاث مختلفة، وبعض هذا الانتاج ينصب على القضايا الافريقية بالذات، ويتجاوب مع الافكار والحقائق الجديدة في القارة. وغني عن البيان او اللغات الافريقية الصغيرة، المنتشرة على نطاق قبائلي في افريقيا، لم تهيا – في الغالب – لتكون اطارا مستوعبا لحقائق الفكر الافريقي الجديد وتطورات الحياة العصرية التي تندرج افريقيا في سلكها اكثر فاكثر، وحتى لو كانت هذه اللغات الافريقية الكثيرة المتشيعة، لها نصيب ما من القدرة على شيء من هذا القبيل، فان تعددها البالغ، يحول بينها وبين ان تعبر عن اضخم فكرة افريقية، واولادها في عصرنا، وهي فكرة الانبعاث الافريقي المتوازي، المستمد روحه وصورته من اصول الحضارة والثقافة المشتركة بين الشعوب الافريقية، ومن ثم، فان اللغات الصغيرة التي ذكرنا، محكوم عليها – كما يظهر- ان تستمر كمجرد ادوات صغيرة في مختلف اطراف العالم، يبقى اذن جانب اللغة او اللغات الثقافية بافريقية، اللغات الفروضة فيها ان تكون وعاء لحمل معطيات الثقافة الزنجية، بشتى اشكالها، والوانها. ان هناك في افريقياعلى ما يبدو – تسليما عاما بضرورة تطوير الوضع اللغوي بالقارة، ليسير في الاتجاه الحتمي، القاضي باعادة بناء الشخصية الثقافية الافريقية، واذا قلنا عن اللغات الصغيرة المتشعبة، انه من المحكوم عليها ان تبقى ادوات للتخاطب على نطاق جد محدود، فذلك انه رذلا يبدو ان هناك في القارة اتجاها حقيقيا الى تطوير هذا الخضم الهائل من اللغات، واعداده. هكذا التعبير عن الحضارة الافريقية والوحدة الثقافية الافريقية في نفس الوقت. ولا يستمر الفكر الايفريقي في الانتظار، ليجد بديلا لغويا، يستعين به في التعبير عن تطلعاته وانفتاحاته، لقد وجد المثقفون في افريقيا منذ البداية هذا البديل، في صورتين قد تبدوان متناقضتين من جهة، ولكنهما استصلحتا – مع ذلك – وبكل ما يوجد بينهما من تباين، في خدمة اهداف الادب الافريقي الحديث، المحتاج للتعبير عن نفسه، باي وسيلة يكون هذا التعبير. (الصورة الاولى) تضم مجموعة اللغات الاوروبية السائدة في القارة، وهي الانجليزية والفرنسية، بدرجة اولى، ثم البرتغالية بنسبة اقل، وتاتي الاسبانية بعد ذلك، وشانها ضئيل بالنسبة لغيرها. لقد صيغ الكثير من اشكال الادب الافريقي، الصادر خلال القرن، في اساليب اوروبية، يبلغ بعضها درجة مهمة جدا، في مضمار البلاغة الاوروبية، بيد ان مضمون هذه الانتاجات او مضمون البعض منها على الاقل ينضح بنكهة بارزة، وتتبلور من خلاله آفاق فكر، تتفق مع التطورات الواسعة التي تعرفها القارة الافريقية (الصورة الثانية) وتشمل عددا من اللغات الافريقية التي استصلحت خلال العقود الماضية، ادوات تعبير عن الفكر المحلي ونشرت بهاضمن هذا الاعتبار – كتابات افريقية مختلفة.
ان هذه اللغات الافريقية، لا تدخل في باب اللغات الصغيرة المنتشرة في افريقيا، والتي تستعمل عادة كوسيلة تخاطب، اكثر مما تستخدم لغات تعبير عن معطيات الفكر والحضارة بل تعتبر – عكس ذلك لغات كبيرة، بسبب مالها من سعة في امكانيات التعبير، وما لبعضها من احتكاك يمتد على مدى التاريخ، بالتيارات اللغوية والثقافية،الواردة على افريقيا من نواح اخرى العالم ! وعلى هذا، فهناك مجال للتمييز في ميدان التعبير اللغوي بافريقيا بين لغات صغيرة، واخرى كبيرة، وهذه الاخيرة، تقوم بدور لا باس به في التعبير عن بعض مناحي الكتابة الصدفية ونحوها، وتتمثل من خلالها – كما سلف – الوسيلة الثانية المستعملة في الكتابة، بافريقيا. اما الوسيلة الاولى، فهي وسيلة اللغات الاوروبية، وابرز اللغات الافريقية الكبرى التي ذكرنا ثلاث لغات : اللغة السواحلية، وتسود مناطق شرقي افريقيا بوجه عام. ويتكلم بها هكذا في كل من "كينيا" و"اوغندة" و "طانزانيا" واقاليم الكونغو الشرقي وزامبيا وجزر القومور والساحل الغربي – "مدغشقر" وبقدر مجموع المستعملين للسواحيلية بما يربو على الثلاثين مليونا، اما اللغة الكبيرة الثانية في افريقيا فهي لغة "الحاوسة" وتروج فيما بين نيجيريا والنيجر ويتخاطب بها ما يربو على العشرة ملايين منتشرين في مساحات شاسعة.
اما ثالثة هذه اللغات فهي لغة "البولة" ومواطنها بالخصوص في غربي افريقيا، وتنتشر بين مجتمعات مختلفة هنا وهناك، تمتد من السينغال على الساحل الاطلسي الى الكامرون و "البوله" ليسو سودا خالصي السود، انما هم اقرب الى السلالة البربرية او الحبشية، وقد اسسوا دولة غانا في القرن العاشر.
ان هناك ملاحظات بشان هذه اللغات الكبيرة، يمكن ابداؤها في النقط التالية :
1)
انها رائجة في افريقيا على مستوى واسع جدا، يشمل دولا عديدة في افريقيا على مستوى واسع جدا، يشمل دولا عديدة، وتلتقي في محيطيه مجتمعات قبائلية متعددة، تنتشر هنا وهناك في القارة. ويضيف البعض اللغة السواحيلية على الخصوص بانها لغة دولية، والواقع هو هذا وان كان لايعني انهذه اللغات توجد وحدها في المناطق المنتشرة فيها، بحيث لا يزاحمها فيد ذلك مزاحم
2)
اللغات الكبيرة هذه، امكانية مهمة جدا، لا تتوفر قيمة اساسية للغة ما الا بها، ومن ذلك انها، أي هذه اللغات او بعضها على الاقل لغات مكتوبة، ثم ان لها، الى ذلك مجالا اوسع بكثير مما لغيرها في مجال التعبير عن الصور والحقائق، مضافا الى هاتين الميزتين ارتباطها بتراث ثقافي وحضاري مما تعتز به افريقيا. وتعتمد في جملة ما تعتمد عليه من معطيات دالة على ثقافتها في السابق، وكل هذا مما لا يتوفر لكل صغيرة او لهجة جارية، مما يهب او يدب هنا وهناك في افريقيا او غيرها.
3)
ارتباط هذه اللغات، وبالاخص السواحيلية، باللغة العربية، وتاثرهما بهذا الارتباط، تثارا ايجابيا بالغا، والواقع ان الميزتين التي اسلفنا ان اللغات الافريقية الكبرى تتمتع بها، هذه الميزات راجعة في الاغلب الى هذا الارتباط الذي لها بلغة الضاد.
يبرز هنا سؤال عن مركز العربية نفسها في افريقيا السوداء، ما دام ان لها كل هذا الدور الذي لعبته في القارة الى حد ان تعتبر كمصدر لبعض الميزات التي تتوافر لبعض اللغات الافريقية الكبيرة ؟ الحق ان للعربية وضعا خاصا في افريقيا لا يماثلها في غيرها، فهي ليست – بطبيعة الحال – من قبيل اللغات الاجنبية التي تروج في القارة، لانها تنتسب الى القارة فعلا، وتعتبر – في الاساس – لغة افريقية، على اساس انها اللغة القومية لمجموع الشريط الساحلي، الشمالي لمجموع افريقيا، ويمتد هذا الشريط على البحرين المتوسط والاحمر كليهما، فالعربية من هذه الناحية، تلاحم صميمي مع القارة، الا انها في نفش الوقت، لا تعد لغة زنجية، كلغات افريقية الزنجية، ولا نقول هذا بالنظر لاصلها السامي، واللغات الاخرى لغات حامية، وانما نقوله لسبب آخر، وهو ان العربية لا تقوم كلغة قومية وحيدة في قطر من اقطار افريقيا السوداء، لكننا اذا نظرنا الى الامر – من جانب آخر، فاننا نجدها – رغم هذا – ذات تداخل واسع مع اللغات الافريقية ولها من التاثر في هذا المضمار خلال الماضي والحاضر ما يعطي الحق في ان تدرج ضمن الحديث عن اللغات السائدة في جنوب الصحراء، ان للعربية – بناء على هذه الاعتبارات – وضعا خاصا داخل مناطق جنوب الصحراء، وهو وضع يتميز – في الكثير – بايجابيته التي لا تنكر في كون العربية وان كانت غير متكلم بها في افريقيا السوداء على نطاق اوسع، فانها – مع ذلكيجب ان يقيم مركزها هناك، على اساس هذا الاعتبار بالذات.
يعود  عهد اللغة العربية بافريقيا السوداء الى تاريخ طويل جدا، يقترن بتاريخ طويل جدا، يقترن بتاريخ الانتشار الاسلامي جنوب الصحراء. وقد امتدت حركة الاسلام عبر الصحرى الكبرى الى افريقيا، على مراحل طويلة ومتدرجة. وكذلك كان دخول العربي الى المنطقة، بحيث يصعب تحديد تاريخ جد مضبوط، يميز بين فترة الانتشار الاولى، وفترة الاستقرار الذي تلا ذلك مباشرة، وادى الى تمكن هذه اللغة من امرها في المجتمعات الافريقية، وبدئها عملية التاثير الفعال على الاوضاع اللغوية الافريقية، على انه مهما كانت بداية هذا التاثير الفعال، فان حياة العربية في افريقيا – وقد تطورت خلال القرون الموالية – قد رافقت مراحل السياسة والثقافة بالقارة السوداء، وشاركت فيذلك بالقدر الذي يؤهلها اليوم لان توصف بانها جزء من الثرات القومي الزنجي، ومصدر من مصادره الرئيسية، ليس من همنا هنا ان نعرض لهذا الماضي الطويل، بكل ما يمكن ان يتبين من معالمه، وانما ينحصر الغرض في نطاق محدود، هو استجلاء بعض الآثار الموجودة الآن في افريقيا، والدالة على اهمية هذه الماضي، وما ثم خلاله من تداخل عميق بين العربية، واللغات الزنجية الكبرى في القارة.
ولنتطرقاولا – الى الملابسات الانسانية البادية بهذا الصدد، واول ما نلحظ من هذا، ان الظاهرة المتمثلة في اللغات السواحيلية، وما تشير اليه من دلالات عربية لها شانها، فقد نشات اللغة العربية في ظروف تميزت بحركة تمازج عربي افريقي بعيد المدى في افريقية الشرقية، وقد تجلت الصورة الانسانية لهذا التمازج في الجماعات الافريقية التي تعمر الكثير من مناطق الساحل الشرقي الافريقي والتي يجري في عروقها خليط من دماء عربية وزنجية، اما الصورة اللغوية لهذا التمازج، فتتحلى في اللغة السواحيلية بالذات، التي هي مزيج من لغة "البانتو"  الزنجية، واللغة العربية، لان الاسم اسم عربي تماما، يعني النسبة الى السواحل، ويقصد بذلك على ما يظهر – اما ان السكان الذين يتكلمون هذه اللغة، يعيشون على الساحل، وهم ينتشرون فعلا على امتداد المناطق الساحلية لشرقا افريقيا، واما يراد به ان العرب الذين امتزجوا بالسكان الزنوج في المنطقة، قد اتو في الاصل عن طريق الساحل، وهذا ما تم في الواقع اذ هاجرت اعداد كبيرة من عرب الجنوب والخليج، الى السواحل الشرقية لافريقيا واستقرت بها، حيث اثرت بصورة قوي على المنطقة، وطبعها بطابع سلالي ولغوي ذي صبغة خاصة، ويقدر بعض الباحثين. ان ما تحويه اللغة السواحيلية من الفاظ عربية الاصل، يبلغ نحو الاربعين في المائة، واكثر من هذا، فان هناك بعض الاجزاء من المنطقة، يقوى فيه استعمال العربية نفسها، وان كان ذلك على طريقة اللهجات العربية السائدة في الجنوب والخليج.
واذا حولنا النظر من شرقي افريقيا الى اواسط افريقيا، حيث بوجد للغة الحاوسة مجالات انتشار مهمة، فاننا نلحظ ايظا نفس الحضور اللغوي العربي، يتمثل في اللغة السواحيلية، ان لغة "الحاوسة" لغة زنجية، تنتمي – من حيث الاصل اللغويالى لغات العائلة التشادية، واكبر مواطنها – كما سلف – في النيجر، وخاصة الجنوب منه، كما تنتشر على نطاق واسع ايضا في شمال نيجيريا. وتستعمل ايضاعلى درجات متفاوتة في نواح مختلقة اخرى من غربي افريقيا وتعتبر لغة الحاوسة على العموم كلغة صلة بين المناطق الذاهبة من الطوغو الى الكامرون، ومن الصحراء الكبرى الى خليج "غينيا" ومن هنا، اهميتها كلغة مشاعة، مثل ما هو الحال بالنسبة لـ "السواحيلية" وقد انتشر الاسلام بين قبائل "الحاوسة" كلغة – تعرف نموا متزايدا بفعل ما تتلقاه من مصطلحات عربية، كما تعرف نفوذا مطردا كنتيجة لاتساع الصلات بين الشمال الافريقي والجنوب الافريقي عبر الصحراء، اما اللغة الاخرى لغة "البوله" فتنتشر كما نعرف، في غربي افريقيا وتمت بالصلة جملة من اللهجات بفولتا العليا و "فوتا دجالون" وغير ذلك، وتنطوي في مختلف الاحوال عللا عناصر عربية مهمة واذ نواصل فحص المؤثرات العربية في لغات افريقيا، نجد في الخط العربي المكتوبة به هذه اللغات، عنصرا مهما جدا من عناصر هذا التاثير، وصورة قوية من صوره، فسواء في اللغة السواحيلية او لغة الحاوسة او غيرها من اللغات المكتوبة في افريقيا، فان الحروف العربية استعملت خلال القرون اداة للكتابة عند الذين يكتبون لغة من هذه اللغات. وصلاحية هذه الحروف للغات الافريقية قد اغنى خلال العصر الوسيط عن تلمس طريقة اخرى للكتابة بحروف غير الحروف العربية، ومن ثم، اندمجت مختلف الابجديات الافريقية، وفي العصور الحديثة، وبسبب نولي الاوروبيين مقاليد الامور بجنوب الصحراء، واحتكاك الافارقة باللغات الاوروبية، ظهرت اتجاهات متعددة الى الاخد بالحروف اللاتينية، عوضا عن الحروف العربية، مثل ما حدث في اندونيسيا وتركيا بالقارة الاسيوية، بيد ان هذه الاتجاهات – وان كانت قد ادت فعلا – الى "تلتين" الكتابات الافريقية في عدة احيان، فانها لم تستطع – غم هذا – من اقصاء الحرف العربي بالمرة، حيث لا يزال العمل جاريا به عند الكثير من الافارقة، وخصوصا الذين تعودوا عليه من الناطقين بالسواحيلية و "البوله" و "الحاوسة" وقد يبدو ان السواحيلية اشد تمسكا من غيرها بالتاثير العربي، نظرا لارتباطاتها الخاصة باللغة العربية، ونسبة التمازج العربي الزنجي العميقة جدا في ربوع افريقيا الشرقية، ولكن الذي هو ملحوظ في واقع الامر، ان غربي افريقيا، يوجد فيه هو ايضا آثار من هذا التحدي للنزعة اللاتينية على الرغم من ان "التلتين" قد تحققت له نجاحات في هذه المنطقة من افريقيا، اكثر مما حققه مع افريقيا اللغة السواحيلية، فعندما يخالط المرء قبائل، افريقيا غربية، ك "الولوف" و"السونيتكي" وغيرها، يشهد كثيرا من الحالات التي تقع فيها الكتابة بالحروف العربية، وحتى في افريقيا الشرقية بدت نمادج خط للغة السواحلية بالحروف اللاتينية، لكن الذي يمكن تاكيده هو ان الحرف العربي اعمق اثرا في افريقيا السوداء من ان يتلاشى اثره فيها، ولا شك انه سيستعيد بعضا مما كان له من سابق ذيوع في افريقيا بعد ان اخذت العربية تسترجع قدرا كبيرا من الحيوية في المنطقة.
تميز العقدان : الحالي والذي قبله، بالحركة التاريخية الكبرى التي عرفتها جنوب الصحراء، وادت الى تتابع استقلال الاقطار الافريقية، بما فيها من اراض قارية وجزر الى ان يكاد يتم استقلال القارة كلها، اذا ما استثنينا مناطق الاستعمار البرتغالي والاوضاع العنصرية، وبعض البقايا الصغيرة غير ذلك. وعندما اندفع التيار التاريخي الجديد، لم يؤثر في منطقة مخصوصة اكثر من غيرها، ومن ثم، فانه لم يمض الى تحرير افريقيا الناطقة بالانجليزية اكثر من تلك التي تنطق بالفرنسية، وغيرها، ولم يبق على التي تتكلم بالبرتغالية، بعيدة عن التيار وان كانت لم تتحرر بعد، وتلتحق بالتيار، ان اندفاعية التحرر، بشكلها المتوازي، الشامل لافريقيا لنعكس في هذا، قدرا كبيرا من التشارك في المصير السياسي للقارة، ومثل هذا الثقافي ايضا، فمن اقوى النوازع واكثرها اجتذابا للاهتمام الافريقي، واحياء ما يجب احياؤه منها، وتجديد ما يتعين تجديده، والبحث عن مختلف السبل والوسائل المؤدية لذلك، مع الابقاء على الجوهر الذي تقوم عليه العناصر والاكثر فاعلية مما انحدر الى افريقيا من ماض ثقافي له قيمته واهميته، من هذا الباب ننظر الى ظاهرة العناية الواسعة التي اخذ كثير من اقطار افريقيا يوليها للعربية، فهذه الظاهرة لا تستمد اهميتها من مجرد وجودها بالذات، بل ايضا لما تنطوي عليه من دلالات بليغة، تتصل بكيان اللغة العربية في افريقيا السوداء من اساسه، وبماضي ثقافة القارة، وهي ثقافة تعبر عنها العربية مباشرة او بالايحاء للغات الافريقية المختلفة، كما يتصل الامر كذلك بمستقبل ثقافة افريقا، باعتبار كون العربية جزء من التراث الافريقي، وقد اتخدت عناية الاقطار الافريقية بالعربية، اشكالا ايجابية، تتعلق عموما بتعليم الناشئة، فتوسععلى هذا الاساس – نطاق تعليم العربية – بالمعاهد الافريقية، وطورت بعض المؤسسات، التي تسود فيها العربية، واتهجت احيانا سياسات لتكوين معلمين بالعربية، وكل هذا، الى استمرار المؤسسات التقليدية في اداء ادوار بهذا الخصوص، ادت مثيلها مند قرون. واذا ما اتخذنا غرب افريقيا كمثال – وهو فعلا من اهم الامثلة التي يمكن سوقها في الموضوع – فامامنا في هذه المنطقة من القارة منطقة الغرب الافريقي، ثلاث دول رئيسسة، هي : مالي والسينغال وغينيا وكل من هذه الدول سلك سبيلا مشجعا للعربية، خاصة في ميدان التعليم. ويكفي ان ندرك ان كلا من الدول الثلاث، قد ادخلت الضاد الى معاهدها الثانوية، يدرس هناك بصورة منتظمة للاطفال المحليين، وفي نيجيريا صورة منتظمة لهذا، حيث اقر فيها – هي ايضا – تدريس العربية داخل المؤسسات الثانوية، وهناكالى هذا مدارس عديدة – تقوم على تلقين اصول الثقافة الاسلامية، ويرجع تاسيس بعضها الى مبادرات عربية، وقد قدر عدد رواد هذه المدارس بالآلاف، ولا شك ان نسبتهم ستزداد ارتفاعا كنتيجة لارتفاع قيمة العربية في افريقيا، ثم بسبب تهيؤ الفرصة هكذا لعشرات الآلاف من المتعلمين كي يحصلوا على معرفة العربية، في اطار برنامج عصري يضم كثيرا من المعلومات الحديثة، وقد كانوا يتلقون العربية قبل، باساليب عتيقة، لم تكن تمكنهم من الضاد بما يجب ان يعرف به.ان هذه العناية بالعربية التي راينا صورا منها في افريقيا على المستوى الرسمي، هذه العناية لا تنبع دوافعها – كما نرى – من اعتبارات دبلوماسية ونحوها، حيث ان المبادرات المتخدة لتشجيع العربية، لا تتعلق بالضرورة بمصالح دولة من الدول التي تعنيها العربية خارج منطقة افريقيا السوداء، بل انلا الامر في كل ذلك موجه مباشرة لابناء الدول الافريقية نفسها التي تبدل هذه العناية، فاذا تحصل هذا، فهو يعني – بالبداهة – ان مسالة تشجيع العربية، وتركيز تعليمها مسالة قومية، تدخل في مضمون الاعتبارات القومية، التي توحي لدولة من الدول باتخاذ نهج ما، مستوحى من الحقائق الانسانية الماثلة في مجتمعها، وقد لا يكون مدلول هذه العبارة واضحا – بما يكفي – اذا لم نذكر تبيينا له – ان نهج سياسة تشجيع العربية في افريقيا السوداء انما هو تجاوب مع حقيقة اجتماعية وثقافية يقوم عليها امر المعرفة الاولية عند المجتمعات التي تنهج مثل هذه السياسة، لقد قامت المعرفة في هذه المجتمعات – وطوال القرون – على اساس العلم بالقرءان  - اولا – وما يقتضيه حفظ الكتاب الكريم من دراية بالابجدية العربية، وهذا منطلق المعرفة الاساسية، المنطلق الذي يصار منه – بعد ذلك – الى طرق ابواب الثقافة الاسلامية لمن تيسر له شيء من ذلك – الى طرق ابواب الثقافة الاسلامية لمن تيسر له شيء من ذلك، كما نعرفه في المجتمعات العربية، وخاصة قبل نشوء المدرسة الحديثة، وهو نفس السبيل الذي يسلك في كثير من اقطار افريقيا الاسلامية، لا يختلف في هذا شيء عن شيء، الا في وجود الثقافة العربية منتشرة على اوسع نطاق في المجتمعات العربية، ومحدودية وجودها الواقع في اضيق نطاق بافريقيا، نظرا لوجود لغات محلية غير العربية، تقوم بما تقوم به العربية عند العرب، لقد احصوا في اوائل هذا القرن بـ "نيجيريا" وحدها، حوالي خمس وعشرين الف مدرسة قرءانية، تضم بطبيعة الحال عشرات الآلاف من المتعلمين النيجيريين، وهذا العدد الضخم يمثل مجرد جيل واحد من الاجيال المتعاقبة التي يقودها العرف السائد الى نفس المدارس القرانية، ولتسلك نفس الطريق. وقد زاد العدد بعد ذلك ولم يتقلص، على الرغم من بروز المعاهد الحديثة. وقد اصبحت – كما سلف – تلقن هي ايضا اصولا عربية، وما في حكمها : ان عدد المدارس القرءانية يبلغ الآن حوالي ثلاثين الفا او تزيد. و "نيجيريا" صورة واحدة من صور كثيرة اخرى مماثلة لهذا في غرب افريقيا. ففي السينغال ايضا، يقاد الاطفال عادة من سن الخامسة، الى الكتاتيب القرءانية، وكثيرا ما يقضي الطفل سنوات صباه كلها تلميذا بالكتاب القرءاني حتى يشارف سن المراهقة !. وفي افريقيا الشرقية، تنتشر المدارس القرءانية كذلك في نطاق واسع، بحيث تجد في كل قرية كتابا قرءانيا تقريبا، وفي مختلف الحالات، تقوم بين المعلم والفقيه، وبين التلاميذ، علاقات تعاونية مثبتة، على غرار ما هو معهود قديما في الكتاتيب القرءانية، وتستعمل في عدة احوال اللغات المحلية لتفهيم القرءان للتلاميذ، الا ان التحفيظ يتم باللفظ العربي على أي حال، وبالجملة فالكتاتيب او المدارس القرءانية ما فتئت تؤدي دورها في استمرار الصلة بين العربية والاجيال الافريقية، وقد اخدت المدارس الحديثة في افريقيا – بعد ان دخلت فيها العربية – اخذت سبيل العمل على تعزيز هذه الصلة التي للافريقي بالعربية.
وثمة مظهر ءاخر لحيوية الوجود اللغوي العربي بالقارة، يتجلى ذلك في تعدد المتكلمين بالعربية والذين يفهمونها من الافارقة انفسهم، ومن صور ذلك : ان مدرسة الدراسات العربية باحدى دول الغرب الافريقي يوجد فيها مدرسون من بين الافارقة انفسهم، وفي قلب القرى الافريقية، تجد من يخاطبك بالعربية من الافارقة، ويورد بهذا الصدد، حسب معلومات ترجع الى سنة 1960 ان كل قرية سنغالية، لا بد ان تجد فيها ما بين اربعة وخمسة على الاقل، يلمون بالعربية كتابة وقراءة، وليس هذا في الواقع حال السينغال فحسب بل الذي يستطيع ان يلحظه السائح المعني بفحص دقائق الامور في افريقيا السوداء وجود غير واحد من الذين يدركون العربية، سواء على ساحل الاطلسي في الغرب الافريقي، او على الساحل الآخر، الساحل المشرف على المحيط الهندي في شرقي افريقيا، وما بين هذين الطرفين المتباعدين من اقصى القارة الى اقصاها.
لا نريد مما تقدم، ان نقول ان العربية في افريقيا السوداء، مستقبلا ءاخر، غير ما تحدده ظروف وجودها في القارة، وامكانياتها هناك، لكن للغة الضاد الكثير مما تقدمه للافارقة جنوب الصحراء، اذا ما تطورت النزعة القائلة بوجوب توفير لغة علم وحضارة لافريقيا في مستوى القرن العشرين، وتهيات لذلك الوسائل والاجواء الملائمة، ان للعربية في مثل هذه الحالة، الكثير مما تسديه للغة او اللغات الافريقية التي يراد تطويرها وتجديدها، لتقوم بدور طويل النفس منم هذا الطراز، وقد تحقق في الماضي من خلال التلاقح بين السواحيلية والحاوسة والعربية تحقق الكثير من مظاهر التطور اللغوي يؤكده كل من الم بشيء عن شؤون التعبير اللفظي في افريقيا السوداء، وليس ما يمنع من ان يستمر هذا التلاقح في المستقبل، ويتطور نحو مجالات ابعد، وكل ذلك في سيبل تنمية الشخصية اللغوية الافريقية، وتنمية حظوظ افريقيا – عبر ذلك – في مضمار الفكر والثقافة.

مجلة  دعوة الحق
العددان 121 و122

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق