الخميس، 6 سبتمبر، 2012

أسماء أيام الأسبوع دراسة لغوية


أسماء أيام الأسبوع
دراسة لغوية

إعداد الدكتور
عبدالله بن حمد الدايل
  الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية بكلية المعلمين في الرياض
 ملخص البحث:
-  أن أسماء أيام الأسبوع في الجاهلية: شيار للسبت وأول للأحد , وأهون أو أهْوَد أو أوْهَد للاثنين, وجبار للثلاثاء ,ودبار للأربعاء , ومؤنس للخميس, وعروبة أو حربة للجمعة, وهذه الأسماء أميتت بظهور الإسلام وغلبة التسميات الإسلامية الجديدة على التسميات السابقة.
-  أن ترتيب هذه الأيام مختلف فيه فبينما تجعل التوراة أول أيام الأسبوع الأحد وآخرها السبت , يجعل المسلمون أولها السبت وآخرها الجمعة, في حين أن النصارى يجعلون أولها الاثنين وآخرها الأحد – ولم يرد في القرآن من هذه الأيام سوى الجمعة والسبت.
-  عند تسمية الأيام من الأحد إلى الخميس بنقلها عن أسماء الأعداد فإن اللغة تراعي في الأبنية الجديدة أن تكون مختلفة عن الأبنية الدالة على مجرد الأعداد, وهو نوع من استثمار القيم الخلافية تراعيه اللغة وقد لفتنا اللغويون القدامى إلى هذا العدول عن أسماء الأعداد في تسمية أيام الأسبوع تمييزاً لها وهو ما يبدو عندهم أمراً واضحاً .
-  وردت صور من النطق لأيام الثلاثاء والأربعاء والجمعة , تسمى عند القدماء عادة باللغات وتسمى في الدرس الحديث (Allomorphes) : الثُّلاثاء والثَّلاثَاء , والثلثاء , والأربِعَاء , والأربَعَاء , والأرْبُعاء, والإِرْبِعاء, والإِرْبَعَاء , والجُمْعَة , والجُمُعَة , الجمُعَة , الجُمِعَة .
-  الأرجح أن أسماء أيام الأسبوع تٌُصغر كسائر الأسماء , وينسب إليها كذلك , كما أنها تثنى وتجمع, ويرجح بعض النحويين إبقاءها مفردة وقصر التثنية والجمع على لفظ "يوم" المضاف إليها ويكون جمعها جمع تكسير, وبعضهم أجاز فيها الجمع بالألف والتاء.
-  أن أسماء أيام الأسبوع أعلام منقولة عن أسماء الأعداد ما عدا" الجُمُة"
 و" السبت " لاعتبارات دينية واجتماعية وثقافية تخصها. و"أل" الداخلة عليها تعد زائدة بمنزلة "أل" في " العبَّاس " ونحوه.
ولا يعتريها التنكير إلا إذا ثُنيت, أو جمعت , أو جردت من "أل" أو عطف عليها مثلها في مثل قولهم: يوم السبتِ وسبتٌ آخر.
-     أن أسماء السبتِ والأحدِ والاثنينِ والخميسِ مذكرة في الأصل أما الثلاثاء والأربعاء والجُمُعةُ فمؤنثة بحسب اللفظ ويجوز التذكير مراعاة لمعنى اليوم.
-  أن السبت يدل على الراحة والسكون أو الانقطاع عن العمل, والجمعة يدل على تضام الشيء والاجتماع أو الجمع, في حين أن أسماء الأيام الأخرى تدل على العدد ومعانٍ أخرى.

المقدمة:
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً, وبعد ...
فإن تأمل أسماء أيام الأسبوع , أعني هذه الأسماء المتداولة بين الناس اليوم, واتحاد عدتها عند سائر طوائف البشر في كونها سبعة أيام, والتفكير في أسمائها ,وتغيرها في العربية عبر الزمن, وورود بعضها من دون بعض في القرآن الكريم بالإضافة إلى ما يتصل بها من أحكام صوتية وصرفية ودلالية كل أولئك يستدعي كثيراً من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها إلا عن طريق البحث اللغوي, بالإضافة إلى بعض الأفكار أو المعارف غير اللغوية .
ومن هنا ارتأيت أن يكون عنوان هذا البحث: أسماء أيام الأسبوع: دراسة لغوية, وهو يهدف كما بينت إلى الإجابة عن الأسئلة التي يستدعيها التأمل اللغوي لهذه الأسماء , وهناك أسئلة تمس بعض الجوانب غير اللغوية المتصلة بهذه الأسماء , وقد رأيت لتحقيق هدف البحث أن يتم تقسيمه على النحو التالي بعد هذه المقدمة:
1- تمهيد: يتم فيه تناول ما يتصل بهذه الأسماء من معلومات أو معارف غير لغوية قد يكون لها صلة قليلة أو كثيرة ببعض الجوانب اللغوية لا سيما الجانب الدلالي وقد لا يكون لها صلة, أو لا تبدو الصلة واضحة تماماً.
2- المبحث الأول: الدرس الصوتي والصرفي ,ويتناول هذا المبحث ما يتصل بالبنية وأحكامها وما يتصل بالجانب الصوتي, وقد رأيت أن أضم الجانب الصوتي إلى الجانب الصرفي جرياً على عمل القدماء من ناحية, ومن ناحية أخرى أكثر أهمية؛ لأن الجانب الصوتي لا يستحق أن يفرد بمبحث مستقل.
3- المبحث الثاني: المستوى النحوي أو الدرس النحوي, ويشمل جميع ما يتصل بجوانب هذا الدرس وقضاياه المتمثلة فيما يدخل في الفصائل النحوية كالعدد (الإفراد والتثنية والجمع ) ,والجنس (التذكير والتأنيث ), والتعريف والتذكير , وما يتصل بالإعراب وكذلك ما يتصل بقضايا نحوية أخرى.
4- المبحث الثالث: المستوى الدلالي وندخل فيه الجانب المعجمي لطبيعة الصلة الوثيقة بين المعجم والدلالة.
5- الخاتمة: ويتم فيها استخلاص أهم النتائج التي توصل إليها البحث. وفيها محاولة لأن تكون محققة للأهداف التي تم ذكرها في المقدمة.

الخاتمة
من خلال البحث في أسماء أيام الأسبوع نستخلص مجموعة مهمة من النتائج:
1-  كانت لأيام الأسبوع أسماء في الجاهلية أميتت بظهور الإسلام , وغلبة التسميات الجديدة الإسلامية على التسميات السابقة.
2-  أسماء أيام الأسبوع من الألفاظ السامية المشتركة وهي أعلام منقولة عن أسماء الأعداد ما عدا"الجُمُعَةَ" و " السَّبْتَ " لاعتبارات دينية واجتماعية وثقافية تخصهما.
3-  عند تسمية الأيام من الأحد إلى الخميس بنقلها عن أسماء الأعداد فإن اللغة تراعي في الأبنية الجديدة أن تكون مختلفة عن الأبنية الدالة على مجرد الأعداد , وهو نوع من استثمار القيم الخلافية تراعيه اللغة, وقد لفتنا اللغويون القدماء إلى هذا العدول عن أسماء الأعداد في تسمية أيام الأسبوع تمييزاً لها وهو ما يبدو عندهم أمراً واضحاً .
4-  وردت صور من النطق لأيام الثلاثاء والأربعاء والجمعة تسمى عند القدماء عادة باللغات , وتسمى في الدرس الحديث (Allomorphes) , ونرى أن أكثر هذه الصور وروداً كان ليوم " الجُمُعَة " وتفسير ذلك يُعزى إلى كثرة الاستعمال , لأن كثرة الاستعمال تستصحب كثرة التغيير في أبنية الكلمات وهيئاتها لا سيما ما نسميه بالحركات وحروف المد (Vowels) , وهو أمر متفق مع ما ليوم الجُمُعةِ من خصائص وفضائل صارت له في ظل الشرع الإسلامي.
5-  الأرجح أن أسماء أيام الأسبوع تُصَغرُ كسائر الأسماء, وينسب إليها كذلك , كما أنها تثنى وتجمع ويرجح بعض النحويين إبقاءها مفردة وقصر التثنية والجمع على لفظ (يوم) المضاف إليها.ويكون جمعها جمع تكسير, وبعضهم أجاز فيها الجمع بالألف والتاء.
6-  أسماء "السَّبْتِ" و " الأحَدِ" و"الاثْنينِ" و"الخَمِيسِ " مذكرة و "الثَّلاثاء " و " الأرْبِعَاء " و" الجُمُعَة " مؤنثة بحسب اللفظ , ويجوز في " الثلاثاء" و"الأربعاء " و" الجمعة " التأنيث كما قلنا بحسب اللفظ , كما يجوز التذكير مراعاة لمعنى اليوم.
7-  لا خلاف في أن همزة لفظ (الاثنين ) همزة وصل في دلالة اللفظ على العدد, أو في استعماله علماً بالنقل على اليوم المعروف, يؤكد ذلك وروده في المعاجم اللغوية بوصل الهمزة. مما يجعلني أجزم بأن همزته وصل على الرغم من كونه علماً.
8-  أسماء أيام الأسبوع أعلام معرفة بالعلمية, ومن هنا فإن (أل) الداخلة عليها تعد زائدة بمنزلة (أل) في (العباس) و(الضحاك ) و( النجم ) و(الدبران) , ولا يعتريها التذكير إلا إذا ثنيت أو جمعت وجردت من (أل) , أو عطف عليها مثلها في مثل قولهم:يوم السبتِ وسبتٌ آخر.  
  

المصادر والمراجع
-      القرآن الكريم.
-      التوراة .
-      إبراهيم مصطفى وآخرون :
·       المعجم الوسيط , إسطنبول – تركية , دار الدعوة , 1406هـ/1986م.
-      الأزهري: أبو منصور محمد بن أحمد ت (370هـ):
·  تهذيب اللغة, تحقيق عبدالعظيم محمود , ومحمد على النجار , القاهرة, الدار المصرية للتأليف والترجمة , مطابع سجل العرب , (د.ت) .
-      الإسنوي: جمال الدين ت (772هـ):
·  الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية , تحقيق محمد حسن عواد , الأردن , دار عمار , مطبعة جمعية المطابع التعاونية, ط1, 1405هـ/ 1980م.
-      الأشموني: أبو الحسن نور الدين علي بن محمد ت (900هـ) :
·  شرح الأشموني على ألفية ابن مالك المسمى منهج السالك إلى ألفية ابن مالك, تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد , مصر, مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده , ط2, 1358هـ/ 1939م.
-      الأعشى بن النباش:
·  شعره, بتحقيق صلاح كزارة , مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية, اللاذقية , المجلد الخامس, العدد الثالث , 1401هـ/ 1981م.
-      الألوسي: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود ت(1270هـ):
·  روح المعاني , بيروت , دار إحياء التراث العربي (طبعة مصورة عن طبعة إدارة الطباعة المنيرية ) , القاهرة , ط4, 1405هـ/ 1985م.
-      الألوسي : محمود شكري:
·  بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب, تحقيق محمد بهجة الأثري, بيروت , دار الكتب العلمية, ط2, (د.ت) .

 

الطوبونيميا الأمازيغية: نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية

الطوبونيميا الأمازيغية: نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية بماست
بقلم: العربي مموش، الحسن ابومنير وعبد السلام بومصر (ماستر اللغة والثقافة الأمازيغية)
تقديم
تندرج هذه الدراسة في إطار الرغبة الملحة في المساهمة في الورش الطوبونيمي الأمازيغي الكبير الذي بدأته مجموعة من الفعاليات الثقافية مند عدة سنوات. ورغم ذلك يبقى المبحث الطوبونيمي الأمازيغي في حاجة إلى مزيد من الدراسة والتنقيب والبحث الدائم والمستمر، وذلك نظرا للغنى الكبير الذي خلفته عبقرية الشخصية الأمازيغية التي استطاعت مراكمة تجربة كبيرة مشبعة بحضارة ذات جذور غارقة في القدم، الشيء الذي كان له أثر كبير في المساهمة في بناء الذات الفردية والجماعية من الناحية الرمزية والمادية. إن الذات الأمازيغية- بما تحمله من قيم وجودية وحضارية متميزة – استطاعت الحلول في مجالها الطبيعي وجعلت منه امتدإذا غير مجزوء لها لا يمكن الاستغناء عنه في معادلة البناء الشخصية. فالذات هي الأرض والأرض هي الذات. هذه المعادلة المشحونة بحمولات إنسانية عميقة كانت الدافع الأكبر نحو المباحث ذات الصبغة الطوبونيمية من أجل تعميق البحث في مسألة الاندماج الإنساني في الطبيعة واستلهامه الانطولوجي لعناصرها وخلقه الدائم والمستمر للفضاءات الطوباوية التي لا وجود لها إلا في أخيلة مخنوقة بالحدود الواقعية الأرضية.
وليس هذا الأمر إلا تعبيرا عن الرغبة الجامحة في تملك الفضاء ومحاربة القناعات المؤدية إلى الاستسلام للحقيقة الأرضية. إن توسيع الرقعة الجغرافية وعدم الاكتفاء بالمحيط الذاتي ظاهرة إنسانية معقدة تتخذ أوجها مختلفة من أجل الانجلاء والبروز. وعرف التاريخ الإنساني محاولات دائمة للسيطرة على المجالات عبر خلق مسوغات مختلفة تختلف حسب الحضارات والأزمنة (الدين، القوة، الحماية، الحق...). وفي هذا الإطار نسوق الحديث عن شكل آخر من أشكال الارتباط الكبير بين الذات الإنسانية والمجال حيث تتجاوز الرغبات الجامحة في الاستحواذ والتوسع المجال الفيزيائي إلى مجالات أخرى أكثر رحابة وسرمدية، مجالات لا تفنى ولا تموت ولا تندثر ولا تنزع ولا تتوزعها هواجس الحدود والتملك الطبقي. فضاءات طوباوية جامحة عبرت بصدق عن تعطش الذات إلى معانقة المجال والحلول فيه (الامتداد المكاني والروحي لفضاء ما بعد النهاية البيولوجية في الديانة الفرعونية القديمة والديانات السماوية، فضاء السماوات السبع والأراضي السبع، فضاء الجنة والنار، فضاء الأضرحة والمزارات في المجال الأمازيغي...).
نستخلص مما سبق أن الأرض ليست مجرد عنصر جغرافي فيزيائي للعيش وتحقيق الحياة، بل إنها امتداد أنطولوجي للذات الإنسانية، ويمكن القول إنها جزء لا يتجزأ منها حيث لا يمكن تصور الواحد دون الآخر. إن كلا منهما شرط لوجود الآخر. وهذا ما يؤدي إلى القول بأن الدراسة الطوبونيمية ليست مجرد دراسة لاسم المكان وتوضيح معناه أو معانيه بقدر ما هي عبارة عن نبش في الذاكرة الحضارية والتاريخية والثقافية الخاصة بالمجموعة البشرية المعنية. وبذلك أصبحت الطوبونيميا لدى كثير من الشعوب التي تبحث عن ذاكرتها الجماعية والتاريخية مصدرا غنيا باعتباره يعتمد على مجموعة من العلوم كالتاريخ والجغرافيا والأنتروبولوجيا وعلم النباتات...
ما الطوبونيميا؟
إنها العلم الذي يعنى بدراسة أسماء الأماكن وتحليلها بالاعتماد على مجموعة من العلوم المساعدة كالتاريخ والجغرافيا والانثروبولوجيا.. وإذا أردنا التحدث عن الأصل اللغوي للطوبونيميا / الطوبونيم نقول بأن جميع المهتمين ذهبوا إلى اعتباره اسما إغريقيا يتكون من لفظتين هما TOPOS و ONOMA الأولى بمعنى المكان أو الأرض والثانية بمعنى الاسم، ويعني هذا المركب إذن اسم المكان أو اسم الأرض. وهناك اجتهإذات كثيرة تحاول نحت اسم لهذا العلم من اللغة الأمازيغية فنجد مثلا Tusnadghar وتفيد نفس المعنى الموجود في اللغة اللاتينية. ويقول عنها الفرنسي R. Delort « الطوبونيميا دراسة أسماء الأماكن بمعنى أسماء (دوال) وضعها الإنسان ليدل بها على حقائق جغرافية (مدلولات) « ( Introduction aux sciences auxiliaires de l’histoire, p. 184) كما يذهب CH. Rostaing إلى القول « تقترح الطوبونيميا البحث عن معاني أصول أسماء الأماكن ودراسة تحولاتها» ( Les noms de lieux, p. 5).
الطوبونيميا الأمازيغية والهوية الوطنية:
يعتبر المبحث الطوبونيمي من بين المسارات الكثيرة لمعرفة التاريخ الجماعي لمجموعة بشرية معينة وخاصة تلك التي كانت الوثيقة التاريخية المكتوبة عبر تاريخها شيئا مفقودا أو نادرا كما هو الحال في المجال المغربي حيث ندرة الوثيقة التاريخية المكتوبة الموغلة في أعماق التاريخ. وهذا لا ينفي وجود مجموعة من الوثائق التاريخية المكتوبة التي لم تكن إلا وجها آخر من أوجه الأسر الحاكمة وسياساتها ومحيطها مغيبة بشكل تام التاريخ الاجتماعي وتاريخ الجماعات. “فالتاريخ السائد في المصادر التقليدية كان دوما تاريخا رسميا يهتم بأنشطة الأنظمة السياسية القائمة ولا يهتم بتاريخ المجتمع بكل مكوناته” ( نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربي. ص 7 أزايكو ) ويضيف قائلا: “ولإعادة بناء هذا التاريخ العميق أصبح من الضروري البحث عن الوثائق في مظان أخرى. وتبقى اللغة في هذا الصدد واحدا من بين أفضل الوثائق التي يمكن أن تمد الباحث بمعطيات وتدقيقات مفيدة لا توجد في المصادر التقليدية المألوفة...” ( أزايكو ص 7 ).
من المؤكد أن الطوبونيميا أو الأماكينية ليست فقط علما يهتم بدراسة وتحليل الطوبونيمات أو أسماء الأماكن واستخراج مضامينها ودلالاتها المختلفة ورموزها المشحونة بشتى الدلالات والمعاني، إلا أنها – كغيرها من العلوم – لا يمكن أن تكون علما خاليا من أي دفء إيديولوجي أو تأويل يتوسل بالمرامي الخاصة بالمنظور السياسي البعيد المدى. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر التحليلات التي يقوم بها المهتمون بهذا العلم ناتجة عن أساسات أكاديمية ونظرية فقط بعيدا عن قصدية براكماتية إما بشكل مقصود أو غير مقصود. وفي هذا الإطار مثلا نتحدث عن الاتجاه الرسمي أو المقاربة الرسمية في التعامل مع جميع مناحي الحياة العلمية والسياسية وكذلك المقاربة التقليدية مثلا أو السلفية والانفصالية الثورية... وبذلك فإن المبادلات الرمزية الإنسانية بمختلف تشكلاتها وتحققاتها تكون عرضة للخضوع للطموحات ذات الصبغة البراكماتية السياسية خاصة إذا تعلق الأمر بدراسة الذاكرة الجماعية الخاصة بالمجموعات البشرية التي تقع بين إطار سلطوي ذي إيديولوجية إقصائية لاعلمية وواقع أصيل أو إيديولوجية محلية مهمشة. وفي هذا الصدد يكون المنتوج الأكاديمي عرضة للتسويق السياسي الذي يخضع بالضرورة لاعتبارات براكماتية هي في جوهرها شرط لممارسة الحياة في المجتمع الحديث.
ونعتقد أن الحديث عن الممتلكات الرمزية في المجال المغربي يستلزم استحضار مقاربات عديدة متصارعة ومتنافرة تحكمها زوايا نظر سياسية وأخرى أكاديمية وفية لإيديولوجيات استئصالية وذلك وفق ظروف سياسية وتاريخية معينة. من جملتها المقاربة الرسمية ذات الامتداد السياسي المهيمن، والذي كان وفيا لإطاره المذهبي القاضي بعروبة القطر المغربي وانتمائه اللامشروط إلى حظيرة الأمة العربية. الشيء الذي كان له كبير الأثر في غض البصر عن المقاربات الأكاديمية العلمية في التعامل مع معطيات الواقع الذي ينضح بحقائق معاكسة للرياح التي تشتهيها السفن الرسمية. لأجل ملاءمة هذا التصور بمعطيات المجال الواقعية التي تؤشر على هوية مخالفة تماما للهوية التي تقوم الجهات الرسمية بتسويقها وفي خضم مسلسل التعريب الشامل للبشر والحجر والشجر الذي أخذته حكومة ما بعد الاستقلال على عاتقها بواسطة استغلال حوامل التأثير الجماهيرية (النظام التربوي، القطاع السمعي البصري...) تم الإجهاز على الطوبونيم الأمازيغي الأصلي المتجذر وتعويضه بطوبونيم يتناغم والالتزامات الرسمية الكبرى. على سبيل المثال نسوق الأمثلة التالية:
ماسة Masst ---
الجديدة ----Mazagan
شتوكة---Actukn
الساقية الحمراء--- Targa tazggaght
الصويرة --- Mugadur
فم الحصن---Imi n-ugadir
قلعة مكونة---Imgunn
حاحا---Ihaahaan
أغادير--- Agadir
الدار البيضاء--- Anfa
جزيرة ليلى ---Mmi izlan
إن الطوبونيميا أو مبحث الأماكينية أداة قوية من أجل البرهنة على التجذر التاريخي للإنسان المالك الأصلي للأرض. هذا الأخير الذي عاش عليها في تناغم وتكامل وحلول. بل إنها الدليل على التفاعل التاريخي بين الإنسان والمجال. ومن هنا نعتبر الحديث عن الطوبونيميا الأمازيغية بالمغرب وجها من أوجه رد الاعتبار للشخصية الأمازيغية المتجذرة في التاريخ والتي كانت وراء بناء حضارات مختلفة وتفاعلت كذك مع العديد من الحضارات المجاورة والمجايلة كالحضارة الفرعونية والرومانية والفينيقية والوندالية والبيزنطية وحضارات إفريقية الجنوبية والسودان...
المجال المدروس: ماست
أسماء الأماكن الواردة في هذه الدراسة البسيطة توجد كلها على الرقعة الجغرافية التي تعرف ب “ماست”. وهي منطقة ساحلية تقع بين مدينتي أكادير وتزنيت. تمتد بين قنطرة ماست الموجودة على الطريق الوطنية حتى مصب وادي ماست في المحيط الأطلسي، وما بين سهل شتوكة في الجنوب الغربي وشمال غرب سهل تيزنيت.
أما إداريا فهي تضم جماعتي ماست وسيدي وساي، تابعتين لقيادة ماست ودائرة ماسة بلفاع عمالة اشتوكة أيت باها.
هذه المنطقة الغارقة في القدم تعد من بين أكبر القبائل التي كان لها شأن عظيم عبر التاريخ، وقد تحدث عنها كثير من المؤرخين مثل Pline l’Ancien  و Polype وليون الإفريقي وابن خلدون ومارمول كاربخال والمختار السوسي وروبير مونتاني وغرهم. وهي تتمتع بثرواتها وظروفها الطبيعية الملائمة لجميع النشاطات الإنسانية مما جعلها قطبا اقتصاديا يستقطب مجموعات بشرية مختلفة، الشيء الذي كان له أثر كبير على مستوى الإرث الرمزي والمادي للمنطقة. كما كانت هدفا استعماريا للقوى الاستعمارية التي عرفها المغرب دوما وخاصة البرتغال والفرنسيون.
وفيما يخص دلالة الاسم «ماست» نشير إلى اللبس الكبير الذي يلف هذا الاسم ونعتقد أن هذا الأمر راجع إلى القدم التاريخي للمنطقة إضافة إلى التنوع الكبير الذي تعرفه إن على المستوى الديموغرافي وكذلك على المستوى التاريخي والسياسي. ويتأرجح التسويق الواقعي للاسم بين لفظة MASST و MASSA. إن محاولة تفسير معنى هذه التسمية يصطدم أولا بمشكل الاختلاف في النطق والكتابة حيث وردت عند المؤرخين بصيغ مختلفة منها (الأماكنية المغربية، نماذج من منطقة ماست):
Massat Une tribu berbère du sud marocain
Mastat Une tribu berbère du sud marocain
Messa, Meca Une tribu berbère du sud marocain
ماسات دائرة المعارف الإسلامية، مجلد 12، ص. 373
تمست وصف أفريقيا لمرمول كاربخال.
ويشير مجموعة من الدارسين إلى التحققات التاريخية لهذا الاسم وخاصة في الخرائط البرتغالية بين MECCA , MESSA, MASSA, MASSAT. كما يذهب د. محمد بصير إلى أن هذه الكلمة قد تعني الأرض المستوية أو اسم نبات. كما نذهب إلى القول بأن اللفظة قد تعني الوسط أو الوسطى باعتبار لفظة ammas الذي يعني الوسط في اللغة الأمازيغية وبذلك تكون tammast تأنيثا له يفيد التوسط والوسطية والوسطى.
ونشير إلى أن البحث في أسماء الأماكن بمنطقة ماست عمل يحتاج إلى كثير من العمل والعناء بسبب شساعة الرقعة الجغرافية وكثرة الأسماء وتنوعها. وبذلك اقتصرنا فقط على عينة بسيطة منها خاصة تلك التي تهم المسالك والطرق والمياه والعيون. وكان هذا الاختيار مؤسسا على التنوع الكبير والغنى الذي يميزها عن باقي المجالات الأخرى خاصة في الشق المتعلق بالمجاري المائية والمناطق البحرية.
المتن
لقد اعتمدنا أساسا في هذه الدراسة على معرفتنا الشخصية للأماكن باعتبارنا من مواليد منطقة ماست. لكن ذلك لم يعوزنا من المعاينة الميدانية للأماكن المدروسة للإطلاع على خصائصها الطبيعية من تضاريس وغطاء نباتي وهي معلومات مهمة تساعد الباحث على تكوين فكرة عن المكان وتكون له سندا في محاولة تفسير معنى أسماء هذه الأماكن.
لكن المرجع الأساسي يبقى الرواية الشفوية لكونها مصدرا مهما وخزانا ثقافيا وتاريخيا. ففي غياب المراجع أو نقصها وعدم اعتماد المؤرخين على الرواية الشفوية التي تحتفظ بالكثير من المعلومات التي ما زالت لم تدون إلا في ذاكرة السكان، التجأنا إلى مقابلة السكان وخاصة الفلاحين والمسنين رجالا ونساء أفادونا في تفسير أسماء الأماكن وفي علم النباتات التي تزخر بها منطقة ماست.
أما المصادر الأخرى مثل الخرائط والعقود والوثائق فلم نتمكن من استعمالها أو الاستئناس بها نظرا لعدة أسباب كصعوبة التوصل إليها و طول المسطرة الإدارية وخاصة ضيق الوقت.
المسالك والطرق
Asaka wdvar 1
مسلك يقع بمدشر أغبالو بماست على وادي ماست، جماعة ماست، حيث تقوم الساكنة بعبور النهر راجلين من هذا المكان وذلك لقلة منسوب المياه به.
ويتكون هذا الاسم من كلمتين: الأولى Asaka وهو اسم مكان مشتق من الفعل kk الذي يفيد العبور والاجتياز والعلامة المورفولوجية الدالة على كونه اسما للمكان هي asa ( asaCa ). ونقول إن جميع الممرات الموجودة على نهر ماست بدون استثناء يطلق عليها هذا اللفظ. كما تجدر الإشارة إلى وجود مدخل معجمي مشابه وهو isiki ويراد به القطعة الأرضية التي لم يتم حرثها ولا زراعتها: iger lli issakin ويعني الحقل الذي لم يستغل أو غاب عنه الاستغلال. و ssiki فعل دال على صيغة التفعيل ومعناه ‘’لم يتناول (وجبة مثلا)، غاب عن... ويمكن أن نقول بأن هذا المدخل المعجمي ينتمي إلى المشترك اللغوي بين التحققات المختلفة للغة الأمازيغية خاصة في لهجات المغرب الأوسط وجنوب الريف.
والثانية udvar وتعني الرجل وهي في وضعية الإلحاق الذي يدل عليه التغيير الحاصل في أول الكلمة من a إلى u (udvar / advar)، مع غياب أداة الإلحاق أو النسبة ‘n ‘. وهو إشارة تخصيصية لنوعية الوسيلة التي يجتاز بها النهر. ويفيد هذا المركب الإسمي في مجموعه المعنى التالي: الممر النهري الذي يسلكه الراجلون.
Amadl 2
ممر يقع بمنحدر يجانب مدشر Ifentar الموجودة ب Igwmdan أي الضفة الأخرى للوادي. وهو اسم يجمع على imudal ( a-a--/ i-u-a- ) بمعنى المنخفضات. وهو علم على تشكل جغرافي يتميز بالانخفاض. من الناحية اللغوية نورد بأن بنية هذا الاسم الصرفية والمعجمية خاضعة للنظام الاسمي الغالب في اللغة الأمازيغية حيث يستهل بالصامت a-في المفرد و i- في الجمع. هذا الأخير الذي يطرح إشكالية على مستوى البناء أو المستوى المورفولوجي حيث الاختلاف الكبير على مستوى توزيع الصوامت بين بنية المفرد وبنية الجمع Amadl ( AcAcc) / ( IcUcAc) imudal حيث يمكن أن يكون الجمع على الصيغة التالية: imadln ( iCaCCn )i-----n/ وبذلك يكون خاضعا للصيغة الغالبة في الجموع الامازيغية.
Asawn 3
يطلق على ممر شديد الارتفاع بمدشرTasnnult (الضفة الغربية للوادي). في اللغة الأمازيغية يطلق هذا الاسم على الشكل الجغرافي الذي يتميز بالارتفاع ويدل على ذلك المثل الذي يقول ur illi usunfu à ddu n wasawn إشارة إلى الدعوة إلى تأجيل الراحة إلى حين انتهاء الأعباء. وتأتي هذه اللفظة في صيغة الجمع هكذا دائما ( a----n ) ويشير محمد شفيق في معجمه إلى المؤنث منها tasawnt وجمعها tisiwan. ومن حيث اشتقاقها، فهذا الاسم منحوت من الجذر الفعلي awn الذي يعني صعد. وقد اشتق اسم المكان هذا بزيادة المورفيم الدال على المكان asa- بعد حذف الفونيم a لتواجده أصلا في الجدر تسهيلا للنطق.
Tabrida 3
ينسحب هذا العلم على ممر تاريخي شديد القدم يخترق Tasnnult و Ifentar يعود إلى فترة القوافل التجارية التي كانت تخترق ماست قادمة من الجنوب في اتجاه المدن التجارية القديمة خاصة Tassurt أو Mugadur. وما زلنا نبحث عن الفترة التاريخية التي يؤرخ لها هذا المسلك التجاري في محاولة لتسليط الضوء على العديد من القضايا المهمة في تاريخ ماست والمنطقة بشكل عام من قبيل نوعية العلاقة بين سكان ماست وهذه القوافل التجارية: المعاملات النقدية والمبادلات التجارية والثقافية، الأعراف والقوانين المنظمة لهذه العلاقات، العقود والالتزامات، النظام السياسي وحركة هذه القوافل، إلى أين تتجه ومن أين تأتي...
وتجدر الإشارة إلى أن بعض سكان المنطقة يطلقون اسم taàarast n iraman على هذا المسلك إشارة إلى الوسيلة التي كان يتوسل بها التجار لنقل بضائعهم. والمثير للانتباه هو أن لفظ tabrida أوabrid الذي يجمع على ibridn أو iberdan الذي يعني الطريق / المسلك، الطرق / المسالك لفظ غير متداول في ماست ككل مما يحيل على القدم التاريخي على عكس taàarast n iraman الذي يبدو أنه اسم حديث.
وللإشارة، يوجد مكان آخر بمنطقة ماست بمدشر تيكمي لجديد يطلق عليه Tabrida wgllid أي مسلك أو طريق الملك، تأريخا لحدث مرور السلطان الحسن الأول من ماست.
Tamlalt yyṛaman 4
يطلق هذا الاسم على مسلك يقع بمدشر Tasila بجماعة ماست. ويشير السكان المحليون إلى أن سبب هذه التسمية راجع إلى أن هذه الطريق كانت سبيلا تسلكه الجمال نحو المراعي. وهذا المركب الاسمي يتكون من: Tamlalt - ( t----t ) وهو تذكير ل amlal الذي يعني الرمل ويجمع على imlaln / timlalin . ونعتقد أن صيغة المفرد المؤنث لها دلالة كبيرة هاهنا حيث تؤكد التقليل والندرة الشيء الذي وقفنا عليه حين زيارتنا لعين المكان حيث تبين أن لا وجود نهائيا للرمال لأن المنطقة منطقة أحراش.
- حرف النسبة أو الإلحاق المحذوف n والذي عوض عنه بظهور حرف y المشدد لأن الاسم يبدأ بحرف i- وهذه ظاهرة صوتية معروفة في الأمازيغية حيث يحذف حرف الإلحاق في اللغة الشفوية.
- iyraman جمع ل aram أو ar3m ويعني الجمل / الجمال. وهذا الحيوان يستعمل كوسيلة للنقل والتنقل عبر الصحراء.
مما يعني أن المركب الاسمي يدل على مسلك الجمال.
ونشير هنا إلى القيمة الدلالية التي يحملها هذا الطوبونيم باعتبار أنه يحيلنا مباشرة على أن سكان المنطقة عامة كانوا من مربي الجمال.الشيء الذي انقرض منذ ستينيات القرن الماضي كما تخبرنا الرواية الشفوية.
Aàaras idran 5
اسم يطلق على ممر يقع بين Aàbalu و Actukn وهو عبارة عن طريق واقعة بين هضبتين مما منحه صفة العمق التي يؤشر عليها الاسم المذكور الذي يعني: الممر العميق. وهو مركب اسمي مكون من اسم aàaras أي الطريق وصفة مشبهة idran الذي يعني العميق والمشتق من الفعل dru، idra أي عمق.
ونشير هنا إلى أن استعمال هذا المركب الوصفي للدلالة على هذا الشكل الجغرافي إنما يرجع إلى النسيان الجماعي للفظة tizi الشديدة الاستعمال في المناطق الأطلسية للدلالة على الطريق التي تقع بين جبلين (Tizi n Ticka , Tizi n Tasst).
المياه والعيون
Asif Mmasst / Asif Wwalàas 6
يطلق هذا اللفظ على النهر الكبير الذي يخترق منطقة ماست والذي ينبع من الأطلس الصغير ويصب في المحيط الأطلسي. يتميز هذا النهر بثرواته المائية والحيوانية الهائلة. يتكون المركب الإضافي من اسمين الأول: Asif ويعني النهر ويجمع على isaffn .مؤنثه tasift. الثاني: alàas الذي أفادت الرواية الشفوية انه مجموع الأشياء الطبيعية (رواسب، طمي، تربة) التي يحملها النهر أثناء حالة الفيضان.ونعتقد أن ما يؤكد هذا الأمر هو الاسم الذي ما زالت تحمله التربة الطينية النهرية المشبعة بالماء: aslàaà.
Mmu Tbrbalt
يطلق هذا الاسم على منطقة شاطئية تقع شمال مدشر سيدي بوالفضايل على الساحل الأطلسي. ويتكون من لفظتين هما: mmu التي ذكر محمد شفيق في معجمه أنها أداة للانتساب ونضيف أنها للمؤنث ومذكرها bu. taberbalt وهي نبات مشهور بمنطقة ماست.وسميت هذه المنطقة الصخرية الشاطئية بهذا الاسم لتواجد هذا النبات بها. لكن المثير للانتباه أن الذين أطلقوا الاسم جعلوه مؤنثا ولم يقولوا مثلا tberbalt bu ونعتقد أن النسبة هنا تعود إلى tasga التي تعني الجهة. ليكون معنى العبارة تبعا لذلكTasga mmu tbrbalt أي الجهة التي يتواجد بها نبات tabrbalt.
Bu Tasra 7
ينسحب هذا العلم على منطقة بحرية شديدة الانحدار جنوب مدشر سيدي بوالفضايل. وهو على لفظتين Bu وهي للدلالة على النسبة إلى المذكر كما قلنا سابقا أما tasra فهي نوع من النبات يتواجد بكثرة في الأماكن الجافة. وهنا تبدو علة هذه التسمية واضحة.وهنا يتضح لنا مدى الأهمية القصوى لعلم النبات la botanique في شرح وتفسير أسماء الأماكن.حيث يجعلها الأمازيغي علما من أعلام الأمكنة التي يرتادها لملازمتها الدائمة لها. والملاحظ أن جل النباتات التي تستعمل استعمالا مضاعفا أو استعاريا هي من النباتات غير الموسمية، حيث أنها تكون حاضرة بالمكان طوال السنة.
Imi yiàzer 8
يطلق هذا الاسم على منطقة بحرية صخرية وتتكون من لفظتين هما Imi و” تقال لفم الإنسان والحيوان بل وحتى لفتحات الجمادات، وتعني مدخل الشيء ومخرجه، ولهذا تطلق على مصب النهر، أو مخرج طريق... وتقال كذلك لأبواب ونوافذ المنازل والخيام والقصور... كما تسمى بها مداخل القرى والمدن ومخارجها مثل Imi yàrm أوImi Wgadir الذي ترجم حرفيا إلى العامية بفم الحصن، وتطلق كذلك على فتحات الأدوات من صناديق وغيرها وعلى منافذ الجسم من الأذن والأنف وعلى الفتحات من كل نوع، ذلك لأن تصور الأمازيغ للطبيعة مستمد من تصورهم للجسم البشري ل²ا استعملوا أسماء الأعضاء البشرية لأنسنة الطبيعة..” ( المصطلحات الأمازيغية في تاريخ المغرب وحضارته. تحت إشراف محمد حمام ص 56).
yiàzer يطلق على الوادي أو الشعبة الصغيرة. ونلاحظ أن الاسم يحمل علامة الإلحاق y التي تعوض حذف حرف الإلحاق n. ونرى أن علة التسمية ترجع إلى كون المنطقة مصبا لشعبة طويلة تخترق منطقة الزور الواقعة بين الضفة الغربية والمحيط الأطلسي. وبذلك يكون الاسم وفيا للشكل الجغرافي الذي يميز المكان.
استنتاجات
من الناحية اللغوية، نرى أن أسماء الأماكن المدروسة كلها أسماء أمازيغية صرفة، مما يدل على أن الساكنة الماسية متشبثون بلغتهم من جهة وأن هذه الأخيرة سليمة لم تشبها تأثيرات لغات أخرى حيث انعدام الأسماء الدخيلة.
وتتميز أسماء الأماكن الواردة في هذا البحث ببعض الخصائص الصوتية العامة التي تميز اللغة الأمازيغية بكل فروعها، خصوصا التغيرات التي يحدثها الإلحاق في بداية الأسماء. فإذا ابتدأ الاسم بالفونيم a- فهو يتحول إلى w مشدد أو قليل التشديد أحيانا، كما لاحظنا في المركبين الاسميين Asif Wwalàas و Asaka wḍar أما إذا ابتدأ ب i- فينقلب y مع التشديد كما لاحظنا في Tamlalt yyṛaman و Imi yyiàzr.
كما عايننا ظاهرة صوتية أخرى وهي المماثلة وتسم الأسماء التي تبتدئ بصوامت مثل Asif Mmasst أصلها Asif n Masst حيث أثر الميم على النون وأدغم الثاني في الأول. وظاهرة المماثلة ظاهرة عامة في كل فروع اللغة الأمازيغية و تحدث أساسا عند الإلحاق.
من الناحية الصرفية والتركيبية، تتكون أسماء الأماكن المدروسة من مختلف التركيبات و أهمها:
- أسماء مفردة: Amadl، Asawn، Tabrida
- أسماء مركبة: وصيغ التريب هنا مختلفة.
* التركيب الوصفي: ويتم بزيادة bu للمذكر او mmu للمؤنث: Bu Tasra،:Mmu Tbrbalt. كما يصاغ بزيادة صفة مشبهة على الإسم لتدقيق الوصف والمعنى مثل
Aàaras idranوقد استعملت الصفة المشبهة لوصف عمق المسلك أو الطريق وبالتالي تدقيق وتمييز طبيعته.
* التركيب الإضافي: يتم بربط إسمين بحرف الإضافة يجعل الاسم الثاني في حالة إلحاق ويسبب في تغيرات صرفية تظهر في بداية الأسم أو على الصائت الأول بعد T- إن كان مؤنثا: Asaka wwḍar- Asif Wwalàas- Tamlalt yyṛaman أو أضيفت إليه كلمة أخرى وصفية مثل: Mmu Trbalt.
كما مكنتنا هذه الدراسة البسيطة لنماذج أسماء الأماكن المقدمة في هذا البحث من الوصول إلى مجموعة من الاستنتاجات التي نعتبرها ضرورية من أجل الإحاطة ببعض الجوانب التي يعتمدها الوعي أو اللاوعي الجماعي من أجل إطلاق الاسم على المكان باعتبار هذه العملية خاضعة لنسق فكري معين من خلاله يتمكن الباحث من العبور نحو فهم رؤية المجموعة البشرية المعنية للعالم المحيط بها وكذلك إلى قيمة الأرض والإنسان والحيوان والنبات وقوة أو رمزية الحدث التاريخي والرمزية الجماعية أو انطولوجيا الماوراء.
من هذا المنطلق نستطيع أن نقول بأن الذاكرة الجماعية المشتركة بماست تنهل من الحقول التالية:
· التضاريس والشكل الجغرافي: Asaka، Amadl، Asawn, Tamlal، Asif idran، Iàzer، Tamlalt، Alàas.
· الأعضاء البشرية: aḍar , Imi
· الغطاء النباتي: tabrbalt , tasra
· الثروة الحيوانية: iraman
ونستخلص مما سبق التنوع الكبير للمصادر التي ينهل منها الإنسان الأمازيغي بالمنطقة الصور التمثلية والدلالية التي توظف توظيفا مضاعفا لتحمل في الأخير مجموعة من الحمولات الدلالية التي قد تبقى وفية لمعناها الأصلي فلا يكون استعمالها استعمالا مجازيا أو استعاريا، وهذا شأن الأماكن التي تحمل أسماء لوضعيات جغرافية معينة ومعروفة.لكنها قد تنحرف عنه لتدل على وظائف اسمية ثانوية أو جديدة. وفي كثير من الأحيان تتعرض الدلالات الأصلية الأولى للنسيان الجماعي وبذلك يستأثر المكان بالدلالة المستقلة الثانوية خاصة إذا تعلق الأمر بأسماء بعض المهن أو وسائل الإنتاج التي تتغير بتغير الأنماط الإنتاجية والعادات والسلوكات الاستهلاكية أو أسماء النباتات أو المؤسسات الاجتماعية التقليدية والعرفية...
خـاتمة
إن المناداة بإعإدة كتابة التاريخ المغربي بأقلام نزيهة وعلمية كفيلة برد الاعتبار للشخصية المغربية ودورها الكبير في بناء الحضارة بشمال إفريقيا. وفي هذا الصدد لابد من القول بأن اللغة الأمازيغية تمنح للباحث إمكانات هائلة تساعده على تكوين رؤية واضحة للمجتمع الأمازيغي ومختلف الأحداث التي كان وراء صنعها أو التي كانت أرضه مسرحا لها. إن اللغة هي الحاملة للتاريخ والحضارة وهي مرآتها ولسانها، ومن ثم فإن البحث التاريخي بهذه البلاد يقتضي أولا الإلمام بالمحيط اللغوي والثقافي الأمازيغي. ونشير إلى أن الطوبونيميا أداة كبرى لحفظ اللغة والتاريخ والحضارة. إنها الذاكرة الجماعية في صورة حية وناطقة. ومن ثم يصبح مجال البحث الطوبونيمي نافدة أخرى على التاريخ بمختلف تجلياته: اللغوي والسياسي والحضاري. إنه مساهمة بناءة في محاولة الإحاطة بجوانب من التاريخ الكبير للإنسان الذي سكن ويسكن المنطقة مند الأزل في اتجاه بناء الشخصية الجماعية القادرة على اقتحام المستقبل.
المراجع
-محمد شفيق، المعجم العربي الأمازيغي، 3 أجزاء، منشورات أكاديمية المملكة المغربية، 1998-1991.
-علي صدقي أزايكو، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربي، مطبعة المعارف الجديدة، منشوارت المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الرباط، 2004.
-المصطلحات الأمازيغية في تاريخ المغرب وحضارته، تحت إشراف محمد حمام، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
-الطبونيميا الفرنسية بالمغرب، بحث جامعي من إنجاز عبدالصمد بصير، تحث إشراف الدكتور أحمد الهاشمي، السنة الجامعية
-الأماكنية المغربية، نماذج من منطقة ماست، بحث جامعي من إنجاز نعيمة بويسركا و فطيمة إذالفقيه، تحت إشراف الدكتور أحمد الهاشمي، سنة 2005-2006.
-Lhoussain Rachid, Tatouage de la mémoire, repères amazighes dans la culture marocaine, publication de l’Ircam, traduction de Saadia Ait Taleb, Imprimerie Almaàrif Aljadida, Rabat 2005.
-R. Delort, Introduction aux sciences auxiliaires de l’histoire.
-CH. Rostaing, Les noms de lieux.
 

الاثنين، 20 أغسطس، 2012

تبسيط التداولية من أفعال اللغة إلى بلاغة الخطاب السياسي

 

تبسيط التداولية من أفعال اللغة إلى بلاغة الخطاب السياسي

 
   tbsit altdaouliah mn a'fa'al allghah ila blaghah alkhtab alsyasi

 الدكتور بهاء الدين محمد مزيد


 كتاب 'تبسيط التداوليَّة: من أفعال اللغة لبلاغة الخطاب السياسي' لـ'الدكتور بهاء الدين محمد مزيد' أستاذ اللغويات والترجمة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الإمارات العربية المتحدة.
يقع الكتاب في 188 صفحة من القطع الكبير. تصميم الغلاف: إسلام الشماع.
يهدف الكتاب إلى تبسيط التداولية اللغوية Linguistic Pragmatics للقارئ العربي، وتقديم بعض مفاهيمها ونماذجها وقواعدها وأدواتها القابلة للممارسة والتطبيق. ويتضمن الموضوعات الكبرى في التداوليّة، وما يتصل بها من تحليل الخطاب على وجه العموم، وتحليل الخطاب السياسي على وجه الخصوص.
ينطلق الكتاب من كتابات Austin أوستن (1962)، Grice جرايس (1975)، Searle سيرل (1975)، Lako ليكوف (1973)، Leech ليتش (1983)، Halliday هاليداي (1985)، وغيرهم، ودراسات الخطاب عند دي بوجراند De Beaugrande، وفان دايك van Dijk، والتحليل النقدي للخطاب، وتحليل الخطاب السياسي عند الأخير وعند بول تشيلتون Chilton وشيفنر Schaner، وغيرهم، لكنّه لا يتوقف عندها، فيما يغفل المناقشات الفلسفية، وتفاصيل التفاصيل، والانتقادات، والانتقادات المضادّة، والتفريعات، وجدل المصطلحات، وقضايا الحدود بين التخصّصات، والنظريات والاتجاهات اللغوية، لأن هذا له مقامات أخرى.
يبدأ التبسيط بسؤالين: 'ما هي التداوليّة؟' و'كيف تطوَّرت؟' وتشمل هذه البداية الموجزة تعريف التداوليّة، وترجمتها، ونبذة عن جذورها وخلفياتها. يتبع ذلك الكلام عن السياق، خصوصًا ذلك التصوّر الذي قدمه دل هايمز، ثمّ النحو الوظيفي وأطروحات هاليداي، وتصنيفه وظائف الّلغة وأفعالها، ثمّ المبدأ التعاوني لبول جرايس، وهو الأساس الذي قامت عليه نظريات الكياسة واللياقة، وأمثلة لتوظيفه توظيفاً ذكيّاً في النثر العربي، ثمّ التضمين وما يرتبط به من الافتراض المسبّق والمعلوم من التلفّظ أو الجملة بالضرورة، وجميعها تتّصل اتصالاً وثيقاً بهذا المبدأ، وتفسّر كثيراً من انتهاكاته لتحقيق غايات بلاغية، ثم نظرية أفعال الّلغة في فصل 'ماذا نفعل بالكلمات؟'، وهو فصل تأسيسيّ مهم تنطلق منه جملة مفاهيم تداولية، ثمّ التأدُّب والكياسة والنظريّات المهمّة في هذا الصدد لليكوف وليتش وبراون وليفنسون، ثم الإشــارة التي تتجاوز ما نعرف من أسماء الإشارة إلى الإشارة الاجتماعية والخطابيّة والزمنيّة والوجدانيّة، تتبعها نبذة عن التداوليّة العامّة التي طوّرها هابرماس، وتسعى إلى التوفيق بين النظريّة والتطبيق، ثمّ تحليل الخطاب ولغويات النص، وما يرتبط بهما من دراسة السبك والحبك وشروط النصيّة، ثمّ التحليل النقدي للخطاب ومفاهيمه، ومنطلقاته، وأدواته، ثمّ تحليل الخطاب السياسيّ، وهو امتدادٌ مُهمّ لتحليل الخطاب التقليدي والنقدي. يلي ذلك تعريج على دراسات تحليل الخطاب (السياسي) في العالم العربي. وينتهي الكتاب بمجموعة من النصوص والتطبيقات لبعض ما ورد فيه من أدوات ومفاهيم.
وفي الكتاب عددٌ كبير من الاستطرادات ترد في نهاية كل فصلٍ من فصوله، بعضها استطرادات مُهمّة عن المفاهيم أو الأدوات أو الأطروحات التي يتناولها الكتاب، وبعضها أمثلة طريفة في مواضعها، وبعضها إشارات إلى البلاغة العربية بما يناسب المقام، وبعضها اقتباسات مهمّة ذات صلة بموضوعات الكتاب، أو تعليقات على ما فيه من مصطلحات، أو على مشكلات ترجمة التداوليّة في الثقافة العربيّة.
والمؤلف هو أستاذ اللغويات والترجمة، قسم اللغة الإنكليزية، كلية الآداب، جامعة سوهاج، مصر.
ونشرت له دراسات وكتب بالعربية والإنكليزية منها:
- تسييس الترجمة (ميونيخ)
- زمن الرواية العربية: مقدمات وإشكاليات وتطبيقات (الشارقة)
- خالتي صفية والدير بين واقعية التجريد وأسطورية التجسيد (الكويت)
- النزعة الإنسانية في الرواية العربية وبنات جنسها
 


 ****************************************************
 يهدف الكتاب إلى تبسيط التداولية اللغوية Linguistic Pragmatics للقارئ العربي، وتقديم بعض مفاهيمها ونماذجها وقواعدها وأدواتها القابلة للممارسة والتطبيق. ويتضمن الموضوعات الكبرى في التداوليّة، وما يتصل بها من تحليل الخطاب على وجه العموم، وتحليل الخطاب السياسي على وجه الخصوص.
ينطلق الكتاب من كتابات Austin أوستن (1962)، Grice جرايس (1975)، Searle سيرل (1975)، Lakoff ليكوف (1973)، Leech ليتش (1983)، Halliday هاليداي (1985)، وغيرهم، ودراسات الخطاب عند دي بوجراند De Beaugrande، وفان دايك van Dijk، والتحليل النقدي للخطاب، وتحليل الخطاب السياسي عند الأخير وعند بول تشيلتون Chilton وشيفنر Schaffner، وغيرهم، لكنّه لا يتوقف عندها، فيما يغفل المناقشات الفلسفية، وتفاصيل التفاصيل، والانتقادات، والانتقادات المضادّة، والتفريعات، وجدل المصطلحات، وقضايا الحدود بين التخصّصات، والنظريات والاتجاهات اللغوية، لأن هذا له مقامات أخرى.

يبدأ التبسيط بسؤالين: "ما هي التداوليّة؟" و"كيف تطوَّرت؟" وتشمل هذه البداية الموجزة تعريف التداوليّة، وترجمتها، ونبذة عن جذورها وخلفياتها. يتبع ذلك الكلام عن السياق، خصوصًا ذلك التصوّر الذي قدمه دل هايمز، ثمّ النحو الوظيفي وأطروحات هاليداي، وتصنيفه وظائف الّلغة وأفعالها، ثمّ المبدأ التعاوني لبول جرايس، وهو الأساس الذي قامت عليه نظريات الكياسة واللياقة، وأمثلة لتوظيفه توظيفاً ذكيّاً في النثر العربي، ثمّ التضمين وما يرتبط به من الافتراض المسبّق والمعلوم من التلفّظ أو الجملة بالضرورة، وجميعها تتّصل اتصالاً وثيقاً بهذا المبدأ، وتفسّر كثيراً من انتهاكاته لتحقيق غايات بلاغية، ثم نظرية أفعال الّلغة في فصل "ماذا نفعل بالكلمات؟"، وهو فصل تأسيسيّ مهم تنطلق منه جملة مفاهيم تداولية، ثمّ التأدُّب والكياسة والنظريّات المهمّة في هذا الصدد لليكوف وليتش وبراون وليفنسون، ثم الإشــارة التي تتجاوز ما نعرف من أسماء الإشارة إلى الإشارة الاجتماعية والخطابيّة والزمنيّة والوجدانيّة، تتبعها نبذة عن التداوليّة العامّة التي طوّرها هابرماس، وتسعى إلى التوفيق بين النظريّة والتطبيق، ثمّ تحليل الخطاب ولغويات النص، وما يرتبط بهما من دراسة السبك والحبك وشروط النصيّة، ثمّ التحليل النقدي للخطاب ومفاهيمه، ومنطلقاته، وأدواته، ثمّ تحليل الخطاب السياسيّ، وهو امتدادٌ مُهمّ لتحليل الخطاب التقليدي والنقدي. يلي ذلك تعريج على دراسات تحليل الخطاب (السياسي) في العالم العربي. وينتهي الكتاب بمجموعة من النصوص والتطبيقات لبعض ما ورد فيه من أدوات ومفاهيم.
وفي الكتاب عددٌ كبير من الاستطرادات ترد في نهاية كل فصلٍ من فصوله، بعضها استطرادات مُهمّة عن المفاهيم أو الأدوات أو الأطروحات التي يتناولها الكتاب، وبعضها أمثلة طريفة في مواضعها، وبعضها إشارات إلى البلاغة العربية بما يناسب المقام، وبعضها اقتباسات مهمّة ذات صلة بموضوعات الكتاب، أو تعليقات على ما فيه من مصطلحات، أو على مشكلات ترجمة التداوليّة في الثقافة العربيّة.

******************************


 

الاثنين، 13 أغسطس، 2012

مفهوم التواصل

مفهوم التواصل


مدخل عام: أضحى التواصل في الآونة الأخيرة من المجالات التى أصبحت تكتسي أهمية قصوى نظرا لاكتساحه كل مظاهر الحياة الإنسانية عبر اللغات المنطوقة :و الإيماءات و الحركات و الطقوس و العادات و الرموز و الصور،و غيرها من الأشكال المتجددة .
و هو بذلك يشكل اليوم (فلسفة العلوم الحديثة): وهو الموقع الذي كانت الفلسفة تشغله قديما باعتبارها أم العلوم.
إن التواصل وبهذا المعنى أصبح الإطار الأساسي للعلوم الحديثة و خصوصا مع التطورات التي عرفتها هاته العلوم ،من خلال الثورة التكنولوجية و الطفرات العلمية في علوم الحياة و الأرض و الإنسان حتى أصبحنا بحق نعيش في قرية صغيرة حيث تندثر و تنمحي المسافات و يتقلص الزمن و غدا الإنسان بدوره مندمجا في حلقات اتصالية و تواصلية لا نهائية ، وذلك بفضل الشبكة العنكبوتية و الأقمر الإصطناعية التي غزت الفضاء الرحب.
ومن هنا يتحدد دور الإنسان بكونه دورا تواصليا بامتياز من حيث ارتباطه بنسق من العلاقات المتشابكة و المعقدة التي أفرزتها متغيرات الواقع المعيش بكل تحولاته الجديدة.
يعتبر التواصل تقنية إجرائية أساسية في فهم التفاعلات البشرية و تفسير النصوص و الخبرات الإعلامية و كل طرائق الإتصال و الإرسال و بالتالي يمكن الجزم بالقول أن التواصل أصبح علما قائما بذاته له تقنياته و مقوماته الخاصة و أساليبه و أشكاله المحددة له.و هو في الآن نفسه بمثابة المعين و الوعاء المتسع الذي تستقي منه باقي العلوم و الفنون التقنيات و الوسائل من أجل أجرأة أهدافها و تحقيق غاياتها التي رسمتها.
و كباقي العلوم و المعارف فإن المجال التربوي بدوره أضحى مجالا لايمكنه الإستغناء عن خدمات التواصل ليأخذ منه ما يتم به تحقيق أهدافه و نتائجه الإيجابية من أجل تسهيل عملية تبادل المعارف و تنمية العلاقات التواصلية على المستويات المعرفية و الوجدانية و الحسحركيةو تمتين العلاقات التشاركية سواء على مستوى المحيط التربوي في المؤسسة و الفصل الدراسي.هذا ما سأحاول دراسته من خلال هذا البحث المتواضع حول التواصل التربوي لتعرف مفهوم التواصل و أنواعه و مقوماته و أساليبه و ذلك من أجل تسليط الضوء على هذا المفهوم الجديد في حقول المعرفة الإنسانية،بهدف الرفع من الإنتاجية و المردودية في الفعل التربوي.
فما مفهوم التواصل لغة و اصطلاحا ؟و ماهي أنواعه؟و ما هي مقومات التواصل التربوي و تقنياته و أساليبه؟









مفهوم التواصل لغة و اصطلاحا:
مفهوم التواصل لغة: التواصل لغة من الاقتران و الاتصال و الصلة و الالتئام و الجمع و الإبلاغ و
Communicationو الإعلام، و أصل كلمة التواصل في اللغة الأجنبية
التي تعني إقامة علاقة تراسل و ترابط وإرسال و تبادل و إخبار و إعلام.
نستنتج مما سبق أن هناك تشابها في الدلالة و المعنى.
مفهوم التواصل اصطلاحا:
يدل مفهوم التواصل في الاصطلاح على عملية نقل الأفكار و التجارب و تبادل
الخبرات و المعارف و المشاعر بين الذوات و الأفراد و الجماعات ،و يتأسس التواصل على عناصر هي بمثابة أركان ضرورية حتى يتم وهي المرسل و المتلقي و الشفرة،حيث يتفق في تسنينها كل من المرسل و المستقبل و الرسالة .
التواصل بأنه:"الميكانيزم الذي Charles cooleyو يعرف شارل كولي بواسطته توجد العلاقات و تتطور، إنه يتضمن كل ر موز الذهن مع وسائل تبليغها عبر المجال و تعزيزها في الزمان ، و يتضمن أيضا تعابير الوجه و هيئات الجسم و الحركات و نبرة الصوت و الكلمات و الكتابات و المطبوعات و القطارات و التلغراف و التلفون و كل ما يشمله آخر ما تم في الاكتشافات في
المكان و الزمان."
يتضمن لنا من خلال هذا التعريف أن التواصل هو جوهر العلاقات الإنسانية و محقق تطورها. و هناك من يزيد في تعريف التواصل بأنه:"تبادل المعلومات و الرسائل اللغوية و غير اللغوية سواء أكان هذا التبادل قصديا أم غير قصدي، بين الأفراد و الجماعات . وبالتالي لا يقتصر التواصل على ماهو ذهني معرفي ،بل يتعداه إلى ما هو وجداني و ما هو حسحركي و آلي ، فهو بذلك تبادل للأفكار و الأحاسيس و الرسائل التي قد تفهم و قد لا تفهم بنفس الطريقة من طرف كل الأفراد المتواجدين في و ضعية تواصلية و هذا ما سوف أدرسه في المباحث اللاحقة من هذا البحث المتواضع.
وظائف التواصل:
للتواصل وظيفتان أساسيتان: 1- وظيفة معرفية و تتمثل في نقل الأفكار و الرموز الذهنية و تبليغها و تبادل الخبرات بوأساليب لغوية و غير لغوية في الزمان و المكان المحددين من طرف المتواصلين
2- ووظيفة وجدانية تأثيرية تقوم على تمتين العلاقات الإنسانية و تفعيلها على مستوى اللفظي و غير اللفظي (الميم و البانتوميم)التعبير بواسطة تقنية الميم و هو التعبير عن المواقف و الأفكار بحركات ميمية أي بدون إصدار أصوات أي الفعل بدون كلام و البانتوميم و هي تقنية تستعمل في المسرح الصيني أي بواسطة تعابير الوجه.كما يمكن إجمال وظائف التواصل في ثلاث
Echange وظائف بارزة و هي: - التبادل
Transfert - التبليغ
Impact - التأثير
و يستند التواصل في سياقاته على التغذية الراجعة الفيدباك كتقنية في حالة

حدوث سوء الإستقبال أو الاستيعاب أو التشويش أو الانحراف عن مضمون و

غائية الرسالة.




مفهوم التواصل من المنظور الإسلامي:
يحيل مفهوم التواصل في المنظور الإسلامي على التفاعل الإيجابي النابع
من رغبة صادقة في خلق التفاهم مع الآخر و هو المنطلق للوصول إلى الحق باستعمال حواس التواصل .يقول الله تعالىSad( يآيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفواإن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.)) يستفاد من خلال هذه الآية الكريمة تذكير الناس بوحدة أصلهم و هو ما يسهل عليهم عملية التواصل.و من دواعي التواصل :1- طبيعة الإنسان الاستخلافية في الأرض يقول الله تعالى(( و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون.))
2- طبيعة و حاجيات الإنسان الإجتماعية: و تتمثل في حاجاته للشعور بتقدير الآخرين له و تعبيره عن تقديره لهم.فهناك عملية تفاعل.
و للتواصل قيم و ضوابط تحدد معناه و هدفه فماهي قيم التواصل و ضوابطه؟
قيم التواصل و ضوابطه:
ليحقق التواصل أهدافه ينبغي أن ينضبط بقيم شرعية توجه النوايا وهي ثلاثة أقسام: 1- قيم تحكم المتواصل : و تشمل إخلاص النية لله عز و جل وحسن الظن به. 2- قيم تحكم مقصد المتواصل: أي ينبغي أن تكون للمتواصل مقصدية مثل التعارف من أجل نشر قيم الخير و السلم بين الناس.
3- قيم تحكم فعل المتواصل:و تشمل الصدق و الأمانة و التواضع
و الرفق بالآخرين و الخضوع للحق.
ومن ضوابط التواصل: ضوابط التبليغ و الإرسال: و أهمها حسن البيان و الرفق بالمخاطب يقول الرسول صلى الله عليه و سلم:" إن الله رفيق يحب الرفق."
ضوابط التلقي و الإستقبال:و أهمها حسن الإنصات والإقبال على المخاطب و عدم مقاطعته.
أنواع التواصل: يرتبط التواصل بنيويا بعدة حقول معرفية منها علم التدبير و
،و علوم الإعلام و Marketingالتسيير و العلاقات العامة، وعلم التسويق
و الاتصال و الفلسفة و السيميولوجياو بالبيداغوجيا و الديداكتيك في المجال التربوي.و سوف أعرج على بعض الأنواع على سبيل الأستئناس على أن يكون
موضوع هذه الدراسة منكبا على التواصل التربوي البيداغوجي و سأقتصر على دراسة الأنواع التالية: 1- النوع الأول:التواصل من المنظور اللساني، يذهب
مجموعة من الباحثين اللسانيين و على رأسهم فرديناند دوسوسير إلى أن اللغة وظيفتها التواصل، فهو يرى في كتابه"محاضرات في اللسانيات العامة" أن اللغة
نسق من العلامات و الإشارات هدفها التواصل أثناء الدال و المدلول بنيويا أو تقاطع الصورة السمعية مع المفهوم الذهني. وهو نفس ماذهب إليه ابن جني في كتابه"الخصائص" عندما عرف اللغة بأنها "أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم"
اللغة بانها عبارة عن تمفصلAndrè martinet و يعرف أندري مارتيني

مزدوج فهي تتكون من المونيمات (الكلمات)و هي بدورها تنقسم إلى فونيمات
(اصوات) و مورفيمات (مقاطع صرفية) لكن الأصواتلا يمكن تقسيمها لأن الصوت كل لايتجزأ .و إذا جمعنا الفونيمات مع بعضها البعض كونا المونيمات
و إذا جمعنا المونيمات أي الكلمات كونا جملا و الجمل مع بعضها تعطينا الفقرات ن و الفقرات تعطينا النص و هو ما يسمى أخيرا ب اللغة التي بها نتواصل.2 النوع الثاني: التواصل من المنظور الفلسفي: في المنظور الفلسفي
هناك عدة آراء بخصوص التواصل من بينها آراء الفيلسوف الالماني هيجل
الذي ذهب إلى أن العلاقة بين الأنا و الغير هي علاقة سلبية قائمة على الصراع الجدلي و هذا يتضح من خلال نظريته المسماة بجدلية السيد و العبد.
أما جان بول سارتر فيرى أن الغير ممر و وسيط ضروري للأنا إلا أن الغير
جحيم لايطاق لأنه يشيئ الذات لهذا يدعو سارتر إلى التعامل مع الغير بحذر و ترقب و عدوان و هذا يتضح من خلال قولته المشهورة أنا و الآخرون إلى الجحيم. وأما ميرلوبونتي فيعتبر أن العلاقة بين الأنا و الغير هي علاقة إيجابية قائمة على الاحترام و التقدير و التعاون و التواصل و أساس هذا التواصل اللغة.و للإشارة فإن المجتمعات الغربية تتصرف وفق آراء منظريها لذا وجب
التعرف على هذه النظريات حتى نتعرف مع من نتواصل.
3- النوع الثالث:التواصل من المنظور الإعلامي: يقوم هذا التواصل على توظيف تقنيات الإعلام و التواصل كالحاسوب و الانترنت و خطوة الإرسال و جطوة الإغلاق.أي أن هذا النموذج من الاتصال يستند إلى ثلاث مراحل أساسية و هي الشروع في الاتصال و التشغيل و إيقاف التشغيل.
مفهوم المقاربة و الطريقة و التقنية:يرتبط مصطلح المقاربة بمصطلحي طريقة و تقنية و للتمييز بينهما فالمقاربة تعنى بنظريات مختلفة تتعلق بطبيعة الموضوع المدروس مثلا اللغة كيفية تعلمها و تعليمها.و تهتم الطريقة ب الخطط المتنوعة في تدريس اللغة أي ما يخص مسألة المناهج بينما تستعمل التقنية أنواعا مختلفة من أنشطة القسم التي تدعم الدرس مثل : الألعاب و لعب الأدوار و حل المشكلات و غيرها من تقنيات التنشيط التربوي.



التواصل التربويSad البيداغوجي)
مفهوم التواصل التربوي:
التواصل التربوي هو العملية التي يتم من خلالها تجاوب و تفاهم بين المدرس و المتعلم فيستطيع الاول نقل معرفة أو مهارة أو استراتيجية معينة معتمدا على الترميز المناسب للقدرات الاستيعابية لدى المتعلم و مراعيا القناة الملائمة لتبليغ الرسالة .و يرتكز التواصل التربوي على مجموعة عناصر أساسية بهدف إحداث انسجام و تلاؤم بين المدرس و المتعلم.
عناصر التواصل التربوي و مكوناته:
ويمكن تحديد هذه العناصر فيمايلي:- المرسل وهو( المدرس)، و المتلقي(التلميذ)، و الرسالة(المادة الدراسية)، و القناة (التفاعلات اللفظية و غير اللفظية)، والوسائل الديداكتيكية(البرنامج الدراسي و المنهاج الدراسي ووسائل الإيضاح و الوسائل السمعية البصرية)و المدخلات(الكفايات و الأهداف)
و المخرجات(التي هي تقويم المدخلات و الفيدباك أي التغذية الراجعةأو الدعم)

و السياق(المكان و الزمان و الوحدات الدراسية و الإيقاعات المدرسية).

و يمكن إجمال هذه العناصر في أربعة محاورو هي:
1_ المرسل: وهو المدرس
2_الستقبل: وهو التلميذ
3_ الرسالة: المادة الدراسية و ما يرتبط بها
4_السياق التواصلي:الفضاء الزمكاني.


مجالات التواصل التربوي:
تهدف عملية التواصل التربوي داخل الفصل الدراسي إلى تفعيل الحوار و تنشيط الدرس من خلال وضعيات تعلمية محددة و مدروسة و ترتكز على مجموعة من المبادئ مثل مبدأ التدرج و التكامل و ذلك من أجل تحقيق الكفايات
و الأهداف المرسومة، في المنهاج الدراسي.
و يعتبر التواصل التربوي المادة الدراسية بمثابة رسالة تربوية يعمل المدرس في إطارها نقل الخبرات و المهارات و القيم إلى المتعلم و العمل على ضبط طرائق التفاعل و التبادل و و تتمظهر هذه العملية عبر مجالات تواصلية وهي:
1 التواصل المعرفي: و هو الذي يهدف إلى نقل و استقبال المعلومات و هو تواصل يركز على الجوانب المعرفية و مراقيها. و المتمثلة في تعليم طرائق التركيب و التطبيق و الفهم و التحليل.و في هذا الإطار ثمة صنافة بيداغوجية في مجال المعرفي هي صنافة بلوم وتمثل المراقي التالية:المعرفة،الفهم،التطبيق،التحليل،التركيب،و التقييم.و في هذا المجال يتم اعتماد الأسلوب اللفظي بصفة اكبر من السلوك غير اللفظي، أي كل ما يتعلق باستعمال اللغة و كذا تقنيات التنشيط التربوي.غير اللفظية مثل مسرحة النصوص و اعتماد الإشارات و الإيماءات .
2-التواصل الوجداني:كما سبق ذكره في المباحث السابقة بأن من وظائف التواصل التأثير على المتلقي و ذلك بهدف إحداث تغيير في سلوك الآخر و تعتبر المدرسة السلوكية من أهم التيارات السيكولوجية التي ركزت على الوظيفة التأثيرية لأن التواصل حسب المنظور السلوكي يرتكز على مفهومي المثير و الإستجابة.و من ثم فإن للسلوك اللفظي و غير اللفظي تأثيرات شعورية تكون لها انعكاسات إيجابية مثل التعاون كما يمكن له أن يترك تأثيرات سلبية مثل التعارض و الصراع إلا أ، العمليات الإيجابية هي أقوى أثرا و أبقى من السلبية.
و يقصد بالتواصل الوجداني في المجال التربوي اكتساب الميول و الا تجاهات و قيم الخير و الحق و تقدير جهود الآخرين.
وتعتبر في هذا المجال صنافة كراتهول الأكثر شهرة فقد اهتم هذا الأخير بالمجال الوجداني و خصص له صنافة تتكون من خمس مستويات ذات صلة وثيقة بالمواقف و القيم و الإنفعالات و الأحاسيس و المواقف و الإتجاهات فكرية كانت أم خلقية و هذه المستويات هي: التقبل،الإستجابة، الحكم القيمي ، التنظيم، التمييز بواسطة قيمة ما أو منظومة من القيم.

3- التواصل الحسحركي: التواصل الحسحركي يتناول ما هو غير معرفي ووجداني و يتمظهر هذا النوع في إطار السبيرنطيقا الضبط الآلي،.ويرمي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي تعمل على تنمية المهارات الحركية و استعمال أعضاء الجسم في التعبير و من أهم الصنافات المعتمدة صنافة
التي وضعها صاحبها سنة1972،و تتكون من ست Harrow هاروو

مراقي و هي:الحركات الارتكاسية،الحركات الطبيعية الأساسية، الاستعدادات الادراكية، الصفات البدنية، المهارات الحركية لليد، التواصل غير اللفظي.







مقومات التواصل التربوي:
يقوم التواصل التربوي الفعال على التعليم التشاركي و التعلم الذاتي و كذ التعلم القائم على الحرية وتعلم الحياة من خلال الحياة و ياخذ هذا النوع من التواصل أشكالا متنوعة فهو يكون تواصلا تارة أفقيا و تارة عموديا و أخرى دائريا أو شبه دائري معتمدا في ذلك على مبدأ الحوار في إطار البيداغوجيا اللاتوجيهية و لبيداغوجيا الفارقية و البيداغوجيا الإبداعية.
و في هذا التواصل يأخذ المدرس صفة المرشد و الموجه ليتخلى عن التلقين و احتكار الكلام تاركا المتعلمين يتعلمون في وضعيات معتمدين على أنفسهم في إطار التعلم الذاتي ليصلوا إلى إيجاد الحلول الناجعة للمشكلات التي تعترضهم داخل و خارج الفصل الدراسي.
ولكي يكون التواصل فاعلا و فعالا على مستوى الكلام و الكتابة لابد من اعتماد أسلوب واضح و متين و متسق وفي نفس الوقت يكون مشوقا و مثيرا و مستفزا لفضول المتعلم، يحركه ذهنيا ووجدانيا و حركيا .هذا من جانب المدرس أما من جانب التلميذ الذي هو المتلقي لابد من تلافي كل أشكال العوائق الباتولوجية (المرضية)و التي تحول دون تحقيق تواصل مفيد ومن هذه الصعوبات : الضجيج و التشويش و التمركز على الذات و عدم الانتباه و اللامبالاة.
و حتى يتحقق هذا هناك تقنيات و أساليب متنوعة للتواصل التربوي فمنها التواصل الذي يصطلح عليه ب التواصل اللفظي أو التواصل اللساني و هو كل ما يتعلق باستخدام اللغة كأداة للتعبير و مايتعلق بها من تقنيات و قواعد تضبطها
و هناك التواصل غير اللفظي أو غير اللساني من استعمال للإيماءات و الإشارات و الحركات من أجل التواصل و التفاعل مع الغيرفردا أو جماعة.
تقـنيات التواصل التربوي و أساليبه:

التواصل اللفظي( اللساني):حتى يتم التواصل بطريقة ناجعة لابد من اعتماد تقنيات التواصل اللفظي اللساني و سمي باللساني نسبة إلى اللسان،فاللسان يعتبر الأداة الراقية التي استخدمها الإنسان للتواصل و تحديد رؤيته لنفسه و للآخرين،
و هو يعد حسب كثير من المفكرين مثل دوسوسير أساس انفصال الإنسان عن الحيوان.يرى دوسوسير في هذا الصدد:أن"اللسان نسق من العلامات المعبرة عن الأفكار ، وهو بذلك شبيه بأبجدية الصم-البكم، و بالطقوس الرمزية، و بأشكال الآداب و الإشارات العسكرية...إلخ، إلا أنه أرقى عنصر داخل هذه الطقوس."
فبواسطة اللسان يتم التواصل اللغوي في أرقى أشكاله معتمدا في ذلك على أصوات ومقاطع و كلمات و جمل و يتم كل ذلك عبر القناة الصوتية السمعية .
كما أن ما يميز اللسان عن الأنساق الأخرى هو توفره على بعدين :بعد دلالي
Sèmantique
،أما الأنساق الأخرى فلا تملك سوى بعد Sèmiotique و بعد سيميوطيقي
واحد هو البعد السيميوطيقي و للتوضيح أكثر فإنه لا يمكن مثلا التعبير عن الأشكال الأخرى إلا في ضوء آلية اللسان التأويلية.وللتمثيل لا يمكن أن نشرح لوحة زيتية بالألوان ، أو الصور بالصور،أو قطعة موسيقية بالأنغام، وإنما انطلاقا من نسق مؤول هو اللسان و العكس غير صحيح.


و في هذا الإطار سوف نتحدث عن مفهومين مرتبطين ب التواصل اللساني و هما القدرة اللغوية أو (الكفاية اللغوية) و القدرة التواصلية أو(الكفاية التواصلية)
فما هو الفرق بينهما؟
الفرق بين القدرة اللغوية والقدرة التواصلية:
يعرف العالم الألسني "تشومسكي"صاحب النظرية التوليدية يعرف الكفاية اللغويةبقوله:"يشير مصطلح الكفاية اللغوية إلى قدرة المتكلم/ المستمع المثالي على أن يجمع بين الأصوات اللغوية و بين المعاني ن في تناسق وثيق مع قواعد لغته...فمن الواضح جدا أن للجمل معنى خاص تحدده القاعدة اللغوية ، وأن كل من يملك لغة معينة قد اكتسب في ذاته ، و بصورة ما، تنظيم قواعد تحدد الشكل الصوتي للجملة و محتواها الدلالي الخاص، فهذا الإنسان قد طور في ذاته ما نسميه بالكفاية اللغوية الخاصة."
يتبين من خلال هذا التعريف أن الكفاية اللغوية مرتبطة باستخدام اللغة كأداء كلامي مرتبط بقواعد محددة و مضبوطة.
أما الكفاية التواصلية أو ما يصطلح عليه عن اللسانيين بالقدرة التواصلية فإن مفهوم القدرة التواصلية حسب هايمز لا يقتصر على معرفة النسق اللغوي ، و إنما يتجاوز ذلك على معرفة كيفية استعمال اللغة في السياق الإجتماعي.
وحسب وداوسن فمفهوم القدرة التواصلية مفهوم يشمل كل الطاقات اللغوية و لا
تمثل القدرة النحوية إلا مكونا من مكوناتها.و سوف نعرض لمكونات القدرة التواصلية حسب ما اقترحه بعض الباحثين و المتضمنة لثلاث قدرات وهي :
1- قدرة نحوية: وهي معرفة نحو ومعجم و دلالات لغة ما
2- قدرة سوسيولسانية:و هي معرفة العلاقات بين اللغة و سياقها غير اللساني أي معرفة كيف تستعمل و تستجيب لأنواع مختلفة من أفعال الكلام.
3- قدرة استراتيجية: و تسمى أيضا استراتيجيات التواصل اللغوي و غير اللغوي التي يمكن أن تعوض الضعف في ميادين أخرى.نخلص إذن مما سبق أن القدرة اللغوية هي جزء لا يتجزأ من القدرة التواصلية.
التواصل غير اللفظي أو غير اللساني:
إذا كان اللسان هو الأداة الأكثر استخداما من طرف الإنسان للتواصل و التمثيل و تحديد رؤيته لنفسه و للآخرين، وهو أساس انفصال الإنسان عن الحيوان باعتبا القولة المشهورة عند المناطقة فإنه لايشكل نظام الدلالة الوحيد و الوسيلة الفريدة للإتصال.إذ نجد أنفسنا محاطين بأنظمة اجتماعية دلالية غير لسانية متنوعة لا تخضع لسلطة اللسان.تقول في هذا الصدد الباحثة في علم التواصلجوليا كريستيفا"إن الحركات و الإشارات المرئية المؤلفة و كذ الرسم و الصورة الفوتوغرافية و السينما و الفن التشكيلي تعتبر لغات من حيث أنها تنقل رسالة من مرسل إلى متلق من خلال استعمال شفرة نوعية، و ذلك دون أن تخضع لقواعد بناء اللغة الكلامية كما يقننها النحو."
نستنتج من خلال هذا التعريف للتواصل غير اللساني أنه ينبني على مجموعة من الأنساق التعبيرية المتنوعة و من بين هذه الأنساق نذكر مايلي:
" وهي أوضاع الجسمKinèsique1- حركة الجسم أو ما يسمى الكينيسية"

ومعناها التعبير بالإشارات و تعابير الوجه و تعابير أخرى.و كما هو معلوم من
الممارسات التربوية داخل الفصول الدراسية.أن كل مدرس يوظف في قسمه أنواعا من الحركات ، وكل حركة لها دلالتها و لها تأثيرها في عملية التواصل
، و في التاثير على المتلقي و من بين هذه الحركات هناك حركة تلويح اليدين و استخدام خطاب العيون في التأديب أو في التعبير لبيان الرضا عن تلميذ،إضافة إلى تاحركات التي تخص تنظيم القسم و حركات تتعلق بتنقلات المدرس داخل الفصل الدراسي،و الحركات الجانبية الزائدة و غير الوظيفية كلمس الثياب و لمس اللحية و اللعب ب الشوارب.كلها حركات وإن كنا لا نلتفت إليها إلا أن التلميذ يتتبع مدرسه في كل حركاته و قد يقلده فيها من باب حبه لمعلمه.
2- و من بين الأنساق الأخرى نجد الحركات المتعلقة بالزمان و المكان
" وقد حددها عالم الأنتروبولوجيا Proxemique أو ما يصطلح عليه ب:"
إدوارد هول في ثمان حالات وهي:المساحة،أو المسافة التي تفصل بين الأشخاص عند قيامهم ببعض الأفعال مثل اللمس بالإضافة إلى إيقاع السلوك مثل الهرولة نحو شخص عند مقابلته أو التأني .و من بين الأنساق أيضا نجد:
signes tactiles العلامات اللمسية
signes olfactifs العلامات الشمية

signes gustatifs العلامات الذوقية

signes visuel العلامات البصرية

signes auditif العلامات السمعية

و من بين الأنساق ايضا هناك الملصقات الإشهاريةأو المقاطع الإذاعية .
كما توجد أشياء خارجة عن جسم الإنسان و التي ينتجها هو نفسه كالثياب و الحلي و الزخارف و فنون الرسم و التشكيل .
و غيرها من العلامات و الاشكال التواصلية التي تخترق فضاءاتنا كل يوم و بأشكال متنوعة و متجددة.
ومن المعلوم أن المرء يتعلم :بواسطة الذوق1/، و بواسطة الشم3.5/، وبواسطة اللمس1.5/،و بواسطة السمع11/،
و بواسطة البصر83/.
ومن جهة أخرى فإنه يتذكر:10/مما يقرأه،و 20/مما يسمعه،و 30/مما يراه، و 50/مما يراه و يسمعه، و 20/مما يقوله و هو يفعل شيئا.

و بناء على ذلك فإن اعتبار عملية التواصل حصر على اللسان فقط معناه إغفال و تجاهل أنواعا أخرى من التواصل.
و يوجد في التراث العربي إشارات قوية لاهتمام الباحثين القدامى ب ألأنساق غير اللسانية و خاصة الإشارات و من بين هؤلاء الباحثين الللغوي و الأديب الجاحظ حيث يقول :" و الإشارة و اللفظ شريكان و نعم العون هي له ، و نعم الترجمان هي عنه، و ما أكثر ما تنوب عنه."من كتاب البيان و التبين.
و هذا يظهر جليا في أشعار بعضهم يقول أحدهم :
أشارت بطرف العين خيفة أهلها *** إشارة مذعور و لم تتكلــم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا *** و أهلا و سهلا بالكريم المتيم

و بذلك ضربت الأمثال في الثقافة العربية بطريقة التواصل بالعين فسار المثل المشهور(رب إشارة أبلغ من عبارة).















خاتمة:

من خلال هذه الدراسة لموضوع، يعد موضوع الساعة لما له من أهمية في جميع حقول المعرفة ، فالتواصل اليوم أصبح بمثابة المحرك المعرفي و المعلوماتي بالنسبة للإنسان، فبحكم التطور المتسارع في مجالات العلم برمتها و الصبيب المتتابع للمعلومات أضحى التواصل لا غنى عنه.
و المجال التربوي بدوره أصبح في يعرف تجددا متسارع بحكم التحول الذي تعرفه باقي الميادين الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية ،فكان لزاما أن يساير مجال التربية و البيداغوجيا هذه التحولات .و بالتالي الإستعانة بتقنيات و بآليات التواصل التربوي هي الكفيلة بجعله في صلب هذه التحولات .
و حتى نتمكن كممارسين و فاعلين في المجال التربوي العمل و البحث عن أنجع وسائل التواصل التي عرفتها البحوث في هذا المجال حتى نسهم في الرفع من جودة الفعل التربوي ، و بالتالي الرفع من الحصيلة الدراسية للمتعلمين،و طبعا هذا لا يتأتى إلا بالأخذ بتقنيات التواصل التربوي اللفظي اللساني و التواصل غير اللفظي و غير اللساني. من خلال توظيفهما في العمل اليومي عبر مجموعة من الممارسات السلوكية البيداغوجية،من أجل تطوير قدرة المتعلم التواصلية و تفعيل مهاراته التعلمية ، وتحقيق طلاقته اللغوية.و بالتالي اكتساب القدرة اللغوية و القدرة التواصليةمعا.




لائحة المراجع

* القرآن الكريم
* كتاب اللغة و التواصل التربوي و الثقافي: مقاربة نفسية و تربوية تأليف مجموعة من الباحثين.

بعض مقالات الكتاب:*تعليم اللغة و تعلمها مقاربة تواصلية.ذ. بدر ابن الراضي

* التواصل اللفظي و غير اللفظي في المجال البيداغوجي و الديداكتيكي.د.جميل
حمداوي.

* أنظمة التواصل اللساني و غير اللساني.د.المصطفى عمراني

*المفيد في اللغة العربية دليل المدرس تأليف مجموعة من الباحثين

* الخصائص لابن جني تحقيق محمد علي النجار.دار الهدى للطباعة و النشر
بيروت، لبنان،ط11، ج1، ص33

* البيان و التبين للجاحظ ،تحقيق عبد السلام محمد هارون ، الجزء1 دار الجيل بيروت ن ص 78-77

تحميل أعداد من مجلة : اثارنا اليوم




مجلة اثارنا اليوم – وزارة الدولة لشئون الاثار



مجلة اثارنا اليوم مجله ثقافية آثريه معلوماتيه ربع سنويه يصدرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بالمجلس الاعلى للآثار . تهدف الى زيادة الوعى الثقافى بتراث مصرنا العزيزة بعصورها المختلفة تعميقا لهويتنا الثقافيه حيث تمد القارىء بشتى اشكال المعلومات التى يمتلكها المجلس الاعلى للآثار. وليتحقق التواصل بين القارىء وفريق العمل برجاء المشاركه بالرأى والتعليق مجله ثقافية آثريه معلوماتيه ربع سنويه يصدرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بالمجلس الاعلى للآثار . تهدف الى زيادة الوعى الثقافى بتراث مصرنا العزيزة بعصورها المختلفة تعميقا لهويتنا الثقافيه حيث تمد القارىء بشتى اشكال المعلومات التى يمتلكها المجلس الاعلى للآثار.


العدد الاول

http://www.mediafire.com/?gmiytnn5jom


العدد الثانى

http://www.mediafire.com/?wyujbmmnmnz


العدد الثالث

http://www.mediafire.com/?4jzmmgytnij


العدد الرابع

http://www.mediafire.com/?f6nyaay3qaxs4v7


العدد السادس

http://www.mediafire.com/?6vee3ea959m13pv


العدد السابع

http://www.mediafire.com/?10tdl3jt4ds964k

العدد التاسع

http://www.mediafire.com/?r330uat946wrac7

خصائص وأبعاد العملية التواصلية

خصائص وأبعاد العملية التواصلية

عبد القادر بن عسلة,

من خلال كل ما سبق يمكن أن نستخلص المبادئ العامة التي تقوم عليها العملية التواصلية والخصائص التي تتميز بها على بقية طرق الاتصال الأخرى ، ويمكن حصر هذه المميزات في ما يأتي :
1 ـ البعد الإنساني :

يعد التواصل (( جوهر العلاقات الإنسانية ، فالتواصل والعلاقات الإنسانية لا يمكن أن ينفصلا إلا اصطناعيا ، إذ أنهما على مستوى الوجود ومعطيات المعيش الفعلية لا يمثلان سوى شيء واحد )) (1) ، بمعنى إذا كان التواصل هو الممارسة الفعلية للغة في الواقع ، فإنه لا يمكن أن يكون في مثل هذه الحالة إلا إنسانيا ، لأن اللغة وممارستها تقتصر على الإنسان دون بقية المخلوقات وهي التي تحقق إنسانيته ووجوده .
2 ـ البعد العقلي والفكري :
ما دامت اللغة ظاهرة إنسانية فهي بالضرورة مرتبط بالعقل لأنها (( ليست أداة إنها عقل ، وهي مقر المعنى ، وما يحصل فيه ، وبه التواصل الإنساني والتفاعلي فهي غاية ، ولهذا السبب يدعو هابرماس إلى أخلاقيات التواصل : Ethique de la communication ، كأحد مقومات الحداثة
والفكر العقلاني الإنساني )) (2) ، وعليه فلا يمكن أن نعزل العملية التواصلية عن العقل أو الفكـرفهما دوما في الرسالة ، المضمون ، اللغة ، الترميز ، الإرسال ، الوسائل ، الاستقبال ، تفكيك الرسالة ، الإدراك والاستجابة ، فالعملية التواصلية إذاً عملية فكرية تتضمن فكرة يراد إيصالها إلى المتلقي وترمي إلى تحقيق هدف أو مجموعة من الأهداف .
3 ـ البعد اللغوي :
إن سبل وطرق الاتصال والتواصل عديدة ومتنوعة إلا أن اللغة وهي خاصية إنسانية محضة تعد أرقى وأنجع وسيلة للتواصل ، ولا يمكن أن يخرج البعد اللغوي في العملية التواصلية عن أحـد الشكلين المكتوب والمنطوق ، وكلاهما يقوم على (( ثلاثة مكونات أساسية ، وهي :
1 ـ مكون لساني : يتجلى في اكتساب المتعلم للنماذج الصوتية والمعجمية والنصية الخاصة بنظام اللغة : Linguistique .
2 ـ مكون مقالي : يتجلى في اكتساب المتعلم القدرة على توظيف مستويات مختلفة من الخطاب وفق وضعيات التواصل Discursif .
3 ـ مكون مرجعي : يكمن في إدراك المتعلم الضوابط والمعايير التي تحكم التفاعل الاجتماعي بين أفراد وحسب ثقافتهم : Referenciel .)) (3)
ليس المراد بالبعد اللغوي الإحاطة بمفردات اللغة أو معرفة قواعدها أو أي جانب من جوانبها ، وإنما يراد به كما سبقت الإشارة القدرة أو الكفاءة التواصلية وهي (( القدرات التي يستطيع بواسطتها شخص أن يدخل في سيرورة تواصلية مع الآخرين ، فإنها لا تقوم على القدرة اللسانية وحدها ، أي القدرة على تكوين جمل صحيحة لغويا ، بل إنها تأخذ بعين الاعتبار قدرات لسانية تتدخل في سيرورة التواصل وترتبط باستعمال اللغة أكثر مما ترتبط بنسق نحوي شكلي .......
وقد فكك كنال وسوام : Canal et Swam هذه القدرة إلى ثلاثة مكونات أساسية توضح المتغيرات الأخرى التي تتدخل في القدرة التواصلية إلى جانب القدرة النحوية ، وهي :
1 ـ قدرة نحوية : ترتبط بمعرفة المتلعم ببنيات اللغة .
2 ـ قدرة سوسيولسانية : تتجلى في معرفة المتعلم بما هو مقبول عند الاستعمال للغة من طرف جماعة لغوية .
3 ـ قدرة استراتيجية : تتعلق باستعمال اللغة من أجل بلوغ أهداف معينة .)) (4)
4 ـ البعد الإفهامي :
لا يمكن أن نصف كل عملية تواصلية توفرت على الأبعاد الثلاثة السابقة بالتواصلية ، ما لم تتوفر على بعد رابع وهو الإفهام ، بمعنى أن تحقق الرسالة المتبادلة بين الملقي والمتلقي نسبة معينة من التفاهم والإفهام ، فإذا كانت الرسالة تحمل فكرة يراد تبليغها إلى الطرف الثاني ، فليس الهدف في التوصيل في حد ذاته ، وإنما في وراء التوصيل ، أي إن يفهم المتلقي الرسالة ويستوعبها بعد أن يستقبلها لأن (( الهدف من التفاهم هو الوصول إلى نوع من الاتفاق يؤدي إلى
العلاقات المشتركة بين الذوات وإلى التفهم المتبادل والثقة المتبادلة وإلى التقارب في النظرات والأراء )) (5) ، وفي حالة ما إذا لم تحقق العملية التواصلية شيئا من هذا القبيل ، فهي أولى أن تصنف ضمن الغوغاء التي لا طائل من ورائها.

ـ قائمة المصادر والمراجع ـ
(1) ـ معجم علوم التربية ، عبد اللطيف الفاربي وآخرون ـ ص : 44
(2) ـ فلسفة اللغة واللسانيات ، الدكتور نور الدين النيفر ـ ص : 117
(3) ـ معجم علوم التربية ، عبد اللطيف الفاربي وآخرون ـ ص : 44
(4) ـ معجم علوم التربية ، عبد اللطيف الفاربي وآخرون ـ ص : 44
(5) ـ فلسفة اللغة واللسانيات ، الدكتور نور الدين النيفر ـ ص : 113






المفكر اللساني الأستاذ الدكتور أحمد المتوكل

المفكر اللساني الأستاذ الدكتور أحمد المتوكل

ولد الدكتور أحمد المتوكل في الرباط، في أوائل سنوات الأربعين، ودرس في ثانوية مولاي يوسف بالرباط حيث حصل على البكالوريا، ثم انأحمد المتوكل 55.jpgتقل إلى الدراسة في كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية وآدابها، حيث حصل على الإجازة في الأدب واللغة الفرنسيين، ثم حضر دكتوراه السلك الثالث في اللغويات في نفس القسم، وكان موضوع رسالته عن (أفعال الإتجاه في اللغة الفرنسية) في إطار مقاربة سيميائية التي يرأسها في فرنسا غريماس، وبعد ذلك هيأ داخل القسم العربي شهادة في الأدب المقارن، ثم حضر دكتوراة الدولة في اللسانيات، وكان موضوع هذه الأطروحة التي أشرف عليها غريماس، (نظرية المعنى في الفكر اللغوي العربي القديم) وطبعت الأطروحة في المغرب باللغة الفرنسية، والآن يحضر طالب من طلبة كلية الآداب بالدار البيضاء عين الشق دكتوراه وطنية في ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية والتقديم له بدراسة عن آراء أحمد المتوكل في العلاقة بين القديم والحديث فيما يخص الدرس اللغوي.
ودرّس الدكتور أحمد المتوكل في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط في القسمين الفرنسي والعربي، وكان يدرس التداوليات، ثم تخصص في تدريس النحو الوظيفي خاصة مدرسة امستردام التي كان أول روادها الأستاذ سيمون ديك الهولندي.
له عدة مؤلفات في محورين اثنين: محور العلاقة بين الفكر اللغوي القديم والدرس اللغوي الحديث، والمحور الثاني وصف وتفسير ظواهر اللغة العربية من منظور نظرية النحو الوظيفي وإمكان توظيف هذه النظرية في مجالات أخرى غير مجال وصف اللغات، كما يسمى بالمجالات القطاعية، ونقصد بها ديداكتيك تعليم اللغات وتحليل النصوص على اختلاف أنماطها والاضطرابات اللغوية النفسية إلى غير ذلك من القطاعات.

مؤلفات أحمد المتوكل:

1- بالعربية:

(1977) قراءة جديدة لنظرية النظم عند الجرجاني.مجلة كلية الآداب، الرباط، عدد 1.
(1981) اقتراحات من الفكر اللغوي العربي القديم بوصف ظاهرة الاستلزام الحواري. كلية الآداب، الرباط، البحث اللساني والسيميائي.
(1985) الوظائف التداولية في اللغة العربية. الدار البيضاء: دار الثقافة.
(1986) دراسات في نحو اللغة العربية الوظيفي. الدار البيضاء: دار الثقافة.
(1987 أ) من البنية الحملية إلى البنية المكونية: الوظيفة المفعول في اللغة العربية. الدار البيضاء: دار الثقافة.
(1987 ب) من قضايا الرابط في اللغة العربية. الرباط: منشورات عكاظ.
(1988 أ) قضايا معجمية: المحمولات الفعلية المشتقة في اللغة العربية. الرباط: اتحاد الناشرين المغاربة.
(1988 ب) الجملة المركبة في اللغة العربية. الرباط: منشورات عكاظ.
(1989) اللسانيات الوظيفية: مدخل نظري. الرباط: منشورات عكاظ.
(1993 أ) الوظيفة والبنية: مقاربة وظيفية لبعض قضايا التركيب في اللغة العربية. الرباط: منشورات عكاظ.
(1993 ب) آفاق جديدة في نظرية النحو الوظيفي. الرباط: منشورات كلية الآداب.
(1995) قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية: البنية التحتية أو التمثيل الدلالي-التداولي. الرباط: دار الأمان.
(1996) قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية: بنية المكونات أو التمثيل الصرفي-التركيبي. الرباط: دار الأمان.
(2001) قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية: بنية الخطاب من الجملة إلى النص، الرباط: دار الأمان.
(2003) الوظيفية بين الكلية والنمطية. الرباط: دار الأمان.
(2005 أ) التركيبيات الوظيفية: قضايا ومقاربات. الرباط: دار الأمان.
(2005 ب) مفهوم الكفاية وتعليم اللغات. كلية الآداب، مكناس، سلسلة الندوات 15.
(2006) المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي: الأصول والامتداد. الرباط: دار الأمان.
(2008) مسائل النحو العربي في قضايا النحو الوظيفي، دار الكتاب الجديد، بيروت لبنان.
(2010) الخطاب وخصائص اللغة العربية.. دراسة في المجال والبنية والنمط، الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت، ومكتبة الأمان الرباط، ودار الاختلاف الجزائر

2- باللغات الأجنبية (الانجلزية والفرنسية):

1982 Réflexions sur la théorie de la signification dans la pensée linguistique arabe. Publications de la faculté des Lettres,
Rabat.
1984 Le focus en Arabe: vers une Analyse Fonctionnelle.
In: Lingua 64.
1985 Topic in Arabic: Towards a Functional Analysis.
In: Bolkestein et al (eds).
1991 a On Representing Implicated Illocutionary Force:
Grammar or Logic? WPFG 40.
1991 b Negative Constructions in Arabic: Towards a Functional Approach. In: K. Devenyi and T. Ivznyi. (eds) 3.4.
1993 Reflections on the layered underlying representation in Functional Grammar. University Mohamed V, Rabat.
1994 Term-to-phrase mapping rules: A case study from Arabic. In: Engberg-Pdersen. Falster Jakobsen and Schack. Rasmussen (eds).
1998 Benveniste’s Recit vs Discours dichotomy as discourse operator in Functional Grammar. In: M. Hannay and A. M. Bolkestein (eds).
1999 Exclamation in Functional Grammar: sentence type.
Illocution or modality ? WPFG no. 69.
2000 Reflections on the layered underlying representation in Functional Grammar. Casablanca: Afric-Orient.
2003 Préliminaires à une grammaire fonctionnelle de discours. In: Jadir M. (ed).
2004 a Discourse structure, the generalized parallelism hypothesis and the architecture of functional grammar. In: Madkenzie and Gomez-Gonzalez (eds).
2004 b Function independent morpho-syntax. In: Aertsen Henk, Mike Hannay and Rod Lyall (eds).
2005 Exclamation in Functional Grammar. In: Groot and Hengeveld (eds).
2006 Functional Grammar and Arabic. Encylopedia of the Arabic Language and Linguistic. Leiden: Brill Academic Publishers. Vol. II.
2007 Coordinative constructions in Arabic. Some aspects of morpho-syntax as an indicator of Interpersonal status. In: Advances in Functional Discourse Grammar.
Alfa special volume. Brazil.
2009 Exceptive constructions in Arabic. From Arabic Grammatical Tradition to Functional Discourse Grammar WPFG Special issue

التواصل التربوي ولسانيات الخطاب أحمد المتوكل نموذجا

التواصل التربوي ولسانيات الخطاب
أحمد المتوكل نموذجا
ذ:عبدالوهاب صديقي
طالب باحث في اللسانيات المعاصرة –أكادير
أستاذ مادة اللغة العربية – طانطان

يشكل موضوع التواصل التربوي ،موضوعا مهما في حقل البيداغوجيا ،وديداكتيك التعلم فإذا كان الميثاق
الوطني ،راهن في دعاماته على مدرسة وطنية منفتحة على محيطها ،مدرسة مواطنة يتشبع فيها المواطن المغربي بقيم الوطن ،ويعرف حقوقه ،ويؤدي واجباته .فإن هذا الرهان الأكبر يستدعي علاقات تواصلية بين مكونات العملية التربوية ،حتى نصبو إلى الجودة ،ومدرسة النجاح.
ولا تستوي العملية التعليمة التعلمية،إلا إذا استوى أركانها الثلاث :الأسرة والمتعلم والمدرس ، فكلما كانت العلاقة بين هذه العناصر جيدة ،كلما كان مستوى المتعلم جيدا .
وغني عن البيان ،أن الميثاق الوطني للتربية ولتكوين ، والمخطط الإستعجالي بعده راهنا على التواصل التربوي ،والشراكة التدبيرين لملف التربية والتكوين ، وما الانفتاح على المحيط الثقافي ،والاجتماعي للمدرسة ، والشراكة والمشروع التربوي إلا ترجمة لمضامين هذه الغاية التي ستساهم لا محالة في إنجاح مدرسة النجاح .
ولا بد لكل باحث في المجال التربوي وأي مجال فكري أن يحدد إطاره المفاهيمي ، الذي يمتح منه أفكاره
حتى لا يستنكح الدارس المتخصص القارئ شك أو تأويل أو سوء فهم .
فما مفهوم التواصل التربوي ؟ وكيف يتحقق ؟وما هي شروط نجاحه ؟وما هي عوائقه ؟وما مفهوم التواصل في اللسانيات الوظيفية ؟وكيف يمكن استثمار أفكار أحمد المتوكل في لسانيات الخطاب لعقد تواصلات تربوية ناجحة بين المتعلم والأسرة والمدرس؟

1- الإطار المفاهيمي:
تمتح هذه الدراسة مفاهيمها من نتائج الدراسات البيداغوجيا ،وديدكتيك التعلم ،مع الانفتاح على نتائج التي توفرها الوسائط التواصلية من قبيل التعلم المبرمج ،أوالتعلم عن بعد ،مع استثمار أفكار اللسانيات التواصلية لاسيما الوظيفة ،خصوصا ما أشار إليه جاكبسون ،ولسانيات الخطاب مع أحمد المتوكل .

1-1 – تعاريف:
ا-التواصل التربوي :كل أشكال وسيرورات ومظاهر العلاقات التواصلية بين مدرس والمتعلمين وبين المتعلمين أنفسهم.كما يتضمن المكان والزمان والوسائل التواصلية وهو يهدف إلى تبادل ونقل الخبرات والمعارف والتجارب والمواقف مثلما يهدف إلى التأثير في سلوك المتعلم .
فمن خلا ل هذا التعريف نستشف جليا ،أن التواصل وظيفة fonction ،بين ذاتين على الأقل ( متعلم ومدرس )تتأثر بالزمان والمكان ، أي بالسياق contexte المحيط بالعملية التواصلية ،وبالوسائل المعتمدة لإنجاح التواصل .
غير أن الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن التواصل التربوي ، إنساني بطبعه،فهو علاقة حميمية مع المتعلم بالتالي فهي تستدعي فهم المتعلم وميولاته ، وظروفه النفسية والاجتماعية.
ب- الأسرة : يعرف علماء الاجتماع والأنتربولوجيون كا دركا يم وكلود ليفي شتراوس،الأسرة باعتبارها
"أصل المجتمع ،فالمجتمع مجموعة من الأفراد بينها علاقات فأصبحت مؤسسات" .
فالمدرس ابن المجتمع ، كان متعلما ،فلا بد أنه يتفهم الكثير من تصرفات المتعلم ،وقد يحسن استغلال تجربته في استقراء ظروف المتعلم ،ومحيطه .
وإن كان عنوان الدراسة مركزا على التواصل التربوي فلا ضير من الحديث وإن بعجالة عن الدراسات اللسانية التواصلية التي ركزت في دراساتها على التواصل ،والخطاب ووظائف الرسالة message،كجاكبسون ،وسيمون ديك ،وأحمد المتوكل .

2- اللسانيات المعاصرة التواصلية :
اللسانيات حقل معرفي لدراسة اللغات الطبيعية ،فمنذ ظهور مؤلف دوسوسير" محاضرات في اللسانيات العامة "،تكون اللسانيات قد دشنت خطوة جديدة لدراسة اللغة أوالخطاب /النص،وقد فرق سوسير بين الكلام كتحقق فردي للغة ،وبين اللسان كتحقق جماعي معياري للغة ،كما فرق بين الدال والمدلول والعلامة والرمز ...
وقد استثمر تلامذته بعده،أفكاره في إطار حلقة براغ ،وكوبنهاكن،خصوصا جاكبسون ،الذي تحدث عن اللغة كإرسالية تستهدف متلق ،وتحقق الوظائف الست منها التأثيرية ،والإنفعالية،والشعرية ،والتوجيهية،والتوكيدية والوظيفة فوق لغوية.
وقد استثمرت اللسانيات الوظيفية مع سيمون ديك ،وأحمد المتوكل،الكثير من أفكار سوسير وجاكبسون وغيرهم في التركيز على الوظيفة التواصلية للغة بامتياز .ويحتل النحو الوظيفي مكانة هامة في مقاربة قضايا التواصل والخطاب ،لاسيما ومقاربة قضايا اللغة العربية ،وإذا تتبعنا مشروع أحمد المتوكل الوظيفي نجده مرتبط باللغة العربية ارتباطا مهما معجما وتركيبا ودلالة .ويتبنى أحمد المتوكل الرؤية الائتلافية لدراسة آليات التواصل الجملية والنصية (المتوكل 2001)على اعتبار أن هناك تماثلا بين بنية الجملة والنص الخطاب .
والخطاب عند احمد المتوكل كل تجاوز للجملة كمجرد سلسلة لفظية تحكمها آليات الاتساق الشكلية إلى كل تعبير لغوي أيا كان حجمه أنتج في مقام معين.
ومعنى هذا أن الخطاب تعبير قد يكون شفويا أومكتوبا،
- الخطاب لابد له من مقام وسياق محيط به ،عملا بالقاعدة البلاغية لكل مقام مقال .
- غاية الخطاب هوتحقيق التواصل بين ذاتين ،على الأقل ونحن نتحدث عن التواصل التربوي بين مدرس ومتعلم ومادة دراسية .
ويتضمن مخزون المتكلم والمخاطب بحسب المتوكل (2001)المعارف الآتية:
- معارف مقامية :مشتقة من عناصر المقام الذي تتم فيه عملية التواصل ،ومنه فمقام التدريس ،ليس هو مقام الفلاحة بالتالي فإنجاح التواصل التربوي تقتضي مراعاة مقام المتعلم .
- معارف عامة : تتعلق بمدركات المتخاطبين على اعتبار أن لكل فرد مدركاته الخاصة ،فمعارف الأمي عن التكنولوجيا قليلة عكس الإعلامي أو المعلوماتي.. بالتالي فالتواصل تقتضي مراعاة الفوارق الصفية للمتعلمين .
-معارف سياقية : يوفرها للمتخاطبين ماتم إيراده في قطعة خطابية سابقة،وهذه المعارف يشترطها سياق التخاطب بين المتخاطبين.
وعلى اعتبار أن لكل خطاب تواصلي ،معارف مقامية ،ومعارف عامة ،ومعارف سياقية يمكن تصنيف الخطاب تبعا للمعايير التي يقترحها المتوكل إلى :
- غرض المخاطب إلى :خطاب سردي ،حجاجي ،ووصفي وتعليمي ،ترفيهي.
- نوع المشاركة إلى :خطاب ثنائي ،وخطاب جماعي ،وفردي (مونولوج )
- طريقة المشاركة في الخطاب إلى: مباشرة أي التباشر بين المتخاطبين في الخطاب مباشرة أو غير مباشرة كأن يكون الخطاب مكتوبا كالجريدة والكتاب
أو شبه مباشرة خطاب هاتفي ،أو خطاب تلفزي أو إذاعي ...
- نوع القناة إلى قناة مباشرة أو قناة مكتوبة غير مباشرة
- وجهه إلى خطاب موضوعي خاليا من تدخل ذات المتكلم وخطاب ذاتي تتدخل
الذات المنتجة للخطاب .
هكذا صنف أحمد المتوكل (2001)الخطاب إلى أنواع متعددة تبعا لمعايير متعددة ،مما يدل على شساعة الأنماط الخطابية،وتشعبها وتحاقلها لتحقيق غرض التواصل .
وإذا تتبعنا مؤلفات في معالجة قضايا اللغة العربية ،نجده يحصر الوظيفة الأساس للغة في ما يسميه"القدرة التواصلية "، فإذا كان تشومسكي يتحدث عن "القدرة "و"الانجاز" لدى متعلم اللغة الطبيعية ،فإن المتوكل(1995) ،يركز بالأساس على القدرة التواصلية ،فالذي يميز اللغة الطبيعية هي "اتاحتها التواصل بين مستعمليها" فإن كانت النصوص من حيث الوظيفة الأكثر بروزا (الوظيفة الشعرية مثلا) ،لكنها لا تخلو من الوظيفة التواصلية .
يمكن القول من خلال أفكار المتوكل أن الذي يميز اللغة هو تأديتها لوظيفة التواصل ،ولارتباط اللغة بالمجتمع ،
والذي يهم هنا ليس الاستعراض،والشرح بل التأكيد على إمكانية استثمار أفكار أحمد لعقد تواصلات تربوية صفية ناجحة تراعي شروط التواصل الناجح.
3-كيف يمكن استثمار أفكار لسانيات الخطاب لعقد تواصلات تربوية ناجحة داخل الفصل؟

3-1 – التواصل التربوي الناجح :
يحيلنا الحديث عن التواصل التربوي إلى الوسائل الديداكتيكية التي تجعل علاقة المدرس بالمتعلم علاقة ودية انسانية ،قوامها الحوار والمشاركة ،لا العنف والإقصاء ؛من رمــــــــوز وعلامات وحركة للجسد وهيئة الوجه ...التي تساعد المتعلم في الانخراط الإيجابي في بنــــاء تعلماته الذاتية ،وتقويمها ،بالتعبير عن آرائه دونما خجل أوحرج أونقص .بحيث يصــــــــبح المدرس إذ داك موجها ومنشطا،مستدرجا ، وموزعا للأدوار داخل الفصل ،ضامنا لتكافؤ الفرص بـــــــــين جميع المتعلمين ،ومراعيا لظروفهم النفسية والاجتماعية،ومساعدا إياهم على تجاوز صعوبات التعلم ؛هذا هو التواصل الناجح الذي ينفتح على ظروف المتعلم الوجدانية وتطلعاتهم ،ويضع تمثلاتهم في الحسبان، كنقطة انطلاق لبناء المعرفة .
ويساهم هذا النوع من التواصل التربوي الناجح :
- تشخيص المكتسبات القبلية للمتعلم
- تدليل الصعوبات أمام المتعلم لبناء معرفته بنفسه
- انخراط المتعلم ايجابيا في بناء المعرفة ،بعد استنفار موارده المدمجة (معارف –مواقف- مهارات )
- معرفة تمثلات المتعلم ،واستثمارها لبناء المعرفة .
ومعلوم أن هذا يقتضي مدرسا منشطا ،موجها ،كفء ، ملما بمهنة التدريس ،مكتسبا لكفايات التواصل .
وأعتقد أن استثمار اللسانيات الوظيفية ،لا سيما أفكار المتوكل(2001) لإنجاح الخطاب التربوي ،ممكنة شريطة مدرس ملم باللسانيات المعاصرة .
فلإنجاح التواصل التربوي باستثمار لسانيات أحمد المتوكل تستدعي:
- مراعاة المقام ؛فالمتعلم كذات وجدانية مقامها محدود بحدود مقام الطفولة وعالمها البسيط ؛وإن كل تجاوز لها بالتجريد يفشل التواصل داخل الفصل لأننا لم نراع المعارف المقامية .
- مراعاة مدركات المخاطًب ؛فمدركات متعلم السنوات الابتدائية،ليست هي مدركات متعلم السنوات الإعدادية أو التأهيلية ،وكثيرا ما يجنح السادة المدرسون إلى التجريد ، وهم يخاطبون متعلمي السنوات الابتدائية
والاعددية وحينما لا يجدون تجاوبا منهم يعزون ذلك إلى المتعلم ولكن الأصل هو أن مدركات المتعلم لم تراع فكيف نتظر منه تجاوبا ؟!
بالتالي فمراعاة المعارف العامة للمتعلمين شرط أساس لتحقق التواصل التربوي .
- مراعاة سياق المقام :شرط أساس لإنجاح التواصل ،فلا بد من مراعاة السياق الثقافي والاجتماعي،للمتعلمين، وهذا الشرط يستدعي من المدرس أن ينفتح على ثقافات المتعلمين وقيمها وعاداتهم ،وهذا ما يراهن الميثاق الوطني للتربية والتكوين ،والبرنامج الاستعجالي من بعده " المدرسة المنفتحة الوطنية " إنها مدرسة النجاح الجديدة التي ترمي في ما ترمي إليه الانفتاح على السياق السوسيوثقافي للمتعلم ،فكلما اقترب المدرس من ثقافة و مجتمع ولغة المتعلم ، كلما كان كسب المتعلم أسهل وكان التواصل التربوي أحسن،وساهم هذا الجو التشاركي المبني على الحوار في إكساب المتعلم للكفايات التي سيستثمرها المتعلم في واقعه من مواقف ومهارات ،لحل الوضعيات –المشاكل التي تصادفه.

ومما سلف ذكره يمكن الخلوص إلى عوائق التواصل الصفي ؛فعدم معرفة ظروف المتعلم الوجدانية وتطلعاته تعيق التواصل داخل الفصل علاوة على
عدم الاهتمام بتمثلات المتعلم تحسه بنقص قيمته ،مما يجعل انخراطه في العملية التعليمية التعلمية صعبا ،هذا بالإضافة إلى تأثر التواصل التربوي بحركة الوجه والجسد ؛فالتجهم يعيق التواصل ؛"فتبسمك في وجه أخيك صدقة ".كل هذه العوائق ممكن تجاوزها ؛بالانفتاح على محيط المتعلم ،
كما يساهم الاشراف التربوي والتكوين المستمر في تجاوز الكثير من هذه العراقيل.
وإن الانفتاح على مستجدات الحقل التربوي ،وأفكار اللسانيات المعاصرة لاسيما مؤلفات أحمد المتوكل ،ستقوي رصيد المدرس الثقافي وتجعله ينجح
في اكتساب الكفايات التواصلية ،وستجعل دوره التنشيطي ،التوجيهي يعرف طريقه لمدرسة النجاح الجديدة .
خاتمة :

وغير خاف على الدارس الملم بأغوار اللسانيات الوظيفية ،لا سيما مؤلفات أحمد المتوكل وغناها في معالجة قضايا اللغة العربية معجما ودلالة وتركيبا ،وكان الباحث مصطفى غلفان محق حينما وصف جهود المتوكل بأنها"تعكس روحا علمية تقوم على المناقشة والنقد البناء والأخذ بأورد الافتراضات والاقتراحات " .وإن استثمار أفكاره في الخطاب ممكنة لانجاح التواصل التربوي الصفي ،شريطة مراعاة المعارف التي أشار إليها أحمد المتوكل سلفا .







الهوامش:
1- أحمد المتوكل ،قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية ،بنية الخطاب من الجملة إلى النص ،ص10
2- نفسه ،ص 17
3- أحمد المتوكل ،قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية ،البنية التحتية أوالتمثيل الدلالي التداولي ،ص14
4- مصطفى غلفان ،اللسانيات العربية الحديثة ،ص 276.
المراجع المعتمدة :
أحمد المتوكل ،قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية ،بنية الخطاب من الجملة إلى النص،الطبعة الأولى 2001 ،دار الأمان الرباط .
أحمد المتوكل ،قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية البنية التحتية أو التمثيل الدلالي التداولي ،الطبعة الأولى 1995،دار الأمان الرباط .
مصطفى غلفان ،اللسانيات العربية الحديثة ،دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية ،جامعة الحسن الثاني –عين الشق ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية سلسلة رسائل وأطروحات رقم 4 .
منير الحجوجي ،نظرية التعامل مع التلميذ من الإرسال الأحادي للمعرفة إلى العلاقة التربوية ،مجلة علوم التربية عدد 43،أبريل 2010.
جميل الحمداوي ، مقومات مدرسة النجاح في التعليم المغربي ، مجلة علوم التربية ،عدد 43 ،أبريل ،2010.
عبد الوهاب صديقي ،فصل المقال بين اللسانيات والنحو ، بحث لنيل الإجازة إشراف الدكتور حافظ اسماعيلي علوي ،موسم 2005/2006 ،جامعة ابن زهر أكادير