الخميس، 29 أغسطس، 2013

مظاهر التفاعل بين اللغة والسياق الأجتماعي


مقدمة في المنهج:

يعتد مدي تحليل الخطاب في تعامله مع النص اللغوي الى ما هو أبعد من معاني الكلمات والجمل ومقاصل كاتبيها والسياق القريب الذي كتبت فيه ليشمل أساسا رؤية اللغة كممارسة اجتماعية فعلية ترتبط أساسا بمستويات اجتماعية أعلى كالسلطة والتغير الاجتماعي وصراع القوى داخل المجتمع الواحد. النص اللغوى يغدو هنا مفتاحا لقراءة الواقع الاجتماعي. وهذا هو سنحاول القيام به في هذه الدراسة، أي رؤية اللغة بحس نقدي يظهر ما تعكسه من عمليات اجتماعية كالتغير الاجتماعي والصراع وغيرهما.

قبل أن انتقل الى متن الدراسة ينبغي أن أتوقف عند أمر يفرضه على التراث النظري الذي تسير عليه هذه الدراسة وهو التحليل النقدي الاجتماعي للغة، هذا الأمر يتمثل في وجوبا توضيح موقفي كباحث من منهج البحث. ان المنهج النقدي يتجاوز الوصف البسيط للبنى اللغوية كالنحو والصرف وغيرهما ويتعمق الرؤية الفعل الاجتماعي للغة، أي اللغة بوصفها عاملا فاعلا في الحياة الاجتماعية، ويمضي هذا المنهج ليحاول ابرأن القوى التي تعمل خلف اللغة، وأشكال التفاعل والصراع بين هذه القوى، إن تحليلي لكتاب "بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود" للامام نور الدين

عبدالله بن حميد السالمي من منظور التحليل النقدي للخطاب، أي التحليل الذي يتعامل مع مؤسسات وقوى اجتماعية وبمفاهيم وتصورات لا تخلو من الحساسية الاجتماعية، لا يخل أبدا بموضوعية التحليل والطرح. يقول كل من نورمان فيركلاف وروث ودكاد (1997) في دراسة حديثة.

لا يرى التحليل النقدي للخطاب نفسه علما اجتماعيا محايدا وموضوعيا بل انه مشارك ومسؤول، انه شكل من أشكال التدخل في الممارسة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية... والتحليل النقدي للخطاب ليمر استثناء للموضوعية العلمية المعتادة في العلم الاجتماعي : فالعلم الاجتماعي مرتبط على نحو جذري بالسياسات وأشكال صياغة السياسة، كما أثبته على نحو مقنع فوكو ( 1971 - 1979) على سيبل المثال.... غير أن هذا بكل تأكيد لا يوحي بأن التحليل النقدي للخطاب أقل علمية من أنواع البحث الأخرى، فمقاييس التحليل الدقيق والصارم والمنظم تنطبق على التحليل النقدي للخطاب بنفى المستوى من القوة كما هو معهود في الرؤى (العلمية ) الأخرى. (ص 258- 259، ترجمتي: الحراصي).

معنى هذا أن الحقيقة العلمية والموضوعية المطلقة التي تعلن فروع العلم السعي اليها عادة ليمت هدف التحليل النقدي للخطاب هذا التحليل موف أحاوله في هذه الدراسة. ان هذه الدراسة التحليلية لخطابين ظهرا في عمان في مطلع القرن تمسى بهذا المعنى الى "التدخل" معرفيا في الممارسة الاجتماعية في المجتمع العماني. الذي شهد حركة تطور كبيرة في مناحيه الحياتية، بدراسة تسهم في توضيح الجوانب الاجتماعية للفة ورؤية الأدوار التي تساهم فيها في ميدان التفاعل الاجتماعي، سعيا وراء هدف أعم يتمثل في تعزيز الحمى النقدي تجاه اللغة.
كتاب" بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود"

الكتاب الذي تتكون منه مادة هذه الدراسة هو "بذل المجهود في مخالفة النصاري واليهود" للامام ( 1) نور الدين عبدالله بن حميد السالمي. ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وهي التي اعتمدناها في هذه الدراسة في عام 1995، وقد نشرته مكتبة الامام نورالدين السالمي، ويقع الكتاب في 80 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة وستة فصول وخاتمة (2). الفصل الأول حمل عنوان "في التحذير من مدارس النصاري"، والثاني "في لباس النصاري"، والثالث "في تعليم اللغة الأجنبية"، والرابع "في حلق اللحى"، والخامس "في السبب الذي أدخل النصاري بلاد الاسلام "، أما الفصل السادس فحمل عنوان "في الشر على التناصر والتآزر والاستعداد للعدو بما يستطاع من قوة والتنبيه على غوائله". أما خاتمة الكتاب فقد احتوت على تنبيهات حول التحذير من مطبوعات النصاري ونحوها، وفي الطريق لتهذيب الأطفال.

قبل أن نله مباشرة في تحليل الكتاب نرى أنه من المهم أن نتعرض بالتحليل لقصة تدوين هذا الكتاب كما يرويها الامام السالمي حيث انها تحمل كثيرا من الدلالات التي تعين على اضاءة بعض التقاط الرئيسية في هذه الدوامة. يقول الامام السالمي في مقدمة الكتاب.

"هذا جواب لكتاب وملني من زنجبار، مجادلا فيا عن اخوان الكفر،

عبدة الدرهم والدينار، وذلك حين نزع الله حكومة زنجبار من أيدي المسلمين بما كبت أيديهم. وسلط عليهم عدوهم، بما تركوه من أوامر ربهم، فاحتلها النصاري بالمكر والخدائع ونصبوا لهم أنواع الحيل السالبة للدين، رغبة في سلب دينهم، كما سلبوا دنياهم فيكونون سراء، فمال اليهم من لا خلاق له من جهال السلمين، ومن زاغ عقله عن منن الدين، فتزينوا بملابسهم، وعوجوا السنتهم بلغاتهم، وخالطوهم في مدارسهم وعاو نوهم في محاكمهم التي هي بيت الظلم وستقر البوار، فصدرت مني اليهم إشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج، ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج، فصدر منهم هذا الهذيان، الذي يزعمون انه من الاحتجاج، فلم أر بدا من جوابهم، خوف الوعيد المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم : "إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه معرف ولا عدل.." (ص 6).

تشير هذه المقدمة بوضوح الى السبب الذي من أجله كتب هذا الكتاب. وان نظرنا الى تسلسل الأحداث المؤدية الى هذا التأليف لوجدناها تتكون من البنية التتابعية التالية :

- الحياة في زنجبار (قبل وممول الكفار) حياة اسلامية.

. وصول الكفار، وفرضهم لنمط حياة مغاير للنمط الاسلامي الموجود.

. محاولة تكيف مكان زنجبار المسمين مع هذا النمط الجديد المفروض من قبل سلطة أعلى.

. نصيحة اعتراضية من قبل الامام السالمي الى مكان زنجبار تدعوهم الى رفض نمط الحياة الجديد والعودة الى النمط الاسلامي المألوف.

. احتجاج من قبل بعض سكان زنجبار على نصيحة الامام السالمي.

- تدوين الكتاب كرد فعل على هذا الاحتجاج.

تسلسل الأحداث هذا يكثف لنا الكثير عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تلك الفترة، غير أن تركيزنا هنا سينصب على ما يمكن تسميته بصدام خطابين داخل الثقافة العمانية والظروف التي أدت الى هذا الصدام. فالقضية الأمامية التي تشغل "بذل المجهود" ليست مجرد استفتاء ورفض فتوى وانما هو حالة تاريخية مر بها المجتمع العماني تأثر فيها بالمتغيرات التاريخية المتمثلة في التأثير الاستعماري الأوروبي والنمط الحياتي الذي نشأ في المجتمعات التي وجد فيها، هذا التأثير جاء على ثكل محاولة لما أسميه بالتكيف الثقافي والحضاري مع النمط الجديد، حيث كما يتول الامام السالمي "مال اليهم من لا خلاق له من جهال المسمين ومن زاغ عقله عن سنن الدين، فتزينوا بملابسهم، وعوجوا ألستنهم بلغاتهم، وخالطوهم في مدارسهم، وعاونوهم في محاكمهم".

ان نظرنا الى الأمر من ناحية خطابية لرأينا بوضوح خطابين في حالة صدام : خطاب الالتزام الديني والثبات الحياتي الذي يمثله الامام نور الدين السالمي والمؤلفون الذين يقتبس منهم في كتابه، وخطاب التكيف الذي يمثله محتجان من زنجبار. واشارة الامام السالمي الى "هذا الهذيان الذي يزعمون انه من الاحتجاج" تدل دلالة كبيرة ليس فقط على حدوث هذا الصدام فحصب وانما على تغير في بنية المجتمع بطرحه خطابات حياتية جديدة تحاول خلخلة ميادة الخطاب الديني وسيطرته المعهودة. فالرسالة القادمة من زنجبار ليست رسالة وصفية لنمط الحياة الجديد ومحاولة تبرير التعايش معه فقط، وانما كانت كما لاحظ الامام السالمي نفسه، مما "يزعمون انه من الاحتجاج" وهو ما نرى انه يفترض جرأة من قبل كتابه على الاحتجاج، وهي جرأة إن نظرنا اليها في سياقها التاريخي وفي شخصية المحتج عليه لرأينا أهميتها فقد كان الخطاب الديني هو السيطر في عمان، سيطرة لم يتجرأ على "الاحتجاج" عليها أحد طوال قرون عديدة، وكون الاحتجاج كان ضد الامام السالمي نفسه، فالقضية في غاية الأهمية والدلالة، ذلك ان الامام نور الدين السالمي كان يعتبر من أهم ممثلي مؤسسة العلماء الدينيين الذين كانوا في الواقع المسيطرين على النمط الحياتي المعيشي العماني بأكمله، حيث امتدت سلطتهم الى تعيين الامام وخلعه اضافة الى وظائفهم التقليدية في الاشراف على المستويات الحياتية العادية للمجتمع من خلال القضاء والافتاء. اذن ان صدور هذا الاحتجاج ضد الامام السالمي نفسه يعني أن تغيرا ما قد حدث في المجتمع جعل من حدوث هذا الاحتجاج ممكنا وعلنيا.

ومن الدلالات الأخرى التي تثير اليها هذه المقدمة القصيرة ارتباط مؤسسة العلماء في تلك الفترة بالواقع المعيشي للناس. فلس ذلك من استجابة الامام السالمي للتغير الذي حدث في النمط المعيشي لعمانيي زنجبار في أمرين هما استجابته الأولى التي تمثلة على شكل "اشارة بالنصيحة"، واستجابته الثانية التي تتجلى في كتاب "بذل المجهود" نفسه. وهنا يتوجب ان نثير الى نقطة غاية في الأهمية، وهو حياتية الوضع الثقافي انذاك، فاقضا يا التي كانت تطرح لم تكن أمورا نظرية عقائدية فحصب، وانما ظواهر حياتية معاشة كالمدارس وتعلم اللغات والملابس وغيرها. وعلى الرغم من ان رد الامام السالمي كان يمثل الثبات الديني وقياس الواقع بمقياس النصوص الدينية الأصلية المتمثلة في النص القرآني والسنة النبوية إلا أن التفاعل مع الأمور الحياتية للمجتمع ومحاولة التأثير في الواقع هو أمر ينبغي الاشارة اليه هنا باعتباره دلالة على مستوى من مستويات الالتزام الاجتماعي.

هذه الاشارة ذات أهمية لسبب اخر وهو أن المجتمع كان يتفاعل داخليا وان رؤية الذات وتحديد الهوية القومية والدينية كانت تتم من خلال صارمات هذه الذات الاجتماعية، أي ما يقوم به المسلمون العمانيون في زنجبار وليس من خلال خطاب تضادي مع الاخر، مواء أعان هذا الاخر مذهبيا أو دينيا أو قوميا.

إن نظرنا الى الكتاب من منظور حضاري أعلى، سنجد أنه رد فعل على التقاء حضارتين : الحضارة الاسلامية المتمثلة في مسلمي زنجبار ونمط حياتهم العربي الاسلامي، والحضارة الغربية المتمثلة في الانجليز ونمط الحياة الذي أوجد وه في زنجبار. ان الكتاب اذن محاولة للدفاع عن الهوية القومية (العمانية ) والدينية (الاعلامية ) ازاء هجمة من هوية تختلف في قوميتها (الانجليز) ودينها (النصاري واليهود). الكتاب بهذا المستوى يمثل اذن لحظة مهمة من لحظات التاريخ العماني، فهو يصور لحظة لقاء (أو، ان شئت، صدام ) حضارتين، ودفاع الحضارة الاسلامية عن ذاتها، ويعبر عن صراع بقاء حضاري.

الا أن هذا المستوى الحضاري ليسر ما يشغلنا هنا، حيث اننا سنركز على الداخل العماني فقط ومنعا ول تقديم رؤية لما نعتبره صدام خطابين داخل الثقافة العمانية، الخطاب السيطر وهو الخطاب الديني والخطاب الجديد وهو خطاب التكيف الاجتماعي، ما تبقى من هذه الدراسة سيخطو الخطوات التالية : متندم أولا الخطابين المتصادمين من خلال اطروحات كل منهما، والنسق التصوري الذي يجعل كل خطاب منهما مترابطا في ذاته ومتميزا عن الخطاب الاخر، ومن خلال الآليات الخطابية (اللغوية ) التي يقدم عبرها كل منهما أطروحاته. بعد هذا العرض سنحاول تشكيل صورة لما نسيه بلحظة الصدام الخطابي، ويتمثل هذا في وصف ديناميكية الصدام وحركيته من خلال تحليل للاليات التي عمد كل من الخطابين الى استخدامها، ثم ننتقل الى الاستنتاجات التي توصلت اليها هذه الدراسة.
الخطاب الديني: اطروحاته ونسقه التصوري

الخطاب الديني الذي يمثله الامام نورالدين السالمي هو فطاب يعتمد أساسا على قوة السلطة الدينية في عمان آنذاك، هذه السعلة التي اعتمرت زمنا طويلا في عمان اعتمدت على القوة الاجتماعية والسياسية النابهة من النصوص الاسلامية الأهلية وهي النص القرآني والنص النبوي اضافة الى التجارب الماضية في تطبيق الدين في الحياة الانسانية كفترة الخلفاء الراشدين أو الأئمة في عمان مثلا. واذا كان اهتمامنا ينصب على الجانب الاجتماعي من اللغة فاننا نرى أن هذه النصوص قد كان لها دور أساسي في وضع السلطات الاجتماعية في عمان، حيث كان دورها تبريريا لمكانة علماء الدين اضافة الى الدور الدفاعي. الهجومي الذي يتجلى خير تجل في الحالات التي يتعرض فيها  هذا الخطاب الى تحد أو "احتجاج" من خطابات أخرى، لا تنبع أساسا في طرحها من نفى المصادر الأهلية، وإنما من ممارسات وتجارب حياتية مغايرة كما سنرى لاحقا.

 تعتمد بنية الخطاب الاعلامي اذن على الاطروحات الكبرى (3) التالية :

- النصوص الأهلية تمثل حقيقة (الهية ) ولذا فهي صحيحة في ذاتها.

- صحة هذه النصوص تجلت أيضا في تطبيقها الذي اعتمر قرونا عديدة في عمان (فترة الائمة ).

- أي محاولة لتطيل هذه النصوص ودلالاتها وانعكاسها على الواقع الحياتي للناس هو بعد عن طريق الدين.

- أي بعد عن الدين يجب ايقافه.

إضافة الى هذه الاطروحات التي تميطي على الخطاب الاعلامي معوما فإن نظرة على نسته التصوري تضيء لنا جانبا مهما في هذا الخطاب. يقوم هذا الخطاب على مجموعة من الاستعارات التصورية،(4) الأساسية وهي ما أسميها بالاستعارات الاستراتيجية (5). الاستعارات التصورية الاستراتيجية للخطاب الديني هي كما يلي:

- الاسلام فضاء ذو حدود: هذه الاستعارة استراتيجية ليس في الخطاب الديني للامام السالمي فقط، وانما في الخطاب الديني الاسلامي على وجه العموم. وتنوم هذه الاستعارة على معرفتنا بالفضاءات المغلقة، كالغرفة، أو السيارة أو قاعة الدرس أو السينما، كما يوضح الشكل التالي الذي يمثل منططا تصوريا للفضاء المغلق :

فنجد أن الفضاءات المحدودة تحدد الداخل والخارج والحدود، فالشكل يوضع مستطيلا محدودا من جميع الجوانب، وثمة نقطتان نقطة تقع "داخله" والنقطة الأخرى "خارجه".

لقد أوضحت النظرية التجريبية (6) للاستعارة ان خبرتنا بالأشياء  المادية البسيطة في حياتنا ومعرفتنا بها تعيننا ملي تشكيل المفاهيم المجردة، ولهذا فإن معرفتنا بكون جسنا مثلا داخل غرفة معينة أو خارجها (كما يرضع الشكل بالنسبة لوضع النقطتين ) تنقل حصب مقتضيات الخطاب الديني لتثكل تصور الدين، فكما أنك قد تكون داخل الغرفة أو خارجها، كذلك فإنك اما أن تكون داخل الدين أوانك تخرج منه. ان هذه الاستعارة استراتيجية في الخطاب الديني فبنيتها تمكن ممثلي الخطاب الديني من تحديد الذات بصفتهم داخل فضاء الدين، وتحديد الاخر الذي يرى اما أنه يمارس حياته داخل اطار الدين أو انه قد جاء بفعل "يخرجه" من الدين.

ان نظرنا الى خطاب الثبات الذي يطرحه الامام السالمي فسجد تجليات هذه الرؤية التي تتحكم في تعامله مع التفاعل والصراع الاجتماعي. لنتأمل مثلا العبارتين التاليتين :

* دواهي عظمي ومصائب كبرى، يعلم ذلك جميع العقلاء، ولا يخفى الا على الجهلة الأغبياء فمن فوائدهم أنهم يخرجون هؤلاء الصبيان الذين يتعلمون في مدارسهم من دين الاعلام اخراجا حقيقيا بقلوبهم. (النبهاني: ص 10).

* وأما لبس ما كان شارا للكفر من يهودية أو نصرانية أو هجومية كالزنار ونحوه فهو شرك اجماعا، وخروج عن الملة الاسلامية. (ص 30).

- الاسلام طريق (أو صراط ) ستتيم والاسلام تحرك من موضع لاخر: وهنا فإن خبرتنا بالطرق والاتجاهات تنقل لتشكيل رؤية معينة ايديولوجية للدين. فتنقلنا من موضع لاخر، يفترض أن ثمة نقطة بداية وان ثمة طريقا ينبغي عبوره، وان ثمة هدفا نصل اليه. كما يثير المخطط التالي:

ان ربط الخط المستقيم بالتنقل الى هدف معين يعني ان الطريق للوصول الى الهدف يغدو طريقا مستقيما (السهم الأسود الداكن ). يثير المخطط أيضا الى الطرق المنحرفة عن الطريق المستقيم (الاسهم المنقطة ). ان هذا يعني انك اذا أردت الوصول الى الهدف فإن عليك أن تستخدم الطريق المستقيم (طريق الهداية أو الهدى)، أما اذا زغت عن الطريق وانحرفت فانك لن تصل الى الهدف المنشود، بل انك متصل الى أهداف غير محبذة كالكفر والجحيم (طريق الضلال ). ان معرفتنا بهذه الأمور البسيطة كالتنقل والطرق المستقيمة والانحراف عن الطرق تعيننا لتشكيل تصورات عن مفاهيم مجردة كالدين، فالدين هنا طريق يقود الانسان الى هدف السعادة الأبدية، وهو طريق ستقيم اذا ما انحرف عنه الانسان لن يمل الى النهاية المرجوة.

على المستوى الاجتماعي فإن هذه الاستعارة (الاسلام طريق ستقيم يوصل الى الجنة ) ترتبط أساسا بالوضع الاجتماعي للسطة الدينية في المجتمع العماني. فهذه الاستعارة التصويرية توفر الامكانية لتحديد الصحيح والخاطيء دينيا، وتحديد الذات والاخر الاجتماعي. ولذا فإنها عادة ما يستخدمها الخطاب الديني في محاولة تحديده للأطراف الأخرى، فهي توفر أخيرة يمكن بها تحديد الاخر "المنحرف " الذي "يضل" الناس، أي يبعدهم عن الطريق الصحيح.

ان لغة الامام السالمي في كتابه تظهر بجلاء تحكم هذه الرؤية التصورية للدين ودوره في الحياة في خطابه :

* فصدرت مني اليهم اشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج. (ص 6).

* فآمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، واستبدلتم بالرشد غيا، وبالهدى ضلالا (ص 29).

* وقوله تعالى : "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السيل ". (ص 31).

هذه فيما نرى، وحسب مقتضيات هذه الدراسة هي الاستعارات الاستراتيجية التي تتحكم في الخطاب الديني للامام نور الدين السالمي. ان هذه الاستعارات تتماشى كما رأينا مع الطروحات الامامية للخطاب الديني وهو ما يجعله خطابا واضح المعالم منسجما تصوريا وخطابيا مع أطروحاته الكبرى وتفاصيل تلك الاطروحات كما هو موجود في الرؤية التي يطرحها الامام السالمي في "بذل المجهود". هذا الانسجام والترابط الداخلي للخطاب يعتمد أساسا على النسق التصوري الذي يقوم على تصورات."جغرافية" تحدد موقع الاطراف المشاركة في الصراع أو التفاعل الاجتماعي.
خطاب التكيف: أطروحاته ونسقه التصوري

يطرح المحتجان الزنجباريان رؤية مخالفة لرؤية الامام السالمي. هذه الرؤية، رغم اقرارها بأهمية النصوص الأصلية في تحديد نمط الحياة، إلا أنها تبرز عوامل حياتية تؤثر تأثيرا مباشرا في حياتهم. هذه العوامل هي عوامل حياتية تعتمد على التجربة والمعايشة وعلى الظرف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي كانت تعيشا زنجبار آنئذ من خلال الاطروحات التالية :

- في زنجبار متغيرات حياتية اجتماعية واقتصادية وسياسية انتجت وضعا معيشيا مختلفا.

- الالتزام بالنصوص المقدسة كما يقدمه الخطاب الديني أمر غير ممكن بسبب المتغيرات.

- البقاء اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا يفترض مجاراة هذه المتغيرات، بسبب عدم ضرر هذه المتغيرات ضررا كبيرا من جانب وبسبب عدم وجود وسيلة أخرى غير هذه المجاراة والتكيف مع المتغيرات.

- في هذا الوضع لا سيبل الا التكيف والتغير.

كما سرى لاحقا أن خطاب التكيف يتميز بأمر غاية في الأهمية هو أنه لا يعتمد فقط على فكرة التكيف الذي لا مفر منه، رغم انها الاطروحة الرئيسية فيه، فهو يطرح أيضا رؤية أخرى مغايرة تماما للخطاب الديني، رؤية تعتمد على المشاهدة وتتمركز أساسا على اظهار الجوانب الايجابية للتغير. معنى هذا ان خطاب التكيف هو، فيما نرى، جزء بسيط من عملية تغير اجتماعي كبرى للخطاب فيها دوران أماميان : دور العاكس لهذا التغير ودور المشارك فيه. إن النصوص الاحتجاجية التي يوردها الامام السالمي في الكتاب تكثف بوضوح عن هذا التغير الذي كانت تعيشه زنجبار، لكنه في الوقت ذاته كان يعد جزءا مهما في عملية التغير ذاتها، فالتغير هنا قد أنتج خطابا (تنظيريا اجتماعيا) ومعرفة خاصة به، تؤسس لما سيستجد من مراحل عملية التغير هذه.

واذا نظرنا الى النسق التصوري لخطاب التكيف فاننا نلاحظ أمرا في غاية الأهمية وهو عدم وجود نسق تصوري متكامل مثلما هو عند الخطاب الديني الذي أمس نسته التصوري على مدى أجيال وجراء وجود فاعلية النصوص المقدمة التي كان لها دور أساسي في تشكيل النسق التصوري وليس للخطاب الديني فقط وانما للفرد العادي في المجتمع. ان مراد بعض مظاهر الاضطراب الداخلي لخطاب التكيف هو ما جادلنا فيه سابقا من أن خطاب التكيف مرحلة انتقالية فقط في عملية تغير اجتماعي كبرى.

في خطاب التكيف نجد أن الاستعارة الاستراتيجية الأمامية هي التكيف. وقبل أن أوفه كيف عملت هذه الاستعارة في المستوى الاجتماعي لمصلحة ممثلي هذا الخطاب ومنتجيه، سأوضح أولا بنيتها التصورية. ان هذه الاستعارة تقوم أساسا على وضعنا الجسمي في تفاعله مع البيئة حوله. فالوضع الأساسي الذي نعيش فيه هو الوضع العادي الذي تمارس فيه أجسامنا وظائفها دون الحاجة الى القيام بأفعال أخرى غير معتادة، ولكن نجد أحيانا أنفسنا في أوضاع تتطلب منا تغييرا في وضعية جسمنا لمناصبة وضع خارجي. لنأخذ مثلا الأوضاع الطقسية غير الطبيعية مثل البرودة الشديدة. ان البرودة الشديدة تفرض علينا التعامل معها بحيث نمنع ضررها على جسمنا، ولذا نبادر الى التكيف معها من خلال الملابس الثقيلة التي تمنع تعرض الجسم لدرجة البرودة غير الطبيعية. مثال اخر: تخيل أنك تحاول الدخول في أحد أنفاق قلعة الحزم : إن النفق، وهو الظرف الخارجي، يفرض عليك الحركة جسميا بوضع معين، ذلك انه لا يمكنك الحركة في النفق قياما كما هي جسميا بوضع معين، ذلك انه لا يمكنك الحركة في النفق قياما كما هي العادة، لذا فانك تشكل وضع جسمك كاملا (وضع الرأس، وضع القدمين...الخ ) بحيث يتلاءم مع الظرف الخارجي المتمثل في بنية النفق (التي تشمل شكله وحدوده المساحية على وجه المثال ). فيما يلي سنحاول تقديم مخطط مبسط لتصور التلاؤم والتكيف.

يظهر االمخطط(1) شكلا معينا هو المربع (مجازيا هو الفرد في زنجبار) الموجود في ظرف يناصبه (2)، أي وضع المربعات (النسق الاجتماعي التقليدي القائم على مركزية الخطاب الديني)، ثم (3) يحدث تغير في الظرف الخارجي يتمثل في تحول مجموعة المربعات الى مثلثات (المتغيرات التي حدثت في زنجبار بد مقدم الاستعمار وما صاحبه من تغيرات ). هنا فإن الثكل، لكي يكون منسجما مع الوضع الجديد، لا يجد أمامه من سيبل إلا التحول الى مثلث (4). هذا التحول (محاولة التأقلم مع الظروف الاجتماعية الجديدة من خلال أفعال اجتماعية غير معهودة في الوضع السابق ) تجعل منه في وضع منسجم مع الظرف الخارجي الجديد (أي أن الفرد يصبر منسجما مع المتغيرات الاجتماعية ). نثير هنا الى أن هذا المخطط يبسط عملية التكيف الاجتماعي التي تتكون من بنية معقدة ومن عمليات تفاعلية اجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية عميقة، لكنه مع ذلك يظاهر المراحل الأساسية لتصور التكيف الاجتماعي.

ان هذه البنية البسيطة للتكيف تثكل الجزء التصوري الجوهري في خطاب التلاؤم والتكيف الزنجباري. حيث انها تمكن المتحدث من محاولة فهم الظواهر غير المادية والتعامل العقلاني والتفاعل معها وتبرير الفعل الاجتماعي على المستوى الأعم. ان هذا المخطط التصوري ذو أبعاد تكمن في لب عملية التغير الاجتماعي وصراع القوى داخل المجتمع العماني، فبنية التكيف تفترض أن التغير الأمامي لا ينبع من تغير في ذات الفرد نفعمه وانما في الظرف الخارجي الذي يتلزم تغيرا في الذات والصارمة الاجتماعية التي قد لا تتفق ومتطلبات الخطاب الديني الذي يصر على الثبات.

أضيف الى ذلك نقطة مهمة أخرى، وهي أن القيام بإعمال هذه الاستعارة وليس غيرها أمر مهم في دلالته الخطابية، فهو نوع من التحدي التصوري للخطاب الديني، ذلك ان الخطاب الزنجباري هنا لا يوظف نفس

الاستعارات السيطرة ملي الخطاب الديني (مثل الاسلام فضاء مغلق، والاعلام رحلة في خط مستقيم ) بل انه يتجاوزها ليشكل نسقه التصوري الخاص به. ان هذا التحدي لا تتمثل أهميته في تقديم تصور جديد فقط، بل إن أهميته الكبرى تكمن في كونه فعلا اجتماعيا في ذاته. انه فعل فهم جديد للعالم ولتفاعل الانسان العماني والسلم عموما مع متغيرات الواقع. فهو يمثل رفضا للتصورات الاستراتيجية المشكلة للخطاب الديني وتقديما لتصور جديد يعكس الأبعاد الاجتماعية الجديدة والصراعات والتفاعلات داخل المجتمع العماني ويكرس عملية التغير.

آليات الصدام

يعكس الكتاب كما أشرنا لحظة صدام بين خطابين وجدا في المجتمع العماني الحاشر. ولكن قد يسأل البعض "لماذا هو صدام ؟ أليس الأمر أكثر من خلاف في الاراء بين عالم دين وشخص عادي؟ بين شخص لا يعرف في أمور الدين وعالم دين يحاول أن يشرح الأمر كما يراه الشرع ؟". ان هذه الدراسة لا تنفي مستوي العلم بالدين الذي يميز الامام نور الدين السالمي وهو لعير محل أدنى شك وليس مجال الحدث عنه هنا، لكن للأمي (الأمر الاجتماعي تحديدا) زوايا مختلفة ليمر العلم بالدين الا احداها. الزاوية التي أطرحها في هذه الدوامة زاوية مختلفة وتنطلق من منطلقات نظرية مختلفة، فالدراسة هذه تنطلق من رؤية ترى في اللغة فعلا، أو ممارسة فعلية لها أهدافها واثارها، وهي رؤية تتجاوز ما ساد من ان اللغة ليست الا وسيلة اتصال محايدة بين بني البش. مثال بسيط على الفعل اللغوي. حينما يتول الزوج (المعلم ) لزوجته "أنت طالق"  فإنه لا يخبرها، أي أنه لا يوصل معلومة منه اليها، بل إنه أساسا يمارس فعلا اجتماعيا هو الطلاق، وهو فعل له دلالاته وعواقبه الاجتماعية. نفى هذه النظرة (أي اللغة كفعل ) تسري على كل صارمة لغوية. أضف الى ذلك انني انطلق من بعض ما توسلت اليه الدراسات النقدية المعاصرة والتي لها تراث فلفي خاص بها يتمثل بعضه في دراسات ميشيل فوكو حول الخطاب ودوره في التفاعل الاجتماعي، ودراسات التحليل النقدي للغة كما هو عند روجر فاولر ونورمان فيركلاف وغيرهما ممن طوروا النظريات الاجتماعية النقدية في ميدان اللسانيات (7). هذه الدراسات مجتمعة أوضحت ان اللفة تعكر الواقع الاجتماعي وصراع التوى المختلفة فيه من جانب، وتشارك في هذا الواقع من جانب اخر. وهذا بتلخيص، هو المنطلق النظري الذي تنطلق منه هذه الدراسة، فالدراسة اذن محاولة في التحليل النقدي للغة في سياق عماني.

بهذا الاطار النظري في الذهن، فإن قراءتي لكتاب "بذل المجهود في مخالفة النصاري واليهود" للامام نور الدين السالمي قد أقنعتني بإمكانية دراسته من هذه الزاوية، فالكتاب، كما سأرضع لاحقا، موظف في سياق اجتماعي ويؤدي بهذا وظيفة اجتماعية.

ان فهم الصدام الخطابي الذي يعكسه الكتاب فهما أعمق يتطلب مني تتبع الآليات التي عمد كل من الخطابين الى توفيقها في مستوى النص.

ان كلمة الصدام التي استخدمها هنا تفترض انني استخدم استعارة (المناظرة الفكرية معركة ) في فهمي لتفاعل طرفي الكتاب. وأنا هنا على وعي تام بذلك وأرى أن استخدام تصور المعركة ليسر عفويا وانما استخدمه لأسباب متعددة. فأولا أن تصور المعركة يمكنني كباحث من رؤية جوانب مهمة في الكتاب لا يمكنني رؤيتها فيما لو استخدمت مجالا تصوريا مختلفا كأن أقول أن المناظرة هنا (تبادل ) لوجهات النظر. فكل من الخطابين هنا يعكسان روحا تنزع نحو التشكيك في شرعية وجود الاخر، فالخطاب الديني يرى أن لا شرعية دينية تسند خطاب التكيف ذلك أنه منبت تماما من السند الشرعي، فيما يرى خطاب التكيف ان الخطاب الديني منبت عن الواقع ومتغيراته التي لا يمكن ردها ولذا فإن وجوده بصورته تلك أمر غير عملي الا اذا تكيف هذا الخطاب الديني نفسه مع الواقع ومقتضياته. فنحن اذن إزاء خطابين لا يمكن وصفهما الا بأنهما متصادمان، وهنا فان رؤية هذه المناظرة باعتبارها معركة تمكن من رؤية الاستراتيجيات والتكتيكات التي قام بها كل من الخطابين على مستوى النص لطرح أفكارهما الأساسية لنزع شرعية الخطاب الاخر، وبهذا فان (المعركة ) هي وسيلة كاشفة بحثيا.

أضيف الى ذلك أني أرى الأمر من منظور المعركة لسبب منهجي يحكم هذه الدوامة بأكملها وهو أني أدرس هذا الكتاب وصدام الخطابين فيه من منظور اجتماعي يمثل الصراع الاجتماعي على السعلة وتفاعل القوى الاجتماعية المختلفة فيا جزء محوري. وهنا أكرر اني لا أنظر الى اللغة باعتبارها نظام اشارات يستخدم لوظيفة تواصلية بل من منظور اجتماعي، فاللغة (مثل كتاب "بذل المجهود") تكثف الصراع الاجتماعي عن طريق ابراز أطرافه ومحاوره المختلفة من جانب، فيما تشارك من جانب اخر في عملية الصراع. ان هذا الكتاب بالسبة لي كباحث هو وسيلة استخدمها لرؤية صراع أو صدام اجتماعي شهدته تلك الفترة، أما بالنسبة لمستخدميه فانه كان وسيلة تعبيرية ذات وظيفة اجتماعية تكرس أو تزعزع الواقع الاجتماعي. وعلى هذا فان الصراع والمعركة هما أمران منهجيان يفرضهما الاطار النظري الذي يحكم رؤيتي وقراءتي للكتاب من ناحية والمنهج الذي أتبعا في قراءتي وتحليلي له من ناحية أخرى.

هذا الاطار النظري لم يفشل، حسبما أرى، حينما حاولت قراءة الكتاب من خلاله. فالكتاب يشير بوضوح الى الواقع الاجتماعي والصراع الذي شهده. فان نظرنا فقط الى أطرافه لوجدنا ان الأمر يتجاوز الفردية في الطرح، ذلك ان الكتاب يقدم طرح الامام السالمي نفعمه اضافة الى انه يثير الى ويقتبس من كتاب اسمه "ارشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصاري" للشيخ يوسف بن اسماعيل النبهاني، فنحن هنا ازاء صوتين عمانيين يمثلان الخطاب الديني، أما خطاب التكيف فيمثله محتجان من زنجبار هما المحتج الرئيسي على نصيحة الامام نور الدين السالمي هو المشار اليه في الكتاب "المعترض" (ص 7) أو "المعترض المجادل عن الذين يختانون أنفسهم" (ص 28)، اضافة الى معترض اخر يثير اليه الامام السالمي في الفصل المخصص حول حلق اللحى بقوله "غير" (أي غير المعترض الأول ) ممن كان على شاكلته من أهل فاحيته"(ص54)   اذن نحن ازاء طرفين واضحي المعالم طرف يرى انه يقوم بوظيفة النمس، وطرف يحتو على ذلك. هذان الطرفان لا يثكلان الخطابين بأكملهما بالطبع وانما يعبران عنهما، فليس في وسعنا الان معرفة كمية النصائح الموجهة الى أهالي زنجبار وأيضا الاحتجاجات القادمة من قبلهم، ولكن يمكننا باطمئنان القول أن ثمة خطابين واضحي المعالم يحددان طرفي التفاعل والصراع الاجتماعي في تلك الفترة.

فاذا اتفقنا ان رؤية الاختلاف في الرأي الذي يطرحه الكتاب من منظورا لمعركة أو الصدام بين طرفين وجدا في المجتمع العماني في تلك المرحلة التاريخية فاني سأستخدم منهجا تحليليا ينبع من متطلبات المعركة ذاتها، وأهمها مفهوم الآليات (الاستراتيجية والأسلحة المستخدمة في الصراع ). دلالية بهذا الفهم مي اذن أسلوب خطابي يمكن تقصيه من خلال اللفة ويستخدمه الكاتب من أجل تعزيز أطروحاته الكبرى ورؤيته للكون والمجتمع والكيفية التي يتم بها تنظيمهما.
الاليات الخطابية في طرح الخطاب الديني

يستخدم الخطاب الديني اليات عدة في صدامه مع خطاب التكيف، سنختار منها ما نعتقد أنه أهمها وأكثرها اظهارا لأطروحاته ولمواجهة أطروحات خطاب التكيف، حيث سنتعرض لأربع اليات هي الاعتماد على قوة السلطة نفسها، وموضعة التغيرات الجديدة وتفسيرها ضمن الامكانيات التي يطرحها الخطاب الديني، واستخدام لغة صحة جسدية ونفعية وعقلية، والتشكيك في الواقعية والفرضية التي يطرحها خطاب التكيف.
1- التركيز على السلطة الدينية باعتبارها مرجعية للصواب والخطأ

كما هو متوقع من أي خطاب في موقع الهيمنة على الخطابات الأخرى في المجتمع فإن الخطاب الديني يقدم نفسه في هذا الكتاب كسعلة اجتماعية. واذا تتبعنا دلائل ذلك في الكتاب فاننا منجد مظاهر مشتى لذلك. فالنصيحة التي قدمها الامام السالمي لأهل زنجبار بعد ساعة عن التغيرات الاجتماعية التي لم يعهدها هذا الخطاب في تنظيمه المثالي للمجتمع حسب مخططه، كتعلم اللغات الاجنبية ولبس الملابس الغربية، والدراسة في مدارس أجنبية أو في مدارس يعمل فيها الاجانب أو حتى في حلق اللحية، هذه النصيحة هي محاولة من قبل السلطة الدينية لاعادة الامور الى طبائعها قبل التغيير الاجتماعي. وقد يجادل البعض مرة أخرى هنا بأن ما كتبه الامام السالمي ليس أكثر من "نصيحة" كما يذكر هو في قوله : ط"فصدرت مني اشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج ومطالبة الرجوع الى اقوم المنهاج" (ص 9)، بمعنى انها مبادرة لا هدف من وراثها. غير أني أود هنا أن أرضه أمرين :

أولهما أن ما يشغلنا هنا ليس ما يقوله الخطاب الديني أو ما يعتقد انه يفعله، وانما التفسير الاجتماعي لذلك الفعل في سياق البنية الاجتماعية الموجودة والتغيرات التي كان يمر بها المجتمع. فالنصيحة جاءت من الطرف الأقوى اجتماعيا وهو طرف العالم الذي كان تأثيره كبيرا في المجتمع انذاك وكانت موجهة الى طرف ليس ذي سلطة، فالطرفان ليسا في مستوى اجتماعي واحد (أي مستوى القوة الاجتماعية ). فهذا اذن يحقق جانبا أساسيا من جوانب النظرة الاجتماعية التي نحاول تطيبقها في قراءتنا هنا، ثانيا، ان هذه النصيحة جاءت كرد فعل على فعل اجتماعي غير مرغوب من وجهة نظر الامام السالمي، فعل يضاد تخمير الخطاب الديني للنصوص الدينية الأمامية وهي النص القراني والمعنة النبوية اضافة الى ميرة المعلف الصاع، وهو ما يعني أن الامام السالمي قد دون فصيحته تلك استجابة لفعل قام به الطرف الاخر. فالنصيحة هنا انما هي تجل لخطاب يحاول ايقاف هذا التغير، فنحن اذن ازاء فعل ورد فعل، الفعل الأصلي، التغير الاجتماعي كتعلم اللغة الاجنبية، قام به الكثير من العمانيين في زنجبار تكيفا مع الأوضاع الجديدة، أما الاستجابة المانعة، أي "النصيحة عن الاعوجاج ومطالبة الرجوع الى أقوم المنهاج "، فقد جاءت من قبل الامام السالمي.

الأمر الاخر هو اني لا انظر الى الأمر، في هذا المستوى، باعتباره أمرا يتعلق باصدار أحكام تقييمية، كما قد يتوهم البعض خطأ، فاني عندما أقول ان الامام السالمي كان في موقع السعلة الاجتماعية وانه يمار مر من خلال الخطاب الديني هذه السعلة، وعندما أقول أن عمانيي زنجبار، في المستوى الديني على الأقل، كانوا "رعايا" لهذه السعلة، فإني لا أقصد أن أحدد طرفا حسنا وطرفا سيئا في العملية الاجتماعية، وانما أرى أن هذا المشهد من مشاهد التفاعل الثقافي في عمان كان جزءا من عملية تغير حدثت في تلك الفترة كان لها أطرافها وأوضاعها كأي عملية اجتماعية أخرى، وتم تمثيلها في مستوى الخطاب اللغوي. وان كان أحد الأطراف في هذه العملية أحد أهم العلماء الذين مشهدهم التاريخ العماني، فان الأمر لا يلفي التغير الاجتماعي، البعيد عن الأحكام القيمية، لتك الفترة وما شهدته من تفاعل.

إذن فنحن إزاء عملية فعل ورد فعل اجتماعيين، واذا كان الامام السالمي قد دون فصيحته الى أهل زنجبار كرد فعل على ما رأى في تغيرهم من ضرر على دينهم، فان النصيحة قد جاءت برد فعل من قبل بعض أفراد المجتمع العماني في زنجبار، كانت على مشكل احتجاج، وهو فعل آخر ذو أهمية في التخمير الاجتماعي للتاريخ، واللغة، فهذا الاحتجاج انما هو فعل هدفه تحدي نصيحة الامام السالمي، وهو ما أدى بالامام السالمي الى فعل آخر هو تدوين كتاب "بذل المجهود". وهذا الكتاب كفعل يدل على محاولة فرض رؤية محددة لكيفية تنظيم العالم (المجتمع ) والتفاعل بين اطرافه كما يطرحها خطاب الثبات الديني. فالكتاب كله اذن هو فعل اجتماعي يقصد منه ليس كبر التغير الاجتماعي في زنجبار فقط وانما أيضا الرد على خطاب التكيف الذي تجلى في رسائل الاحتجاج القادمة من زنجبار.

ان حديثنا السابق يعني أن تأليف الكتاب بأكمله يمثل تجليا لآلية استخدام السعلة الدينية لممثل الخطاب الديني (الامام السالمي). واذا كان هذا التجلي قد جاء على مستوي تأليف الكتاب بأكمله فإننا نجد الكثير من مظاهر استغلال الية الفرض المباشر للسلطة في مواضع كثيرة في رد الامام السالمي (ومن يقتبس منهم ) على رسالة المعترضين الزنجباريين.

الية اظهار السلطة الدينية وأهميتها الاجتماعية تتجلى بوضوح في كتاب "ارشاد الحيارى في تعليم المسلمين في مدارس النصارى" للشيخ يوصف بن اسماعيل النبهاني الذي يقتبس منه الامام السالمي بعض ارائه حول عدم جواز تعليم أولاد السلمين في هذه المدارس، فالنبهاني يحدث الاب الذي يأخذ ابنه الى مثل هذه المدار مر قائلا:

"فما بالك تفرط في دين ابنك هذا التفريط العظيم، بل تفرط في دين نغمك أيضا، وترتع انت وابنك في هذا المرتع الوخيم، فإن كان قد حسن لك الشيطان وأعوانه هذا الأمر القبيح، فها أنا وأمثالي نرضع لك قبحه ووباله غاية التوضيح. فلم تطيعهم وتعصينا؟ ونحن ندعوك الى الجنة، وهم يدعونك الى النار، ونحن نتسبب بنجاحك وهم يتسببون لك بالهلاك والدمار، مع معرفتك يقينا اننا أعرف منك فيما يصلع الدين ويفسده وما يقرب الانسان من الله وما يبعده فالله الله اتق الله في نغمك وولدك، ولا حول ولا قوة الا بالله العظيم (ص 20).

تظهر الفقرة عرض السلطة الدينية هنا لقوتها ووعيها التام بالعملية الاجتماعية والتغير الذي تأتي به في موازين القوى الاجتماعية. يتجلى هذا مثلا في استخدام الضمائر "أنا وأمثالي" و"هم... ونحن..." حيث يعرض الخطاب الديني ممثليه باعتبارهم السلطة التي تحدد كيفية عمل المجتمع، كذلك فإن هذه الفقرة تظهر بوضوح وعي الخطاب الديني بالمنافسة القائمة من الـ"هم" ولذا يبدأ في تفعيل بعض استعاراته الاستراتيجية في المقارنة بين السلطة. الذات والسعلة. الاخر، كاستعارة (الحياة تحرك الى الجنة ) فيقول : "انحن ندعوك الى الجنة، وهم يدعونك الى النار". ان استخدام ضمير الجمع في الاشارة الى الذات والى الاخر يظهر ان الأمر يتجاوز النصائح الشخصية وان ثمة عمليات اجتماعية كبرى كالصراع الاجتماعي بين القوى والخطابات الاجتماعية هي التي تتحكم في تفاصيل حياة المجتمع، وقيما يقدمه الخطاب الديني من طروحات تعرض باعتبارها معرفة مطلقة غير مرتبطة بسياق اجتماعي تاريخي.

أما أكثر مظاهر آلية عرض السلطة تجليا في هذه الفقرة فهي في قوله،"فلم تطيعهم وتعصينا؟"، وفي قوله "اننا أعرف منك فيما يصلح الدين وما يغمده". ففي الأولى نجد أن الخطاب الديني يتحدث عن أهم آلية من آليات عمل أي سلطة اجتماعية وهي فرض الطاعة ومنع العصيان، والطاعة تعني وجود طرفين في العملية الاجتماعية : طرف يفرض رؤيته للعالم والمجتمع، وهو السطلة الدينية وخطابها الثباتي في حالة هذا الكتاب، وطرف اخر يطلب منه تنفيذ هذه الرؤية في الواقع وعدم رفضها بإتيان رؤية أو فعل اخر مختلف عنها.

أما قوله اننا أعرف منك فيما يصلح الدين وما يفسره"  فيبرز سمة أخرى في عملية الصراع الاجتماعي هذه، وهي تقديم الخطاب الديني لنفسا باعتباره في موقع الأكثر خبرة بالعالم وتنظيمه، وتقديم الاخر باعتباره جاهلا بذلك ينبغي ساعدته.

لقد أظهرت دراسات في تحليل الخطاب والمعرفة مثل كتاب أركيولوجيا المعرفة لميشيل فوكو (1972: Fcoucault) وكتاب اللغة والسيطرة لروجر فاولر واخوين (1979:Fowler et al ) ارتباط المعرفة بالقوة والسلطة الاجتماعية فالمعرفة هنا ليست معلومات مجردة كما قد يتبدى ( من طرح الأمور من منظور التعاليم الدينية والعلم بها) وانما تفترض أن المتحدث هو العارف بالسلوك الاجتماعي المناصب (عدم تعليم الأطفال في مدارس أجنبية لم ويحاول نقل هذه المعرفة التي يمتلكها الى شخص لا يعلمها. ان المعرفة بهذا المفهوم تغدو مصدرا من مصادر سلطة الخطاب الديني في المجتمع، تلك السعلة التي تحدد السلوك الاجتماعي المقبول.

ان عرض السلطة الدينية لقوتها "المعرفية" بهذه الطريقة المباشرة تعتمد على تقنيتين، هما القناص والافتراضات المسبقة.

بعبارة عامة فإن القناص يعني أن نصا ما يؤدي وظيفته من خلال ارتباطه بنص اخر، ففي تقنية القناص غير المباشر يتم توظيف لنص مقدس هو النص القرآني، فعبارة "اننا أعرف منك" تثير الى الأية الكريمة "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (الزمر:9). أما تقنية الافتراضات المسبقة فتقوم على عملية منطقية استقرائية هي:

- من يعرف أفضل (بالتالي أقوى في تأثير فعله الاجتماعي) ممن لا يعرف (مقدمة كبرى)

- س يعرف وص لا يعرف (مقدمة صغري)

- اذن :س، أفضل (وأقويا جتماعيا)من ص  (نتيجة )

ان استغلال الافتراضات المسبقة يعتبر من أهم الطرق التي تعمل بها السلطات الاجتماعية، فهي تعرض النتيجة وتوظفها اجتماعيا دون أن تشير الى مقدماتها المنطقية أو بدون أن تضع هذه المقدمات المنطقية موضع التساؤل. وهنا فان المقدمة الكبرى (من يعرف أفضل. وبالتالي أقوى اجتماعيا. ممن لا يعرف ) تغفل تماما مع انها لا تطرح حقيقة مثل قولنا ان (سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت )، وان (جامعة الدول العربية تأسست عام 1945 م ) وانما تطرح حكما قيمية يصب في المصلحة الاجتماعية  "من يعلمون" ذلك انها تفرض طاعة من لا يعلم لمن يعلم (وعدم الاحتجاج عليه )، وهو بالتأكيد فعل اجتماعي يرتبط بنسق القوى في المجتمع.
2- الموضعة الجاعزة لمتغيرات الواقع الجديد واحتواؤها

الالية الأساسية الثانية التي استخدمها الخطاب الديني لحظة اصطدامه بخطاب التكيف هي محاولة موضعة التغير الاجتماعي ضمن حدود التفسيرات الجاهزة لدى الخطاب الديني، وهذا ينطوي مباشرة على ايحاء وافتراض مسبق أن لا تغير حقيقي قد حدث في النسق الاجتماعي،. وان التغيير الاجتماعي الذي حدث قد حدث ضمن توقعات الخطاب الديني.

فالخطاب الديني لديه كما قلنا مسلمات حول وضع المجتمع المسلم (مجتمع الا متتامة ) ووضع المجتمع الكافر (مجتمع الضلال والكفر)، ووضع وسيط يحاول فيه ممثلو المجتمع الكافر التأثير في طبيعة المجتمع المسلم بحيث ينحرف عن الطريق المستقيم ويتحول الى مجتمع كافر في ذاته (يتخلى عن الاسلام كليا) أو مجتمع يظهر الاسلام لكنه ليسر مسلما في جوهره.

ان نظرنا الى حالة التغير الاجتماعي التي حدثت في زنجبار لوجدنا ان بنيتها توفر للخطاب الديني موضعته ضمن هذا المخطط التعميمي للتغيير، فالمجتمع كان مجتمعا مسلما الى أن جاء النصارى واليهود (أعوان الشيطان لم الذين بدأ تأثيرهم السلبي في الظهور على أفراد المجتمع المسلم. ويمكننا أن نصف هذا التفسير لحركة المجتمع والتاريخ باعتباره تفسيرا لا تاريخيا يخرج بالأحداث التاريخية من سياقها ليضعها في تصنيفات عمومية كالفعل الايماني وفعل الكفر وفعل التأثر بالكفر، وهو بهذا يخفي النظر تماما عن الظروف التاريخية لهذا التغيير، بمعنى أن الخطاب الديني لا يهتم بالأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية المباشرة التي قادت وساهمت في إحداث التغيير الاجتماعي، تلك الظروف التي حاول خطاب التكيف شرحها والتركيز عليها من خلال اليته الواقعية والفرضية (المنفعية ) كما سنرى لاحقا.

اننا إن نظرنا الى كتاب "بذل المجهود" لوجدنا الية الموضعة الجاهزة من أهم الآليات التي استغلها الخطاب الديني في رده على خطاب التكيف، فعلى سيبل المثال يقول الامام السالمي حول رؤيته لحقيقة المدارس الأجنبية أو المدارس التي يعلم فيها نمد السلمين.

"فهو ذريعة الى تدريجكم في المهاوي وإلقائكم في المهالك، ولابد للفخ من عب يقع عليه الطائر، فلو جاهرركم بمرادهم وكثفوا لكم أغراضهم، لوقفت شوركم، واقشعرت جلودكم واشمأزت قلوبكم، ونفرتم عنهم كل نفرة لكن القوم أدري بمصائدكم، وأعرف بمكانتكم، فهم أثما من الأفعى لينا وعداوة، وأروغ من الشعب، واخدع من السراب ولهم في المكر أبواب يعجز عنها الشيطان " (ص 8).

نرى هنا أن الامام السالمي يحاول تفسير التغيير الاجتماعي المتمثل في تعليم أولاد السلمين في مدارس غير اعلامية أو في مدارس يعلم فيها غير السلمين بتغيرات جاهزة فنجد السلم البسيط الذي يحاول الشيطان بمكائده وحيله المختلفة جلبه في صفه، وهو تخمير ينطبق على أي فعل يخالف ما يطرحه الخطاب الديني (وهو ما يجعلنا نتول انه تفسير غير تاريخي ). أضف الى جاهزيته فهو تفسير سهل لا يتطلب إعطاء أهمية لعمليات الفعل والتغير الاجتماعيين، حيث ينعدم في هذه الرؤية الطابع الديناميكي للحياة الانسانية والتفاعل الاجتماعي من خلال تصوير التفاعل بين أطراف معدودة هي الشيطان النصراني الكافر والمسلم البسيط، ويتم ذلك من خلال عملية مثالية بسطة هي خضوع السلم غير الواعي حصب هذه الرؤية لحبائل الشيطان ومكائده.

نجد نفى دلالية تعمل في تغير الخطاب الديني للبس المسمين في زنجبار للملابس الأجنبية كآلكوت والزنار كما يلي:

"أما المنع الاجمالي فهو قوله تعالى: "ولا تكونوا كالذين قالوا سعنا وهم لا يسعون" أي لا تكونوا مثلهم، ولا تتبعوهم في أحوالهم وقوله تعالى : "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا من سواء السبيل"  وهؤلاء القوم هم أعلاف اليهود والنصارى، وصفهم الرب تعالى بالضلال والإضلال وانهم يتبعون أهواءهم، وقوله تعالى : "ان تطيعوا فريقيا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين" (ص 32).

الخطاب الديني هنا يقوم بالاستفادة من النص القرآني كرصيد احتياطي يمكن به موضعة وتفسير أي فعل بشري، فعملية التغير الاجتماعي المتمثلة في لبس الملابس الغربية يتم اختزالها الى ضرب من التأثر بالكفار، ويتم التعامل مع غير السلمين من المسيحيين واليهود في زنجبار آنذاك باعتبارهم "أسلاف اليهود والنصارى" الذين أمر النص القرآني بعدم اتباعهم لضلالهم (وهنا نجد تأثير استعارة التحرك من موقع لاخر والتي أعثرنا اليها سابقا).

نلخص ما قلناه حول الية الموضة الجاهزة : ان الخطاب الديني يمتك احتياطيا من الامكانية التغيرية التي يمكنه بها من موضعة أي فعل اجتماعي دون أن يحتاج الى أي مذ اجتماعي أو تاريخي بعينه في عملية التخمير، وهو ما يجعلنا نقول إن الخطاب الديني من خلال إعماله لهذه دلالية يقوم بتقديم تغير يغفل تاريخية الفعل البش ي المتمثل في كونه أمرا واقعيا يتم في أطر تاريخية اجتماعية واقتصادية وسياسية معقدة. (نشير هنا الى أن خطاب التكيف لم تكن عنده مثل هذه الالية فرد عليها بالية مضادة تعزز تاريخية الفعل البشري من خلال تغير واقعي يعلي بدا مهما للظروف الاقتصادية والسياسية كما سنرى لاحقا).
3- استخدام لغة الصحة الجسدية والنفسية والعقلية

من الآليات القليلة التي يشترك فيها الخطابان هو استخدام لغة نغمية في معالجة القضايا الاجتماعية. ففي كلا الخطابين نجد أن ثمة افتراضا سبقا مفاده أن أطروحات الخطاب هي ما يدعو اليه العقل، ومن خلال أعمال ثنائية مألوفة اجتماعيا في التعامل مع الأمور النقية (الانسان اما أن يكون عاقلا أو مجنونا)، فإن خطاب الذات يصور باعتباره خطاب العقل والحكمة وما يدعو اليه الانسان السوي، فيما أن الخطاب الاخر يستند ويدعو الى أوهام  صنع الجنون، واذا كان الخطابان موضع الدوامة يشتركان في هذه الخاصية إلا أننا نجد أن هذه دلالية أكثر مركزية في الخطاب الديني.لنتأمل مثلا العبارات التالية التي تظهر عمل هذه دلالية :

- صدرت مني اليهم اشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج، ومطالبة

الرجوع الى أقوم المنهاج، فصدر منهم هذا الهذيان (ص 6).

-دواهي عظمي ومصاب كبرى، يعلم ذلك جميع العقلاء، ولا يخفى الا على الجهلة الأغبياء (ص 10- النبهاني).

- وما مثلك أيها الأب الجاهل.. إلا كمن اضاع الجواهر نفاسة وقيمة حتى استفاد عوضها فلوما قليلة أترى ذلك بعد عاقلا، كلا والله، بل هو مجنون (ص 16- النبهاني).

- اعلم أيها السلم الجاهل والمجنون، لا العاقل الذي خاطر بدين

ولده (ص 18 - النبهاني).

- أأحياء أنتم أم أصوات ؟ أعقلاء أنتم أم مجانين ؟ (ص 30).

- (في حديث الامام السالمي عن اثار تعلم اللغة الأجنبية ) وبذهابه (أي اللسان العربي) يحال بينكم وبين فهم ما جاء به نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام، وكفى بهذا مصيبة لمن عقل، أين العقول معشر الرجال (ص 47).

حيث نجد في هذه الأمثلة أن الخطاب الديني يتعامل مع الخطاب الاخر باعتباره نتاجا لأوضاع نفسية أو عقلية غير طبيعية كالجفون والهذيان والجهل.

نجد كذلك ان الخطاب الديني يستخدم أيضا لغة الصحة الجسدية في التعامل مع التغير الاجتماعي وخطاب التكيف القادم من زنجبار. فنجد أن التغيير يفسر باعتباره مرضا اجتماعيا، بينما يمثل الخطاب الديني دواء يعيد الجسم الاجتماعي الى حالته قبل المرض. نقرأ مثلا ما يلي:

- في وهف من يعلم ابنه في المدار مر الأجنبية (مجذوم أصيب بأقبح داء) (ص 16 - النبهاني).

- فإن أحببت الاطلاع على افات الأوقات، من هذه اللغات وغيرها من التعليمات والمكائد، التي نصبها للسلمين أعداء الدين، فعليك بقراءة الهدية الكلامية من أولها الى اخرها (ص 52).

- ولو عقلت أيها المعترض المجادل عن الذين يختانون أنفسهم لعلمت العلم اليقين ان الافة انما جاءت من قبل هؤلاء الذين عيرت أنت الفضلاء على النفرة عنهم (ص 59).

وقد يتساءل متسائل "ولكن كيف أن نربط هذا التوظيف لخطاب الذات الديني وخطاب التكيف بلغة صحية. نفسية بالصدام بين الخطابات، وبرغبة الخطاب الديني في ايقاف هذا التغير الاجتماعي؟". للاجابة على السؤال نقول أن الوظيفة الخطابية لهذه دلالية تربط ملكة العتل والصحة بالخطاب الديني وممثليه، فيما نرى أن خطاب التكيف الاجتماعي وممثليه يربطون بحالات نغمية وعقلية وجسا نية غير عادية كالجفون والهذيان والمرض. وهذا يعني أن الخطاب الديني يحتفل الافتراضات المسبقة المكونة حول العقل والجنون (أي أن العاقل أفضل من المجنون، والصحيح أفضل من المريض ) على نحو يصب في خانة بقاء سلطته الاجتماعية وتنفيذ رؤيته في تنظيم الكون والمجتمع. أن الخطاب الديني يحتفل من خلال تفعيل الافتراضات المسبقة الطريقة المألوفة التي يتعامل معها المجتمع البشري مع الحالات الجسدية والنفعية والعقلية غير العادية في نظر المجتمع في تعزيز نظرته الاجتماعية. ففي كلتا الحالتين الجسدية والنفسية يتم التعامل مع الحالات من خلال "معالجتها" طبيا ونفسيا، أو من خلال "حجرها وعزلها" في الحالات المستعصية. وهنا نجد أن المجتمع، بقيمه في التعامل مع الصحة الجسدية والعقل، قد تشكل على نحو يماشي ما يطرحه الخطاب الديني في تصويره لخطاب التكيف القادم من زنجبار، فالمعالجة تعني أن يعود العقل والجسد الى حالتهما الطبيعية، أي تلك التي تتسق مع مخطط الخطاب الديني وممثليه، أما الحجر والعزل (الجسدي والعقلي من خلال المقاطعة ) فيعنيان أن الخطاب الديني الذي تنتجه السلطة الدينية يدعو على نحومبطن نمير مباشر الى اقصاء الخطاب الاخر، وابعاده عن التأثير في بنية المجتمع وكيفية التفاعل بين عناصره. وهنا فإن الية ثنائية العقل. الجنون والصحة. المرض لا توفر للخطاب، الديني وسيلة لوصف خطاب التكيف الاجتماعي وممثليه فقط، وانما أيضا سيبلا تصوريا لفهم ظاهرة التغير وطرح امكانيات متقبلة اجتماعيا للتعامل مع هذه الظاهرة.
4- التشكيك في غرضية الفعل المتغير وواقعية

ومن الآليات الأخرى التي استخدمها الخطاب الديني في تعامله مع فطاب التكيف التشكيك في غرضية الفعل وواقعيته وهذه دلالية مرتبطة بالية الموضعة غير التاريخية للفعل البشري. فنجد أن الخطاب الديني يحاول زعزعة البنى الواقعية والفرضية التي استخدمها خطاب التكيف، التي سنتعرض لهما لاحقا. تتم هذه الزعزعة من خلال التشكيك في الحافز المؤدي الى الفعل، والرد على واقعيته، كما في قول الامام السالمي ردا على البعد الاقتصادي الذي يبرر لبس الكوت حيث يقول :

"ولعل الفقراء الذين كانوا حولكم جياعا ببركة لباسكم الجديد شباعا، وتالله ما تركتم لباسكم زهدا ولا قناعة ولا اقتصادا، ولا لقصد المواساة لفقرائكم، ولكنه أشرب في قلوبكم حب أعدائكم، فاستحسنتم منهم كل قبيح، واستصلحتم كل فامد، وتشبهتم بحركاتهم ومكناتهم وتزينتم بهيئاتهم، وطبعتم ألسنتكم على لفاتهم ونبذتم كتاب الله ومنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وسيرة اسلف وراء ظهوركم، فامنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض واستبدلتم بالرثا نميا، وبالهدى ضلالا، وبعتم الاخرة بالدنيا، فما ربحت تجارتكم ولا أنتم مهتدون إلا من رحم الله وتداركه بلطفه". (ص 29).

فالإمام السالمي يشكك في الدافع الى لبس الكوت الذي قال عنه المعترض انه مالي لأنه أرخص كثيرا من الجوخة لخفته على الجسد ولأنه "أقل مغرما". هذا التشكيك من خلال إلغاء البعد الواقعي للتغير الاجتماعي حيث يقول "ما تركتم لباسكم زهدا ولا قناعة ولا اقتصادا"، وتقديم تغير يبعد الفعل البشري عن سياقه وعن العمليات التي ساهمت في ايجاد" من جانب والتي يثكل جزءا منها من جاب اخر، فيرى الامام السالمي ان أفعال التغير انما كانت نتاجا لعمليات عامة غير دينية كاستحسان القبيح وهب الفاصد من الأمور.

نجد الغاء هذا البعد الواقعي للأمور متمثلا أيضا في رأي ينقله الامام السالمي عن الشيخ يوصف بن اسماعيل النبهاني الذي يرد متهكما على من يدعو الى تعلم اللفات الأجنبية.

اذا كانت اللغات الأجنبية متكفلة بسعة الرزق وعلو المنزلة والعز والشر في في الدنيا، فلم نرى هؤلاء المعلمين الذين يتعلم منهم ولدك في المدومة هم أفقر الناس، وأذلهم وأشقاهم وأتعبهم في معيشتهم، لم يحصلوا شيئا من رفعة الجاه، وعلو المنزلة والعز والشرف في دنياهم، مع كونهم ماهرين في هذه اللفات، وولدك انما يأخذ بعض ما عندهم منها، فلم ينبر ولدك في دنياه بالقليل الذي يأخذه منهم، ويقلقاه عنهم، وهم لم ينجحوا بالكثير الذي أفنوا ني تعلمه أعمارهم وقاية ما حصلوه من فوائد ذلك ان صاروا معلمين في المدارس، يشتغلون طوال النهار بمعاشات قليلة لا تكفيهم مع عيالهم الا بقدر الضرورة وخير من معيشتهم، وأوسع وأهنأ وأنفع، معيشة أقل عوام الناس المتسبين بنحو البيع والشراء. كما هو مشاهد، وهنالك جماعة ممن يعرفون هذه اللغات في أسوأ حالة من الاحتياج، لا يتيسر لهم أن يكونوا معلمين، وهم من أحوج الفقراء والمساكين، فلو كانت معرفة هذه اللفات متكفلة بسعة الرزق وكثرة المال، لما كان هؤلاء في أضيق معيشة وأسوأ حال (ص 17).

ويقول أيضا:

وانظر أيضا الى أغنياء المسلمين، تجدهم من التجار، أهل البيع والشراء، والأخذ والعطاء، وجلهم أو كلهم لا يعرفون هذه اللفات وهم في كمال الرفاهية، ورفعة الجاه، وعلو المنزلة، وسعة العيش، مع حفظ الدين والدنيا، فالرزق والجاه اذن لا يتوقف واحد منهما على معرفة هذه اللغات (ص 18 )..

وهنا فان خطاب الثبات يضع الدافع وراء تعلم اللغات الأجنبية موضع المساءلة عن طريق ابراز عدم واقعيته من خلال ثلاث حجبى، أولها ان معلم اللغة الأجنبية نفسه فقير وليس في وضع اجتماعي رفيع، وثانيها أن هناك "جماعة ممن يعرفون هذه اللغات في أسوأ حالة من الاحتياج وثالثها التجار الذين لم تتأثر أعمالهم التجارية ورفاهيتهم بدم معرفتهم هذه اللغات. ان ما يعنينا هنا ليمر صحة هذه الحجج المشككة في جدوى تعلم اللغة الأجنبية وانما موضعها ووظيفتها في الخطاب الديني، حيث انها تمثل فيما نرى الية التشكيك في حقيقة واقعية وغرضية خطاب التكيف.
الاليات الخطابية في خطاب التكيف

أما الآليات التي استخدمها خطاب التكيف فهي، كما هو متوقع اليات جديدة تختلف اختلافا جذريا عن اليات الخطاب الديني. سنركز هنا على ما نعتتاه أهم الآليات وهي التركيز على غرضية الفعل الاجتماعي وواقعيته، والتشكيك في شرعية السعلة الدينية، واستخدام النصوص الدينية الأصلية استخداما يماشي التغير الاجتماعي ويبرر الأفعال الاجتماعية الجديدة.
1- التركيز على التجربة الواقعية والظروف الاقتصادية

ان أهم الية من اليات خطاب التكيف هي الية التركيز على واقعية التغير الاجتماعي،فهو تأثير وتأثر وليسا أمرين متخيلين. بمعنى أن الفعل الاجتماعي المتغير الذي يرفضه الخطاب الديني ما هو الا محاولة واقعية للتلاؤم مع متطلبات التغير السياسي والاقتصادي.

فالخطاب يعتمد على ما يحدث في الواقع. حيث يقول المعترض مثلا في تبرير امكانية تعليم الأطفال في مدارس النصارى: "أما الداخل في مدارس النصارى معلما كان أو متعلما، فأوضح لك حالة المعلم حسب المشاهدة... الخ ". هذا يعني أن المعترض ينطلق من أمور واقعية، وليمة متوهمة، كما أنه يعني أيضا أن المخاوف التي يطرحها الخطاب الديني ليست مخاوف واقعية فالتجربة لا تثبت ذلك انه بهذا يشكك في مدى امكانية صدق النظرية الدينية حين يأتي الأمر الى التطبيق. فنظريا يفترض الخطاب الديني أن التعلم في مدارس النصاري (أو على أيديهم ) أمر يؤول على صاحبه بالكفر وخلع رداء الاسلام وغير ذلك، أما خطاب التكيف فيرى أن واقع الأمر في هذه المدارس لا يبرر المخاوف التي يطرحها الخطاب الديني، ففي هذه المدارس يتعلم الطالب "التوحيد وشغله، والطهارات وكيفياتها والصلوات ومعانيها..الخ " (ص 7).

هذه الواقعية تمتد لتؤدي وظيفة تبريرية. فالتغير الاجتماعي الذي شهدته زنجبار والتكيف مع الوقائع الجديدة لم يكن مجرد رقبة مجردة في التغيير، وانما هو استجابة لمتطلبات واقعية مختلفة، أهمها البعد الاقتصادي. حيث برر المعترض كثيرا من الممارسات التكيفية بأسباب اقتصادية، فحين يتحدث مثلا عن ارتداء المعطف (الكوت ) يقول :

"الكوت منفردا أخف اضاعة ما من الجوخة والبشت، المنقوشين بالقصب المفضض، البالغ فوق الحاجة. مئة روبية وخمسين، وحسين روبية وأقلها ثلاثين روبية، وأي اضاعة أكثر من هذا، اذ ثمن واحد من هذين يسد حاجة جمع غفير من الفقراء وهاهم جياع" (ص 28).

هنا نرى أن المعترض يفرض لفة مالية تجارية في تبرير التغير الاجتماعي المتمثل في لبس الكوت، بل انه يربط الجانب المالي بأسباب واقعية أخرى، كالجياع الذين يمكن أن يسد حاجتهم ثمن جوخة واحدة أو بثت واحد. اننا هنا ازاء الية تربط الواقعي بالاخلاقي وليس الديني بالضرورة، فاطعام الجياع أهم أخلاقيا من لبس الجوخة أو البثت، وهو ما يبرر لبس المعطف، ولو أنه من لبس النصارى الذي أمر النبي عليه السلام بعدم تقليدهم كما يؤكد الخطاب الديني. هذه الواقعية يرفضها الامام السالمي فيرد عليها متهكما: "لعل الفقراء الذين كانوا حولكم جياعا ليسرا ببركة لبساكم الجديد شباعا".

مثل اخر على الية التركيز على البعد الواقعي للفعل الاجتماعي ازاء البعد الديني نجده في تبريره لتعلم اللغات الأجنبية وتعليمها. فيقول المعترض :

"ان الضرورة داعية اليهما الان، ولاسيما في هذا الظرف، لأن المحاكم والمعشرات بأيديهم، ولا يتوصل الى شيء من هذه الأشياء الى ما يطلبه  الانسان من حقوقه الا بعد النصب وذهاب شطر ماله اذا كان لا يعرف هذه اللغة الأجنبية" (ص 46).

هنا نجد أن "الضرورة" المرتبطة بالظرف التاريخي "الان" تحكم الفعل الاجتماعي (وهو مثال على عدم القدرة على بقاء المربع مربعا، وضرورة تحوله الى مثلث كما أرضع المخطط الشكلي الذي شرحناه سابقا) حيث انها، أي الضرورة، تثكل دافعا نحو اتيان فعل اجتماعي مغاير لما مهده المجتمع، فالجانب الاقتصادي المتمثل في اللجوء الى المترجمين وهو أمر مكلف ماليا يحكم الفعل الاجتماعي. ان هذه الواقعية في الطرح تعكس تغيرا مهما في النسق الاجتماعي العماني في تلك الفترة ومحاولة من عموم المجتمع في زنجبار للتأقلم مع هذا التغير مماشاة لعوامل حياتية.

أضف الى هذا أن خطاب التكيف يطرح أغراضا أخرى لتبرير الفعل المغاير والمتغير. ففي قضية لبس الكوت نجد أن أحد أسباب تبرير لبس هذا اللبابس الغربي هو "خفته على الجسد" (ص 28)، ونجد في قضية حلق اللحية أن المعترض يرى أن أسبابا كثيرة تجمعي منه أمرا مقبولا متسائلا استنكاريا:

"أليس لنا أن نتزين لنسائنا ونتصنع ؟ ألسنا مأمورين بالنظافة والطهارة كتقليم الأظافر وحلق الشعور التي في الصدور؟" (ص 54).

هنا نجد أن الفرض الشخصي. الاجتماعي (مقطبات النساء) مضافا اليه الفرض الصحي (نظافة الجسد) يقدمان تبريرين لحلق اللحية الذي هو فعل خارج عما تقبله السلطة الدينية، هذا التبرير غير الديني هو ما جعل الامام السالمي يورد ردا حاسة على المعترض فيقول :

"فأجبته بما نصه :

ما كنت أحصب أن يمتد بي زمني

حتى أرى دولة الأوغاد والسفلة

ما رأيت عجبا كاليوم، سبحانك هذا بهتان عظيم" (ص 54).

نخلص أن المعترض في مثل هذه الحالات لا يتحدث حول التشكيك في المصادر الدينية أو اعادة تخميرها، بل انه يتجاوز ذلك كله الى تبرير الفعل الانساني بأغراض حياتية بسيطة كمتطلبات راحة الجسد والتقرب الى النساء ونظافة الجسد، وهنا فإنه يمارس فعلا اجتماعيا مهما في سياق التغير الاجتماعي وصراع الخطابات والتوى الاجتماعية يتمثل في فك الارتباط الذي فرضه الخطاب الديني والمؤسسة المنتجة له بين الفعل البشري من جانب والتفسير الذي يقدمه الخطاب الديني للنصوص المقدسة ونسق

طروحاته من جانب اخر، مما يعكس، فيما نرى، تغيرا كبيرا في البنية الاجتماعية وتفاعلها.
2- التشكيك في حقيقة الشرعية للسلطة الدينية

اضافة الى الفرضية الواقعية التي طرحها خطاب التكيف فإنه يتقدم خطوة أخرى في محاولته تغيير النسق الاجتماعي تتمثل في التشكيك في حقيقة الشرعية الاجتماعية لممثلي السعلة الدينية. اننا نعتتا أن هذا التشكيك أو دلالات اجتماعية مهمة، ذلك أنه يعني أنه يعزز ممارسة اجتماعية تخفف من سلطة العلماء ومن صحة خطابهم، ليس الصحة التاريخية، كما بينت الالية السابقة، بل حتى الصحة الدينية ذاتها. نقرأ مثلا:

"ان كانت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ليس فيها توسع لهذا الكوت، فالأولى لأهل زنجبار الخروج من زنجبار، ولا فائدة في قوله صلى الله عليه وملم جئت ميسرا لا معسرا (ص 21).

ان المتحدث الذي يستخدم لفة تهكمية يوحي بطريقة مبطنة بجهل عالم الدين، ذلك أولا بقوله باستحالة ضيق الشريعة وعدم استيعابها للمتغيرات، الشكلية، في المجتمع المتمثلة في لبس الكوت، وثانيا بايراده حديثا للرسول عليه السلام يرى فيه سندا للفعل الجديد. انه بهذا يقول ان الدين ليس بالضيق الذي يطرحه علماء الدين وان ثمة نصوصا أهلية كايات النص القرآني والأحاديث النبوية، تخالف رؤية هؤلاء العلماء، وهو ما يستلزم أن العلماء لا يعلمون كل الدين، وبهذا فإنه يثكل محاولة لمعلب هؤلاء العلماء وضعهم الاجتماعي الأمامي في المجتمع، ولسان حاله يقول "إذا كان العلماء لا يعلمون كل الدين فلم طاعتهم ؟".

مثال اخر نجده في حديث المعترض عن التفاعل الاجتماعي بين السلمين، وغيرها في زنجبار حيث يتول :

"وأما التداخل عند المشركين كتداخل الزنجباريين لا يقدرون أن يمتنعوا، لأن أزمة الامور بأيدي المشركين ودواعي الامتحان دائرة في كل حين، وما ذلك الا لامتناع الفضلاء من تولية الحكم مند هذه الدولة، حتى انقاد الأمر إليهم، واحاجوا الناس الى التداخل، زعما منهم (بقية أهل الدين الذين فروا من زنجبار) انه غير جائز، فهذا الان الواقع علينا بسبب التخاذل" (ص 58).

هنأ نجد أن المعترض يشكك في المؤسسة الدينية وخطابها الذي أدى الى الأوضاع السيئة التي تعيشها زنجبار، ويعتبر خطابهم ليس إلا "زعما"، وهو تشكيك أحمى الامام السالمي بخطورته فعاجله رادا:

" لو تدري ما قلت في هذه الكلمات لأكثرت الزفرات وأعلت العبوات، كيف تتول.زعما منهم أنه غير جائز.كأنك المكذب بذلك.. وقد لمت أنت الفضلاء بما أثنى الله به عليهم في كتابه العزيز" (ص 51).

نجد استخدام هذه دلالية أيضا في مسألة حلق اللحية حيث يقول المعترض الزنجباري الثاني :

"هل حلق اللحية وغلفها من كبير الذنوب ؟ أم من مغيرها؟ فإن كان منهما أو من أحدهما فهل من دليل من الكتاب والسنة ؟ أو من السنة وحدها؟ اتونا به، والا فلم تحرموننا المباح لنا من غير ايضاح ؟" (ص 54).

ان اللغة هنا تهكمية تجعل من منتج الخطاب الثباتي في خانة

الجهلاء الذين يفتون دون علم حقيقي بمصادر الدين الأهلية كالنص القرآني والسنة النبوية، ان "وإلا فلم تحرموننا المباح...؟" توحي بأن التضيقة صراع اجتماعي ساحته الفقا، هذا الصراع يقوم أساسا بين الخطاب الديني السائد وخطاب التكيف والتغيير الذي يرى أن الخطاب الديني لا يقوم على أسس دينية حقيقية وانما ينتج أفعالا لا تجد سندها في لب الدين.

ان هذا التشكيك في مكانة علماء الدين يبرز تغيرا جوهريا في بنية المجتمع العماني الذي أدى فيه هؤلاء العلماء دورا أماميا هو دور السعلة السياسية الحقيقية التي تقيم الامام وتعفيه، وتمارس سلطتها أيضا من خلال التحكم في الأفعال الاجتماعية الأخرى من خلال الفتوى والاستشارة، قد يرى البعض هنا أن المعترض جاهل بالشريعة وبالنصوص الامامية وانه يفسر هذه النصوص تفسيرا خاطئا، لكننا نقول هنا ان امكانية جهل المعترض أو علمه التام ليمت محور حديثنا هنا، فالدلالة التي ستنتجها هنا هي دلالة اجتماعية مفادها ان تحولا قد حدث في بنية المجتمع العماني أدى الى مثل هذا الخطاب الذي يستخدم هذه اللغة التشكيكية تجاه علماء الدين.

4- اثار ة تساؤلات حول تخمير الخطاب الديني للمصادر الأمامية واعادة قراءة الكتب الأمامية وتفسيرها

من الآليات الأخرى التي اعتمد عليها خطاب التكيف دلية التعامل الجديد مع النصوص المقدمة، ويتجلى ذلك مثلا في التساؤل حول غرضية بعض ايات النص التواني فيقول المعترض في حديثه عن المدارس التي يدرس فيها الأجانب :

"وأي فائدة في قوله تعالى (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) وقوله : (ولكن ذكرى لعلهم يهتدون )، ام هذا خاص به صلى الله عليه وسلم دون غيره "(ص1 ).

فالمعترض هنا يحاول التعامل بنغمى الأدوات الخطابية الرئيسية عند الخطاب السائد، وهي النصوص المقدسة، ويطرحها فانه يعني انه واع بها وان فعله الذي تعتبره المؤممة الدينية غير مقبول يمكن تبريره من خلال النصوص المقدسة ذاتها. وخطابيا فإن هذا يعني استخدام نغمر اليات الخصم في مواجهته، اضف الى ذلك انه يطرح مفهوما جديدا لصحة النصوص المقدسة يتمثل في "الفائدة" التي تأتي بها هذه النصوص على المستوى الواقعي.

نجد أيضا تبرير الفعل المغاير الجديد في حديث المعترض عن "ولقد صرح الأثر عنه صلى الله عليه وسلم. أهديت له كرزية من الروم، ضيقة الاكمام، كان اذا أراد الوضوء يخرج الوضوء من أذيالها"(ص 28).

وهنا فان المعترض لا يرى بأسا في لبس الكوت فلديه دليل من السنة النبوية ان النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس لبسا غير مألوف من لبس الروم، وهي محاولة لتبرير الفعل بتقبل مثيله في النصوص المقدسة التي هي لب الخطاب الديني.

وفي الحديث عن تعلم اللغة الأجنبية نجد أن المعترض يقول :

"أو ليس لرسول الله عملي الله عليه وسلم مترجم يهودي بالعبرية ؟ ثم اختار أشخاصا من رجاله ليتعلموا تلك اللغة، فلما ضبطوها اكتفى بهم، أما في هذا الأمر ما يدل على الجواز؟ ان لم نقل بوجوب تعليم هذه اللغة فحينئذ على ماذا النزاع والتشديد في غير مقام " (ص 46).

وهنا فان المعترض لا يشكك فقط في رؤية الخطاب الديني في هذه القضية، تك الرؤية التي، كما يقول تنازع وتشدد "في غير مقام"، بل انه يتجاوز ذلك لطرح رؤية تستخدم مفردات لغة الخطاب الديني، فيرى أن تعلم اللغة اما أن يكون حكما "الجواز" أو حتى "الوجوب" وهنا فإن اختيار الألفاظ أدت دلالة فهو استغلال مضاد لمفردات الجانب الفقهي في الخطاب الديني نفسه من ناحية، ومن ناحية أخرى يعتبر محاولة لتبرير تعلم اللغة الأجنبية من خلال تتبع حالات مشابهة سجلتها السيرة النبوية قام فيها أصحاب النبي ملي الله عليه وسلم بتعلم اللغة العبرية لفرض حياتي في تلك الفترة، بل انه يعيد تخمير حادثة السيرة ويجعل حكمها أقرب الى الوجوب، وليس المنع كما هو طرح الخطاب الديني.

اجمالا فإن هذه دلالية تعتمد على تعامل خطاب التكيف مع الأمر الذي يشكك الخطاب الديني في شرعيته من خلال الرجوع الى نغمى المصادر الأمامية للخطاب الديني المهيمن وإعادة تغيرها بما يناصب الوضع الجديد المتبول في سياق التغير الاجتماعي كتعلم اللغة ولبس الكوت وغيره. ان العودة الى النصوص الأهلية هنا لا يمكن اعتبارها تقربا من الخطاب الديني ومؤسسته بل انه تجاوز لرؤية ذلك الخطاب التي تعتمد على تضخيم أحداث معينة والمبالغة في دلالاتها الاجتماعية (كالتحريم والمنع ) والتغطية على حالات أخرى توجد في النصوص المقدسة قد لا تتماشى مع هذه الرؤية، بمعنى أن خطاب التكيف قد اكتشف أن الخطاب الديني يستثمر بعض النصوص الأمامية في تعزيز سلطته الاجتماعية، وهو ما يرد عليه خطاب التكيف بمنفعية موازية تقوم على تفسير النصوص المقدسة المنتقدة على نحو يعاشي الأفعال الاجتماعية الجديدة.
خلاصة

قبل أن أثير الى استنتاجات هذه الدراسة أود أولا أن أثير الى محدودية هذه الدراسة، في عادتها وفي منهجها التحليلي وفي النتائج التي ترملت اليها، ان هذه الدراسة اعتمدت على كتاب واحد فقط هو كتاب "بذل المجهود" مما يعني أن ما ترصلت اليه من نتاج حول المجتمع العماني في تلك الفترة وتفاعله الخطابي مرتبط حصرا بهذه المادة، بمعنى أن الدوامة الأمثل في تصوري، تقطب تحليل مجموعة كبرى من النصوص Corpus)  ) من تلك الفترة وليس كتابا واحدا فقط، أضف الى ذلك أن المنهى الذي اتبعناه في التحليل، أعني ربط الاطروحات بالنشق التصوري والا ليات الخطابية ينبغي أن يسند بتحليل أدق لكيفية استخدام كلا الخطابين للمظاهر والبنى اللغوية كالتراكيب النحوية والضمائر وترابط الجمل والفقرات وغيرها. ان طبيعة المادة وخطوات المنهى التحليلي المتبع يحدان إذن من عمومية النتائج التي توصلت اليها الدوامة. الا أن هدفنا الأساسي لم يكن الدوامة الشاملة لتك الفترة من التاريخ المعرفي العماني وانما سينا فقط الى محاولة ايضاح ارتباط اللفة والخطاب بالبنية الاجتماعية التي وجدت في ذلك الفترة وتفاعلها الداخلي، وهو ما أرى أن هذه الدراسة، رغم المحدودية الموجودة، قد أنجزته.

حث حاولت هذه الدوامة التحليلية البسيطة ايضاح بعض مظاهر التفاعل بين اللغة والسياق الاجتماعي التي توجد فيه، وجادلت من خلال أمثلة من كتاب "بذل المجهود" في مخالفة النصارى واليهود" للامام نورالدين السالمي بأن اللغة تعكر الواقع الاجتماعي الذي يتم استخدامها فيه، وتشارك فيه شاركة فعالة من خلال تعزيز ممارسات خطابية معينة. ان اللفة هنا تغدو فعلا اجتماعيا، ودراستها ينبغي أن تتجاوز دوامة بنيتها البسيطة كالنحو والصرف والعروض، فهذه الجوانب رغم ثرائها الداخلي فإنها تعجز من الكشف عن الجوانب الاجتماعية في اللغة. ان الانسان كائن اجتماعي ولذا فإن على الدراسات اللسانية أن تجعل من "اجتمامية" الانسان محورا أساسيا من محاورها البحثية، لقد أبرزت در امتنا مثلا أن اللغة لميت كائنا محايدا، وانما هي أداة تستخدم في ميادين الصراع الاجتماعي والايديولوجي وغيره".

لقد أوضحت در امتنا أيضا أن الخطاب الديني الذي تجلى في كتاب "بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود" للامام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي كان خطابا يتسم بتناسقه وانسجامه الداخلي، فالنسق التصوري كان ينجم مع الأطروحات التي قدمها ذلك الخطاب، متماشيا كذلك مع لفته. أما خطاب التكيف. فبالرغم من الياته الواقعية والفرضية التي تجلت بوضوح فيه، فإنه لم يكن خطابا منسجما داخليا، نجد بعض مظاهر الاضطراب الداخلي مثلا في اعتماده لبعض الآليات الاستراتيجية في الخطاب الديني كمركزية النصوص الدينية وأهميتها كمنطط لتنظيم الكون والمجتمع في جانب، وتجاوز تأثير هذه النصوص والتعامل مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال مفاهيم جديدة كمفهوم الضرورة التي تدعو الى التكيف من جانب اخر. ولا يمكننا أن تندم هنا تغيرا قاطعا لهذا الاضطراب في البنية الداخلية لخطاب التكيف وموف نقتصر على فرضية أعثرنا اليها في دراستنا وهي أن المجتمع كان يمر بمرحلة تغير كبري، وان خطاب التكيف أما نجده فيما يطرحا المحتجان الزنجباريان في كتاب "بذل المجهود" كان مرحلة أولى في التنظير الاجتماعي لهذا التغير، وكما هو معهود فإنه في بداية التغيرات الاجتماعية الكبرى تتداخل التصورات في الخطابات المختلفة، الى أن يتم التحول الكامل في بنية المجتمع والممارسة الاجتماعية الموجودة، بحيث تظهر خطابات جديدة كليا، أو بحيث أن الخطابات المبكرة، مثل خطاب التكيف، تتطور هي الأخرى وتطور من مفاهيمها وتصوراتها على نحو يخلق انسجاما داخليا في أطروحاتها وبنيتها التصورية. ان هذه ليست الا فرضية ينبغي، فيما نرى، تقصيها بحثيا من خلال وثائق جديدة حول تلك الفترة وبمناهج بحثية كاشفة لموضوع البحث.

على سترى أعم فإن هذه الدراسة قد أوضحت أن عمان شهدت في مطلع القرن الشرين تجليات لحالة تغير اجتماعي تمثل في مظاهر جديدة لم يألقها المجتمع العماني مثل تعلم اللفة الأجنبية ولبس الملابس الغربية كالمعطف أدت الى صدام بين خطابين : الخطاب الديني الذي كان يسعى الى كبح حركة هذا التغير والعودة بالوضع الاجتماعي الى الوضع المألوف، وخطاب يدعو الى التكيف مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها التغيير، مستخدما اليات خطابية جديدة كالتركيز على غرضية الفعل وواقعيته الاقتصادية والاجتماعية.

نتوقف في خاتمة هذه الدراسة لنقول أن البناء المعرفي العماني غاية في الثراء، وانه على الرغم من الدراسات المعمقة المتفرقة الا أنه لم يدرس على نحو منظم وشامل، فدراستنا البسيطة هذه لكتاب "بذل المجهود" للامام نور الدين السالمي قد أوضحت فيما نرى جوانب مهمة من حياة المجتمع العماني وتفاعله في مطلع القرن وهو ما يجعلنا ندعو الى توجه بحثي يتفحص التراث العماني بمناهج جديدة تتجاوز الوصف البسيط له الى جوانب تحليلية أعمق تتناول مثلا دوره الاجتماعي وما يعكسا عن حياة المجتمع في عمان في فترات التاريخ المختلفة.

قائمة المصادر والمراجع

العربية

2- أبوزيد، نعمر حامد (1995) : النص، السلطة، الحقيقة، المركز الثقافي العربي : الدار البيضاء.

3- أركون، محمد (1991، الترجمة العربية ) : (نزعة الأنسة في الفكر العربي : جيل سكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي : بيروت. لندن.

4- السالمي، نورالدين عبدالله بن حميد (1995، الطبعة الأولى) : بذل المجهود" في مخالفة النصارى واليهود، مكتبة الامام نورالدين السالمي: عمان.

5- العالمي، نور الدين عبدالله بن حميد (1995، الطبعة الأولى) : روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن، تحتيق عبدالرحمن بن سليمان،

مكتبة السالمي : بدية عمان.

6. ليكوف، جورج، وجونسن، مارك (996ا،الترجمة العربية ) الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبدالمجيد جحفة دار توبقال للنشر : الدار البيضاء.
غير العربية

1- - Fairclough, N. (1989) Language and Power,Longman, London. 2- - Fairclough N, (1992): Discourse and Social Change, Polity Press: Cambridge.

3- - Fairclough, N. (1995): Critical Discourse Awareness, Longman: London.

4- - Fairclough, N. and R. Wodak (1997): Critical Discourse Analysis, in T. A. van Dijk  (editor) Discourse, as Social Interaction (Discourse Studies: A Multidisciplinary Introduction, Volume,2), Sage Publications : London /Thousand  Oaks/New Delhi. 

5- - Foucault, M. (1972): Archaeology of Knowledge , Tailstock Publications.

6-  Fowler, R. (1996) Linguistic Criticism, Oxford University Press: Oxford/New York.

7- Fowler, R. Hodge, B. Kress, G. Trew, (1979): Language and Control, Routledge &  "Kegan Paul: London /Boston/Henley.

8-  - Johnson, M. (1987): The Body in the Mind: the Bodily Basis of Meaning, Reason  and Imagination, University of Chicago Press: Chicago,

9- - Lakoff, G. (1987 : Women, Fire and Dangerous Things: What Categories Reveal  about the Mind, Univerisy of Chicago Press: Chicago.

10- Lakoff, G. and Johnson, M. (1980): Metaphors We Live by, University of Chicago   Press: Chicago.

11- Metaphor in Relation to Peace, in C.  صBalanceش. - Schaffner, C. (1995) : The   Schaffner and  A, L. Wenden, Language and Peace, Dartmouth: Adershot/  Brookfield/Singapore / Sydney.

الهوامش:

1 - ابعادا للبس محتمل تنبغي الاشارة الى أن نورالدين عبدالله بن حميد السالمي لم يكن اماما بالمفهوم السياسي لمسطح "الامام " أي القائد السياسي كما تعنيه النظرية اسياسية في المذهب الأباضي وغيره، وكما تحقق تاريخيا في الحياة العمانية، انما يضاف اليه لقب "الامام"، كما في هذه الدراسة، تقديرا واحتراما لدوره العلمي ومكانته في تجديد فكر المذهب الأباضي.

2 - تشير الخاتمة الى تاريخ تدوين الكتاب "وكان الفراغ من تسويده عشية السبت لست بقين من شهر الله المحرم سنة ألف وثلاثمائة وثمان وعشرين للهجرة"، وهذا يشير الى أن الكتاب قد دون في فترة متأخرة من حياة الامام نورالدين السالمي، حيث توفي رحمه الله في 5 ربيع الأول من عام 1332 للهجرة أي في عام 1914 م (انظر السيرة الموجزة لحياته في كتابه "أروض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن"، تحقيق عبدالرحمن السالمي (1995).

3- نعتمد هنا التفرقة بين الطروحات الكبرى Macropropsitions) )والطروحات الصغري( Mpropositions)، فالطروحات الكبرى تمثل الأفكار المحورية التي يقدمها نص أو مجموعة من النصوص أو خطاب اجتماعي معين أما الطروحات الصغري فهي تفاصيل الطروحات الكبرى، أي الأفكار التفصيلية الموجودة في النصوص أو الخطابات. تقول كرستينا Schaffrier: 1995)  ) "ان البنية الدلالية لنص من سلسلة منظمة من

الطروحات يتم تقديمها على نحو مترابط في بنى معينة في مستوى سطح النص (أو ظاهره ) وحين يستوهب القراء النص فانهم يقومون بتقليص وتنظيم المعلومات من خلال استخدام عمليات ذهنية (أي، القوانين الكبرى للحذف والتعميم والتشكيل سعيا وراء البنى الدلالية الكبرى للنص" (ص 76، ترجمتي : الحراصي.

4 - الاستعارة التصورية أو ما اصطلح عليه في اللغة الانجليزية بـConceptual  metaphor  تشير الى عملية ذهنية يتم فيها تشكيل (أو اعادة تشكيل ) بنية مجال أو تصور مجرد من خلال استخدام ما نعرفه من البنية الشكلية والوظيفية لمجال مادي،واذا كانت الاستعارة عملية ذهنية فان ما يسمى في العادة استعارة ليس الا تعبيرا أو تجليا لفريا للاستعارة الذهنية من الاستعارات التصورية التي نستخدمها في الحياة اليومية ان (المناظرة الفكرية معركة ) والتي من خلالها نستخدم تعابير لغوية مثل "ان حجته ضعيفة". "لن تستطيع ان تدافع عن هذه الفكرة"، و"ان هذه النظرية لا يمكن مهاجمتها". بايجاز ان الاستعارة هنا ليست في اللغة فقط وانما في الذهن والمجال التصوري.

5- الاستعارة الاستراتيجية هي في فهمي تلك الاستعارة التصورية الذهنية التي لها دور أساسي في تشكيل اطروحات طرف من أطراف واقع اجتماعي. سياسي. سأرضح المفهوم في سياق عربي. يوجد من يرى ان "جميع العرب أخوة" وان "الدول العربية دول شقيقة"، إن "الوطن العربي بيت واحد" وهذا يعكس طرحا سياسيا يؤكد الوحدة العربية من خلال الاستعارة الاستراتيجية (العرب عائلة واحدة ) في حين نجد أن هناك من لا يرى هذا الطرح حيث يعتقد البعض ان الدول العربية هي دول مستقلة ورغم المشتركات الثقافية فيما بينها الا أنها لا "ترتبط" ببعضها الاخر سياسيا، وهذا الطرح يحتفل استعارة استراتيجية أخرى وهي استعارة (الاستقلال التام ) لكل دولة وعدم وجود (ارتباط ) لازم بين الدول العربية.

6- النظرية التجريبية أو Experiential Theory  هي نظرية فلسفية لها دلالات في غاية الأهمية فيما يخص بعض جوانب التفكير واللغة، طور هذه النظرية، من بين اخرين، كل من جورج لاكون ومارك جونسن، ونرى أن التجربة الجسدية والمادية هي الاساس الذي يتحكم في تصوراتنا وفهمنا للعالم والطريقة التي نجعل فيها من العالم أمرا منظما ومفهوما. فتوازن الجسر وعدم وقوعه في الأرض يمكننا من التعامل مع الأمور النظرية كالأفكار كأن نقول "مقال فلان يفتقد التوازن المنطقي" وكالامور النفسية كأن نقول "فلان شخص غير متزن". وكالقضايا السياسية حيث نجد مصطلحات مثل "تعزيز التوازن العسكري في المنطقة". ان تجربة التوازن الجسدي وبنيتها الداخلية تسيطر على تعاملنا مع هذه الأمور النظرية التي نفهمها مجازيا من خلال معرفتنا بالتوازن الجسدي.

انظر لاكوف وجونسون Lakoff and Johnson:1980)   ) أو في ترجمته العربية التي صدرت عام 1996.. انظر المراجع، وجونسون (Johnson, 1987)  ) ولاكوف : Lakoff 1987).

7- لن نتمكن هنا من تقديم عرض شامل لتطور البحث في نقد المعرفة واللغة ولكن يمكن لمن يرغب في الاستزادة والاطلاع على كتاب ميشيل فوكو، "اركيولوجيا المعرفة (Foucault: 1972) وكتاب روجر فاولر "النقد اللغوي (Fowler:1996)، وكتب نورمان فيركلاف "اللغة والقوة (أو السلطة (Fairclough:1989) و "الخطاب والتغير الاجتماعي (Faurclough:1992)  و"الوعي النقدي باللغة" (Fairclough: 1995) المراجع غير العربية.

- على الرغم من وجود بعض الدراسات المتفرقة التي تحاول تغطية هذا الجانب عربيا مثل دراسات محمد أركون (1997 مثلا) ونصر حامد أبوزيد (1995 مثلا) الا أننا نرى أنها لم تشكل تيارا واضحا في المنتج البحثي العلمي العربي، وفي المؤسسات الاكاديمية والبحثية كالجامعات ومراكز البحوث.


 
عبدالله الحراصي (باحث وأكاديمي من سلطنة عمان)


 http://www.nizwa.com/articles.php?id=1315

اللغة ومجالات التنمية.. قراءة في تقرير ألكسو

اللغة ومجالات التنمية.. قراءة في تقرير ألكسو
د.عبدالمالك اعويش
إن والتقرير الذي سنعتمده في هذه الدراسة يكتسي أهمية خاصة؛ ذلك أنه أنجز بطلب من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية، ولا يخفى علينا اهتمام المنظمة باللغة، والجهود التي قام بها مكتب تنسيق التعريب- وهو أحد المؤسسات المتفرعة عنها– بادية للعيان، وتزداد أهمية التقرير إذا علمنا أنه أنجز من طرف مؤسسة لغوية أخرى، هي معهد التعريب، وعلى يد مديرها آنذاك د.عبدالقادر الفاسي الفهري، وقد ساعده كل من د.محمد غنايم والأستاذة نادية العميري، كما هو مثبت على غلاف التقرير.
ما يهمنا في التقرير ليس هو علاقة اللغة بالتنمية، فهذه حقيقة لا نحتاج التدليل عليها، ولكن الذي يهمنا.. كيف غطى التقرير جوانب العلاقة؟ وما هي المجالات التنموية التي تدخل في دائرة اهتمام اللغة واللغويين؟ وما هي عوائق التنمية العربية؟ ونخص بالتحليل والمناقشة المعوقات اللغوية تحديدًا؛ وذلك بالإجابة عن التساؤلات الآتية: ما هي نقاط القوة التي يمكن أن تتشكل في تقاطع اللغة بالهوية، واللغة بالدين، واللغة بالاقتصاد، واللغة بالمعلوميات، واللغة بالسياسة، واللغة بالتعليم...؟
للحديث عن وضع اللغة العربية في الوقت الحاضر واستجلاء قضاياه البارزة لابد من التذكير ببعض الحقائق المتصلة بماضي هذه اللغة وتاريخها.
> فاللسان العربي يعتبر أول لسان يعمر طويلًا، حوالي سبعة عشر قرنًا، محتفظًا بكل مقوماته وبنيانه الداخلي، وهذا عامل قوة للعرب لمراكمة المعلومات، لأن الخروج من لسان إلى لسان كسقوط الأنظمة والدول يدعو إلى البدء من جديد في سلم الحضارة.
> إن اللغة العربية قد ارتبطت في تطورها وتقدمها ولحظات قوتها بالعقيدة والدين الإسلامي، فهي لغة القرآن والسنة ولذلك ارتبط رصيدها الثقافي والفكري أو معظمه بهذه الأصول وما يتفرع عنها، ومن هنا اكتسبت اللغة العربية عند الخاصة والعامة صبغة القداسة والتوقير.
> اللغة العربية كسائر اللغات كائن اجتماعي حي تسري عليه سنن التطور والتجديد ويتوقف عليها بقاؤه، وقد تبين لعلماء اللغة في صدر الإسلام هذه الطبيعة النسبية للغة في مقابل إطلاقية النص القرآني، فلم يترددوا في إصلاح اللغة العربية وتطويرها بما أقدموا عليه من تأصيل قواعد النحو والصرف والإعراب، ووضع أنظمة الخط كتطوير الخط والشكل والتنقيط والمد والوصل والإمالة، وصناعة المعاجم والرسائل الموضوعاتية من غير أن ينكر عليهم أحد هذا الصنيع(1).
يشهد تاريخ اللغة العربية أهم الهجمات التي تعرضت لها هذه اللغة وعلى أهم المحطات التي كانت تصارع فيها من أجل البقاء، وكانت أولاها ضد اللحن، فقام اللغويون والنحاة بعمل جليل يهدف إلى تحصين اللسان بالنسبة لأبناء العرب وتحصيله بالنسبة لغيرهم، وفي صدر الدولة العباسية واجهت اللغة العربية تحديًا آخر هو تحدي الشعوبية، فخرجت منه منتصرة بجهود الغيورين والحاملين سماحة الإسلام، وجاء عصر الركود فأثر سلبًا على العربية لزمن ليس بالقصير، يكاد يمتد إلى دولة الأتراك حيث استُغل هذا الضعف لتدخل العربية في مواجهة العصبية التركية، خرجت منها بتبني الحرف اللاتيني في كتابة التركية عوضًا عن الحرف العربي، فخسرت العربية جزءًا من جغرافيتها، ثم جاءت الفترة الاستعمارية فكانت المقاومة اللغوية تقف في الجبهات مثلما تقف المقاومة العسكرية، فهذا عبدالحميد بن باديس يرفع شعاره التاريخي في مواجهة الاستعمار وهو «الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا»(2)، فيقرن القومية بالدين وبالقطرية في الدعوة إلى التحرر والاستقلال، وكان هدف المخطط الاستعماري هو القضاء على العربية، فهذا اليوطي يقول في شأن اللغة: «من الناحية اللغوية علينا أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية...، فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائمًا عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن، بينما تقضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج إطار الإسلام»(3).
والنص الذي قدمنا يشهر سلاحًا ذا حدين، فإذا كان هدف السلطات الاستعمارية هو إلحاق مستعمراتها لغويًّا أي فرنسة المحميات الفرنسية، فهو يتخذ لذلك طريقًا يجنبه الخسائر، فيفصل بين العربية واللهجات المحلية وكذا العاميات، فتم الفصل في شمال إفريقيا بين العنصر العربي والعنصر البربري(4)، ومن ثم تفكيك عرى المجتمع ليفسح المجال أمام سياسة المستعمر ويسهل عليه الانقضاض على الخصم.
فهذا إذن واقع اللغة العربية المرير حتى زمن الاستعمار، وبعد الاستقلال تم التخطيط لما يسمى بالتعدد اللغوي في البلدان العربية، والذي كانت معالجته إلى حدود منتصف القرن الماضي من باب العفوية تحكمها العادة والعرف والاعتباطية، فأصبحت معالجة الملف اللغوي من بين ملفات الشأن العام التي يفصل فيها السياسي قبل العالم، وحتى اللغوي الذي يتصدى للملف إنما يكون يهدف التموقع السياسي على حساب هذا الملف فكانت الحلول غالبًا ما تكون تعسفية.
> تعايش اللغة العربية مع العاميات واللهجات المحلية في غالبية البلدان العربية، كالكردية في العراق والأمازيغية في المغرب العربي، وهذا لا يتهدد اللغة العربية لأن هذه الثنائية- ما لم تأخذ طابعًا سياسيًّا عرقيًّا- فهي تتكامل وظيفيًّا مع الفصحى ولا تدخل معها في تنافس مصيري.
> لكن الخطر الذي يتهدد العربية هو الازدواجية التي تعيشها مع اللغات الأجنبية سواء الفرنسية أو الإنجليزية، حيث ينظر للغات الأجنبية على أنها لغات التقدم والرقي الثقافي والعلمي، فتكون النتائج سلبية على هوية المتعلم وملكته وطاقاته التعبيرية(5).
وفي تحليلنا لفقرات هذا التقرير لابد من اعتباره بنية لغوية مغلقة حتى لا نتيه، وحتى نلتزم بكل ما ألزمنا به أنفسنا من خلال عنوان هذا العرض، فالتقرير يعتبر بنية متكاملة المحاور والأقسام والعناوين الفرعية التي هي بمنزلة فصول ومباحث وفروع، دون أن نغفل بطبيعة الحال العنوان الأصلي للتقرير وما يوضح حيثياته وظروفه من هوامش تبين الغرض منه والجهات المسهمة في إنجازه، إما طلبًا أو إعدادًا أو مدارسة أو تنفيذًا لقراراته وتوصياته، مرورًا بمقدمة التقرير ووصولًا إلى خاتمته.
إن اللغة هي وسيلة الحركة الإنسانية كلها، في المجال العلمي والسياسي والثقافي والإعلامي والاجتماعي والتربوي، فاللغة وعاء ذلك كله ووسيلة ذلك كله، وإذا تراجعت اللغة توقفت الحركة الإنسانية وانقطع الاتصال والتواصل والتفاهم؛ ذلك أن اللغة هي من أهم وأدق المواصلات وأوعية المعلومات وتواصل الأجيال(6)، وإذا كان بإمكان المرء أن يتصور مجتمعًا معاصرًا دون أنظمة الرموز اللغوية المتطورة فإنه لا يتخيله خاليًا من المطابع والمطبوعات ووسائل الإعلام والهاتف والانترنت، ومن المدارس والجامعات ومراكز البحوث ومن الأبناك والأوراق المالية، ومن المواصلات والعلوم بمختلف تخصصاتها...، فتراكم التجارب والمعارف ما كان ليتم إلا بفضل اللغة ومن ثم فإن تقدم الإنسان في جميع جوانب الحياة شاهد على تقدم اللغة، وهذا ما دفع اللغوي الشهير اندرسون إلى اعتبار اللغة الأساس الصلد الذي تقوم عليه قصة الأمة(7).
اللغة والدين
نقصد بالدين كل العلوم والممارسات التي لها علاقة بالعلوم الشرعية، و في هذا الإطار يقول ابن تيمية: «إن اعتبار اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق»(8)، ولقد كرم الله تعالى اللغة العربية ورفعها إلى مقام الشرف الأعلى حين أنزل بها خاتمة الرسالات، واتفقت أقوال العلماء في تصنيف اللغة وعلومها مع علوم الشريعة، وأنزلوها منزلة الفقه والأصول والتفسير(9)، واعتبروا الاشتغال بها من فروض الكفاية وقد تصل إلى حد الوجوب على الفقيه، يقول ابن جني: «فمطلوب من الفقيه شرعًا أن يعلم العربية؛ لأنها وسيلة واجبة لتأمين الاعتقادات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها مرده إلى ضعفه في هذه اللغة الكريمة»(10)، ومنهم من ذهب إلى أن العلم هو الدين كما قال عمرو بن العلاء: «علم العربية هو الدين بعينه»(11).
وهذا ما جعل اللغة العربية ذات رمزية وقدسية بالنسبة لما يقرب من مليار وربع المليار مسلم، بها يقرأ القرآن ويذكر الله وحتى لو ترجمت عبارات الله أكبر والفاتحة فلن تبين بيان لسان القرآن(12).
اللغة في المجال السياسي
نتبنى قولة د.عبدالله النفيسي فنقول: «يخطئ من يظن أن اللغة وعلومها هي من شواغل اللغويين والنحاة ولا علاقة لها بالحياة الاجتماعية والسياسية»(13)، لكننا نلتمس له العذر في الخطأ؛ لأن الدراسات التي تبحث في علاقة اللغة العربية بالبعد السياسي والاجتماعي والاقتصادي نادرة، رغم أن الخطاب اللغوي يعج بمئات النصوص التي تطرقت لقضايا واقعها بالتحليل والمعالجة، بدءا من الأشعار الجاهلية التي عالجت موضوعات الصلح والحرب والتفرقة، ومع ظهور الإسلام برزت نصوص تهاجم أعداء الإسلام ونصوص تناولت الخلافة والصراعات المذهبية وأصول الحكم(14).
وعلى العموم فإن علاقة اللغة بمنظومة السياسة مبنية على المصلحة، فاللغة أداة في أيدي الساسة قد تستعمل كسلاح أو كردع، احتواء أو استعبادًا، وفاقًًا أو صراعًا، بناء أو هدمًا، جسرًا أو عائقًا(15)، فاللغة إذن مصدر للقوة، وهذه حقيقة أدركها الساسة والحكام منذ القديم من فراعنة ويونان وقياصرة وحتى المجالس البلدية والبرلمانية، وقد برع الخطاب السياسي في استخدام أسلحة اللغة، فهو يبطن أكثر مما يظهر، ويستخدم الكلمات الأخاذة ليلهب بها مشاعر الجماهير ويخمد نار سخطهم.
ونستطيع أيضًا أن نثبت العلاقة فيما كتبه رولان بارت عن نشأة البلاغة التي ترجع في أصولها الأولى إلى المحاكمات حول الملكية، حيث قام طاغيتان من صقلية جيلون (Gelon) وهيرون (Heron) حوالي 485 ق.م بتهجير السكان ونقلهم وبمصادرة للملكية من أجل إعمار سيراكوزة وتمليك المرتزقة، وبعد أن أطاحت بهما انتفاضة ديموقراطية، وأريدت العودة إلى الوضع السابق حدثت نزاعات قضائية لا تحصى...(16)، وكانت السبب في نشأة البلاغة.
ومن الشيق ملاحظة أن فن القول مرتبط في أصوله بالمطالبة بالملكية، بل إنه يسهم في تثبيت الأوضاع، كما يسهم في تغييرها أو إسداء النصائح أو إيصال المعلومات أو الإقناع برأي أو تجييش جيش أو التعبير عن موقف أو إدلاء بشهادة.
ونأسف عندما نجد الساسة العرب لا يعتزون بالعربية ولا يولونها العناية المستحقة رغم أنها لغة التكامل الاقتصادي والسياسي لهذه الأمة(17)، ولغة الإعلام النافذة في الصحف والمجلات والإذاعات والقنوات الفضائية وكل هذه الوسائل أظهرت نجاعتها في ململة الواقع العربي وتمكين المواطن العربي من حقه في المعلومة مثل الجزيرة وأرت وقناة أبوظبي... ونأسف أيضًا لاستصدار وثيقة تنظيم الإعلام العربي من طرف وزراء الإعلام العرب، ودور وزراء الداخلية إنما ينبني في أساسه على تحديد المعلومة المرخص لها والمعلومة المحرمة، ولكون مصادر الإجرام والإرهاب غالبا ما تنسب إلى التضييق على الفرد في حقوقه بما في ذلك حقه في هويته وحقوقه اللغوية(18).
اللغة والاقتصاد
لقد أصبحت المعرفة قوة دافعة ومحركًا أوليًّا للاقتصاد الحديث، فهي تعد من أهم وسائل زيادة إنتاجية العمال والمصانع والحقول، وهذه حقيقة يمكن الوصول إليها بكل اللغات، لكن إذا تمكن المواطن العربي من إتقان لغته واستعمالها فإنه يستطيع أن يبدع ويشارك في إثراء بلده، وقد أصبح الآن واضحًا للعيان مدى الارتباط القوي بين اللغة القومية وصناعة التحرر والاستقلال والتقدم الصناعي والاقتصادي والتبادل التجاري، يقول الفاسي الفهري: «إن تعميم العربية باعتبارها لغة التواصل الملائمة لدى القوى العاملة التي ستمكن من الزيادة في سرعة التنفيذ والإنتاج، بل إن تعزيز العربية في الإدارة والاقتصاد والاتصال والتكنولوجيا شرط ضروري للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، وإن استعمال العربية بصورة ملائمة في تقنيات الإعلام الجديدة ستمكن من اتساع مجالها ودمقرطتها»(19).
ومن خلال رصد التقرير لأوضاع الاقتصاد العربي فإن هذا الأخير يتوفر على مؤهلات قوية وفرص للإقلاع لكنه لا يحسن استثمارها، فالعرب يمثلون قوة بشرية وسوقًا عربية مشتركة، ولهم ثروة طبيعية وموقع جغرافي استراتيجي، إلا أن نسبة النمو ضعيفة ودخل الفرد لم يتغير تقريبًا خلال العقود الخمسة الماضية، والصناعات العربية تقليدية وليست صناعة قائمة على المعرفة، ومرد هذا الوضع بالأساس إلى عدم تطوير اقتصاد المعرفة القائم على اللغة أساسًا(20)، إذ الأشياء لا تملك قيمة في نفسها بل بما تكتسبه من قيمة رمزية عند الجماعة البشرية التي تتداولها، وقيمتها مستمدة من قيمة جماعتها، ومثال ذلك الأوراق المالية وحتى السلع نفسها تجد سلعة الدول الضعيفة بخسة وسلعة الدول المتقدمة باهظة، وقد أسهب المفكر الغربي فلوريان كولماس في إيضاح علاقة اللغة بالاقتصاد، وتحدث عن الأهمية الاقتصادية للغة وطرق تفاعل اللغة مع الاقتصاد، وكيف ترجع اللغة الأقوى وكذا اللغة الموحدة على أهلها بالثراء(21).
كانت هذه إذن أهم المجالات التي تبرز فيها مكانة التنمية في تصورات اللغويين، ونعتقد أنها غير وافية؛ لأن اللغة هي رافعة التنمية وجسر العبور إليها، وهناك مجالات أخرى كميدان التعليم والإعلام والصناعة والفلاحة والبيئة، وقد أشار إليها التقرير إشارات خفيفة لا تشبع رغبة من يتطلع إلى المزيد.
المعوقات اللغوية
التي تواجه التنمية
نستطيع الجزم بأن هذه المعوقات لا ترجع إلى جوهر اللغة ولا إلى بنيتها بقدر ما تعود إلى ذهنية القائمين عليها، ونستطيع أن نصنف هذه المعوقات إلى صنفين:
1- صنف يتعلق بالضعف في تطوير المنظومة اللغوية، كصناعة المعاجم وتيسير قواعد النحو والصرف وتوحيد المصطلح ودعم الترجمة والتأليف بالعربية وإصلاح برامج التعليم.
2- وصنف يتعلق بمعوقات ذات مصدر غير لغوي مثل:
- التعددية اللغوية التي تصل إلى حد التصارع، كما هو الحال بين العربية واللغات الأجنبية في المواقع الإدارية والتعليم العلمي، ويتخذ طابعًا تنافسيًّا مع اللهجات المحلية كالأمازيغية والعامية مثلًا، وهذا يحتاج إلى قرار سياسي وسياسة لغوية رشيدة تمكن اللغة الرسمية وظيفيًّا وعمليًّا في مجالات الحياة الاجتماعية كالتعليم والإعلام والمعلوميات.
- عدم الاستثمار في اللغة العربية.
- عدم تعميم التعليم الأولي باللغة الرسمية.
- عدم تكافؤ الفرص في الشغل بالنسبة للمتعلم بالعربية مع غيره الذي تعلم باللغة الأجنبية.
- تقصير المجتمع في حماية اللغة.
- ضعف استعمال اللغة في عالم المعلوميات والانترنت.
بعض المقترحات
للنهوض باللغة
يقترح التقرير في فقرته الثالثة مجموعة من الحلول لتجاوز الأوضاع التي تعيشها اللغة العربية حتى تدخل في دورة التنمية والحضارة ومنها:
- أن تتحمل الدولة مسؤوليتها وكذا المجتمع في تأهيل اللغة في مختلف ميادين المعرفة والثقافة والحياة العامة والأنشطة الفنية والإعلامية والإشهارية.
- اتخاذ الحكام للتدابير التشريعية اللازمة والقرارات الحاسمة والملزمة باستخدام العربية في كل مجالات التواصل والتعليم الأساسية، ورسم الخطط التنفيذية والإجرائية لبلورة هذا الاختيار.
- وضع حد للسياسات المزدوجة القائمة على سياسة صريحة رسمية (في النصوص التشريعية)، وسياسة ممارسة في الواقع قائمة على الاستعمال الفعلي للغة الأجنبية الذي يكاد يكون أحاديًّا في المعاملات الاقتصادية أو الإدارية أو التعليم العلمي والتقني.
- تبني سياسة لغوية تنظر إلى اللغة على أنها مسألة هوية وخصوصية ينبغي الذود عنها لأسباب ثقافية وحضارية وتاريخية مرتبطة بالتنمية المعرفية والاقتصادية.
- دعم التعريب من الروضة إلى الجامعة وتعميم التعليم بالعربية.
- ضرورة تنمية اللغة العربية وارتباطها بالتنمية الاقتصادية وتنمية مجتمع المعرفة بما لا يتنافى وإتقان اللغات الأجنبية.
وأضاف التقرير سلسلة من المقترحات تحت عنوان «الخطط اللغوية ووسائل النهوض»، منها ما يهتم بالتشريع ومنها ما يتعلق بالاقتصاد والمعلوميات وتوفير الحماية والدعم للغة العربية.
كما اهتم التقرير بتطوير التعليم بتوخي الجودة وتعزيز التعليم المبكر باللغة العربية، وتأهيل المعلم العربي، وإحداث هيأة قومية عربية مستقلة لضمان جودة التعليم العربي.
ويخلص التقرير في خاتمته إلى أن اللغة العربية حظيت بفرصة تاريخية تحولت على إثرها من لغة تواصل وأدب لقلة من الأفراد إلى لغة علم لمئات الملايين من العرب والمسلمين، وكونت حولها هوية قومية اختلفت أجناسها وأديانها وتجاربها الاقتصادية، لم يوحدها شمولًا إلا اللسان الذي انبعثت منه عناصر أخرى للوحدة، وليس في المنظور القريب أو البعيد أي فرصة للغة أخرى يمكن أن توحد هذا العدد من البشر.
ولقد أتيحت الفرصة للغة العربية أن تصبح لغة علم وتقنية بمعجزة القرآن والإسلام، ولن تتاح للغة أخرى هذه الفرصة كذلك، وأي محاولة لتغيير اللغة العربية بلغة أجنبية سيبوء بالفشل ويؤدي إلى هز الاستقرار والأمن في المنطقة العربية والإسلامية لما للغة من مكانة عند المواطن العربي والمسلم(22).
خاتـــمة
خير ما نختم به هو أن اللغة العربية لن تتقدم إلا بنبض الشارع المتكلم بها والغيور عليها، والذي يعتبرها رمزًا للهوية التي ينبغي اعتبارها الجزء الأهم في أي دراسة أكاديمية ميدانية تجري حول اللغة إذا ما أريد للنظرية اللغوية أن تتطور(23)، وتصبح فاعلة في تطوير المجتمع لما يوجد بين الاثنين من تكامل يصل إلى درجة الانعكاس، كما ذهب إلى ذلك كل من ابن حزم وابن خلدون عندما نص كل منهما على أن قوة اللغة في قوة أصلها، وغلبتها غلبة أهلها، يقول الأول: «إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الأمة علومها وأخبارها وقوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم، وأما من تلفت دولتهم وغاب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم، هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة»(24).
ويقول ابن خلدون: «اعلم أن لغات أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها، ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلامية كلها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية وإن كان اللسان العربي المضري قد فسدت ملكته وتغير إعرابه، والسبب في ذلك ما وقع للدولة الإسلامية من الغلب على الأمم، والدين والملة صورة للوجود وللملك وكلها مواد له، والصورة مقدمة على المادة، والدين إنما يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لما أن النبي [ عربي فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها...».
إن هذه الترسانة من التقارير والقوانين تحتاج إلى تفعيل، وإن العربية لا تستحق منا هذا الجفاء وهذا التهميش والسكوت على التكالب الخارجي، فهي تحتاج الآن إلى أعمال وقفية من طرف اللغويين أولًا بتضحياتهم، ومن طرف رجال الأعمال ثانيًا بأموالهم، ومن الحكام وأصحاب القرار ثالثًا بدعمهم وتشجيعهم.
أكاديمي مغربي


الهوامش
1- أحمد ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الكتب العلمية، ط1، 1999.
2- ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتاب العربي، دون تاريخ.
3- جون جوزيف، اللغة والهوية، ترجمة عبدالنور خراقي، عالم المعرفة، عدد 342، سنة 2007.
4- الحسن مادي، السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل، منشورات مجلة علوم التربية، – 4- ط 1، 1999.
5- حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985.
6- رولان بارت، البلاغة القديمة، ترجمة عبدالكبير الشرقاوي، نشر الفنك 1984.
7 - الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، 1979.
8- سعيد الأفغاني، نظرات في اللغة عند ابن حزم، دار الفكر، ط 2، 1969.
9- الشريف الجرجاني، التعريفات، مؤسسة الرسالة ناشرون، ط1، 2006.
10- عباس الجراري، في الشعر السياسي، دار الثقافة، ط 2، 1982.
11- عبدالرحمن بودراع، مصطلح اللسان في العلوم الشرعية، ندوة الدراسة المصطلحية، 1996.
12- عبدالعالي الودغيري، الفرنكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية، ص1، 1993.
13- عبدالعالي الودغيري، اللغة والدين والهوية، ط 2000.
14- عبدالقادر الفاسي الفهري، دعم اللغة العربية، تقرير لللألسكو، مارس 2004.
15- عبدالقادر الفاسي الفهري،اللغة والبيئة منشورات الزمن، كتاب 38.
16- عمر عبيد حسنة، اللغة وبناء الذات، تقديم كتاب الأمة ع 101، سنة 1425هـ.
17- فلوريان كولماس، اللغة والاقتصاد، ترجمة أحمد عوض، عالم المعرفة 263.
18- قضايا استعمال العربية في المغرب، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سلسلة الندوات، نونبر 1993.
19- اللغة العربية أسئلة التطور الذاتي والمستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية ط 1، 2005.
20- محمد سبيلا، اللغة، دار توبقال للنشر، سلسلة دفاتر فلسفية، ط 1994.
21- محمد كامل حسين، اللغة والعلوم، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، ع 12.
22- نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، عالم المعرفة، ع 276.
23- نبيل علي، الفجوة الرقمية، عالم المعرفة، غشت 2005.
24- وجيه حمادة عبد الرحمان، اللغة العربية والحضارة الإنسانية، مجلة اللسان العربي، ع 35، 1991.

نظريات اكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية


نظريات اكتساب اللغة الثانية وتطبيقاتها التربوية
(القسم الأول)
د. موسى رشيد حتاملة

كلية الدراسات العربية والإسلامية- دبي

مقدمة:
أصبح العالم اليوم قرية صغيرة بفضل تطور وسائل الاتصال، ولكي نكون على اتصالٍ بهذا العالم والذي يأتينا كل لحظةٍ بجديد في مجالات العلم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد والتربية وغيرها، كان لا بد لنا من إتقان لغتنا، ومن ثم تعلّم لغةٍ ثانية، لتنفتح الأكوان المنغلقة أمامنا، ولنكون على علم ودراية بما يجري حولنا، ولنعدّ أنفسنا لمجاراة المستجدات والتكيّف معها، إضافة إلى انفتاح الآفاق للتفاعل الثقافي مما يساعد في فهم الآخر. لذلك يعد تعلّم اللغات أمراً مهمّاً، على ألاَّ يكون ذلك على حساب اللغة العربية، التي تعتبر هوية الأمة وعنوان استقلالها، ووعاء ثقافتها وحضارتها.
وقبل الشروع في تعلّم أيّ لغةٍ، يجب إلقاء الضوء على جهود الرواد ودراساتهم وبحوثهم في مجال اكتساب اللغة. فقد مهدت جهودهم الطريق لتقبل اللغة الثانية، وكيفية اكتسابها، ومكّنت من إدراك العقبات والعوائق التي تقف حجر عثرةٍ أمامها. وقد أفادت هذه الجهود والنظريات اللغة العربية في مجال تعلّمها وتعليمها، وسدت هذه الدراسات بعض الثغرات الناتجة عن قصور البحث اللساني العربي خاصة في المجال التطبيقي. ويجب أن يُعلم أن حقل البحوث المتعلقة باكتساب اللغة الثانية لم يتوقف تأثيره على اللغة، بل تجاوز ذلك إلى تغيير الطريقة التي نفكر بها فيما يخص التعلم والتعليم، وإلى تشكل معرفتنا حول اللغات الإنسانية بشكلٍ عام.
إنّ معظم البحوث التي أجريت في مجال اللغة، كان محورها معرفة كيفية اكتساب اللغة وكيفية تطوّرها وممارسة تدريسها على أسس لسانية ونفسية واجتماعية وتربوية. ففي الخمسينيات من هذا القرن كانت هناك نظريتان قد تطوّرتا وأصبحتا شائعتين حول كيفية اكتساب اللغة. وهاتان النظريتان كانتا متضادتين في الأفكار: الأولى النظرية السلوكية( Behaviorism) وهي التي ترى أنّ اللغة تتطوّر نتيجة عوامل أو مؤثراتٍ بيئية(Environmental Influences) والنظرية الثانية، هي النظرية الفطرية(Nativism) وترى أنّ اللغة تتطور بفعل عوامل فطرية تولد مع الإنسان وتصاحبه في حياته، وهي موجودة في داخله، أما الأفكار ووجهات النظر الحديثة حول كيفيَّة اكتساب الإنسان اللغة، فتركِّز على الجمع أو التفاعل بين العوامل البيئية والقدرات الفطرية وهو ما يصح أن نطلق عليه النظريات التفاعلية ( Interactionist Theories ) التي تختلف في تفسيرها لعملية اكتساب اللغة.(Berk,1998)
تعريف اللغة:

قبل الدخول في دراسة نظريات اكتساب اللغة كان لا بدّ من تعريف اللغة من قبل عددٍ من العلماء والباحثين حيث نستطيع التعرّف على نقط التلاقي ونقط الاختلاف بين العلماء ونستطيع أن نستخلص ما ينفعنا في مجال تعلّم اللغة العربية واللغات الأجنبية الأخرى.





يعرف كينيث بايك(kenneth pike, 1967) اللغة بقوله:
اللغة سلوك، وهي وجه من وجوه النشاط البشري والذي يجب ألاَّ يعامل في جوهره منفصلاً عن النشاط البشري غير الشفوي.
ويعرفها بلوتنك((Plotnik ,1999 فيقول:
اللغة شكل من أشكال التواصل، نتعلم منه استعمال قوانين معقدة تشكّلُ رموزاً (كلماتٍ أو إشاراتٍ)، تولّد بدورها عدداً غير محدود من جمل ذات معنى.
أمّا باي(Pie, 1966) فيعرّفها بقوله:
اللغة طريقة اتصال بين أعضاء مجموعة من الناس عن طريق الأصوات، تعمل من خلال عضوي النطق، وذلك باستعمال رموز صوتية تحمل معاني معنية.
ويعرّف ويدون(Weedon,1997) اللغة بقوله:
" اللغة هي المكان الحقيقي والمعقول لأشكال النظام الاجتماعي وما يترتب عليها من أمورٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ محددةٍ، ولكنها أيضاً مكانٌ لأحاسيسنا الذاتية التي بنيناها".
ويعرّف برونزلو مالينوسكي(Malinowski, 1965) اللغة بقوله:
" اللغة نوعٌ من الكلام يقوِّي الروابط عن طريق الكلام الذي يمارسه كلٌّ من البدوي والحضري؛ وإن كان هذا الحديث قصيراً عديم الفائدة فهو مهمٌّ للناس وضروري لهم، ليكونوا في انسجامٍ تامٍّ مع بعضهم بعضاً".
أما همبولت فيرى أن اللغة هي: "إنتاج فردي واجتماعي في آن واحد، وهي شكل ومضمون، وهي آلة وموضوع، وهي نظام ثابثٌ وصيرورة متطورة، وهي ظاهرةٌ موضوعية، وحقيقة ذاتية".(Mounin,1972).
ويعرف ابن جني(ت.392هـ)اللغة بقوله: " أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". (1 )
وبهذا التعريف نلاحظ أن ابن جني سبق علماء اللغة المعاصرين بمئات السنين، وعرف اللغة تعريفاً موجزاً وشاملاً. وكلمة القوم عند ابن جني يقصد بها المجتمع بالمفهوم المعاصر. ومن هذه التعاريف نستخلص التعريف الآتي:
" اللغة هي الطريقة الأهم في حفظ التراث ونقله من جيلٍ إلى جيل، وهي وسيلة التعبير عن أفكارنا ونقل أحاسيسنا للآخرين، والتواصل معهم وفهم مشاعرهم، ليكون الجميع في انسجام تام".
اكتساب اللغة:
يتعلق اكتساب اللغة الثانية بدراسة الطريقة التي يصبح فيها الفرد قادراً على تعلّم لغةٍ أو أكثر، غير لغته الأولى. ويمكن أن يحصل ذلك بمخاطبة أهل اللغة. كما أنّ التحصيل اللغوي أمرٌ خاضعٌ للنقاش، قد يبدأ من الطفولة أو بعد سنّ البلوغ، والفرد الماهر في تعلّم لغتين ويستطيع أن يتحدّث بسجيةٍ وتلقائيةٍ يمكن اعتباره ثنائي اللغة(Bilingual).
ويمكن تقسيم الدراسات حول موضوع اكتساب اللغة إلى قسمين: القسم الأول ويتعلق بدراسات اللغة الأم(L1) أي اللغة الأولى، والقسم الثاني يتعلّق باللغة الثانية(L2) أي اللغة المستهدفة. وتتعلق معظم الدراسات في القسم الأول حول اللغة الأم بالأطفال وتتعلق الدراسات المتعلقة بالقسم الثاني بالبالغين، لكن الأغلب أن النظريات المتعلقة باكتساب اللغة الأولى ملائمة لاكتساب اللغة الثانية. فودر (Fodor 1974).
حاول علماء الاجتماع الأمركيين أمثال روبرت سيرز (Robert Seare) وجون دولارد (John Dollard) ونيل ميللر (Neal Miller) إبان عقدي الثلاثينيات والأربعينيات أن يوحدوا التحليل النفسي مع مفاهيم التعلم لتحقيق فائدة أكبر في سبيل تطوير الإنسان. وقد أصبحت هذه الطريقة شائعة لعدد من السنوات، لكن تفسيرات التحليل النفسي بقيت مسألة عسيرة بحيث يصعب تفسيرها أو فحصها، وكانت نتائج البحوث غامضة ومتداخلة في أغلب الأحوال. شابلن وكرويك(  1979 Chaplin and Krawiec) وبقيت الحال كما هي من دون إحراز أيِّ تقدم حتى جاء سكنر (Skinner) وأحدث انقلاباً في مجال التعلم وطبقت نظريته في مجال التعليم الصفي، واستعمال " اللغة والفكر". جلفاند وآخرون(Gelfand &Others,1982).
يقول بيرت ودوليه (Burt &Dulay,p.55):
ما نعلمه الآن أن الكبار والأطفال سيّان، يبدو أن لديهم القدرة على اكتساب اللغة في أيّ سن. ولكن إذا وجد شخصٌ لم يستطع اكتساب اللغة، فيرجع ذلك لأسبابٍ طارئةٍ أو مؤثرٍ خارجي وليس بسبب تواضع قدراته الفطرية.
وفي الحقيقة فإن عدم اكتساب اللغة لا يتوقف على مدى قدرات الفرد الفطرية فقط، بل هناك أسباب كثيرة جداً. منها أن بعض الدراسات تشير إلى أنّ فشل الطلاب الأجانب في إتقان اللغة الثانية، يعتمد على السن الذي بُدِئ فيه بدراسة تلك اللغة، وعلى الزمن الذي يمضونه بصحبة أبناء اللغة المستهدفة. ففي إسبانيا أجريت دراسة على عينة من الطلاب البولنديين والمغاربة الذين يعيشون هناك، فكانت نتيجة الدراسة أن إتقان البولنديين للإسبانية لا يواجه أي مشكلة، وذلك لاندماجهم في الجو المدرسي، بينما يواجه الطلبة المغاربة مصاعب جمة، نظراً لانعزالهم عن الآخرين وبقائهم مع بعضهم بعضاً في أغلب الأحيان.             (Santos, 1999).
والمعروف أن اللغة تنمو وتتطور باستمرار، كلما زاد اتصال الفرد بالآخرين، وبسبب ذلك تزداد الثروة اللغوية وتتسع، بينما كلما مال الفرد إلى العزلة ضاقت مساحة اللغة التي يمتلكها. لقد أُجريت كثير من الدراسات في موضوع اكتساب الطفل اللغة الأولى، ويوجد كمٌّ هائلٌ من هذه الدراسات مما أعطى الفرصة للمدرسين والباحثين أن يضعوا خلاصة لهذه البحوث ومناقشة نتائجها ومقارنتها مع الدراسات التي أُجريت حول موضوع اكتساب اللغة الثانية.
ويرى كمنز(Cummins, 1984) أن العلاقة بين اللغة الأم واللغة الثانية          (L2) كبيرة وقد أجريت دراسات كثيرة في هذا الصدد بيّنت أهمية التطور المعرفي في اللغة الأم(L1) وتأثيرها في تعلم اللغة الثانية(L2). أشار كل من فارش وكاسبر(Faerch&Kasper) إلى أهمية المساهمة الأساسية التي تقوم بها اللغة الأولى في تدريس اللغة الثانية(L2) أو استعمالها.
وأجرى بيكر(Baker, 1988) دراسة على عيِّنة من الأطفال من الجنسيتين العربية والتركية والمقيمين في هولندا، ممن يدرسون في المرحلة الابتدائية في المدراس الحكومية.
فقد تلقى الأطفال التعليمات في السنوات الثلاث الأولى بلغتهم الأم وفي السنة الرابعة تلقوا التعليمات بلغتهم الأم وباللغة الهولندية، وبعد السنة الخامسة تلقوا التعليمات باللغة الهولندية فقط.
وقد دلت بعض الدراسات على "أن إتقان الفرد للغته الأولى يسهل عليه تعلم اللغة الثانية، لأنه يكتسب خبرةً في تعلم اللغة بشكلٍ عام. ولقد تبين أن الأطفال الذين يتعلمون اللغة الثانية قبل إتقان اللغة الأولى يعانون من ضعفٍ في اللغة الأولى واللغة الثانية على السواء. ولهذا فإن تعليم اللغة الثانية بعد إتقان الأولى يعتبر قراراً في صالح اللغتين في آنٍ واحد".(Alkholi,1988) .
وخلص الباحثون المشاركون في هذه الدراسة إلى أنّ الأطفال حققوا مستوىً مقبولاً في لغتهم الأم وفي اللغة الهولندية، وذلك مقارنة مع الأطفال الذين يدرسون في المدارس الهولندية الأخرى، والذين لم تجر عليهم الدراسة. ومن هنا فقد حازت فكرة تعليم اللغة الهولندية بهذه الطريقة على أرضية معقولة، وأقرت الحكومة الهولندية عام 1991م الدور المهم الذي تقوم به لغة الطفل الأولى في تسهيل دراسة اللغة الهولندية. وعلاوة على ما سبق فقد تم التركيز على ثقافة الطفل الأصلية واستعمال المزيد من لغته الأم في المراحل الأولى، أما في المراحل الدراسية العليا فالواجب استعمال لغة البلد الذي يقيمون فيه         (Driessen,1997).
ومن الدراسات الحديثة دراسة أجراها انتوان وديكاميلا                     (Anto’n and Dicamilla,1998) كانت نتيجتها أن استعمال اللغة الأولى            (Mother Language) مفيد في تعلم اللغة المستهدفة(Target Language).
وأحدث الآراء المؤيدة لاستخدام اللغة الأولى في تدريس اللغة الثانية جاءت من دراسة قام بها البنك الدولي، وأجراها دوتشر بالتعاون مع تكر           Dutcher and Tuker,1997)) وفي هذه الدراسة المكثفة راجعا بها جميع الدراسات السابقة ذات العلاقة، وكانت النتيجة الأهم التي توصلوا إليها هي: عندما يكون التعلم هو الهدف بما في ذلك تعلم اللغة الثانية، يجب استعمال لغة الطفل الأولى أو اللغة الأم كوسيطٍ في التعليمات وذلك في السنوات الأولى من المدرسة. إن استعمال اللغة الأولى أساسي عند بداية تدريس القراءة أو الاستيعاب في المادة موضوع الدراسة. إنها خطوة ضرورية تساعد في تطور المعرفة، التي يقوم عليها اكتساب اللغة الثانية.
وهناك المزيد من الدراسات التي تؤيد وجهة النظر هذه، وللعلم فإن جميع التجارب أجريت على الحيوانات وليس على الإنسان لأنه ليس سهلاً إجراء هذا النوع من الدراسة على الإنسان.(Elman et al.,1997).
وأكد علماء النفس والتربية بأن النمو العقلي للإنسان منوط بنموّه اللغوي، وأنه كلما تطورت واتسعت لغته ارتقت قدراته العقلية ونما ذكاؤه وقوي تفكيره وإدراكه، والعكس بالعكس.(Akel,340).
لذا يمكننا القول إن استعمال اللغة الأم عند تدريس اللغات الأجنبية أمر مشجع عند تعلم اللغة الثانية، على أن يكون ذلك للمبتدئين. ويؤيد الباحث استعمال اللغة الأم في المراحل الأولى خاصة، وضمن نطاق محدد، وذلك في تفسير الأسئلة أو التدريبات، وذلك لعدم امتلاك الطفل القدرة على القراءة ومعرفة المطلوب منه.
وربما يواجه هذا الرأي بالاعتراض، بدعوى أنه ليس من المصلحة أن تدخل اللغة الأجنبية في التدريس إلى جانب العربية، نقول لهؤلاء الغيورين على لغتهم، إن وجهة النظر هذه صحيحة إذا تم تدريس اللغة الثانية جنباً إلى جنب مع اللغة الأم. ويجب ألاَّ يحدث ذلك إلا بعد أن يمتلك الطفل أساسيات لغته ويستوعب نظامها، وإلا فسيتعرّض إلى الضرر نفسياً وذهنياً.
ونذكر في هذا المقام أننا نواجه ازدواجاً لغوياً(Diglossia) وصراعاً داخلياً من نوعٍ آخر، ألا وهو الصراع بين اللهجات العامية والفصحى. ومعلوم اليوم أن شيوع العامية واكبه انحدار اللغة الفصحى. لذلك وجب علينا أن نحرص على لغتنا ونحافظ عليها من الأخطار الداخلية والخارجية، لأن الاستقلال اللغوي يعادل الاستقلال السياسي.
ويؤيد وجهة نظر الحريصين أو المتخوفين من استعمال اللغة الثانية، ما يقوله كلوس(kloss.1969) بأنّ " اللغات لا يمكن أن يترك بعضها بعضاً وشأنها، فاللغة دائماً تحاول أن تزيح الأخرى جغرافياً واقتصادياً".
ومن هنا على الدولة ألاَّ تقف موقف المتفرج، فعليها تبنِّي قرارات تخدم السياسة التربوية عامة والسياسة اللغوية خاصة، وذلك باستصدار قوانين تحقق أهدافها  وتحفظ هيبة لغتها.
ومع تقدم العلم وتوفر المختبرات والأجهزة أتيحت الفرصة لخدمة اللغة وإعطائها دفعة قوية إلى الأمام، وذلك بدراسة الأعصاب وعلاقتها باكتساب اللغة. وأجريت دراسات ميدانية عديدة، لمعرفة وظائف الدماغ وعلاقته باللغة. ومن بعض هذه الأبحاث، أبحاث باولا طلال (Paula Talal,1999,p.23) اختصاصية الأعصاب في جامعة دنفر. ترى الباحثة أن الارتباطات اللغوية تبدأ في التشكل بدماغ الجنين وهو في بطن أمّه. وأن بعض المشكلات اللغوية تعود بجذورها إلى الإجهاد والضغط النفسي للأم في فترة الحمل، حيث يعمل الإجهاد على إخفاق هرمون الجنس ووضع هرمونات الإجهاد والضغط إلى مستوياتٍ صحيّةٍٍ.
ومن المعروف منذ زمن بعيد أن هناك مناطق مختلفة بالدماغ لها وظائف محددة، فالأجزاء الأمامية عملها متعلق بالتفكير المنطقي والتخطيط، بينما الأجزاء الخلفية تتعلق بالنظر ومنذ عهد قريب كان الاعتقاد سائداً أن هذه الأجزاء المتخصصة تطورت عن مخطط وراثي هو المسؤول عن عمل هذه الأجزاء في الدماغ.(Sotillo, 2002).
أما ما ثبت بعد إجراء هذه الدراسات الحديثة، هو أن الدماغ أكثر مرونة مما كان يعتقد سابقاً. فنتيجة الدراسات تشير بأن الأعمال المحددة التي تقوم بها بعض أجزاء الدماغ لم يكن عملها محدداً منذ الولادة، ولكنها تشكلت فيما بعد نتيجة الخبرة والتعلم.
  وهناك مزيدٌ من البحوث التي أجريت على الدماغ أثبتت أن النصف الأيسر من الدماغ يتدخل في معظم وظائف اللغة، واستدلّ على ذلك من أن أي إصابةٍ أو عطل لدى البالغين في هذا الجانب يؤدّي إلى مشكلة تتعلق باللغة ويلازمه عاهة مستديمة. ومهما يكن من أمر، فإن 10% من الأفراد الذين يكتبون باليد اليمنى/ يصابون بحالات من التأخر الدراسي، ويكون لأجزاء الدماغ اليسرى أو اليمنى أو كليهما تأثيرٌ مهم في تعلم اللغة.(Banich,1997).
ويرى (Bigler,1992): أن هناك اختلافاً بين الذكور والإناث إلى حدّ ما من حيث طبيعة وعمل الدماغ، فالأجزاء الأمامية من الدماغ تتدخل في تعلم اللغة في المراحل الأولى من التعلم، ولكنها تقل في المراحل المتأخرة.
وأجرى كلٌّ من ألبرت وأولفر( Albert and Oliver,1978) دراسة تتعلق بالأعصاب، وخلصا إلى أن من يعرف أكثر من لغةٍ واحدة، يستعمل دماغه أكثر من أحادي اللغة، ومع أن التجارب والدراسات ما زالت محدودة، ولكن تبين أن الجزء المتعلق بوظائف اللغة في الدماغ عند أحادي اللغة ما زال على حاله. وأجرى الباحثان مراجعة للعديد من الدراسات والبحوث لمتعددي اللغات من ثلاث لغات إلى ست وعشرين لغة، فوجدوا أن مناطق محددة في الدماغ قد تطورت وكذلك برزت تفاصيلها بشكل ملحوظ..
نستخلص من هذه الدراسة أن مناطق محددة في الدماغ تسيطر على اللغة، وهذه الأجزاء يمكن أن تتغير وتتطور مع الخبرة الحياتية.
النظريات البيئية(Environmentalist Theories):
   يرى اتباع هذه النظرية أن اللغة تنشأ وتتطور ضمن محيطها وبيئتها الاجتماعية، وحين توجد مؤثرات خارجية يحصل التفاعل ويؤدي إلى تشكيل سلوك لغوي يدفع إلى التعلّم، وأبرز مؤيدي هذه النظرية أصحاب المدرسة السلوكية. ويرى أتباع هذه النظرية أن عملية اكتساب اللغة لا تختلف عن أي نوع من أنواع التعلم الأخرى، كما أنها تخضع للقوانين والمبادئ ذاتها التي تخضع لها أنواع التعليم كافة، كالمحاكاة والثواب والعقاب والتعزيز.
وقد انتقد ماكنيل(McNeil,1970 ) أصحاب النظرية البيئية، لأنهم من وجهة نظره فشلوا في تفسير ظاهرة الابتكار اللغوي التي تتبدَّى عند الطفل فيما بين الثانية والخامسة من عمره، والتي تمكنه من إنتاج عبارات لم يسمعها في بيئته. ومن استخدام بعض القواعد اللغوية غير المتوافرة في لغة الراشدين في بيئته. كما أن الفطريين يعجزون عن تفسير عملية اكتساب اللغة من دون عمليتي التقليد والتعزيز، لأن هاتين العمليتين تشكلان المفتاح الأساسي لاكتساب اللغة.
النظرية السلوكية (Behaviorist Theory):
بدأت النظريات السلوكية بالثورة على علم النفس التقليدي وذلك برفضها لمنهج الاستبطان في البحث، معتمدة على المنهج التجريبي المخبري. ومن رواد هذه الاتجاه إيفان بافلوف صاحب نظرية التعلّم الشرطي الكلاسيكي، وسكنر صاحب نظرية التعلم الشرطي الإجرائي ونظرية التعليم الذاتي المعزز وفكرة التعليم المبرمج، وإدوارد ثورندايك صاحب نظرية المحاولة والخطأ، والذي أضاف قانون انتقال الأثر والتدريب، وتولمان الذي نجح في المزج بين أفكار المجال والسلوكية. ويعتبر بافلوف رائد المدرسة السلوكية التقليدية ومنشئها في روسيا، وواطسون منشئ السلوكية التعلمية في أمريكا عام 1912-1914.
كانت وجهات نظر السلوكيين حول تعلم اللغة وتعليمها مسيطرة في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية. ويرى(Gasem,2000) أن هذه الأفكار رسمت النظريات العامة للتعلم من قبل السيكولوجيين مثل سكنر(Skinner,1957) صاحب كتاب " التعزيز في تكنولوجيا التعليم" وشهرته اتسعت بعد إصدار كتابيه:" تعديل السلوك" "Behaviour Modification" و" السلوك  اللغوي/ اللفظي" " Verbal Behaviour" وبحث عنوانه" علم التعلم وفن التعليم".
أما واطسون(Watson, 1924) فهو مؤسس المذهب السلوكي والرائد في مجال علم النفس التطبيقي وعلم نفس النمو، وثورندايك(Thorndike,1932) الذي توصل في نهاية تجاربه إلى ثلاثة قوانين رئيسية وهي:1- قانون الأثر         (Law of Effect)2- قانون التدريب(Law of Exercise) 3- قانون الاستعداد(Law of Readiness).
ويعتبر السلوكيون اللغة جزءاً من السلوك الإنساني، وقد أجروا الكثير من الدراسات بقصد تشكيل نظريةٍ تتعلّق باكتساب اللغة الأولى. والطريقة السلوكية تركّز على السلوك اللغوي الذي يتحدد عن طريق استجابات يمكن ملاحظتها بشكل حسي وعلاقة هذه الاستجابات في العالم المحيط بها. ولقد سيطرت هذه المدرسة في مجال علم النفس في الخمسينيات واستمرت إلى السبعينيات من القرن الماضي. وكان لها تأثيرها القوي على جميع النظم التعليمية وعلى جميع المختصين والعاملين في الميدان التربوي.
ويمكن إيجاز التطبيقات التربوية المتعلقة بنظرية التَّعلُّم الشرطي الكلاسيكي بما يأتي:
1-إتقان ما هو متعلم:
إن كل تعلم عبارة عن استجابة لمثير أو باعث والاستجابات التي يقوم بها المتعلم هي التي تحدد مدى نجاحه وإتقانه لما تعلمه. ولا يتحقق النجاح إلا إذا قام المعلم بتدوين تلك الاستجابات لتحديد مدى التقدم الذي أحرزه المتعلم، وبيان الصواب من الخطأ للتلميذ، وإعلام كل طالب بالتحسن الذي أحرزه، إذ إن ذلك مدعاة لاطِّراد التحسن، ولا يتم ذلك إلا بسلسلة من الإجراءات والاختبارات والتقويم المستمر.
2-      التكرار والتمرين:
التكرار له دور مهم في حدوث التعلم الشرطي، حيث يرتبط المثير الشرطي بالمثير الطبيعي وينتج عن ذلك الاستجابة. إن المحاكاة أو التكرار بني عليها في المجال التطبيقي ما يسمى بتمارين الأنماط                     ""Pattern Drills وكان الهدف منها تعليم اللغة عن طريق تكوين عادات لغوية بطريقة لا شعورية. وهو أسلوب مهم في التعلم خاصة في المراحل الأولى، وليس في المراحل المتأخرة، ولكن يجب أن يُعلَم بأن ليس كل تكرار يؤدي إلى التعلم، بل التكرار المفيد أو الذي له معنى، حيث يلعب دوراً مهما في حدوث التعلم الشرطي، وكلما كانت مرات التكرار أكثر زادت قوة المثير الشرطي عند ظهوره بمفرده. ولكن يجب على المعلم حتى يضمن النجاح أن يحسن الاختيار وأن يكون ما يختاره من ضمن اهتمامات التلميذ ومن مستواه. ويمكن استخدام التكرار والتمرين في حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وفي دروس الحساب والجغرافيا وخاصة دراسة الخرائط، وقواعد اللغة العربية والأناشيد والقصائد الشعرية وحفظ معاني المفردات في اللغة والقوانين العلمية، بالإضافة إلى الأشغال اليدوية واستعمال الآلات الكاتبة.


3-استمرار وجود الدوافع:
توفر الدوافع أمراً لا مناص منه إذا أردنا تحقيق تعلم فعّال، وكلما قوي الدافع تحقق التعلم المرغوب، وتعود الفائدة المرجوة على التلميذ، ونجاح المعلم في تحقيق الأهداف المرسومة. لذلك وجب إحاطة البيئة الصفية بالمثيرات الفعالة حتى نضمن استمرار التواصل بين المعلم وطلابه، ونكون بذلك ضمنَّا التواصل بين عناصر العملية التعليمية وفي نفس الوقت رسخ ما تعلمه التلاميذ في أذهانهم، وبالتالي يصعب النسيان.
4- ضبط عناصر الموقف التعليمي وتحديدها:
إن ضبط وتحديد عناصر الموقف التعليمي وتحديده وتقديمه بشكل مناسبٍ في شكل وحداتٍ رئيسية أو فرعية وحسب مستوى التلاميذ يدعو إلى شدّ انتباه المتعلم وبذلك يتحقق الهدف بحدوث التعلم من دون إبطاءٍ أو تأخير ومن دون الحاجة إلى التكرار والتمرين وهدر الوقت. وعلى المدرس أن يدرك بأن تنظيم عناصر المجال الخارجي، يساعد على تكوين ارتباطات تساعد في إنجاز الاستجابات المطلوبة، كما تجعل موضوع التعلم في حالة نشاط مستمر. وعلينا أن ندرك بأن كثرة المثيرات لا تعني بالضرورة تحقيق النجاح، بل ربما تأتي بنتائج عكسية ولا يحدث التعلم المرغوب.
ومن المعارضين لنظرية السلوكيين رفرز( Rivers, 1964) حيث لم يقتنع بادّعاء السلوكيين، بأن التعلّم هو عملية ميكانيكية لتشكيل العادة. وطعن في القسم الميكانيكي أو الآلي من فرضيتهم، وبين أنّ العادة تتطور فقط عن طريق الحاجة للتواصل مع الآخرين وفي حالة الاسترخاء.
أما تشومسكي(Chomsky,1959) فطعن في مفهوم العادة نفسه. وبيّن أنّ مفهومي المثير والاستجابة هما مفهومان أجوفان. فنحن لا نستعمل اللغة استجابة لمثيرٍ سلوكي محددٍّ وواضح.
وإنما ما يتعلّم بالفعل هو قواعد تحويلية تعطي القدرة للمتحدث على توليد أنواع يصعب حصرها من الجمل الجديدة ذات الطابع النحوي. أي أن ما يُتَعَلّمُ ليس سلسلة من الكلمات في حد ذاتها، وإنما يتعلمها الفرد كمفاهيم تمثل فئة بعينها تنتمي إليها هذه المفاهيم.
ومن وجهة نظر السلوكيين، فإن عادات اللغة الأولى تكون مساعداً لاكتساب عادات اللغة الثانية، وهذا ما يطلق عليه( Positive Transfer) كما أن تعلم اللغة الثانية يساعد في التغلب على الفروق بين نظام اللغة الأولى ونظام اللغة الثانية(William Little). وقد صاغها روبرت لادو               (Robert Lado, 1957) صاحب كتاب " اللسانيات عبر الثقافات"   Linguistics Across cultures)) بالآتي:
1-   يمكن مقارنة لغة الدارس الأولى باللغة الثانية التي يرغب في تعلّمها، وهذا ما يطلق عليه " المقابلة التحليلية                                ) Contrastive analysis).
2-  ومن الاختلافات التي تبرز بعد هذا التحليل، يمكننا أن نتنبّأ بالعناصر اللغويَّة التي تسبب الصعوبة، وكذلك الأخطاء التي يتعرّض لها وهو ما يطلق عليه عادة فرضية التباين التحليلي                      ) (Contrastive analysis hypothesis.
3-   يمكننا الاستفادة من هذه الاستنتاجات، أيّ العناصر التي تحتاج إلى مراعاةٍ خاصةٍ في المساقات التي ندرسها أو المواد التي نكتبها.
4-   بالنسبة لهذه العناصر على وجه الخصوص، يمكننا أن نستعمل تقنياتٍ مكثفةٍ كالتمارين التي تعتمد على التكرار والإعادة، حيث يتمّ التغلّب على هذا التداخل وتأسيس عادات ضرورية جديدة. ومن هذه التقنيات أيضاً ما يطلق عليها المساقات السمعية- البصرية.
وقد طوّر مؤيدو هذه النظرية التعلّم عن طريق العلاقات التي تتصل بين أجزاء المثير اللغوي، بمعنى أنّ قوة هذه العلاقات أو ضعفها قد يزيد أو يقلّل من السلوك اللغوي. سامبسون(Sampson,1987).
ورائد هذه المدرسة السلوكية هو سكنر(Skinner, 1957) وقد حوى كتابه" السلوك اللغوي" محاولاته بناء نظرية جديدة في التعلم اللغوي. وهو معروف بتجاربه على السلوك الحيواني وما يعرف بـ" صندوق سكنر" والذي استطاع أن يساهم في تطوير التعليم عن طريق التعليم المبرمج وأدوات التعليم الأخرى. وتعتبر نظرية سكنر (Skinner,1968) حول السلوك جزءاً من نظريته للتعلّم عن طريق المثير الشرطي ويؤكد قانون الأثرThe Law of Effect) ) أهمية تعزيز إجابات المتعلم وذلك بمكافأته على الإجابات المتعددة وتصحيح الأخطاء. ويرى السلوكيون أن المبدأ الأساسي في تشكيل السلوك المرغوب للمتعلم سيتحقق بسهولة من دون عوائق إذا قسمنا جزئياً السلوك المعقد إلى عناصر وعلمناه عنصراً  بعد عنصر، وتحت هذه المبادئ الافتراض بأن تعلُّم اللُّغة كأيِّ تعلُّم آخر، يأخذ أُنموذج تشكيل العادة، حيث إنَّ العادة(Habit) والتي تتألف من استجابات أتوماتيكية تحدث عند إعطاء المثير. وقد صاغها بروك(Brook, 1960) بالشكل الآتي:
إن الحقيقة الواضحة حول تعلم اللغة تتعلق ليس بحل مشكلة بل في تشكيل وإنتاج عادات، وهكذا فإن التعلم يأخذ مكانه عندما يكون لدى المتعلم الفرصة للتدريب وذلك عن طريق إجابات صحيحة عن أسئلة معينةٍ. رود إلس(Ellis,1998) ومن هنا كانت الإفادة من المعرفة السابقة عند السلوكيين أهم عاملٍ في التعلم.
كما أن هذه النظرية تناقش علاقة التعزيز والمحاكاة كعوامل أولية في اكتساب اللغة. حيث يرى السلوكيون أنّ تعلّم اللغة الأجنبية (FLL) هو عبارة عن محاكاة المتعلمين لما يسمعونه، ثم يطورون عاداتهم في اللغة الأجنبية (FL) بالتكرار الروتيني. كما يحاول المتعلمون في هذه النظرية أن يربطوا ما يعرفونه في لغتهم الأولى (F1) بما يرغبون في معرفته باللغة الثانية(L2). فإذا كان هناك تشابهٌ أو تقارب بين اللغتين فسيتم نقل الخبرة بسهولة، ويطلق على ذلك مصطلح(Positive Transfer) وإذا كان هناك اختلاف فتنتقل الخبرة بصعوبة، وتكون النتيجة سلبية، ويطلق على ذلك مصطلح(Negative Transfer) أي أن الأخطاء التي تحدث تكون نتيجة استعمال عاداتٍ من اللغة الأولى.
والمشكلة في هذه النظرية (FLL) أن التقليد والمحاكاة في الحقيقة لا يساعدان المتعلم في الواقع الحياتي، ذلك لأن المتعلم يحتاج إلى تشكيل جملٍ عديدةٍ لم يألفها من قبل. كما أن التدريب السابق ليس كافياً في سبيل الاسترسال في الحديث وحتى بتوجيهٍ من المعلم.
والمشكلة الأخرى التي تواجه هذه النظرية أن العديد من الأخطاء التي ترتكب من قبل متعلمي اللغة الثانية(FL) تكون ناتجة عن اللغة الأم (L1) وبالمقابل فإن الأخطاء التي تواجه المتعلمين من الأطفال إبان تعلّم اللغة الأم متشابهة. كونراد(Conrad, 1978).
ويرى الباحث أن النظرية السلوكية ما زالت مقبولة لدى بعض العاملين في الميدان التربوي على الرغم من قصورها، حيث ما زالت تمارس في تعليم اللغات. ففي كثير من مدارسنا ما زال العديد من مدرسي اللغات، يعتمدون مبدأي التكرار والتعزيز، حيث يعد المدرس نماذج لغوية جاهزة، ويطلب من الطفل محاكاتها، ومعقباً على كل إجابة صحيحةٍ بالاستحسان والتشجيع.
ويمكن تطبيق هذه النظرية في تدريس اللغة العربية وذلك على النحو الآتي:
(1)   تبنى عملية تعليم اللغة على منهجية تكوين عادات كلامية انطلاقاً من إثارة المثير ومن الاستجابة التلقائية لهذا المثير.
(2)       تتم تقوية العادات الكلامية بوساطة تعزيزها وتدعيمها بصورةٍ متواصلة.
(3)        تقتضي الأساليب الأساسيَّة المعتمدة بهدف تنمية الأداء الكلامي للتلميذ الترداد والممارسة وتدعيم العناصر الكلامية وتتابعها في السياق الكلامي.(Assayed,1982).
(4)        تسلسل المادة التعليمية في خطوات متتالية يساعد في استمرار النشاط لدى الطالب واهتمامه باللغة العربية.
ولتحقيق نجاح عملية التدريس لا بد من إعداد التمارين التي تتضمن البنى اللغوية بصورة واضحة، ضمن تمرين متخصص مع ضرورة ترديد التلاميذ لهذا التدريب أكثر من مرة، مع تصحيح الخطأ مباشرة حال حدوثه. وهكذا يتعلم التلميذ اللغة عن طريق تكرار الجمل، وتقليد البنى اللغوية وممارستها، وتتم الممارسة عن طريق التمارين النمطية. ولضمان نجاح هذه الطريقة، يجب على المدرس عند وضع التمارين أن يأخذ بالاتجاهات التربوية الآتية:
1-       يجب ألاَّ تذكر القاعدة التي يبنى عليها التمرين النمطي، إذ تبقى القاعدة ضمن اهتمامات المدرس المسؤول عن إدارة التمرين.
2-                   يجب إكساب التلميذ بصورة آلية البنى الصرفية والتركيبية للغة.
3-       يجب إعطاء المتعلم فرصة استعمال البنى المكتسبة واعتماد نوع من التدرج في تركيز البنى المختلفة واستعمالها واستغلالها على أحسن وجه في عملية تعلم اللغة.
4-       يجب تزويد التلاميذ دائماً بالجمل الصحيحة كي لا يطرأ عليهم وضع لا يعود في ظله تحقيق الاستجابة المطلوبة في حال سماعهم جملاً غير صحيحة، مما يسيء مباشرة إلى عملية التعلم.(Assayed, 1998).
ويرى الباحث أن التعليم القائم على هذين المبدأين (المحاكاة والتعزيز) لا يقدم تفسيراً شاملاً لاكتساب اللغة، على الرغم من أدائه دوراً لا بأس به في مجال مساعدة الطفل في تعلّم اللغة، وبالأخص في المراحل الأولى من التعلم. فالطفل يتعلم الكثير من دون اللجوء إلى المحاكاة، حيث يبتكر كلمات لم يسبق أن تعلمها. أما مبدأ التعزيز فقد يفقد قيمته في كثير من المواقف، فالأطفال يتعلمون ويكتسبون اللغة بغض النظر عن ممارسة التعزيز.
وقد تعرضت نظرية سكنر للنقد الشديد من قبل الكثيرين ومنهم نعوم تشومسكيChomsky,1970) ). وبعد عدة سنوات ردّ على تشومسكي كنث ماكوركدال  (MacCorquodal,1970) وكان رده ردّاً شديداً دافع فيه عن آراء سكنر.
وانتقد تشومسكي سكنر فقال:" في التعامل مع موضوعات مثل اللغة، كان سكنر غامضاً وغير دقيق، بحيث لا يستطيع أحدنا الكلام عن المثير والاستجابة في تحليل الأبنية النحوية المعقدة. وفي محاولة سكنر أن يقترح فائدة معقولة للمفاهيم الشرطية في اكتساب اللغة، فمن الممكن أن يبتعد إلى ما وراء الملاحظة المخبرية والحقائق المعروضة". ماركس وهليكس                     (Marx and Hillix,1979).
وهكذا بدأت النظريات السلوكية تتهاوى أمام الهجمات العنيفة من قبل التشومسكيين.(1959) إنّ رفض النظرية السلوكية كان قائماً على دراساتٍ تجريبيةٍ كان لها الأثر المعتبر في علم اللغة التطبيقي ومجال تعلم اللغة. إلس           (Ellis,p.9).
ويعتبر السلوكيون أن الطريقة السمعية- البصرية في التدريس (Audio-Lingual Method ) مستخلصة من نظريتهم. والمعروف أن اسم هذه الطريقة مرتبط بالأسلوب المتبع بالتدريس والذي بلغ ذروته في الستينيات، ومن مؤيدي هذه الطريقة لادو(Lado,1964) حيث تعرّض لها في كتابه " تعليم اللغة ". ويؤكد لادو تعليم اللغة الدارجة بالحوار والتمارين، وفي الحوار يكون منضبطاً باستعمال عددٍ محدّدٍ من المفردات الجديدة، حيث يستمع التلاميذ إلى الحوار كله أو على شكل أجزاء أو عن طريق القراءة من قبل المعلّم.
كما أن هذه النظرية كانت موضوعاً للتحليل والنقد، حيث إنَّ الفكرة المركزية في التعلم موجهة من الخارج، وذلك بالتعامل مع سلوك المتعلم، وقد رفضت هذه من قبل الفطريين الذين يعتبرون أن المتعلمين أنفسهم يضبطون تعلم اللغة. إلس (Ellis,p.27)
ومن المنتقدين لهذه النظرية فيفيان كوك(Vivian Cook,1991) الذي يرى أن كثيراً من المدرسين قد اتبعوا هذه الطريقة لأسباب منها:
- أنها تزود المدرس بأنموذج محددٍ يستخدمه، بالإضافة إلى معرفة المعلم ما سوف يعمله مسبقاً. وتقع هذه النظرية تحت " نظرية تشكيل العادة                  " Habit Formation Theory"  وهذه الطريقة غير مناسبةٍ لتدريس القواعد وبعض الجوانب التي تتعلق باستعمالات اللغة الأخرى كما أنها تمتاز بعدم القدرة أو الكفاية في تشكيل العادة كطريقة للتدريس.
ويضيف إلس(Ellis,1992) في مجال نقده لهذه الطريقة فيقول:
" لقد فقدت هذه النظرية شعبيَّتها في الولايات المتحدة، لكثرة ما دار ضدها من مناقشات حادة. ولما حصله التلاميذ من نتائج مخيبة للآمال. لأن هذه الطريقة تحتاج إلى مدرسين من ذوي الكفايات العالية، وهم في الواقع قلةٌ وغير متوافرين. كذلك وجد الدارسون أن هذا الأُنموذج التدريبي ممل ويفقد التلاميذ اهتمامهم وانتباهم، وحتى المتحمِّسين منهم. إنّ نظريات السلوكيين والفطريين في التعلّم، يلعب فيها الدارس دوراً فعّالاً فيما يدرسه ويتعلّمه منها. وأمام هذه المناقشات بدأ بناء الطريقة السمعية- البصرية ينهار، وبالأخصّ فيما يتعلّق بالاعتقاد بتراجع ضبط عملية التعلم من الخارج. وقال ديكن (Dakin,1973): 
" ومع أن المدرس يمكن أن يضبط المختبرات التي يمكن أن تعرض على المتعلم إلاّ أنّ المتعلّم هو الذي يختار ما يمكن تعلمه منها". إلس(Ellis,1992).
ويرى الباحث أنه على الرغم من الانتقادات الحادة التي واجهت هذه النظرية إلا أنه إذا أحسن استغلالها، وتوافر لها المدرّسون المخلصون، يمكن الاستفادة منها في تعليم اللغة العربية.
وفي مدارسنا يمضي الطالب جميع المراحل الدراسية بالتعرض لمهارتي القراءة والكتابة، مع العلم أنه بأمس الحاجة إلى مهارتي الاستماع والكلام. إننا نادراً ما نجد مدرساً يطبق في تعليم دروس اللغة العربية أو غيرها مهارتي الاستماع أو الكلام. ومن هنا نلاحظ أن بعض طلابنا حتى المختصين بدراسة اللغات الأجنبية، يتخرجون من الجامعات وهم ما زالوا يعانون من الضعف في هاتين المهارتين وحتى في لغتهم الأم.
إن الطريقة الحديثة في تعليم اللغات تركِّز تركيزاً شديداً على هاتين المهارتين ومهارة الكلام أو المحادثة بشكل خاص، وإلا ما الفائدة من تعلم لغة نعرف الكثير من قواعدها وأدبها ولا نستطيع التحدث بها بطلاقة.
يرى فرانك مارشند(Franc Marchand, 1970) أنه ينبغي تحقيق هدفين من خلال دروس المحادثة، وهما أن يحاول الدارس أن يتدرب على الكلام ما أمكنه ذلك، وأن يتدرب منذ البداية على الكلام بالشكل الأفضل. أما دور المدرس فيكون التشجيع ويلي ذلك مرحلة التصحيح للخطأ حال وقوعه، وعلى المدرس عند التصحيح أن يتسم باللين واللطف، وفي المرحلة التالية يفسح المجال للدارس أن يصحح خطأه بنفسه. ومن هنا يمكننا القول إن أي تدريس في مجال اللغات لا يعطي الفرصة لتنمية مهارة التعلم الذاتي، هو تعلم ناقص لا بل فاشل، وإن التدريس الفعّال هو الذي يزود الدارسين بالمهارات اللازمة لهم في هذا العصر عصر التفجر المعرفي وتدفق المعلومات والانتشار السريع للثقافات على اختلافها، والتي لا يلم بها أو يدركها مخلوق. لذلك فإن مهارة التعلم الذاتي المستمر أمر يفرضه الواقع ومقتضيات العصر، والتعلم اليوم أصبح خارج أسوار المدرسة أكثر منه في داخلها.
واليوم هناك القليل من علماء النفس واللغويين ممن يؤيدون سكنر تأييداً كاملاً، إلا أنّ بعض علماء النفس استفادوا من نظريته وحاولوا توسيع قاعدتها لتكون مقبولة أكثر وذلك بتعديلها، وأطلقوا عليها نظرية الوسيط                       ( Mediation Theory). وطورها بافلوف بدوره إلى ما يعرف بنظرية التواصل(Contiguity Theory) والمقصود بذلك أن يكون المثير اللغوي كلمة أو جملةً يستلزم استجابة غير مباشرةٍ وهو ما يطلق عليه المثير الذاتي                     ( Self- Stimulus) وعلى أيِّ حالٍ فقد تركت مدرسة علم النفس السلوكي عدداً من الأسئلة التي لم تستطع الإجابة عنها بخصوص اللغة. براون           (Brown, 1987) وكذلك باندورا (Bandura,1977): " فقد انتقدت سكنر لفشله في أن يتعامل مع المثير الحسي للناس ومع قدرات التنظيم الذاتي".
وقد استعملت هذه المدرسة استراتيجية الحوافز والمكافآت الخارجية لزيادة الدافعية للتعلم. وقد نجحت بشكل محدود، إلاّ أنّه مع تقدّم العلم في هذه الأيام فقد حدثت تطوراتٌ كبيرة فيما يخص الدماغ والأعصاب، مما يشجع على دراسات جديدةٍ. فقد دلّت نتائج أبحاث ديسيفالي وزملائه                            (Decivalle and Others,1991) وأبحاث كوهن (kuhn,1993  ):
أن هناك فرقاً كبيراً بين استجابة الدماغ البشري للمكافآت على الأفعال البسيطة واستجابته عليها لحلّ المشكلات المعقدة. فالمكافآت قصيرة المدى يمكن أن تثير استجابة مادية وجسمية بسيطة وأما القضايا الصعبة فإن المكافآت المادية لا تنفع بل قد تكون ذات أثر ضار ومعاكس.
إن جميع علماء النفس يناقشون الحوافز والمكافآت والسلوك من الناحية الظاهرية، بعكس علماء الأعصاب الذين ينظرون إلى الموضوع من الداخل ويتساءلون: ماذا يُجرَى بالدماغ؟ فهم يرون أن الدماغ ذاتي التشغيل فيما يتعلق بالمكافآت. أي أنّ لديه جهاز مكافآت داخلياً يثيب الشخص على النجاح ويعاقبه على الفشل. وتسمى المكافآت التي يصرفها الدماغ " المهدّئات". وتنتج هذه المهدئات أثراً يشبه أثر المورفين أو الكحول أو النيكوتين أو الهيروئين أو الكوكائين. ويقع جهاز المكافآت وسط الدماغ ويسمى جهاز مكافآت ما تحت السرير البصري (Hypothalamus Reward System) حيث يوجد فيه قسم لإنتاج المواد التي تشعرك بالابتهاج أو اللذة عند النجاح.                           (Al- Harithi, 2001).
كما دلت بحوث نيل((Neilعلى أن الحوافز المادية قد تفيد في كثير من الأحوال لكنها ليست فعالة مع جميع التلاميذ(Jansen, 1998).
أما مارينا برت وهايدي دوليه (Burt and Heidy Dulay,1977) فتريان أن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الطفل تقوم بدورٍ مهمٍّ في تعلم اللغة:
" إن البيئة الطبيعية للغة تكون ذات أهمية إضافية حينما يكون تركيز المتكلم على التواصل اللغوي لا على اللغة نفسها. ففي الحديث بين شخصين تكون المحادثة طبيعية، وكذلك ينساب تبادل الألفاظ بشكل طبيعي. إن المشاركين في تبادل الحديث يهتمون بتبادل المعلومات والأفكار، وفي الوقت نفسه يستعملون أبنية اللغة، ويحدث ذلك علمياً دون وعي أو إدراك لبناء الجمل الذي يستعملونه".
إن الكاتبتين مصيبتان فيما ذهبتا إليه، ويؤكد بنجامين وورف              Benjamin and Whorf,1956)) ذلك بقولهما: " إن التراكيب والعلاقة التي نستعملها لكي نفهم العالم، تأتي من داخل لغتنا الخاصة، وهكذا فإن المتكلمين للغات مختلفةٍ، يفهمون بطرق مختلفةٍ، وعليه فإن اكتساب اللغة، يعني التعلم كيف نفكِّر، وليس كيف نتكلم".
وتقول مارينا بيرت وهايدي دوليه(Burt& Heidi Dulay1981):
لقد حاولنا أن نضع المتعلم والبيئة معاً لتقديم حقائق حول تعلم اللغة تكون قابلة للتطبيق في الغالب، وتوصلتا إلى النتائج الآتية:

1-        البيئة الطبيعية ضرورية للاكتساب الأمثل للغة.
2-        يجب أن يكون الاتِّصال اللغوي بمستوى حصيلة الطفل اللغوية.
3-        أن تكون اللغة المستعملة مفهومة للمتعلّم.
ولعالم الاجتماع العربي ابن خلدون رأي في تعليم اللغة، فقد قال في معرض كلامه عن انتقال الألسن واللغات من جيلٍ إلى جيل، وذلك في فصلٍ عنوانه: "إنّ اللغة ملكة صناعية":
   "فالمتكلم من العرب حيث كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطبتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيُلَقَّنُها أولاً، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعه لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفةً راسخةً ويكون كأحدهم، هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيلٍ إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال.
وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم. ثم إنه لمّا فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم وسبب فسادهم أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى" .(المقدمة،320).
ويقول في مقام آخر:" وكلٌّ منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده، والإبانة عما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائرٍ لهم، كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد، وأما أنها أبعد عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة..".(المقدمة،           ص322).
يرى ابن خلدون أنَّ الملكة صفة راسخةٌ، ولا تتحقق وتحصل هذه الصفة إلا بتكرار الأفعال. ومفهوم الملكة عند ابن خلدون هو قدرة المتكلم على امتلاك ناصية الكلام. ومن قراءة هذا النص لابن خلدون ندرك أن آراءَه سليمة وترتكز على قواعد علمية صحيحة، ولا تبتعد كثيراً عن النظريات الحديثة.
ففي النص الأول عدة عوامل وتعتبر أساسية في تعلم اللغة وهي:
- العامل الأول: التكرار وهو مهم في اكتساب اللغة وفهم تراكيبها ومفرداتها. ويجب أن يتم التكرار في مواقف طبيعية، وفي مواقف حيوية، وأن يبنى على الفهم والإدراك للعلاقات والنتائج وإلا أصبح من دون الفهم مهارةً آلية لا تساعد صاحبها على مواجهة المواقف الجديدة.
- العامل الثاني: البيئة الصالحة لتعلم لغة ما، هي البيئة الطبيعية أي الاختلاط بأصحاب تلك اللغة الفصيحة حتى يستقيم اللسان.
- العامل الثالث: الاختلاط بالأعاجم يفسد اللغة، لذلك اشترط ابن خلدون أخذ اللغة بالاعتماد على التراث اللغوي والاختلاط بأهل اللغة وكان يقصد العرب الفصحاء.
- العامل الرابع: وجوب التقليد والاقتباس في بدايات تعلم اللغة، ثم تأتي مرحلة الاعتماد على ما وعاه وحفظه واستعماله في مواقف جديدة.
وفي النص الثاني يقرر ابن خلدون حقيقة علمية أخرى، وهي أن اللغة قد يصيبها التغيير، وتتبدل وتتطور تبدل الكائن الحي وتطوره سلباً أو إيجاباً، وأن العوامل الاجتماعية تتأثر بالبيئة وبالتالي تكون عاملاً من عوامل الصراع بين اللغة ومحيطها فإما أن تنتصر اللغة أو تنهزم.
وهناك عوامل وردت في المقدمة، لا مجال لذكرها. ومن مطالعة آراء ابن خلدون نلاحظ التوافق العجيب بين رؤيته التربوية للغة ودورها وأسس تعليمها ومدى مطابقتها للأسس النفسية والتربوية والنظريات الحديثة. فنظرية ابن خلدون في اكتساب اللغة تأخذ موقعاً متميزاً بين معظم النظريات، فقد أتى مقارباً لبورهوس سكنر وجون واطسون من السلوكيين، وفيجوتسكي من التفاعليين، وميللر ونعوم تشومسكي من العقليين وبقية أنصار الاتجاه التوليدي التحويلي.
كما أثبتت الدراسات التي قامت بها كارول (Caroll,1967) على        (2784) طالباً يدرسون اللغات الأجنبية بالجامعات الأمريكية، وهم يدرسون اللغات الفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية. تقدموا جميعهم لامتحان الكفاءة الخاص بجمعية اللغات الأجنبية الحديثة (M L A ) وتشير الدراسة إلى أن هناك علاقةً قويّةً بين الوقت الذي قضوه ببيئة البلد المضيف في الخارج ونتيجة الامتحان. أي أنّ الأشخاص الذين درسوا سنة أكثر من غيرهم كان تحصيلهم العلمي أفضل، من الذين أمضوا عطلة الصيف في الخارج سياحاً وضمن فصولٍ معدّةٍ لذلك.
وتوصل ريتشارد تكر(Tucker, 1977) إلى النتائج نفسها التي توصلت إليها كارول(Caroll)، وقد كتب تكر تقريراً عن دراسة أجريت حول تدريس اللغة الإنجليزية بالفلبين، " أشارت النتائج إلى أنّ الكفاءة باللغة الإنجليزية تعود مباشرة إلى استعمال اللغة الإنجليزية وسيطاً في التعليم" لعدة سنوات. ويؤكد برستول (Burstall,1975):" أن الاتصال بثقافةٍ أجنبيةٍ يبدو أنه ينمّي رغبة كبيرة لدراسة هذه اللغة الأجنبية، وذلك عن طريق الزيارات أو غيرها".
أمّا كراشن (Krashen,1981) فيقول: " إنّ هدفنا أن نضع التلميذ بالمكان الذي يساعد في تحسين لغته معتمداً على نفسه وذلك بوضعه ببيئةٍ طبيعيةٍ لأننا لا نستطيع أو نتوقع أن نحصّل مستوىً جيداً من الكفاءة في الفصل وحده".
ولذلك يلاحظ أن الطلاب الذين يدرسون في البلاد الأجنبية، ويعيشون مع عائلات تلك البلد يكونون أسرع من غيرهم في إتقان اللغة.
وهناك العديد من النظريات الحديثة يمكن تصنيفها ضمن النظريات البيئية، ومنها نظرية شومان، وهي قائمة على دراسة قام بها شومان           (Schumann, 1975) موّلتها جامعة هارفرد، ولها أهميةٌ خاصةٌ حيث إنها تفسرّ كيفية اكتساب المهاجرين البالغين اللغة المستهدفة.
وهذا الأُنموذج قائمٌ على افتراض أن هناك رابطاً يصل بين "التثاقف" واكتساب اللغة الثانية(SLA). إنّ نظرية شومان(Schumann,1978b) القائمة على التثاقف(Acculturation Model) تتضمن فرضيته الأساسية والتي يقول فيها: "إنني أحب أن أناقش بأن هناك مجموعتين من المتغيرات: العوامل الاجتماعية والعوامل النفسية واللتان تلتقيان لتشكلا متغيّراً واحداً، وهو المتغيّر الرئيسي المؤثّر في اكتساب اللغة الثانية. واقترح أن نطلق على هذا المتغيّر المثاقفة(Acculturation) وأعني بذلك أن تتوحد العوامل الاجتماعية والنفسية لدى الفرد مع مجموعة اللغة المستهدفة. أقترح كذلك أنّ أيّ متعلّمٍ يمكن أن يتعرّض لسلسلةٍ من العوامل الاجتماعية والنفسية تتسع أو تضيق مع متعلّمي اللغة المستهدفة(TL) وعندها فقط يمكن أن يكتسب المتعلّم اللغة حسب " المثاقفة" التي حققها".
إن نظريـة شومـان كما نرى قائمة على بعدين: البعد الاجتماعي                        وهو ما يطلق عليه "Socical Distance" والبعد النفسي ويطلق عليه                          "Psychological Distance ". ففي البعد الأول يرى أنه كلما زادت المسافة واتسعت الفروق الاجتماعية بين المجموعتين قلّت درجة تعلّم اللغة، وكلما تقاربت أنماط الحياة الاجتماعية أو تشابهت زادت درجة تعلم اللغة واقترب المتعلّم من إتقانها. وكذلك الحال بالنسبة للبعد النفسي، فإذا كانت الحالة النفسية جيدة زاد تفاعل الفرد وانخرط نفسياً مع المجموعة المستهدفة، وزادت الرغبة عنده في تعلم اللغة وإتقانها والعكس صحيح.
وتؤيد نظرية شومان النتائج التي توصلت إليها وونغ فلمور                  Wong Fillmore, 1976)) فهي تقول: إن اندماج المجموعة التي تدرس اللغة المستهدفة مع بعضها بعضاً يؤثر على المجموعة نفسها ويفقدها الاتصال أو التعاون مع المجموعة الأخرى. ذلك لأن هذا الاندماج يعطي الفرصة للمجموعة أن تتواصل بلغتها الأم، وبالتالي تبتعد المجموعة الأخرى التي لم تتواصل بلغتها الأم بل تواصلت باللغة الثانية، وهذا واضحٌ جدّاً في المجموعات ذات الخلفيات المختلفة في صفوف تعلم اللغة الإنجليزية كلغةٍ ثانيةٍ في الولايات المتحدة، حيث يشكلون مجموعات ويمضون وقتهم يتكلمون مع بعضهم بعضاً خارج الفصول بلغتهم الأم. ويمكننا أن نطلق على المجموعات أو المجموعة التي تنفصل عن المجموعة الرئيسة (الجماعة اللغوية) أو الجماعة الكلامية. ولتوضيح ذلك يعرف هدسونHidson, 1990)) الجماعة اللغوية: على أنها مجموعة اجتماعية قد تكون أحادية اللغة(monolingual)  أو متعددة اللغات            (multingual) تتماسك جماعة واحدة من تواتر أنماط التعامل الاجتماعي، ويفصلها عن الجماعات الأخرى في المناطق المجاورة ضغط             "خطوط الاتصال".
ويرى شومان أن هناك ثلاث استراتيجيات يمكن أن تتبنّاها أيُّ مجموعة تتعلم اللغة: الهضم(Assimilation) والمحافظة(Preservation) والمثاقفة             (Acclturation) فإذا ما رغبت مجموعة في هضم اللغة المستهدفة وتمثلها، فستتخلّى عن ثقافتها وتتبنّى ثقافة مجموعة اللغة المستهدفة بما في ذلك لغتها            (الهضم). المحافظة وتعني أن المجموعة- التي ستدرس اللغة الثانية- ترفض ثقافة اللغة المستهدفة وتتمسك بثقافتها. أما التثاقف فقد سبق أن تحدثنا عنه حيث إن تشابه الثقافة بين مجموعتين يسهل الاندماج بينهما ويساهم في تعلم اللغة المستهدفة.Izzo,1981)) .
ويؤيد ما ذهب إليه شومان دراسة قام بها كلٌّ من كلاين ودتمار             Klien and Ditmar,1979)) فقد أجريا دراستهما في ألمانيا على عدد من العمال الأجانب، 95% من هؤلاء العمال لم يحضروا درساً في تعلم اللغة. وكان عدد من طبقِّت عليهم الدراسة(48) عاملاً، وكلهم من الإسبان والإيطاليين، وكان هدف الدراسة معرفة العوامل التي تؤثر في تعلم اللغة. وخلصا من هذه الدراسة إلى أنَّ هناك ثلاثة متغيرات تُعتبر الأكثر تأثيراً في تعلم اللغة عند أفراد هذه العينة:
المتغير الأول: العمال الذين كانوا أكثر احتكاكاً بالألمان الأصليين، كانوا أكثر امتلاكاً واقتداراً باللغة. وأهم عاملٍ كان الاحتكاك أثناء وقت الفراغ.
المتغير الثاني: العمر، أي أنّ العمال الأصغر سنّاً كانوا الأكثر اتصالاً.
المتغير الثالث: الاحتكاك بالألمان أثناء العمل. أما طول الإقامة في ألمانيا فكان مهماً في السنتين الأولى والثانية، وحسب ما يعترض له العامل من عوامل اجتماعية.
وهناك دراسة أخرى تؤيّد شومان وهي دراسة يوجين ندا                Nida, Eugene.1971)) وشملت بعض الأمريكان والإنجليز الذين يعملون في أمريكا اللاتينية، فوجد أن أفراد عينة الدراسة بعضهم يتقن الإسبانية قراءةً وكتابةً ومع ذلك كان لا يتكلم إطلاقاً إلاّ بالإنجليزية. وقد كان ضمن أفراد العينة محامٍ ويرافقه مترجم خاص، وكان المترجم الخاص يقوم بالترجمة للمحامي مع العلم أنّ المحامي يتقن الإسبانية قراءةً وكتابةً. وكان المترجم يمثل رمزاً للهيبة، مما ساعد على وضع الحواجز بينه وبين هؤلاء الأميركيين والإنجليز، مؤكداً على التفوق والكبرياء. ومن جهةٍ أخرى، إذا كانت هناك مجموعة تتعلم اللغة أقلّ مستوىً من المجموعة المستهدفة اجتماعياً، فسيكون هناك اتصال محدودٌ لتعلم اللغة، إلا إذا كانت هناك  سلطة مسيطرة تفرضها. وأحسن الحالات لتعلم اللغة وانتشارها عندما تكون الجماعتان متساويتين اجتماعياً.
وفي الحالة الثانية يعني شومان( Schumann,1976b) أن اتجاهات ودوافع التلميذ تعتبر جزءاً مما سُمّي بالبعد النفسي. فمثلاً إذا كان إنجاز الطالب ضعيفاً في اللغة الثانية فهذا يعود إلى عوامل نفسية، ومنها رفضه تعلم اللغة الأجنبية، وأحياناً يرفض تعلمها نهائياً لأنه بتعلمه اللغة الجديدة يحدث له تغيّر جذريّ يمكن رؤيته من خلال تنكره لطبيعته وثقافته. ومهما يكن من أمر، فإن تعلم اللغة بشكلٍ ناقص أو غير كاف، يقف حجر عثرةٍ أمام الاندماج مع ثقافةٍ أخرى، ويعطي الفرد فرصة الاحتفاظ بهويته. من هنا كان للبعد أو الانعزال عن الآخرين وخاصة أصحاب اللغة المستهدفة أثر كبير في تثبيط المتعلم عن اكتساب اللغة الثانية المستهدفة لقلة معايشتها.
ويقول إيرل ستيفك (Earl Stevic, 1976): " هناك العديد من أشكال العزلة، العزلة بيني (أنا) وبين المعلم، وذلك لبعده عن ثقافتي الأصلية وبعدي عن الثقافة المستهدفة. والبعد أيضاً بيني وبين التلاميذ. وينشأ هذا الانعزال من الدفاع الذي نبنيه حول أنفسنا، وهذه الدفاعات التي نبنيها لا تسهّل التعلّم ولكن تثبطه، وإزالة هذا الحاجز يؤدي إلى الاندفاع لتعلم اللغة".
ويؤكد كلٌّ من فرنهام وبوشنر (Furnham and Bochner,1986):
أنّ اتجاهات المتعلّم نحو ثقافةٍ معيّنةٍ لها تأثير كبيرٌ على اكتساب اللغة الثانية، خاصة في مجال ما يسمى بـ" التثاقف". والمقصود بهذا المصطلح المسمّى      بـ" Acculturation" أن يصبح متعلّم اللغة الثانية جزءاً من المجموعة الجديدة التي يقيم بينها ويدرس لغتها. أو بتعبير آخر هي تعديلات تطرأ على ثقافةٍ بدائيةٍ نتيجة احتكاكها بمجتمع أكثر تقدّماً. وشأن هذا الأُنموذج              ((Acculturation شأن النظريات الأخرى في بداياتها، حيث ذهب بعيداً على اعتبار أنّ النجاح يعود إلى عوامل اقتصادية – اجتماعية، على الرغم من أنّ هناك عوامل أخرى عديدة تشير إلى أن اللغة تتعدى العوامل الاجتماعية والاقتصادية إلى العوامل النفسية التي تؤثر فيها تأثيراً كبيراً.
ويقول بوني نورتون(Bonny Norton,200) إنّ هذه النظرية تقوم على ثلاث فرضيات:
الفرضية الأولى:
التي تشير إلى أنه إذا كانت المجموعة التي تتعلم اللغة الثانية أدنى مستوىً من مجموعة اللغة المستهدفة، فإنها ستقاوم تعلّم اللغة الثانية.
الفرضية الثانية:
إذا كان أعضاء المجموعة التي تتعلّم اللغة الثانية، قد تنازلوا عن أسلوب حياتها وقيمها، وتبنوا طراز حياة المجموعة الثانية وقيمها، فإنّ اتّصالهم سيزداد بمجموعة اللغة المستهدفة ويزيد تشجيعهم على اكتساب اللغة        ((SLA.
الفرضية الثالثة:
العلاقة بين مجموعة اللغة المستهدفة والمجموعة الدارسة لها تزداد إذا توافرت الاتجاهات الإيجابية بينهما مما يزيد من الرغبة والاستعداد لاكتساب اللغة الثانية.
إن نظرية شومان تلامس الواقع، فقد لوحظ أن الطلاب العرب الجدد والقادمين من أجل الدارسة في الولايات المتحدة، كان كثير منهم ينتظمون في فصول دراسية معدة لتعلم اللغة الإنجليزية. وأن هناك بعض الجماعات التي كانت متلازمة معظم الوقت مع بعضها البعض، داخل الفصول وخارجها، وترتب على ذلك أنهم كانوا من أكثر المجموعات تأخراً ومكوثاً في برنامج اللغة الإنجليزية، وذلك لعدم تفاعلهم مع مجتمع اللغة المستهدفة، وذلك للخلاف الشديد بين ثقافتيهما.
ويرى الباحث أن ما يراه شومان يتضاءل جميعه أمام رغبة الطالب الوافد بمتابعة دراسته في البلد التي أوفد إليه إذ إن خوفه من الفشل والخزي بين أهله وبني قومه يعد من أقوى الدوافع التي تسهل أمامه كل صعب، فتذلل كل عقبة.
النظريات التفاعلية(Social Interactions)
باستعراض النظريات السابقة نرى أنه لا توجد نظرية واحدة شافية لتفسير اكتساب اللغة الثانية. لذلك دمجت أكثر من نظرية معاً، وذلك لإيجاد تفسيرٍ أكثر قبولاً. ومن هذه النظريات نظرية فيجوتسكي(Vygotsky) الذي يرى أنّ أساس تعلّم اللغة يعود إلى التفاعل الاجتماعي، وهذا لا يتعارض مع أفكار السلوكيين أو الفطريين حول تعلّم اللغة. ولكن في هذه الأيام نرى العديد من علماء النفس يحاولون الجمع بين هذه الأفكار ودمجها، وذلك لتشكيل نظريةٍ مؤلفة مدمجةٍ أطلق عليها اسم التفاعل الاجتماعي   (Social Interactions).
وهذه النظرية أوجدها تلميذ بافلوف ليف فيجوتسكي                             Lev  Vygotsky,1962)) وأعاد صياغتها بالكلمات الآتية: " العلاقة بين الفكر والكلمة هو إنسانٌ حيٌّ".(Sc ovel, 2001)  ويدور موضوع نظرية فيجوتسكي ضمن نطاق التفاعل الاجتماعي، حيث له تأثير قوي في تطور المعرفة. ويبسط فيجوتسكي (Vegotsky,1978) رأيه بقوله:
"إنّ أي عمل يتعلق بتطور الطفل الثقافي يظهر مرتين: مرةً على المستوى الاجتماعي مع الناس وبينهم، وأخرى على المستوى الفردي في نفسية الطفل وداخله (Interpsyclological)،(Intrapsychological)".
لذلك يعتقد فيجوتسكي أن الأقران عامل هام وأساسي لتطوير الفرد. إن كتاباته تؤكد دور العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية في المعرفة، كما أنه يجادل أن اللغة أهم أداةٍ رمزية وضعها المجتمع. ويقول لفرانكوسLifrancois,1994)): تنطوي نظرية فيجوتسكي على ثلاثة موضوعات، الأول: أهميّة الثقافة، والثاني: الدور الرئيسي للغة، والثالث وهو ما سمّاه فيجوتسكي:(منطقة النمو والتطور)،أي((Zone of Proximal Growthand Development).
أي أن هناك فترة زمنية محددة لتطوير المعرفة، والتطور التام خلال هذه الفترة ZPD)) يعتمد على التفاعل التام خلالها. إن مدى التطور الذي تصله المهارات من خلال إرشاد البالغين أو بالتعاون مع الأقران يزداد أكثر مما لو كان وحده. إن نظرية فيجوتسكي ما هي إلاّ محاولة لإيجاد إنسان اجتماعي. كما أن نظريته هي عملٌ تكميليّ لأعمال باندورا (Bandura) حول التعلم الاجتماعي. إن نظرية فيجوتسكي هي إحدى النظريات العامة في مجال تطوير المعرفة، ومعظم أعماله الأساسية أجريت في سياق كيفية تعلم الأطفال اللغة ( (Vegotsky, 1962 وعليه فإن التطبيقات على هذه النظرية هي في ازدياد واتساع. ((Wertsh, J.V.,1985
وترى إلس( (Ellis,1997 أنّ لهذا الأُنموذج تأثيراً كبيراً في مجال اكتساب اللغة الثانية.
وتمتاز النظريات التفاعلية بوجهات نظرها المختلفة فيما يخص تفسير عملية اكتساب اللغة الثانية. لذلك نرى أنّ جفون(Givon 1979,1984) على سبيل المثال، يعتمد النظرية التصنيفية الوظيفية                                      (Functional- Typological Theory) المبنيَّة على دراسة النحو الوظيفي وتغيّر اللغة تاريخيّاً.
أما هاتش(Hatch, 1978) وآخرون فقد اعتمدوا نتائج البحث الاجتماعي والمعرفي وتحليل الخطاب اللغوي(Discourse Analysis) لتفسير اكتساب اللغة، بينما اعتمد غيرهم على نتائج دراسات علم النفس اللغوي والمعرفي للتوصل إلى قواعد تفسير اكتساب اللغة                                  Pienemann and Johnston,1987) )  ويعتبر هاتش (Hatch,1983) وكثيرون من مؤيدي نظرية التفاعل (Theories of Discourse) التي تهتم بالتفاعل مع الآخرين في تعلّم اللغة. فعلى سبيل المثال بناء الجمل يتصوّر بالمحادثة. وقد ذكر فيجوتسكي ((Vygotsky أن جميع العمليات المعرفية بما فيها موضوع اللغة تبدأ من التفاعل الاجتماعي.
ومن أنصار هذه النظرية سوزان غاص وسلنكر                                  (Gass and Selinker,2001). فقد قاما بتفسير طبيعة المدخلات التي تجعلها مفهومة، وأن تكون موصولة مع المخرجات بالتفاعل الاجتماعي.
(القسم الثاني في العدد المقبل)



1 .  ابن جني، الخصائص، حققه محمد علي النجار. الجزء (1)، الطبعة الثانية، بيروت، ص23.