السبت، 24 أغسطس، 2013

تفاعل اللغات من برج بابل إلى أبراج منهاتن.

تفاعل اللغات من برج بابل إلى أبراج منهاتن..

عزالدين ميهوبي محاضرًا بالمدرسة العليا للعلوم السياسيّة:
تفاعل اللغات من برج بابل إلى أبراج منهاتن..
الأمن اللغوي لا يعني انغلاق اللغة في شرنقة معجمها وعدم التفاعل مع محيطها الذي يتميّز بوجود سوق مفتوحة للغات أشبه بمنطقة حرّة، يتمّ فيها تبادل الكلمات. فإمّا الاقتراض أو الانقراض، هذا هو قدر اللغات في العالم، تأخذ من بعضها فتتطوّر، وإذا اعتمدت على موروثها وأخذت بمنطق النقاوة فإنّها ستنتهي إلى ما انتهت إليه اللاتينيّة قبل خمسمائة عام، وأنّ العالم اليوم يشهد موت لغة كلّ أسبوعين، بفعل ضغط اللغات الأكثر استخدامًا خاصّة في المجال التقني والإعلامي. وفي المائة سنة القادمة ستسود ثلاث لغات هي الانجليزية والصينيّة والعربيّة، لأنها غير متجانسة في المبنى والمعنى والبيئة إذ تشير التقديرات إلى أنّ العام 2050 سيشهد على الصعيد الديمغرافي زيادة 166 مليون صيني، و72 مليون عربي..، لكنّ الغلبة في الانتشار والتأثير تكون للغة الشفرة التقنيّة التي تكون مفتاح المعرفة الجديدة والمتسارعة.
هذا بعض ما جاء في محاضرة عزالدين ميهوبي رئيس المجلس الأعلى للغة العربية بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية حول "التفاعلات اللغوية من برج بابل إلى أبراج منهاتن"، التي قدّم من خلالها كمّا هائلا من المادة التاريخية المرتبطة بنشوء اللغة، وطرح سؤالا فيما إذا كانت اللغة خلقا أم ابتكارا، باعتبارها أروع أداة "اخترعها" الإنسان قبل مليون سنة تقريبا، واستدلّ بمقولة نعوم تشومسكي " اللغة تولد في الانسان مع ولادته ومن ثم لاحقاً تختلف وتتنوع من جراء تعرّضه لمنبهات لغوية مختلفة". وعرّج ميهوبي نحو أسطورة بابل التي ذكرت الكتب المقدّسة والأساطير أنّ اللغات نشأت وانتشرت بعد لعنة العقاب الذي حلّ بالنمرود وتبلبل ألسنة البشر الذين توزّعوا في الأرض، ومعهم تشكّلت اللغات". وقدّم المحاضر نظرة القرآن لمسألة نشوء اللغة التي خلقت مع الإنسان، ولو أنتج العقل لغات جديدة، مثلما عرض رؤية القديس أوغستين لفكرة أيّهما أسبق اللغة أم الفكرة، وبأيّ لغة قال الله للضوء كن، أهي العبرية أم اليونانية أم اللاتينية؟ ويخلص إلى أنّها كانت إيحاء للملائكة، وأنّ اللغة تتشكل في القلب. واستعرض ميهوبي رأي العلم في مسألة نشوء اللغة، التي يجمع أغلب الباحثين فيها أنّ ظهرت مع الإنسان العاقل في شرق إفريقيا، ثم انتشرت في العالم.
وذكر ميهوبي في مداخلته التي شهدت نقاشًا واسعًا أن علماء اللسانيات يحصون ما بين خمسة أو ستة آلاف لغة وأنّهميتوقّعون اختفاء 90% من اللّغات بحلول 2100 مشيرًا إلى وجود 500 لغة فقط على شبكة الأنترنيت، معظمها ذو وجود محدود وشكلي.
وتحدّث عزالدين ميهوبي عن "صدام اللغات" مستدلاّ بقول المفكر الأمريكي صاموئيل هنتنغتون  "إنّ العالم يتوجه نحو حرب حضارية تكون فيها القيم الثقافية والرمزية هي الحدود القتالية"، ودعوته إلى "ضرورة حماية اللغة الانجليزية من الزحف اللّغوي الإسباني" بعد أن بشّر بصدام لغويّ يتهدّد الهويّة الأمريكيّة (..) في الولايات المتحدة خلال العقود القادمة. وبضيف ميهوبي بأنّه  يوجد بلد متوحّد اللّغة. ومصير الانسان أن يكون في مواجهة اللغات المتعددة، لا أن يكون في مواجهة اللّغة الواحدة. إذ أن العالم اللساني هالبرون يراهن على «أن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن حرب الكلمات، وانحطاط هذه الوحوش، التي هي اللغات. وينبغي أن نعد خارطة للكلمات نبين فيها الاقتراض من لغة لأخرى. فالانجليزية  أخذت مكان الفرنسية كلغة عالمية، واستفادت بطبيعة الحال من وجود نفس الكلمات، بقواعد نحوية مبسطة. فإذا نسبنا لونا إلى الفرنسية، لابد أن نجده بدرجات متفاوتة في كل أوروبا الشمالية من الشرق إلى الغرب. وانطلاقا من ذلك، يبدو أنه علينا التفكير في إنشاء لغة جديدة، مرتكزين على الكلمات الأكثر استعمالا، فيما يشبه فكرة الأسبرنتو".
ومن هذا المنطلق يقول ميهوبي بأنّ مفاهيم عدّة سادت في السنوات الأخيرة منها «الحرب اللّغوية» و«صدام اللغات» و«الهجوم اللّغوي» و«التلوث اللّغوي» و«الافتراس اللّغوي» و«السوق اللّغوية» و«وضع نظام لغوي عالمي جديد» و«موت اللّغة» و«لغة الوطن ولغة المواطنين» و«التعايش اللّغوي» و«التنوع اللّغوي» و«التفاعل اللّغوي» و«الحقوق اللّغوية» و«اللغات الطبيعية» و«اللغات المصطنعة» و«الوباء اللّغوي» و«الكوليرا اللّغوية»..
وقال ميهوبي إنّ هناك إجماعًا لدى خبراء اللغة في أنّ أفضل سبيل لقتل لغة يكون بتعليم لغة أخرى. فاحتكار مئات من اللّغات الوطنية للتعليم يجعل من المحتوم حشر اللّغات غير المدرسية في مجالات البيت والفلكور. ومع النفي المتواصل للغات المحلية من النظم التعليمية، فإن هذه «الإبادة اللّغوية» ستتسارع. ويراهن الخبراء على الاستخدام الذكيّ لتكنولوجيا الاتصال لإنقاذ عديد اللّغات المهدّدة بالانقراض، وحمايتها من امتداد الأنيميا اللّغوية. وتمكين هذه اللّغات من إمكانية التواصل مع غيرها، من خلال الترجمة الأوتوماتيكية، التي جاءت بعد التجربة المفيدة للقواميس الإلكترونية المعتمدة في ترجمة النصوص المخزّنة داخل الشبكة.
وعن مستقبل اللغات في العالم استدلّ ميهوبي بحوار مع المفكّر الإيطالي أمبرتو إيكو الذي لا يرى في وجود لغة عالميّة واحدة أمرا ممكنا: "كلّ لغة تقترح شكلا مختلفا للعالم، لهذا فإنّ جعل لغة واحدة عالميّة، أمر غير ممكن، والأفضل هو العبور من لغة إلى أخرى. أنا مع تعدد الأقطاب اللّغوية. فالتنوّع اللّغوي يعني الثراء، إنه أمرٌ لا يقبل النقاش، لأنه قد يكون مرتبطا بالطبيعة البشرية. ويمكن أن نتجاوز هذا الثراء لقرون بسبب هيمنة لغة واحدة على اللّغات الأخرى، الإغريقية، اللاتينية، الفرنسيّة، الانجليزية.. وأعتقد أننا بصدد، بروز جيل، تتشكّل داخله طبقة حاكمة مزدوجة اللّغة".
لهذا لا غرابة أن ينتقل هنتغتون من نظرته الشاملة لصدام الحضارات إلى نظرة تجزيئية تتعلّق بالمجتمع الأمريكي  حيث يقول: "إنّ أميركا وُلدت لتموت، أكثر من أيّ أمة أخرى". مع إبداء بعض الأمل في قدرتها على المقاومة، والحفاظ على بقائها، مؤكّداً على أنّ أمريكا "قادرة على تأجيل فنائها وإيقاف تفسخها بتجديد إحساسها بالهوية الوطنية..".  ولا يخفي هنتنغتون قلقه "الذّاتي" تجاه من ينادون بإقرار اللّغة الإسبانية لغة ثانية رسمية، ويرى في ذلك أحد أخطر التّهديدات الموجهة للهوية الأميركية لأنه ينذر بتحول أميركا لبلد ذي هوية لغوية ثنائية إنجليزية - إسبانية.
وهو ما يخلص إليه خبراء اللغة في العالم من أنّ لغة المستقبل في الولايات المتحدة الأمريكية لن تكون لا الاسبانية ولا الانجليزية، بل ستكون نوعا مزيجا من الاثنتين وتسمي "سبانغليش" spanglish، وذلك لأنّ كلّ اللغات الحيّة معرّضة للتأثر قي مستقبلها التاريخي بلغات أخرى.
وعن ظاهرة انتشار الانجليزيّة، تحدّث ميهوبي عن نعجم "غلوبيش" الذي يراهن عليه المدافعون على جعل الانجليزية لغة كونيّة، غلاّ أنّ هناك من يقول بأن من شأن معجم غلوبيش للغة التواصل المكوّن من 1500 كلمة أن يقتل لغة شكسبير ويمنح الغلبة للغة بيل غيتس، وأنّ الانجليزيّة اليوم ليست أكثر «مجرد أداة، وبرنامج معلوماتي» كما يصفها الصّناعي الفرنسي كارلوس غصن.
واختتم عزالدين ميهوبي محاضرته بالحديث عن اهتمام الدوائر الرسميّة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 بتدريس اللغات المصيريّة ومنها العربيّة، من خلال "المبادرة اللغوية للأمن القومي" التي أنشأها الرئيس الأسبق جورج بوش.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق