الخميس، 29 أغسطس، 2013

اللغة ومجالات التنمية.. قراءة في تقرير ألكسو

اللغة ومجالات التنمية.. قراءة في تقرير ألكسو
د.عبدالمالك اعويش
إن والتقرير الذي سنعتمده في هذه الدراسة يكتسي أهمية خاصة؛ ذلك أنه أنجز بطلب من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية، ولا يخفى علينا اهتمام المنظمة باللغة، والجهود التي قام بها مكتب تنسيق التعريب- وهو أحد المؤسسات المتفرعة عنها– بادية للعيان، وتزداد أهمية التقرير إذا علمنا أنه أنجز من طرف مؤسسة لغوية أخرى، هي معهد التعريب، وعلى يد مديرها آنذاك د.عبدالقادر الفاسي الفهري، وقد ساعده كل من د.محمد غنايم والأستاذة نادية العميري، كما هو مثبت على غلاف التقرير.
ما يهمنا في التقرير ليس هو علاقة اللغة بالتنمية، فهذه حقيقة لا نحتاج التدليل عليها، ولكن الذي يهمنا.. كيف غطى التقرير جوانب العلاقة؟ وما هي المجالات التنموية التي تدخل في دائرة اهتمام اللغة واللغويين؟ وما هي عوائق التنمية العربية؟ ونخص بالتحليل والمناقشة المعوقات اللغوية تحديدًا؛ وذلك بالإجابة عن التساؤلات الآتية: ما هي نقاط القوة التي يمكن أن تتشكل في تقاطع اللغة بالهوية، واللغة بالدين، واللغة بالاقتصاد، واللغة بالمعلوميات، واللغة بالسياسة، واللغة بالتعليم...؟
للحديث عن وضع اللغة العربية في الوقت الحاضر واستجلاء قضاياه البارزة لابد من التذكير ببعض الحقائق المتصلة بماضي هذه اللغة وتاريخها.
> فاللسان العربي يعتبر أول لسان يعمر طويلًا، حوالي سبعة عشر قرنًا، محتفظًا بكل مقوماته وبنيانه الداخلي، وهذا عامل قوة للعرب لمراكمة المعلومات، لأن الخروج من لسان إلى لسان كسقوط الأنظمة والدول يدعو إلى البدء من جديد في سلم الحضارة.
> إن اللغة العربية قد ارتبطت في تطورها وتقدمها ولحظات قوتها بالعقيدة والدين الإسلامي، فهي لغة القرآن والسنة ولذلك ارتبط رصيدها الثقافي والفكري أو معظمه بهذه الأصول وما يتفرع عنها، ومن هنا اكتسبت اللغة العربية عند الخاصة والعامة صبغة القداسة والتوقير.
> اللغة العربية كسائر اللغات كائن اجتماعي حي تسري عليه سنن التطور والتجديد ويتوقف عليها بقاؤه، وقد تبين لعلماء اللغة في صدر الإسلام هذه الطبيعة النسبية للغة في مقابل إطلاقية النص القرآني، فلم يترددوا في إصلاح اللغة العربية وتطويرها بما أقدموا عليه من تأصيل قواعد النحو والصرف والإعراب، ووضع أنظمة الخط كتطوير الخط والشكل والتنقيط والمد والوصل والإمالة، وصناعة المعاجم والرسائل الموضوعاتية من غير أن ينكر عليهم أحد هذا الصنيع(1).
يشهد تاريخ اللغة العربية أهم الهجمات التي تعرضت لها هذه اللغة وعلى أهم المحطات التي كانت تصارع فيها من أجل البقاء، وكانت أولاها ضد اللحن، فقام اللغويون والنحاة بعمل جليل يهدف إلى تحصين اللسان بالنسبة لأبناء العرب وتحصيله بالنسبة لغيرهم، وفي صدر الدولة العباسية واجهت اللغة العربية تحديًا آخر هو تحدي الشعوبية، فخرجت منه منتصرة بجهود الغيورين والحاملين سماحة الإسلام، وجاء عصر الركود فأثر سلبًا على العربية لزمن ليس بالقصير، يكاد يمتد إلى دولة الأتراك حيث استُغل هذا الضعف لتدخل العربية في مواجهة العصبية التركية، خرجت منها بتبني الحرف اللاتيني في كتابة التركية عوضًا عن الحرف العربي، فخسرت العربية جزءًا من جغرافيتها، ثم جاءت الفترة الاستعمارية فكانت المقاومة اللغوية تقف في الجبهات مثلما تقف المقاومة العسكرية، فهذا عبدالحميد بن باديس يرفع شعاره التاريخي في مواجهة الاستعمار وهو «الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا»(2)، فيقرن القومية بالدين وبالقطرية في الدعوة إلى التحرر والاستقلال، وكان هدف المخطط الاستعماري هو القضاء على العربية، فهذا اليوطي يقول في شأن اللغة: «من الناحية اللغوية علينا أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية...، فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائمًا عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن، بينما تقضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج إطار الإسلام»(3).
والنص الذي قدمنا يشهر سلاحًا ذا حدين، فإذا كان هدف السلطات الاستعمارية هو إلحاق مستعمراتها لغويًّا أي فرنسة المحميات الفرنسية، فهو يتخذ لذلك طريقًا يجنبه الخسائر، فيفصل بين العربية واللهجات المحلية وكذا العاميات، فتم الفصل في شمال إفريقيا بين العنصر العربي والعنصر البربري(4)، ومن ثم تفكيك عرى المجتمع ليفسح المجال أمام سياسة المستعمر ويسهل عليه الانقضاض على الخصم.
فهذا إذن واقع اللغة العربية المرير حتى زمن الاستعمار، وبعد الاستقلال تم التخطيط لما يسمى بالتعدد اللغوي في البلدان العربية، والذي كانت معالجته إلى حدود منتصف القرن الماضي من باب العفوية تحكمها العادة والعرف والاعتباطية، فأصبحت معالجة الملف اللغوي من بين ملفات الشأن العام التي يفصل فيها السياسي قبل العالم، وحتى اللغوي الذي يتصدى للملف إنما يكون يهدف التموقع السياسي على حساب هذا الملف فكانت الحلول غالبًا ما تكون تعسفية.
> تعايش اللغة العربية مع العاميات واللهجات المحلية في غالبية البلدان العربية، كالكردية في العراق والأمازيغية في المغرب العربي، وهذا لا يتهدد اللغة العربية لأن هذه الثنائية- ما لم تأخذ طابعًا سياسيًّا عرقيًّا- فهي تتكامل وظيفيًّا مع الفصحى ولا تدخل معها في تنافس مصيري.
> لكن الخطر الذي يتهدد العربية هو الازدواجية التي تعيشها مع اللغات الأجنبية سواء الفرنسية أو الإنجليزية، حيث ينظر للغات الأجنبية على أنها لغات التقدم والرقي الثقافي والعلمي، فتكون النتائج سلبية على هوية المتعلم وملكته وطاقاته التعبيرية(5).
وفي تحليلنا لفقرات هذا التقرير لابد من اعتباره بنية لغوية مغلقة حتى لا نتيه، وحتى نلتزم بكل ما ألزمنا به أنفسنا من خلال عنوان هذا العرض، فالتقرير يعتبر بنية متكاملة المحاور والأقسام والعناوين الفرعية التي هي بمنزلة فصول ومباحث وفروع، دون أن نغفل بطبيعة الحال العنوان الأصلي للتقرير وما يوضح حيثياته وظروفه من هوامش تبين الغرض منه والجهات المسهمة في إنجازه، إما طلبًا أو إعدادًا أو مدارسة أو تنفيذًا لقراراته وتوصياته، مرورًا بمقدمة التقرير ووصولًا إلى خاتمته.
إن اللغة هي وسيلة الحركة الإنسانية كلها، في المجال العلمي والسياسي والثقافي والإعلامي والاجتماعي والتربوي، فاللغة وعاء ذلك كله ووسيلة ذلك كله، وإذا تراجعت اللغة توقفت الحركة الإنسانية وانقطع الاتصال والتواصل والتفاهم؛ ذلك أن اللغة هي من أهم وأدق المواصلات وأوعية المعلومات وتواصل الأجيال(6)، وإذا كان بإمكان المرء أن يتصور مجتمعًا معاصرًا دون أنظمة الرموز اللغوية المتطورة فإنه لا يتخيله خاليًا من المطابع والمطبوعات ووسائل الإعلام والهاتف والانترنت، ومن المدارس والجامعات ومراكز البحوث ومن الأبناك والأوراق المالية، ومن المواصلات والعلوم بمختلف تخصصاتها...، فتراكم التجارب والمعارف ما كان ليتم إلا بفضل اللغة ومن ثم فإن تقدم الإنسان في جميع جوانب الحياة شاهد على تقدم اللغة، وهذا ما دفع اللغوي الشهير اندرسون إلى اعتبار اللغة الأساس الصلد الذي تقوم عليه قصة الأمة(7).
اللغة والدين
نقصد بالدين كل العلوم والممارسات التي لها علاقة بالعلوم الشرعية، و في هذا الإطار يقول ابن تيمية: «إن اعتبار اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق»(8)، ولقد كرم الله تعالى اللغة العربية ورفعها إلى مقام الشرف الأعلى حين أنزل بها خاتمة الرسالات، واتفقت أقوال العلماء في تصنيف اللغة وعلومها مع علوم الشريعة، وأنزلوها منزلة الفقه والأصول والتفسير(9)، واعتبروا الاشتغال بها من فروض الكفاية وقد تصل إلى حد الوجوب على الفقيه، يقول ابن جني: «فمطلوب من الفقيه شرعًا أن يعلم العربية؛ لأنها وسيلة واجبة لتأمين الاعتقادات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها مرده إلى ضعفه في هذه اللغة الكريمة»(10)، ومنهم من ذهب إلى أن العلم هو الدين كما قال عمرو بن العلاء: «علم العربية هو الدين بعينه»(11).
وهذا ما جعل اللغة العربية ذات رمزية وقدسية بالنسبة لما يقرب من مليار وربع المليار مسلم، بها يقرأ القرآن ويذكر الله وحتى لو ترجمت عبارات الله أكبر والفاتحة فلن تبين بيان لسان القرآن(12).
اللغة في المجال السياسي
نتبنى قولة د.عبدالله النفيسي فنقول: «يخطئ من يظن أن اللغة وعلومها هي من شواغل اللغويين والنحاة ولا علاقة لها بالحياة الاجتماعية والسياسية»(13)، لكننا نلتمس له العذر في الخطأ؛ لأن الدراسات التي تبحث في علاقة اللغة العربية بالبعد السياسي والاجتماعي والاقتصادي نادرة، رغم أن الخطاب اللغوي يعج بمئات النصوص التي تطرقت لقضايا واقعها بالتحليل والمعالجة، بدءا من الأشعار الجاهلية التي عالجت موضوعات الصلح والحرب والتفرقة، ومع ظهور الإسلام برزت نصوص تهاجم أعداء الإسلام ونصوص تناولت الخلافة والصراعات المذهبية وأصول الحكم(14).
وعلى العموم فإن علاقة اللغة بمنظومة السياسة مبنية على المصلحة، فاللغة أداة في أيدي الساسة قد تستعمل كسلاح أو كردع، احتواء أو استعبادًا، وفاقًًا أو صراعًا، بناء أو هدمًا، جسرًا أو عائقًا(15)، فاللغة إذن مصدر للقوة، وهذه حقيقة أدركها الساسة والحكام منذ القديم من فراعنة ويونان وقياصرة وحتى المجالس البلدية والبرلمانية، وقد برع الخطاب السياسي في استخدام أسلحة اللغة، فهو يبطن أكثر مما يظهر، ويستخدم الكلمات الأخاذة ليلهب بها مشاعر الجماهير ويخمد نار سخطهم.
ونستطيع أيضًا أن نثبت العلاقة فيما كتبه رولان بارت عن نشأة البلاغة التي ترجع في أصولها الأولى إلى المحاكمات حول الملكية، حيث قام طاغيتان من صقلية جيلون (Gelon) وهيرون (Heron) حوالي 485 ق.م بتهجير السكان ونقلهم وبمصادرة للملكية من أجل إعمار سيراكوزة وتمليك المرتزقة، وبعد أن أطاحت بهما انتفاضة ديموقراطية، وأريدت العودة إلى الوضع السابق حدثت نزاعات قضائية لا تحصى...(16)، وكانت السبب في نشأة البلاغة.
ومن الشيق ملاحظة أن فن القول مرتبط في أصوله بالمطالبة بالملكية، بل إنه يسهم في تثبيت الأوضاع، كما يسهم في تغييرها أو إسداء النصائح أو إيصال المعلومات أو الإقناع برأي أو تجييش جيش أو التعبير عن موقف أو إدلاء بشهادة.
ونأسف عندما نجد الساسة العرب لا يعتزون بالعربية ولا يولونها العناية المستحقة رغم أنها لغة التكامل الاقتصادي والسياسي لهذه الأمة(17)، ولغة الإعلام النافذة في الصحف والمجلات والإذاعات والقنوات الفضائية وكل هذه الوسائل أظهرت نجاعتها في ململة الواقع العربي وتمكين المواطن العربي من حقه في المعلومة مثل الجزيرة وأرت وقناة أبوظبي... ونأسف أيضًا لاستصدار وثيقة تنظيم الإعلام العربي من طرف وزراء الإعلام العرب، ودور وزراء الداخلية إنما ينبني في أساسه على تحديد المعلومة المرخص لها والمعلومة المحرمة، ولكون مصادر الإجرام والإرهاب غالبا ما تنسب إلى التضييق على الفرد في حقوقه بما في ذلك حقه في هويته وحقوقه اللغوية(18).
اللغة والاقتصاد
لقد أصبحت المعرفة قوة دافعة ومحركًا أوليًّا للاقتصاد الحديث، فهي تعد من أهم وسائل زيادة إنتاجية العمال والمصانع والحقول، وهذه حقيقة يمكن الوصول إليها بكل اللغات، لكن إذا تمكن المواطن العربي من إتقان لغته واستعمالها فإنه يستطيع أن يبدع ويشارك في إثراء بلده، وقد أصبح الآن واضحًا للعيان مدى الارتباط القوي بين اللغة القومية وصناعة التحرر والاستقلال والتقدم الصناعي والاقتصادي والتبادل التجاري، يقول الفاسي الفهري: «إن تعميم العربية باعتبارها لغة التواصل الملائمة لدى القوى العاملة التي ستمكن من الزيادة في سرعة التنفيذ والإنتاج، بل إن تعزيز العربية في الإدارة والاقتصاد والاتصال والتكنولوجيا شرط ضروري للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، وإن استعمال العربية بصورة ملائمة في تقنيات الإعلام الجديدة ستمكن من اتساع مجالها ودمقرطتها»(19).
ومن خلال رصد التقرير لأوضاع الاقتصاد العربي فإن هذا الأخير يتوفر على مؤهلات قوية وفرص للإقلاع لكنه لا يحسن استثمارها، فالعرب يمثلون قوة بشرية وسوقًا عربية مشتركة، ولهم ثروة طبيعية وموقع جغرافي استراتيجي، إلا أن نسبة النمو ضعيفة ودخل الفرد لم يتغير تقريبًا خلال العقود الخمسة الماضية، والصناعات العربية تقليدية وليست صناعة قائمة على المعرفة، ومرد هذا الوضع بالأساس إلى عدم تطوير اقتصاد المعرفة القائم على اللغة أساسًا(20)، إذ الأشياء لا تملك قيمة في نفسها بل بما تكتسبه من قيمة رمزية عند الجماعة البشرية التي تتداولها، وقيمتها مستمدة من قيمة جماعتها، ومثال ذلك الأوراق المالية وحتى السلع نفسها تجد سلعة الدول الضعيفة بخسة وسلعة الدول المتقدمة باهظة، وقد أسهب المفكر الغربي فلوريان كولماس في إيضاح علاقة اللغة بالاقتصاد، وتحدث عن الأهمية الاقتصادية للغة وطرق تفاعل اللغة مع الاقتصاد، وكيف ترجع اللغة الأقوى وكذا اللغة الموحدة على أهلها بالثراء(21).
كانت هذه إذن أهم المجالات التي تبرز فيها مكانة التنمية في تصورات اللغويين، ونعتقد أنها غير وافية؛ لأن اللغة هي رافعة التنمية وجسر العبور إليها، وهناك مجالات أخرى كميدان التعليم والإعلام والصناعة والفلاحة والبيئة، وقد أشار إليها التقرير إشارات خفيفة لا تشبع رغبة من يتطلع إلى المزيد.
المعوقات اللغوية
التي تواجه التنمية
نستطيع الجزم بأن هذه المعوقات لا ترجع إلى جوهر اللغة ولا إلى بنيتها بقدر ما تعود إلى ذهنية القائمين عليها، ونستطيع أن نصنف هذه المعوقات إلى صنفين:
1- صنف يتعلق بالضعف في تطوير المنظومة اللغوية، كصناعة المعاجم وتيسير قواعد النحو والصرف وتوحيد المصطلح ودعم الترجمة والتأليف بالعربية وإصلاح برامج التعليم.
2- وصنف يتعلق بمعوقات ذات مصدر غير لغوي مثل:
- التعددية اللغوية التي تصل إلى حد التصارع، كما هو الحال بين العربية واللغات الأجنبية في المواقع الإدارية والتعليم العلمي، ويتخذ طابعًا تنافسيًّا مع اللهجات المحلية كالأمازيغية والعامية مثلًا، وهذا يحتاج إلى قرار سياسي وسياسة لغوية رشيدة تمكن اللغة الرسمية وظيفيًّا وعمليًّا في مجالات الحياة الاجتماعية كالتعليم والإعلام والمعلوميات.
- عدم الاستثمار في اللغة العربية.
- عدم تعميم التعليم الأولي باللغة الرسمية.
- عدم تكافؤ الفرص في الشغل بالنسبة للمتعلم بالعربية مع غيره الذي تعلم باللغة الأجنبية.
- تقصير المجتمع في حماية اللغة.
- ضعف استعمال اللغة في عالم المعلوميات والانترنت.
بعض المقترحات
للنهوض باللغة
يقترح التقرير في فقرته الثالثة مجموعة من الحلول لتجاوز الأوضاع التي تعيشها اللغة العربية حتى تدخل في دورة التنمية والحضارة ومنها:
- أن تتحمل الدولة مسؤوليتها وكذا المجتمع في تأهيل اللغة في مختلف ميادين المعرفة والثقافة والحياة العامة والأنشطة الفنية والإعلامية والإشهارية.
- اتخاذ الحكام للتدابير التشريعية اللازمة والقرارات الحاسمة والملزمة باستخدام العربية في كل مجالات التواصل والتعليم الأساسية، ورسم الخطط التنفيذية والإجرائية لبلورة هذا الاختيار.
- وضع حد للسياسات المزدوجة القائمة على سياسة صريحة رسمية (في النصوص التشريعية)، وسياسة ممارسة في الواقع قائمة على الاستعمال الفعلي للغة الأجنبية الذي يكاد يكون أحاديًّا في المعاملات الاقتصادية أو الإدارية أو التعليم العلمي والتقني.
- تبني سياسة لغوية تنظر إلى اللغة على أنها مسألة هوية وخصوصية ينبغي الذود عنها لأسباب ثقافية وحضارية وتاريخية مرتبطة بالتنمية المعرفية والاقتصادية.
- دعم التعريب من الروضة إلى الجامعة وتعميم التعليم بالعربية.
- ضرورة تنمية اللغة العربية وارتباطها بالتنمية الاقتصادية وتنمية مجتمع المعرفة بما لا يتنافى وإتقان اللغات الأجنبية.
وأضاف التقرير سلسلة من المقترحات تحت عنوان «الخطط اللغوية ووسائل النهوض»، منها ما يهتم بالتشريع ومنها ما يتعلق بالاقتصاد والمعلوميات وتوفير الحماية والدعم للغة العربية.
كما اهتم التقرير بتطوير التعليم بتوخي الجودة وتعزيز التعليم المبكر باللغة العربية، وتأهيل المعلم العربي، وإحداث هيأة قومية عربية مستقلة لضمان جودة التعليم العربي.
ويخلص التقرير في خاتمته إلى أن اللغة العربية حظيت بفرصة تاريخية تحولت على إثرها من لغة تواصل وأدب لقلة من الأفراد إلى لغة علم لمئات الملايين من العرب والمسلمين، وكونت حولها هوية قومية اختلفت أجناسها وأديانها وتجاربها الاقتصادية، لم يوحدها شمولًا إلا اللسان الذي انبعثت منه عناصر أخرى للوحدة، وليس في المنظور القريب أو البعيد أي فرصة للغة أخرى يمكن أن توحد هذا العدد من البشر.
ولقد أتيحت الفرصة للغة العربية أن تصبح لغة علم وتقنية بمعجزة القرآن والإسلام، ولن تتاح للغة أخرى هذه الفرصة كذلك، وأي محاولة لتغيير اللغة العربية بلغة أجنبية سيبوء بالفشل ويؤدي إلى هز الاستقرار والأمن في المنطقة العربية والإسلامية لما للغة من مكانة عند المواطن العربي والمسلم(22).
خاتـــمة
خير ما نختم به هو أن اللغة العربية لن تتقدم إلا بنبض الشارع المتكلم بها والغيور عليها، والذي يعتبرها رمزًا للهوية التي ينبغي اعتبارها الجزء الأهم في أي دراسة أكاديمية ميدانية تجري حول اللغة إذا ما أريد للنظرية اللغوية أن تتطور(23)، وتصبح فاعلة في تطوير المجتمع لما يوجد بين الاثنين من تكامل يصل إلى درجة الانعكاس، كما ذهب إلى ذلك كل من ابن حزم وابن خلدون عندما نص كل منهما على أن قوة اللغة في قوة أصلها، وغلبتها غلبة أهلها، يقول الأول: «إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الأمة علومها وأخبارها وقوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم، وأما من تلفت دولتهم وغاب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم، هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة»(24).
ويقول ابن خلدون: «اعلم أن لغات أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها، ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلامية كلها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية وإن كان اللسان العربي المضري قد فسدت ملكته وتغير إعرابه، والسبب في ذلك ما وقع للدولة الإسلامية من الغلب على الأمم، والدين والملة صورة للوجود وللملك وكلها مواد له، والصورة مقدمة على المادة، والدين إنما يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لما أن النبي [ عربي فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها...».
إن هذه الترسانة من التقارير والقوانين تحتاج إلى تفعيل، وإن العربية لا تستحق منا هذا الجفاء وهذا التهميش والسكوت على التكالب الخارجي، فهي تحتاج الآن إلى أعمال وقفية من طرف اللغويين أولًا بتضحياتهم، ومن طرف رجال الأعمال ثانيًا بأموالهم، ومن الحكام وأصحاب القرار ثالثًا بدعمهم وتشجيعهم.
أكاديمي مغربي


الهوامش
1- أحمد ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الكتب العلمية، ط1، 1999.
2- ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتاب العربي، دون تاريخ.
3- جون جوزيف، اللغة والهوية، ترجمة عبدالنور خراقي، عالم المعرفة، عدد 342، سنة 2007.
4- الحسن مادي، السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل، منشورات مجلة علوم التربية، – 4- ط 1، 1999.
5- حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985.
6- رولان بارت، البلاغة القديمة، ترجمة عبدالكبير الشرقاوي، نشر الفنك 1984.
7 - الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، 1979.
8- سعيد الأفغاني، نظرات في اللغة عند ابن حزم، دار الفكر، ط 2، 1969.
9- الشريف الجرجاني، التعريفات، مؤسسة الرسالة ناشرون، ط1، 2006.
10- عباس الجراري، في الشعر السياسي، دار الثقافة، ط 2، 1982.
11- عبدالرحمن بودراع، مصطلح اللسان في العلوم الشرعية، ندوة الدراسة المصطلحية، 1996.
12- عبدالعالي الودغيري، الفرنكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية، ص1، 1993.
13- عبدالعالي الودغيري، اللغة والدين والهوية، ط 2000.
14- عبدالقادر الفاسي الفهري، دعم اللغة العربية، تقرير لللألسكو، مارس 2004.
15- عبدالقادر الفاسي الفهري،اللغة والبيئة منشورات الزمن، كتاب 38.
16- عمر عبيد حسنة، اللغة وبناء الذات، تقديم كتاب الأمة ع 101، سنة 1425هـ.
17- فلوريان كولماس، اللغة والاقتصاد، ترجمة أحمد عوض، عالم المعرفة 263.
18- قضايا استعمال العربية في المغرب، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سلسلة الندوات، نونبر 1993.
19- اللغة العربية أسئلة التطور الذاتي والمستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية ط 1، 2005.
20- محمد سبيلا، اللغة، دار توبقال للنشر، سلسلة دفاتر فلسفية، ط 1994.
21- محمد كامل حسين، اللغة والعلوم، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، ع 12.
22- نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، عالم المعرفة، ع 276.
23- نبيل علي، الفجوة الرقمية، عالم المعرفة، غشت 2005.
24- وجيه حمادة عبد الرحمان، اللغة العربية والحضارة الإنسانية، مجلة اللسان العربي، ع 35، 1991.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق