الخميس، 18 ديسمبر، 2014

حول مسألة التعدد اللغوي بالمغرب:مقاربة سوسيوتاريخية


حول مسألة التعدد اللغوي بالمغرب:
مقاربة سوسيوتاريخية



:
إن مسألة التعدد اللغوي في المغرب لا تتعلق بفترة معينة من تاريخه ، أو بزمن معين كان فيه المغرب أحادي أو متعدد اللغة في نفس الوقت ، بل إن هذا الموضوع متشعب للغاية ويرتبط أشد الارتباط بسياقات متنوعة ، تتنوع بين ما هو تاريخي وجغرافي ولساني ، بل حتى ثقافي وسياسي واجتماعي ، لذلك فأول مشكل يطرح أمامنا و بشدة ، هل كان المغرب بلدا متعدد اللغة في فترة ما وأحادي اللغة في فترات أخرى ؟ ربما لـــــــــــــــلإجابة على هذا السؤال ينبغي العودة إلى العمق التاريخي القديم الذي تميز به المغرب ، لنرصد أقلها التطورات الرئيسية لنشوء التعدد اللغوي في الجغرافية المغربية بتفرعاتها المتنوعة ؛ إذ يفرض المنطق التاريخي علينا نفسه كمبحث رئيس لتوضيح التداخل القائم بين اللغات التي وجدت في المغرب منذ الأزل ، ثم كيف أثر هذا التاريخ في الظروف الاجتماعية الواقعية للجغرافية اللغوية بين الشمال و الجنوب والشرق والغرب .
يفرض المنطق الاجتماعي والواقعي إذا نفسه كمبحث ثاني في هذه المداخلة ، لنعرف كيف تتعدد اللغة في المغرب مجاليا ، والمجال حقيقتا لابد أن يرتبط بسياقات متعددة منها ما هو تاريخي نفسه ، ولابد أن نشير منذ البداية إلى ما عرفه المغرب من اكراهات سياسية بالخصوص ، وما للدور الذي لعبه الاستعمار في خلخلة البناء الثقافي و القيمي للمغرب ، مما أثر على اللسان واللغة على وجه التخصيص ، إذ أن التعدد اللغوي في المغرب حكمتها هذه الخلفيات إلى جانب عوامل أخرى كثيرة لا يسع المجال لذكرها ، وأشير منذ البداية أن ورقتي لن تتعد عاملين اثنين :
- الظروف التاريخية بما حملته من تغيرات على مستوى التعدد اللغوي بالمغرب .
- ثم ماذا تأثير العامل التاريخي على الجغرافية اللغوية بالمغرب وبالخصوص الحضارات التي تعاقبت عليه، من الشمال إلى الجنوب ثم من الشرق إلى الغرب ، وكيف تحكمت تلك التدخلات والحضارات على اللغة المغربية اجتماعيا.

1- تاريخانية التعدد اللغوي بالمغرب :
أصائب ما كان يقوله الرسام الألماني – السويسري ’’ بول كلي ’’ أنا هو أسلوبي ، أم الصواب هو العكس : أسلوبي هو أنا ، اللغة و النحن : من يشكل من ؟، أم أنهما رأيان سديدان ، معا ، بوجه أو بأخر ، أو لسبب أو لأخر ؟ ، أم انه لا فرق أصلا بين هذا وذاك ، وأن تلمس الفرق لا يخرج عن كونه فذلكة لغوية وتلاعبا بالكلمات ، لا أكثر وربما أقل ؟ ذلك يحيل ما يحيل على أن اللغة تسكننا بتعبير ’’ بورس ’’ وهي تشكلنا لأنها هويتنا التي لا محيد عنها ، إنها تاريخنا قهرا ، فنحن نعبر بها ومن خلالها عن أفكارنا ؛ طموحاتنا ؛ تواصلنا مع البعض ؛ أحلامنا ، وكل ما له علاقة بالكائن الإنساني ، يجرنا هذا الحديث إذن إلى مسألة مهمة جدا ، هي أن نربط اللغة بالهوية ومن ثمة بالتاريخ التراتبي للمجتمع ، أي مجتمع ؟ إنه المغرب المتعدد و المزيج بالتعبير الباسكوني ، ولربما يمكن أن نصرح في البداية بان تاريخ المغرب منذ القدم عرف تغيرات مهمة على مستوى اللغة ؛ فكانت تتغير بتغير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي أيضا ، وقد شكلت التجارة من جهة ، والهجرات من جهة ثانية ، والاستيطان من جهة ثالثة ، مؤشرات قوية على وجود تعددية لغوية في المغرب منذ القدم .
لقد شكلت نواحي المغرب الأربع منذ أقدم العصور ثقافة متميزة تعبر عن بعد تاريخاني عميق ، إذ تعتبر اللغة طريقا لإظهار هذه الثقافة فيمكننا أن نقول بأن حدود المغرب الأربع قد لعبت دورا هاما في لغة القوم وحديثهم ، ويحق لنا أن نتساءل عن اللغة الرئيسية التي كانت سائدة عند سكان المغرب الأولين ، هل هي الأمازيغية أم اليهودية ؟ أم الفينيقية والرومانية ؟ أم أنها العربية أم التركية والفارسية ؟ ولربما قد تكون لغة أخرى لم يستطع التاريخ العثور عليها ، إن هذه التساؤلات لا تحيلنا فقط عن اللغات المستعملة في الزمن التاريخي للمغرب ، لكنها تحيلنا في معنى أخر عن القوميات التي سكنت هذا المجال منذ عقل التاريخ عن نفسه ، ومنذ بدأنا نعي فعلا أن المغرب بلدا متعدد اللغات .
وحقا منذ بدأ هذا الوعي تحدثنا دراسات كثيرة على أن أول لغة وجدت في المغرب كانت الأمازيغية القحة ، حتى ظهرت تفرعاتها في المجال المغربي مع نمو الساكنة ، دراسات أخرى تحدثنا عن أن اليهود كانوا أول المعمرين لهذا المجال – المغرب - ، لكن لا يهمنا البحث عن أصل من عمر المغرب أولا ؛ لأن ذلك متجاوز الآن ، فهدفنا هو أن نقر بأنه فعلا عرف المغرب لغات متعددة منذ القدم حتى الآن ، وهذا يعني أنه كما تبتت الدراسات الحديثة أن اللغة الأمازيغية هي من كانت سائدة في المغرب أنذاك ، لكنها فيما بعد لم تعد وحدها ، فولج العنصر اليهودي بلغته العبرية من الأندلس ، مما يعني أن المغرب عرف منذ القدم لغات أخرى ظلت لغة غير ممارسة من طرف الجميع ، لكنها حققت مبدأ التعدد ، من هنا نجد أن اللغة العبرية لها جذور في الغرب الإسلامي ، " إذ يعتبر اليهود أول مجموعة بعد الأمازيغ وفدت على المغرب وما تزال تعيش فيه إلى يومنا هذا " وقد حافظوا على لغتهم – العبرية - كلغة حية قائمة الذات يتواصلون بها بينهم ؛ معنى ذلك أن الأمازبغ لم يفرضوا لغتهم على اليهود وإنما احتكت لغتهم باليهود تجاريا ، ويمكن أن نفترض حسب ما جاء في كتاب ’’ حاييم الزعفراني ’’ بأنه كان هناك تمازج بين المسيحية واليهودية والوثنية في مغرب ما قبل الإسلام ؛ إذ يحكي اخباريوا القرن 14 عشر ، أن ادريس الأول وجد أمامه عندما فتح المغرب ، قبائل مسيحية ويهودية ووثنية ، ومعنى هذا أن المغرب في تلك الفترة عرف تعددا مهما في اللغات ، فنجد عند ’’ الحسن الوزان ’’ أن الكثير من ثغور شمال أفريقيا كانت محتلة من طرف المسيحيين من وهران المدينة الجزائرية حتى سواحل المغرب الأقصى الشمالية والغربية ،لكن ظلت اللغة الأمازيغية هي المنتشرة بكثرة نظرا لعامل النمو الديموغرافي المتواجد في المنطقة .
لكن يحدثنا التاريخ أيضا أن المغرب عرف سلسلة من التغيرات في فترة ما قبل الإسلام ، ولا يتعلق الأمر هنا باللغة العبرية أو الأمازيغية ، بل " بولوج العنصر الفينيقي الذي أسس مدينة طنجة في القرن الخامس عشر ، فصار هذا العنصر همزة وصل بين الجاليات الفينيقية والإسبانية من جهة ، وبين المغرب من جهة ثانية ، وكان المغرب الفينيقي بين ثلاث عوامل ، إما الاستمرارية في التأثر بقرطاجنة أفريقيا بطريق مباشر ، أو التأثر بقرطاجنة الأندلس لقربها من المغرب ، أو محاولة إيجاد عالم فينيقي مغربي ممتزج يتخذ لنفسه صفة الاستقلال " ، إن هذا يحيلنا مباشرة إلى أن المغرب عرف تعددا مهما من حيث القوميات مما حدى بتعدد اللغات ، فلابد للفينيقيين أنهم أتوا بلغتهم الأصلية ، واللغة الفينيقية كما نعلم لغة سامية غربية ، إلا أن الأثر الثقافي الفينيقي في المغرب كان ضعيفا جدا ، لأن الأمازبغ اغتنموا فرصة قيام الحرب بين الفينيقيين والرومان وكونوا ابراطورية مستقلة في المغرب الأقصى فانتعشت الآداب الأمازيغية بالخط اللوبي أو البربري القديم " تيفيناغ " .
ولم يقتصر المغرب على الغزو الفينيقي فقط ، بل استولى الرومان عليه في القرن الأول قبل الميلاد ، وخصوصا الجزء الشمالي منه ، واختاروا طنجة لتكون العاصمة الساحلية و " فولوبيليس " – وليلي حاليا – في منطقة زرهون قرب مكناس لتكون العاصمة المركزية ، وكل هذا ليس بغرض الرجوع إلى الرصد التاريخي من أجل كتابة التاريخ ، ولكن لكي نبرر أن التعدد اللغوي في المغرب ظاهرة قديمة ، إلا أنه يمكننا القول أنهم لم يخلفوا أثارا لغوية يُعتد بها .
وحتى هنا لا نجد أثرا للغة العربية بحكم أنها ستلج مع الفتح الإسلامي ودخول المسلمين لشمال إفريقيا ومعهم الدين الجديد ، إن ما كان يحكم التعدد اللغوي في المغرب قبل الإسلام هو عامل النمو السكاني من جهة ، ثم العامل السياسية المتمثل في الاستعمار المبكر للمغرب ، بالإضافة إلى عوامل أخرى فرعية من قبيل التجارة وما يتعلق بالاقتصاديات الصغرى والكبرى ، وهذا التعدد لم يكن كما قلنا شاملا بحيث يجعل الأمازيغي يتكلم اللغة الأصلية ثم العبرية أو اللاتينية و الروماني يتكلم البربرية ثم لغته الأصلية، بل ظلت اللغة في تعددها تخضع لتعدد القوميات الموجودة آنئذ ، كما تخضع لمبدأ القوة و الضغط .
وعندما بدأ العرب في غزو أفريقية وجدوا هذه النواحي كما ترصد الكتب التاريخية في سكون شامل وهدوء كامل ، حيث استقر عرب الفتح في الأمصار ومصر وشمال إفريقيا ، وعبروا بوغاز جبل طارق واجتازوا الجزيرة الأيبيرية حتى وصلوا مدينة بواتييه ، فاندمجوا في المغرب مع الأمازبغ ، يقول ابن خلدون : " هؤلاء كلهم أنفقتهم الدولة الإسلامية العربية ، فأكلتهم الأقطار المتباعدة ، واستلهمتهم الوقائع المذكورة ، فلم يبقى منهم عشير يعرف ولا قليل يذكر ، ولا عاقلة تحمى جنابة ولا عصابة بصريخ إلا سمع من ذكر أسمائهم في أنساب أعقاب متفرقين في الأمصار التي لحموها بجملتهم فتقطعوا في البلاد ودخلوا بين الناس " ، وهذا الاندماج بين العرب و البربر أثناء الفتح وجد أمامه عائق اللغة ، إذ كيف سيخضِع المسلمون البربر وهم لا يتقنون العربية وكيف سيتقبلون الدين الجديد ؟
إن هذا بالكاد يضعنا أمام مشكلة اللغة ، إذ لم نعد نتحدث عن لغة واحدة بقدر ما نحن أمام لغتين أو أكثر ، إن هذه التعددية اللغوية سيحكمها في المغرب عامل أخر هو أن يعربوا الأمازيغ لفهم الدين الإسلامي ، ولكن في نفس الوقت التي سيتم فيه تعريب البربر ، فإن من العرب من سيتعلم اللغة الأمازيغية، لنكون أمام ازدواجية لغوية تتعلق بالفرد من جهة ، وتعددية لغوية تحكم المجال الجغرافي من جهة ثانية .
و استقرار عرب الفتح في الأمصار ، شجع كثيرا من بطون القبائل العربية في الجزيرة على اللحاق بذويهم من الجنود والحكام والعرب ، فخرج العرب إلى البلاد المفتوحة في شكل هجرات ، وأهم هذه الهجرات بعد الفتح الأول " هجرة بني هلال في العام الخامس الهجري ، وترجع أهميتها إلى انتشار جميع أفرادها في أنحاء بلاد المغرب حتى وصولهم إلى طنجة واختلاطهم مما كان له أثر عظيم في اللغات البربرية التي كانت سائدة في القرون السابقة " ، وحتى هذا العصر عاش المغرب تعددا كبيرا على مستوى اللغة ، لكن هذا التعدد سيستمر في العصر الحديث بطرق أخرى .
فقد ظلت اللغتان الأمازيغية والعربية تستعملان بكثرة في المغرب حتى العصر الحديث ، وهذا الاستعمال تقاسمت فيه اللغتان خصائص وظيفية يعبر بها كل شعب وكل قوم عن حاجاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية ، حتى أنه عندما تلاقت القبائل البربرية والعربية مع بعضها البعض وتوحدت لغويا ، نتجت لنا لغة أخرى قريبة من العربية ؛ ما هي إلا اختلاط بين الفصحى و الأمازيغية ، تسمى العامية المغربية أو " اللغة الدارجة " لها خصائص تميزها على اللغة الفصحى ، من هنا عوض أننا نحصل على لغتين ، أصبح لنا ثلاث لغات مختلفة نسبيا عن بعضها البعض ، فلا الدارجة تشبه الأمازيغية و لا هذه الأخيرة تشبه العربية .
هذا التعدد ظل قائما حتى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، حيث سيتدخل الإستعمار الفرنسي ليغطي الوسط المغربي وبعض تخوم الصحراء والجهة الشرقية مع الحدود الجزائرية ، و الاستعمار الإسباني الذي سيغطي مجمل أراضي الصحراء المغربية الجنوبية بالإضافة إلى منطقة الشمال ؛ ثم فتح منطقة طنجة على الحدود الدولية باعتبارها لا تخضع للسيادة الفرنسية ولا الاسبانية ، ولكن لتصبح مدينة دولية ، هذه التدخلات ستجعل من المغرب بلدا مشتتا ثقافيا ، على اعتبار أن هذه الدول ستأتي إلى المغرب محملة بثقافة ولغة جديدتين عليه ، مما سيجعل البنيات الاجتماعية والثقافية للمغرب تنهار وتتفكك شيئا فشيء .
إن البناء الثقافي لكل مجتمع لا يمكن أن يتأسس خارج اللغة ، لأن هذه الأخيرة هي العامل الأساس المعبر عنها ، فأي كانت اللغة قوية ومتعددة ، كانت الثقافة متعددة ، معنى ذلك أن اللغة هي أداة استعمال من جهة وأداة تواصل بين الجماعات داخل المجتمع الواحدة من جهة ثانية ، وعندما نصبح أمام تعدد في اللغة نكون أمام تعدد في الثقافة ، بل إن هذا التعدد في اللغة داخل الثقافة المتعددة سيجعل من اللغات المتعددة الموجودة لا تخدع لمبدأ التعميم ؛ بل تخضع لمبدأ التخصيص ، إذ تستعملها كل جماعة لنفسها ، كما يحدث في بعض القبائل الأمازيغية التي لا تعرف العربية ، وكما تعرفها بعض القبائل العربية المغربية التي لا تعرف الأمازيغية ، بل حتى اليهودية المغربية التي لا تعرف الأمازيغية والعربية ، ما نريد أن نقوله هو أنه مع التدخل الاستعماري الجديد للمغرب ، سنصبح أما تعدد كبير في اللغات ؛ أمام العربية و الأمازيغية و الدارجة من جهة ، ثم أمام اللغة الفرنسية والإسبانية من جهة ثالثة ، ثم اللغة الإنجليزية التي ستدخل إلى المغرب عن طريق مدينة طنجة ذات الوضع الدولي وستفرض قوتها بشكل قوي حتى بعد الاستقلال كقوة اقتصادية وكلغة عالمية .

2- الواقع الاجتماعي للتعدد اللغوي بالمغرب :
يمكن أن نعتبر ما قلناه في البداية فرشا مهما نناقش من خلاله هذا العنصر ، لكننا لن ننطلق من التاريخ مرة أخرى ، لكن سننطلق من الواقع الاجتماعي للمغاربة ومن الإكراه الذي عانوه لغويا وثقافيا بفعل عوامل كثيرة ، كان الاستعمار أبرزها ، فكما سلف عرف المغرب تعددا في اللغة ، وهي ظاهرة تعرف عليها المغرب منذ القدم ، وليس المغرب فقط ، بل بإمكاننا القول أن مجمل البلاد العربية عانت منه ، فالاستعمار الأجنبي لأغلب البلاد العربية في أواخر القرن 19 عشر والنصف الأول من القرن 20 خلف بين أبناء البلد الواحد واقعا لسانيا اتسم في كثير من البلدان ببروز ظاهرة " التشاحن اللغوي " وهو تشاحن ما زلنا نشهد تجلياته إلى يومنا هذا .
إن لمسألة علاقات الظاهرة اللسانية بالمكان الجغرافي منزلة خاصة ، ونحن عندما نعالج هذه الظاهرة ، نكون كما يقول ’’ دي سوسير ’’ قد تركنا علم اللسان في صورته الداخلية لننظر ونتأمل في علم اللسان الخارجي ، وهذا الانتقال يفترض في عموميته الانتباه إلى كل الظواهر اللسانية المتنوعة التي تنتشر في منطقة دون غيرها ، ودراسة هذا التعدد في اللسان ؛ في تنوعه واختلافه ، يظهر بشكل جلي عندما ننتقل من منطقة إلى أخرى ، بحيث تبرز أنواع الاختلافات خصوصا في المكان بشكل ظاهر للعيان ، معنى هذا أن جذور اللغة تمتد إلى البنى الاجتماعية بكافة أشكالها ، " إذ لا يمكن فصل اللغة عن الثقافة خاصة وأن الظواهر الاجتماعية التي يرتبط بها الفرد بحكم انتمائه إلى المجتمع تفرض عليه سلوكا لغويا معينا " .
ونلاحظ أن المثقفين والمتعلمين خاصة في أوائل هذا القرن انقسموا إلى قسمين : قسم يرفض اللسان أو الألسنة الوافدة علينا رفضا باتا انطلاقا من تعليلين ؛ الأول ذو طابع سياسي بإنكار كل ما خلفه المستعمر المستبد ، والثاني ذو طابع لغوي إذ أن اللسان الأصيل إذا ما دخله لسان أو ألسنة أخرى صار شيئا فشيئا هجينا . والقسم الثاني اعتنق لغة المستعمر فجعلها لغة معرفة وبحث وعمل ، لكن سرعان ما تعالت أصوات داعية إلى انتحال موقف وسط تحتفظ فيه اللغة العربية بسيادتها اللسانية دون أن يتم إقصاء اللغات الأجنبية اقصاءا تاما ، إن هذا الصراع يجرنا إلى إشكالية التنافس بين اللغات ، لكننا لا نهدف إلى ذلك بقدر ما نهدف إلى إثبات أن التعدد اللغوي الذي خلقه المستعمر اثر على الواقع الإجتماعي في المجتمع ، وهذا التأثير كان له كبير الأثر على مستوى وظائف اللغات المستعملة .
وهذه الوظائف فعلا تؤدي بنا إلى أن الواقع يحتم على المغاربة هذا التعدد في اللغة ، فنجد من يتكلم اللغة العربية و الأمازيغية في إطار ما يسمى بالثنائية اللغوية ، إذا علمنا أن اللغة الأمازيغية فعلا لغة لها خصائصها الخاصة وقواعدها المتينة ، ومن يتكلم اللغة العربية إلى جانب الفرنسية فيقع كذلك في الثنائية اللغوية ، ونفس الشيء بالنسبة للذي يتقن العربية و الإسبانية ، لكن ماذا إذا كان الأفراد في المجتمع المغربي يتكلمون أكثر من لغتين ؛ بمعنى أن الفرد يتقن الأمازيغية والعربية والفرنسية ، بل حتى الإسبانية بحكم أن مؤسسات الدولة ومنها المدرسة والجامعة - كما سيشير زميلي من بعد – تكرس التعددية فهل فعلا نحن أمام تعددية لغوية ؟ وهل ما أشرنا إليه سابقا يدخل أيضا ضمن الازدواجية اللغوية ، إنه من الصعب معرفة الحدود الرئيسية بين هذه المفاهيم ، وربما ما هو سياسي يتعلق بالدولة الرسمية شيئ ، وما يوجد في الواقع شيئا أخر ، فالواقع إذا يحتم التعدد اللغوي من منطقة إلى أخرى حسب استعمال اللغة أو حسب قدرة الفرد أو على الوضعية اللغوية عند قومية معينة أو لمجتمع ما ، ومع ذلك ، فعلى المستوى الفردي فإن التعدد اللغوي غالبا ما يصنف بشكل عام تحت رداء ما يسمى " الثنائية اللغوية " .
وهو كذلك " ما دام من المحتمل أن يوجد أشخاص ثنائيو اللغة في العالم أكثر من أحاديي اللغة ، فلا يمكن تصور وجود مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يستعملون أكثر من لغتين بشكل اعتيادي ، فهناك بالفعل ، عدة أوضاع متعددة اللغة غنية في العالم " ، لذلك ولمعرفة هذه التعددية لابد من ربطها بالواقع المجتمعي ، وربط الواقع باللغة يحتم علينا الانتقال من مستويات جغرافية متعددة ، على اعتبار أن المغرب عرف التعدد اللغوي بطريقة تجزيئية غير موحدة ، فما يوجد في الشمال قد لا نجده في الجنوب أو الوسط والعكس بالعكس .
زد على ذلك أن واقع المجتمعات العربية ، تبعا لعبد الرحيم يوسي ، يختلف اختلافا أساسيا عن واقع المجتمعات الأوروبية ، ويكمن الاختلاف أساسا في عوامل تاريخية وعقائدية وحتى جيوسياسية ، إذ تتحكم هذه المقاييس في واقع المجتمعات العربية ، كما تتحكم ، ولاشك ، في مسارات تطور أوضاعها اللغوية ، وعلى المستوى المجتمعي أو الوطني يجب التمييز بين التعدد اللغوي الرسمي (
official ) والتعدد القائم بحكم الواقع ( de facto ) ، فمنطقة الشمال مثلا المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط حيث تقع أهم المدن كطنجة و سبتة ، الحسيمة ، الناظور ، ومليلية ، تطوان وغيرها ، فهذه الوجهة الساحلية المطلة على الأندلس جعلت المغرب مند قرون عديدة يتأثر بالحضارات الأخرى خصوصا إسبانية والبرتغال فاثر ذلك على لغة سكان المنطقة ، يقول عبد المنعم سيد عبد العال : " ولهجة سكان المنطقة الساحلية التي تطل على البحر الأبيض المتوسط بربرية إلا أن منهم من يتكلم الدارجة المغربية وهؤلاء هم الذين أجبرتهم ماديات الحياة على هجرة الجبال والنزوح إلى المدن للعمل فيها ، ورغم تحدثهم بالعربية المغربية مع سكان هذه المدن تراهم يتمسكون بلهجتهم البربرية حين يتحدثون مع أبناء جلدتهم ممن يعيشون معهم في المدن المغربية المختلفة ... وخصوصا أهالي تركيست وكتامة والحسيمة والناضور... وكلما ابتعدنا عن الساحل إلى داخل البلاد تبدأ البربرية في الإنقراض شيئا فشيئا وتحل محلها المغربية الحديثة ... " .
ولكن منطقة الشمال كما المغرب كله متعددة اللغة رسميا – كما جاء في الدستور – لأنه تم التصريح بذلك ، ونشير إلى العربية عند جبالة و غمارة و الريفية الأمازيغية عند سكان الريف بالإضافة إلى الدارجة المغربية ، لكن هناك تعدد لغوي مبني على مبدأ الإقليمية ، فنجد إلى جانب العربية و الأمازيغية – الريفية – اللغة الإسبانية التي تستعمل في مختلف الجوانب الثقافية لهذه المنطقة سواء من طرف النخبة أو من عامة الناس ، وهناك رصيد لغوي إسباني هام يتناول في مختلف الأنشطة ، مثلا ( أبريكو= المعطف ، بابور= سفينة ، بْراصو= الزند ، لا بلايا= شاطئ البحر ، لْ بلوما= القلم ، ل بندا= ضمادة ، البينو=الخمر ، تِمبر=طابع البريد ، تياترو= المسرح ، طوزينا=مجموعة حاجة ، إل كونتراطو= عقدالإيجار ، كوخو= أعرج ، اللوبا= قفل الباب ... ).
أما إذا اتجهنا إلى الوجهة الشرقية فنسير حينذاك مع حدود الجزائر ، واللغة المستعملة في جبال هذه المناطق بربرية تعرف " بتمازيغت " ، إذ تطغى الأمازيغية على العربية ، مع كثير من الفرنسية بحكم التأثر بالاستعمار ، حتى أننا نجد كثير من المفردات الأمازيغية دخلت اللغة المغربية الحديثة ، نذكر مثلا ( لْاتاي=الشاي ، أفرور=نوع من الفخار ، لَبْلَون=الفول ، بْحاطي=رجل لا مبدأ له ، تَفِلَيتْ=صدى الصوت ، تبروري=البرد ، تْشابول=الكوخ ... ) ، ونفس الشيئ تقريبا في الوجهة الغربية التي تبدأ من ساحل طويل على المحيط الأطلسي تبدأ بطنجة شمالا وبأكادير جنوبا ، وبين المدينتين كثير من القرى والمدن مثل القصر الكبير، سوق الأربعاء ، القنيطرة ، الرباط ، الدار البيضاء ، أسفي حتى الصويرة ، حيث نجد الغلبة للفرنسية والعربية مع قليل من الإنجليزية التي يتكلم بها خصوصا أهل العلم والمعرفة كلغة أكاديمية متقدمة .
أما من الناحية الجنوبية للمغرب ، ففي أغلب الحالات نجد ما يطلق عليه باللهجة " الحسانية " نسبة إلى قبائل بني حسان ، وهي لغة بدوية عربية قحة ، لكن نجدها تتوفر على مفردات كثيرة من اللغة الإسبانية بحكم الإستعمار فيستعملها البدويون في مختلف مناحي حياتهم .

خلاصـــــة :
لقد نشأ التعدد اللغوي المجتمعي بواسطة عوامل سياقية كالهجرة العالمية ، والاستعمار ، والحدود الدولية ، وجزر اللغة ، وكذلك انتشار اللغات العالمية ، ففي المجتمعات المتعددة اللغة – كالمغرب – حيث نفس اللغات ، إما أن هذه اللغات تستعمل بشكل عام أو جزئي من قبل نفس الناس ، لهذه اللغات المختلفة أيضا وظائف مختلفة تؤديها ، ويحدد اختيار لغة ما ضمن متعددي اللغات حسب المتغيرات الاجتماعية ، هذه المتغيرات الاجتماعية مفيدة كذلك في التغيير الشفري بين اللغات داخل نفس امتداد الخطاب ، فالتعدد اللغوي بالمغرب ظاهرة قديمة وجديدة في نفس الوقت وقد خضعت لمبدأ الزمن من جهة و العصبية القومية من جهة ثانية ، بل كان هذا التعدد هو بمثابة دراسة لأنظمة اللغة في الاتصال ووظائف اللغة في المجتمع والمجموعات التي هي في اتصال دائم ، وكذلك كلام الأفراد الذين يستعملون أكثر من لغة ، وعليه فإن المغرب فعلا بلدا متعدد اللغة ، ولغته المتعددة تخضع للتقسيم السياسي الذي كان سائدا من قبل ، فنجد اللغات في المناطق تختلف كما قد تتشابه .

مصادر ومراجع الورقة :
أولا : الكتب العربية
1. تاريخ ابن خلدون ، الجزء السادس ، طبعة مصر سنة 1936 .
2. الحسن بن محمد الوزان الفاسي ، " وصف إفريقيا " ، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر ، الجزء الأول ، دار الغرب الإسلامي للنشر ، بيروث-لبنان ، الطبعة الثانية 1983.
3. حاييم الزعفراني ، " ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب " ، ترجمة أحمد شحلان و عبد الغني أبو العزم ، مطبعة دار قرطبة للنشر ، الطبعة الأولى 1983.
4. عبد المنعم سيد عبد العال ، " لهجة شمال المغرب : تطوان وما حولها " ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ، القاهرة – مصر ، الطبعة الأولى 1344 هــ / 1968 م .
5. عبد الإله بوغابة و بشرى العروصي ، " الإطار التداولي في اللسانيات المعاصرة " ، المطبعة السريعة للنشر والتوزيع ، القنيطرة – المغرب ، الطبعة الأولى 2006 .
6. عبد الرحيم يوسي ، " التعامل بين اللغات واللهجات بالمغرب في اتجاهها الدينامي " ، مجلة التربية والتكوين ، العدد 3 ، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء ، سنة 2007 .
7. محمد المامي ، " كتاب البادية " ، مخطوطات الغرب الإسلامي ، الطبعة الأولى 1428 هــ / 2007 م .
8. فرديناند دي سوسير ، " محاضرات في علم اللسان العام " ، ترجمة عبد القادر قنيبي ، دار أفريقيا الشرق ، سلسلة البحث السيميائي ، طبعة 1987 ، الدار البيضاء – المغرب
9. كتاب " شمال المغرب الشرقي قبل الاحتلال الفرنسي 1873- 1907 " ، منشورات جامعة الحسن الثاني – كلية الآداب والعلوم الإنسانية 3 ، المحمدية ، عكاشة للنشر ، سلسلة أطروحات ورسائل رقم 3 ، الطبعة الأولى 1410 هــــ/ 1989 م .
10. كولماس ، " دليل السوسيولسانيات " ، ترجمة خالد الأشهب و ماجدولين النهيبي ، المنظمة العربية للترجمة ، د.ط .

ثانيا : كتب أجنبية
1.
Hermengildo Tabernero : « La Obra De Espana En El Sahara » , Africa Num , 107 , Noviembre 1950.

ثالثا : المجلات والندوات
1. عبد الله البريدي ، " اللغة هوية ناطقة " ، سلسلة كتاب المجلة العربية رقم 197 ، مكتبة الملك فهد الوطنية للنشر ، الرياض- المملكة العربية السعودية ، طبعة 1434 هــ .
2. كتاب " وضع اللغة والآداب العربيين في الجامعة " ، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 7 ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة ابن طفيل القنيطرة ، أعمال الندوة الوطنية التي نظمتها الكلية يومي 9 و 10 دجنبر 2003 ، البوكيلي للطباعة والنشر ، الطبعة الأولى 2007 .


الحوار المتمدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق