الاثنين، 27 يناير، 2014

مبادئ لسانية في التراث النحوي العربي كتاب الخصائص لابن جني

مبادئ لسانية في التراث النحوي العربي كتاب الخصائص لابن جني- نموذجا مقاربة تأصيلية في ضوء المنهج البنوي الأوربي

كمال قادري
تأتي أهمية الحديث عن مظاهر التقابل بين التفكير اللساني عند علماء العربية وعند علماء اللسانيات البنوية من الأوربيين، لرصد جهات التقارب والاختلاف بينهما في الأسس والمبادئ. ولعل كتب أصول النحو، في تراث العربية، هي خير ما يمثل هذا المجال، ويقرب الصورة التقابلية أو المقارنة بينهما، لما تناولته من أصول تم من خلالها استقراء كلام العرب واستنباط قواعده. فكانت بمثابة الأسس التي استند إليها التفكير اللغوي، عند العلماء، والمبادئ التي تحددت من خلالها موضوعات النحو ومسائله، وتبنيت معالم منهجه.
L importance  primordiale que revêt  l'étude des aspects d antithèses se situant entre les pensées linguistiques des savants Arabes et les linguistiques structurales Européennes s'inscrit dans le cadre de rassembler les divers aspects de convergence et de divergence entre les deux courants. Le patrimoine Arabe en la matière est très riche, et diversifie, et peut assurer amplement des études comparatives dans le domaine. A ce propos l œuvre  d'Ibn djinni «ElKhassaiss» occupe la place prépondérante dans ce genre d'études linguistiques
النحو العربي-النشأة والمنهج:
مصطلح النحو:ظهر مصطلح (النحو)منذ وقت مبكر من بداية الاهتمام بالظاهرة اللغوية على يد أبي الأسود الدؤلي (ت69هـ) استنادا إلى مقولة:انح هذا النحو، إلى جانب عدد من المصطلحات التي سادت خلال القرن الأول الهجري:العربية، والكلام، واللحن، والإعراب والمجاز. وقد أخذ استخدامه في الانتشار مع بداية القرن الثاني الهجري على يد عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي(ت117)بالمعنى الاصطلاحي الذي ساد خلال القرون اللاحقة في مقولته المشهورة ليونس بن حبيب:"عليك بباب من النحو يطرد وينقاس"والتي تشير أيضا إلى ريادته في التأسيس للأصول النحوية، من سماع وقياس وتعليل[i]؛ بحيث هيمن استعماله على باقي المصطلحات، ثم تكرست دلالته العلمية على يد الخليل، ولقي استحسانا على ألسنة دارسي العربية بعد ذلك من قدماء ومحدثين.
وهورغم ما في لفظه من سهولة ويسر، وفي دلالته من وضوح وجلاء، في ثقافتنا العربية إلا أنه لا يخلو من غرابة في الوضع الاصطلاحي؛ حيث إن معانيه المعجمية لا تشير بأي حال من الأحوال إلى معنى العلم باللغة أو بشيء آخر منه، لتباعد الحقلين الدلاليين للفظي النحو والعلم.وفضلا عن ذلك فإن هذه المعاني لا يتوقع منها عند نقلها إلى لغة أخرى أن يكون من بينها التعبير عن العلم باللغة.
ومن هنا تبرز مسألة الفرق الجوهري بين مصطلحي النحو واللسانيات، من الناحية الموضوعية. وهو فرق يعود في الواقع إلى الأساس المعرفي لكلا المصطلحين، على اعتبار أن الأول شغل أكبر حيز في مساحة الاستعمال من تاريخ علوم العربية-وما يزال كذلك-بينما لم يستخدم الثاني إلا في العصر الحديث. وحتى إذا حاولنا المقارنة بين مصطلح علوم اللسان بمفهومه القديم ومصطلح اللسانيات فإن الفرق بينهما يبقى قائما، من الناحية المفاهيمية موضوعا ومنهجا.كما أن مصطلح علم اللغة الذي يضعه كثير من الدارسين المحدثين في مقابل اللسانيات يقتضي تحديد دلالته الاصطلاحية ضمن سياق استعماله لدى القدماء؛إذلم يكن يتجاوز غالباً العلم بمفردات اللغة، في مقابل مصطلح النحو الذيهو-غالبا- العلم بالتراكيب أو الجمل لديهم.
فابن فارس (ت395هـ)يقسم علم العربية إلى قسمين: أصل؛ وهو النحو. ويتعلق بالقول على وضع اللغة وأوليتها ومنشئها وعلى رسوم العرب في مخاطباتها، وما لها من الافتننان تحقيقا ومجازا. وفرع؛ وهو علم اللغة، ويتعلق بمعرفة مفردات اللغة من أسماء وصفات. وهو ما عبّر عنه أبوحيان(ت745هـ) بقوله: "والفرق بين علم النحو وبين علم اللغة أن علم النحو موضوعه أمور كلّية، وموضوع علم اللغة أشياء جزئية."[ii]
وقد كان لظروف نشأة النحو العربي، لدى علماء البصرة ثم الكوفة، أثره البالغ في تزايد الاهتمام بالعربية؛ حيث وجد معلمو القرآن الكريم والعربية أنفسَهم أمام تحدّيين كبيرين. أحدهما يتمثل في ظهور بوادر فساد السليقة العربية بانتشار اللحن على ألسنة العرب في الحواضر، وثانيهما مطلب تعليم الأعاجم العربية باعتبارها لغة الكتاب. ومن هنا ارتبط النحوالعربي في ظروف نشأته بجملة من العوامل. غير أن عامل اللحن، بوصفه ظاهرة لسانية، وباعتباره تغييرا وانحرافا عن مجاري العرب في كلامها يبقى أبرزها تأثيرا وأقواها تبريرا في نظر علماء العربية. فكان البحث في ميادين الفصاحة لتخليص التعبير من العجمة واللحن والفساد جراء تكاثر الظواهر الناشزة في اللغة.[iii]
معيار الاحتجاج ومفهوم الفصاحة:انطلاقا من ضرورة تحديد النص المرجعي في الاستدلال اللغوي من الناحية المنهجية راح العلماء يحددون بحذر شديد-بحكم اتساع رقعة اللهجات العربية-مقاييس الفصاحة في لغة الاحتجاج، لضبط آليات تدوين كلام العرب الذي كان يتداول مشافهة. وعليه تحدد مفهوم الاحتجاج اللغوي باعتباره إثباتا لصحة استعمال كلمة أو تركيب بدليل نقلي من القرآن الكريم، ومما صح سنده إلى عربي فصيح سليم السليقة.فارتبط بذلك مفهوم الاحتجاج بمفهوم الفصاحة، وتداخل معناهما في المنهج النحوي.
ذلك بأن مشكلة الفصاحة ظهرت في تاريخ العربية منذ أن تحسس العرب أخطار العُجمة واللحن تهدد لغتهم، فراحوا يتعقبون تلك الأخطار بتحصين العربية وحمايتها وفق معايير الفصاحة، وتمييز ما هو لحن أو دخيل أو أعجمي مماله الأصالة والنسب العريق.[iv]فالمعيار النمطي أخذ يضغط بثقله، من جهة، لمقاومة حركة التغيير، ويشدها بقوة ليمنع عن نظام اللغة أي تبديل، وراح من جهة أخرى، يحرص على تكريس هذه النمطية لأغراض التنشئة اللغوية اجتماعيا وتعليميا. وهو ما ينطبق على جميع الألسنة، في هذا الشأن، وتشهد له تعليمية اللغات.[v]
ويضاف إلى هذا عامل آخر له تأثيره العميق في العربية بشكل خاص هو الوازع الديني[vi]الذي جعل من الفصحى نموذجا مفروضا ومثلا أعلى يحتذيه كل كاتب عربي، حتى صار-كما يقول هنري فليش-من العسير بمكان أن تحصل على صورة واضحة للنمو والتطور(التغيير) الذي أصاب العربية ككل لغة حية.[vii]
تداخل الوصفية والمعيارية:نشأ النحو منذ البداية نشأة فيها قدركبير من التداخل موضوعاً ومنهجاً بين الوصفية والمعيارية، وفيها نزوع حاد نحو الاعتراض على الظاهرة الطبيعية للغة القائمة أساسا على مبدأ التغيير تبعا للصيرورة الزمانية.[viii]
ولئن أمكن لهذين المعيارين، في واقع الأمر، أن يحدثا أثرا جليا في الحد من ظاهرة اللحن، في أوساط الأفراد من المتعلمين، فإنهمالم يحدثا الأثر نفسه في مقاومة اندفاع اللسان اجتماعيا نحو التغيير الذي فعل فعله على المدى الزمني البعيد، وصولا بالعربية الفصحى إلى أواخر القرن الثاني الهجري في الحواضر وأواخر القرن الرابع في البوادي[ix]وزوالها من الاستعمال الاجتماعي تدريجيا بعد ذلك.
وقد بلغ علماء العربية بالنحو من الدقة والضبط في استنباط قواعد اللغة واستكشاف نظامها ما جعله يتحول من مجرد معرفة عامة إلى صناعة علمية محكمة، حين توفرت له خصائص العلم المضبوط، من موضوعية وانسجام وشمول؛[x]فتحددت أصوله بأواخر القرن الأول مع الحضرمي واتضحت معالم منهجه وتطبيقاته قبل نهاية القرن الثاني مع الخليل ويونس وسيبويه والأخفش والرؤاسي والكسائي والفراء وغيرهم. و"في كل ذلك لم يحتاجوا إلى كتب أجنبية ولا إلى ألفاظ ومصطلحات أعجمية".[xi]
 فالنحاة انطلقوا انطلاقة وصفية[xii]علمياً-وإن كان الهدف لديهم معيارياً في الأساس تقويماً وتعليماً-وبذلوا جهودا عظيمة في سبيل استكشاف نظام اللغة العربية في مختلف مستوياتها خاصة النحوي منها؛لأنه مدار الاهتمام في تمييز الخطأ من الصواب الذي استلزمه الانحراف الحاصل عن الجادة فيما عرف باللحن. وهو ما وثّق الصلة بين المعرفتين العلمية والتعليمية.   
ومما زاد من التباس مفهوم الوصفية بمفهوم المعيارية في نحونا العربي التداخل الصريح الذي حصل لدى النحاة بين المنهجين في استكشاف منظومة القواعد العرفية للغة وصفياً، وتحولها إلى آلية لضبط الصياغة اللغوية لدى المتكلمين العرب بغرض تقويم ألسنتهم معيارياً، وتلقينها للوافدين على العربية من الأعاجم تعليمياً. وهو ما صبغ النحو بصبغة المعيارية.
فاللغة بالنسبة للمتكلم منظومة عرفية اجتماعية ذات طبيعة معيارية-وهو ما يبرر عرفيتها في الأصل- حيث يستعمل المتكلم لغة المجتمع الذي نشأ فيه بالخضوع لمعايير اللغة في استخدام أصواتها وصيغها ومفرداتها وتراكيبها حسب أصول استعمالية معيّنة يحذقها بالمشاركة في التخاطب ويمرن عليها ويطابقها دون تفكير في جملتها أو تفصيلها؛ لأن الغرض لدية هو مطابقة العرف اللغوي عن طريق صحة الاستعمال، وسلامة الأداء.
غير أن الموقف بالنسبة للنحوي مختلف تماما؛ إذ الغرض لديه هو فهم طبيعة اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية لابد أن تدرس بالملاحظة والاستقراء ثم استنباط القواعد التي تتحكم في إنتاج الكلام اعتمادا على النماذج الفردية للمتكلمين، مما يجعل جوهر العمل لديه وصفيا بطبيعته. وعلى أساس من هذا فإن شبهة المعيارية التي وسم بها نحونا العربي منذ بدايته مردها موضوعيا إلى الأمرين اللذين ذكرناهما سابقا، وهما مطلب علاج مشكلة اللحن، ومطلب تعليم الأعاجم العربية، ويضاف إلى ذلك مسألة الخلط منهجيا بين عمل المتكلم وعمل النحوي. ومع ذلك فقد قدم أوائل النحاة وصفا دقيقا لنظام اللغة العربية اعتمادا على الاستقراء؛ لأنهم تعاملوا مع الشواهد، بينما تعامل المتأخرون مع القواعد. (أصول تراثية في اللسانيات الحديثة15)وهو ما زاد من مسألة الخلط بين الآراء العلمية والآراء التعليمية المتقدمة والمتأخرة.
اللغة بين الثابت والمتغير: والواقع أننا لو تتبعنا مواضع اعتراض النحاة على كلام المتكلمين، بما في ذلك عصر الاحتجاج النحوي، فإننا سنجد أن المعايير التي استندوا إليها كانت في كثير من جوانبها نسبية تفتقد إلى صفة الشمول بل والعموم الذي تقتضيه صناعة النحو ذاته. ومرد ذلك إلى عدة أسباب منها ما هو منهجي كالاعتماد على الاستقراء الناقص، وتعدد اللهجات العربية واتساع رقعتها، فضلا عن طبيعة النظام اللغوي الذي يقوم على جملة من الثوابت والمتغيرات. فالثوابت أطر دائمة لا غنى للنظام عنها؛ لأنه لا يقوم بدونها، وأما المتغيرات فلا تتصف بالدوام، وإنما تخضع لظروف تدعو إلى تحوّلها في حدود أطر الثوابت وبشروطها.
ويمكن حصر ثوابت النظام النحوي العربي في أمور ثلاثة هي: (أمن اللبس في المعنى)و(طلب الخفة في المبنى)و(الاطراد[xiii]أو التعميم:وينتج عادة عن اجتماع العاملين الأولين). فإذا لم يتحقق ذلك يتم اللجوء إلى مبدأ العدول عن الأصل، وعنه تنبثق المتغيرات التي حفلت بها كتب النحو. ويتضح جليا من خلال النظر في قواعد النحاة وبشكل خاص التعليمية منها، مدى حرصهم وتمسكهم بمبدأ الاطراد في سبيل تحديد نظام اللغة العربية ضمن إطار الثوابت، وبعيدا عن مظاهر الاختلاف التي تفرزها المتغيرات التي تدعو إلى التقعيد للرخص والشواذ والضرورات؛ ولذلك أحاطوا هذا المبدأ بجملة من الأصول الفرعية، كأصل الوضع، وأصل القاعدة، وأصل الاشتقاق وأصل القياس، ومراعاة الأولى، والوجوب والجواز، والاتساع، وغيرها.
ومع ذلك فإن مظاهر موافقة الكلام لمتطلبات النظام بثوابته المحكومة في تصورهم بمعيار الصواب لم تعبّر عن عمق المعالجة النحوية لدى النحاة بقدر ما عبّرت عنه معالجتهم لمظاهر متغيرات العدول والمخالفة المحكومة بمعيار الخطأ.[xiv]وهو ما تدل عليه محاولاتهم المستميتة لتعليل هذه المخالفات وتبريرها بسيل من المسوّغات والاستثناءات بهدف إعادتها إلى حيز الصواب وإبعاد شبهة اللحن والخطأ عنها، فضلا عن إقرارهم بسعة العربية وغزارة ألفاظها، واختلاف مسالك القول فيها، بما جعلهم يخلصون إلى مقولة أن من عرف لغة العرب لم يكد يخطّئ أحدا.
فعلم العربية نبع من القرآن الكريم ولأجله فهماً وأداء -باعتباره نصا مقدسا وهو-لسانيا-خطاب موجه للعالمين كافة بلسان عربي مبين، بل وداعيا للتحدي اللساني بإعجازه لفظا ومعنى-إلا أن ذلك لم يمنع من الاهتمام باللغة في ذاتها ولذاتها في ثنايا الدرس اللغوي وكان من أبرز مظاهرها التفريق بين الفصيح وغير الفصيح، والمفاضلة بين لغات العرب مما يحتج به وما لا يجوز الاحتجاج به. أما اللسانيات فقد نبعت من الاهتمام باللغة في ذاتها ولذاتها، ودون مفاضلة بين لهجات اللغة الواحدة أو التمييز بين جيّدها ورديئها ومنطلقة من المكتوب إلى الملفوظ.
وقد تطرق اللغويون والنحاة والأصوليون لهذه المسألة في سياق معالجتهم لقضية اللفظ والمعنى، بحيث لم يختلفوا بشأن  الاصطلاح في وضع الألفاظ المفردة بإزاء المعاني في اللغة؛ لأنها أيسر وأفيد وأعم[xv]في التعبير عن حاجات الإنسان المادية والمعنوية، ولكنهم اختلفوا في المركَّبات أهي اصطلاح أم لا؟وقد نقل السيوطي في المزهر بعض آرائهم.
فمذهب الزركشي والفخر الرازي أن المركّب ليس بموضوع؛ لأن واضع اللغة لم يضع الجمل كما وضع المفردات، وإلا لتوقف استعمال الجمل وفهم معانيها على النقل عن العرب كالمفردات، ولوجب على أهل اللغة أن يتتبعوا الجمل ويودعوها كتبهم كما فعلوا ذلك بالمفردات.
وذهب ابن مالك إلى أن دلالة الكلام (التراكيب)عقلية لا وضعية. فلو كان الكلام دالا بالوضع لم يكن لنا أن نتكلم بكلام لم نُسبق إليه، كما لم نستعمل في المفردات إلا ما سبق استعماله.
وذهب أبو حيان إلى أن التراكيب كالمفردات في الوضع. والأمور الوضعية تحتاج إلى سماع من أهل ذلك اللسان. ويعزى لابن الحاجب القول بأن العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات، واستدل على ذلك بقرينة التمييز بين الخطأ والصواب في الكلام. فمن قال:إنّ قائم زيدا، فليس من كلامنا، ومن قال:إنّ زيدا قائم، فهو من كلامنا. ومن قال:في الدار رجل، فهو من كلامنا، ومن قال:رجل في الدار، فهو ليس من كلامنا، إلى ما لا نهاية له في تراكيب الكلام. وذلك يدل على تعرضها بالوضع للمركّبات. وليس الغرض من الوضع هنا إفادة المعاني المفردة، بل إفادة المركّبات والنّسب بين المفردات، كالفاعلية والمفعولية وغيرهما؛ إذ يفسر الزركشي ذلك بأن العرب وضعت أنواع المركّبات، أما جزئيات الأنواع فلا؛ فوضعت باب الفاعل لإسناد كل فعل إلى من صدر منه، أما الفاعل المخصوص فلا. وكذلك باب (إن وأخواتها)أما اسمها المخصوص فلا. وكذلك سائر أنواع التراكيب. وأحالت المعنى على اختيار المتكلم. وهذا ما يفسر قولهم بأن دلالة التراكيب على معانيها عقلية لا وضعية. فمن عرف مسمى(زيد)وعرف مسمى (قائم)وسمع(زيد قائم)بإعرابه المخصوص فهم بالضرورة معنى هذا الكلام، وهو نسبة القيام إلى زيد. ومن هنا يغلّب أكثر اللسانيين مبدأ وضعية واصطلاح التراكيب بما يعني عرفية اللغة في مستوى المفردات والتراكيب؛ لأن للغة مجرى تجري فيه.
فاللغة بالنسبة للمتكلم منظومة عرفية اجتماعية ذات طبيعة معيارية-وهو ما يبرر عرفيتها في الأصل-حيث يستعمل المتكلم لغة المجتمع الذي نشأ فيه بالخضوع لمعايير اللغة في استخدام أصواتها وصيغها ومفرداتها وتراكيبها حسب أصول استعماليه معيّنة يحذقها بالمشاركة في التخاطب ويمرن عليها ويطابقها دون تفكير في جملتها أو تفصيلها؛لأن الغرض لدية هو مطابقة العرف اللغوي عن طريق صحة الاستعمال، وسلامة الأداء.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن مظاهر التقابل بين التفكير اللساني عند علماء العربية وعند علماء اللسانيات البنوية الأوربيين، لرصد جهات التقارب والاختلاف بينهما. ولعل كتب أصول النحو، في تراثنا، هي خير ما يمثل هذا المجال، ويقرب الصورة التقابلية أو المقارنة بينهما. ويأتي بهذا الشأن كتاب (الخصائص)لابن جني في مقدمة هذه الكتب، لخصوصية تصنيفه، وتميز تأليفه.
فهو كتاب أراده صاحبه-كما ورد في مقدمته- أن يكون في أصول النحو[xvi]على مذهب أصول الكلام والفقه. وهو أول كتاب اختص بجمع أشتات ما تناثر في كتب المتقدمين من أصول تم من خلالها استقراء كلام العرب واستنباط قواعده، فكانت بمثابة المبادئ التي استند إليها التفكير اللغوي، عند علماء العربية، والأسس التي تحددت من خلالها موضوعات النحو ومسائله، وتبينت معالم منهجه.
 وكما تشير إلى ذلك عبارات المؤلف، فإن هذا الكتاب هو حصيلة تجربة علمية عميقة كان ابن جني يدرك تماما أنه أقدم فيه على مجال علمي مختلف ومتميز مما عرفه العلماء من قبله فيما سميبـ (النحو)واستجابة ٌلإلحاح بعض طلابه، إذ يقول: "ثم إن بعض من يعتادني، ويلمّ لقراءة هذا العلم بي، ممن آنس بصحبته لي وأرتضي حال أخذه عني، سأل فأطال المسألة، وأكثر الحفاوة والملاينة، أن أمضي الرأي في إنشاء هذا الكتاب."الخصائص، ص3 في إشارة منه إلى أنه علم قائم بذاته. وقد وصف عمله فيه بقوله: "كتاب لم أزل على فارط الحال، وتقادم الوقت، ملاحظا له، عاكف الفكر عليه، منجذب الرأي والروية إليه... واعتقادي فيه أنه من أشرف ما صنّف في علم العرب، وأذهبه في طريق القياس والنظر... وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة." الخصائص، ص1. ولعل هذا ما يفسّر سبب تسميتهبـ (الخصائص).
وأخذا بالمبدأ العلمي في هذا الشأن فقد ذكر من سبقه في هذا المجال. كابن السراج في كتابه (الأصول في النحو)إذ يقول عنه: "وأما كتاب أصول أبي بكر فلم يلمم فيه بما نحن عليه إلا حرفا أو حرفين في أوله." (1/3)–وذلك رغم ما يبدو على عنوانه من تناول مسألة الأصول، حيث لم يحد فيه عن مسار أبواب النحو ومسائله الإعرابية المعهودة في كتب المتقدمين. وذكر صنيع الأخفش أيضا في المقاييس، على أنه كتيب صغير.
كما أن كتب النحو-على كثرتها، بل ووفرتها الغزيرة، في تراث العربية-لم تعرض لخصائص المنهج النحوي ومبادئه بقدر عرضها لقواعد النحو وأحكامه في أبوابه ومسائله التي أحاط بها الإعراب من كل جانب. وهو ما جعل ابن جني ينحو في تصنيفه له منحى مختلفا عما استنفد النحاة من قبله جهدهم فيه، وهو الإعراب؛ حيث يقول مبرزا خصوصية هذا اللون من التصنيف في عبارة يبدو عليها من الوضوح ما لا يحتمل التأويل: "وليكون هذا الكتاب ذاهبا في جهات النظر، إذ ليس غرضنا فيه الرفع، والنصب، والجر، والجزم؛لأن هذا أمر قد فُرِغ في أكثر الكتب المصنّفة فيه منه. وإنما هذا الكتاب مبني على إثارة معادن المعاني، وتقرير حال الأوضاع والمبادي وكيف سرت أحكامها في الأحناء والحواشي."[xvii]
فهو لا يريد لكتابه هذا أن يكون كسائر كتب النحو المعتادة؛ حيث عرض فيه لجهات النظر في جوانب التفكير اللغوي، ونأى به عن الانغلاق على الظاهرة الإعرابية التي استقطبت أكثر جهود النحاة في علم العربية، وكان الغرض منه جليا بإثارة مسألة قوانين وأوضاع مباني اللغة ومعانيها التي عبّر عنها بالأوضاع والمبادي في إشارة إلى البحث في الأصول والأسس والمبادئالتي توزعتها أبواب الكتاب.
       ومن هنا يأتي عملنا هذا ليكشف عن جانب مهم من جوانب التفكير اللغوي في تراث العربية. فقد كان لهذا الكتاب أثره البارز والمميّز في مصنفات الأصول من بعده، بدءا ب:لمع الأدلة في أصول النحو، والإغراب في جدل الإعراب للأنباري (ت577)(ت577هـ)ومرورا ب:المغني لابن هشام (ت761)في بابه الثامن، ووصولا إلى:الاقتراح في أصول النحو وجدله للسيوطي(ت911)الذي اكتملت فيه صورة هذه الأصول ملخّصة في مجملها أسس ومبادئ التفكير النحوي بشكل خاص، والتفكير اللساني العربي بشكل عام، والتي يضع كثير من الدارسين المحدثين-استنادا إلىبعض مفاهيم النظريات اللسانية الحديثة ومصطلحاتها-استفهاما بشأنها، ففي غياب النصوص التي تحدد الأطر النظرية للعمل النحوي خضعت هذه المسألة لاجتهادات هؤلاء الدارسين جنح فيها كثير منهم للإنكار تعسفا وإجحافا بحقها. مع العلم بأن اللغات جميعها-كما قال ابن جني نفسه-متماثلة في اشتراك العلوم اللغوية واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها، (1/243)
بين النحو واللسانيات:
يربط الدكتور المسدي بين اللسانيات والنحو بشكل لا يعبر في حقيقته عن اتصالهما ولا عن انفصالهما؛ إذ يقر بأن النحو أسبق إلى اتخاذ اللغة مادة للعلم من اللسانيات وإن شاركته فيها، ولكن بمنهج مختلف. وهو ما أكسبها شرعية العلم المستقل بذاته، فوجودها متوقف على وجوده؛ إذ لا معنى للبحث اللساني إذا لم يستنبط النحو نظام اللغة. غير أنه سرعان ما ينقض هذا الترتيب بقوله:النحو قائم على ما يجب أن يكون واللسانيات قائمة على ما هو كائن. ويضيف معتبرا النحو سفيرا للمعيارية اللغوية إلى الإنسان، بينما يمثل اللحن سوسيولوجيا اللغة، بخروجه عن النمط وتجاوزه للمرسوم وعدوله عن القاعدة السكونية إلى السنة المتحركة المتغايرة.[xviii]
ولا يخفى ما في هذا القول من مراهنة على الفرق الذي اصطنعه بين النحو واللسانيات، فضلا عن التجني على الواقع في الجمع بين مفهوم اللحن ومفهوم الخروج عن النمط والتجاوز والعدول وهي مظاهر لغوية مباحة في اللغة على تفاوت بين مستويي النثر والشعر عند علمائنا. كما أنها تختلف كليا عن اللحن بمفهومه المتعارف لديهم؛ حيث لم يجرؤ أحد من أئمة اللغة والنحو على نسبة العدول إلى اللحن، بل إنهم كانوا حريصين على تفسير مظاهره أوتعليلها أو تأويلها لتسويغها. ويزيد المسدي الطين بلة حين يذكر بأن قضية اللحن تعود في جوهرها إلى الإقرار بشذوذ الموقف المعياري من الظواهر الطبيعية المواكبة للغة، كما أن اللحن يمثل تشهيرا بنشاز التسلط التحكمي على حيوية المتكلم.بما يجعل اللسانيات إقرارا للنحو وتجاوزا له في الوقت نفسه.[xix]وهو كلام يثير العجب ويدعو للاستغراب حيث يصبح اللحن، وهو الخطأ، إقرارا بشذوذ الموقف المعياري الذي هو المطرد والصواب. وفي ذلك تجن واضح على الواقع اللغوي وعلى الحقيقة العلمية. وذلك رغم ما أبداه في الفصل الأول من كتابه محددا طبيعة اللسانيات باعتبارها تنبذ كل موقف معياري في اللغة، وتمسك عن التقييم وإصدار الأحكام مدحا أو قدحا، ولا تستند إلى تصنيفات الصواب والخطأ أو الحسن والقبح، ولذلك قام منهجها على المعاينة والوصف.
ومع أنه يذكر بأن حقيقة الوصفية والمعيارية قد خفيت عن فقهاء اللغة وعن كثير من اللسانيين أنفسهم-وهو واحد منهم- باعتبارهما مقولتين لا تنتميان إلى منطلق مبدئي واحد، ولا إلى نفس الحيز التصوري، فإنه ينسى بأن اللسانيات تعتمد على ما يقدمه لها النحو من وصف لنظام اللغة، علما بأن مساحة التغيير نسبية في جميع اللغات بما في ذلك العربية. وقد تصل بها مظاهر التحول والتغيير حد الاختلاف شبه الكلي عما كانت عليه في أصولها التاريخية كما هو الشأن بالنسبة لكثير من لغات العالم، بينما حافظت العربية الفصحى على نظامها القديم إلى اليوم بفعل الوازع الديني لوجود النص القرآني بلسانها، مما جعلها تحظى برعاية متميزة وعناية خاصة من المسلمين على اختلاف ضوابطها المنهجية التي تأسس عليها نحونا العربي، بمستوييه العلمي التجريدي والتعليمي التطبيقي، من الناحية النمطية المتمثلة في اللغة الفصحى التي هي مدوّنة الاحتجاج اللغوي والنحوي، وفي مقدمتها القرآن الكريم.
أما من ناحية الاستعمال الاجتماعي فقد خضعت العربية لما خضع له غيرها من اللغات من تغيّر وتبدّل طال جميع مستوياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، وتباينت لهجاتها بين عامية ودارجة على امتداد انتشار الناطقين بها في البلاد العربية. وعلى أساس من هذا ازدادت مسافة البعد بين النحو واللسانيات في الوقت الذي ازدادت فيه مسافة القرب بين فقه اللغة واللسانيات خاصة بالنسبة للعربية التي لا يكاد يشعر فيها الدارس بضرورة الحاجة إلى دراسة نحو العامية أو الدارجة لفقدان الدافع النفسي، وغياب القناعة بأهمية ذلك. وهو ما نلمسه لدى دعاة العامية من الدارسين المحدثين الذين يفتقدون لعامل الوازع الديني تجاه القرآن الكريم خاصة، في الوقت الذي اجتمع لنشأة النحو عند القدماء جملة من العوامل-كما ذكرنا-كل واحد منها بحد ذاته كاف لتبرير هذه النشأة.
وإذا كان هذا شأن العلاقة بين النحو واللسانيات في اللغة العربية فإن الأمر في اللغات الأخرى مختلف تمام الاختلاف بالنظر إلى طبيعة التأثير العميق الذي تحدثه فيها مظاهر التغير والتبدل؛ حيث يمكن للنحو أن يتتبع هذه المظاهر باعتماد المنهج الوصفي آنيا ثم المنهج التاريخي تعاقبيا في رصد مجمل هذه التحولات وتفاصيلها، ومرجع ذلك إلى سيادة لغة الاستعمال الاجتماعي المتغير وافتقادها للنمط الاحتجاجي الثابت والمستقر في هذه اللغات. وقد شهدت العربية هذا النوع من الاهتمام بمسارها الاستعمالي خارج دائرة الاحتجاج عند القدماء أنفسهم، وفي مقدمتهم ابن جني من خلال استئناسهم بأمثلة وشواهد من شعر أبي تمام والبحتري وابن الرومي والمتنبي.[xx]
ومن هنا يأتي مقالنا هذا ليلقي الضوء على مسألة مبادئ الدرس اللساني عند ابن جني الذي يعد من أبرز اللغويين الذين تركوا بصماتهم مخلدة في تراثنا العربي، وبخاصة كتابه المتفرد في تصنيفه:الخصائص.
فاللسانيات بمفهومها العلمي عند الدارسين المحدثين من البنويين تعنى باقتفاء النظام العلامي للغة في حركته الآنيةsynchroniqueوالتزامنية(التعاقبية)diachroniqueوفقا لمنهج وصفي في الأول، وتقييمي (تاريخي)أو منهج مقارن، في الثاني لمختلف جوانبها من صوت وصيغة وتركيب ودلالة. وكذلك النحو العربي باعتباره مصطلحا مقصودا به العلم بالعربية لا يختلف عن هذا المدلول إلا من جهة مبدأ الربط بين سكونية اللغة الآنية افتراضا، وبين حركيتها الزمانية واقعا.
فقد وجد علماء العربية أنفسهم منذ البداية أمام مفارقتين إحداهما موضوعية والأخرى منهجية تمثلتا في ضرورة الاهتمام برصد خصائص لغتهم في حركتها الآنية ضمن حدود زمانية ومكانية معلومة ليس في سبيل معرفة مظاهر التغير ضمن حركتها الزمانية بل على العكس من ذلك تماما، في سبيل الحيلولة دون حصول هذه التغيرات والوقوف عند آنية معينة، مدفوعين إلى ذلك بالخوف على العربية لارتباطها بالنص القرآني من حركية التغيير التي يمثلها الشطر الثاني من المعادلة اللسانية. وذلك في محاولة منهم لكبح اندفاع حركة التغيير فيها. وقد كان خوفهم في الواقع مبررا بطبيع عوامل التغيير التي طالت العربية. ذلك بأن ظاهرة اللحن التي لاحظوا زحفها على العربية كانت نتاج عوامل خارجية أي دخيلة على العربية، ممثلة في تكاثر العنصر الأعجمي في البيئة العربية، وتأثير ذلك سلبا على الواقع اللغوي. فالتغير إذا لم يكن بفعل عوامل داخلية، من صميم المجتمع العربي. ولذلك سارع العلماء إلى تدارك الأمر بجمع الكلام العربي وتدوينه قبل ضياع نسخته الأصلية المواكبة لنزول القرآن الكريم. فكان عملهم هذا شبيها بعمل المصوّر الفتوغرافي الذي يلتقط صوره في زمان ومكان محدّدين ليجعل منها شاهدا على الحال. فقد أرادوا للنسخة اللغوية الاجتماعية الاستقرار في الاستعمال كما استقر القرآن الكريم في التنزيل.
وقد يبدو سلوكهم هذا مخالفا للطبيعة وللمبدأ العلمي في اللسانيات، لكن الغرض لديهم كان مقصودا لذاته؛ إذ في الوقت الذي كانت فيه مجالس العلماء بمثابة ورشات كبرى من الناحية اللغوية، لتجميع أشتات كلام العرب المتداول مشافهة من ألسنة المتكلمين، وصياغة النمط النموذجي للغة العربية في إطار ما عرف بحملة تدوين اللغة، ومن الناحية المعرفية لاستنباط نظامها اللغوي، كانت عجلة التغيير تدور وتفعل فعلها في اللسان الاجتماعي. وهو ما جعل ظاهرة اللحن باعتبارها أبرز وأخطر مظاهر التغيير في اللغة تأخذ طريقها إلى اللسان العربي وتستشري فيه غير مكترثة بما كان يجري في حلقات الدرس لدى العلماء، وازدادت وتيرتها تسارعا إلى أن وصلت بالعربية إلى ما هي عليه اليوم، وستظل حركة التغيير مستمرة عملا بمبدأ التغير الطبيعي في الأشياء.
ويضاف إلى هذا حكم النحاة على اللحن، وهو مظهر من مظاهر التغير اللغوي بالسلبية، وهي نظرة قيمية لا تتفق والموضوعية العلمية في المنظور المجرد؛ حيث يسعى اللساني إلى رصد الظاهرة دون الحكم عليها بالحسن أو القبح، وبالإيجاب أو السلب غير أن هدف النحاة وغرضهم كان واضحا في اتجاهه أساسا إلى الحفاظ على لغة القرآن الكريم وحمايتها وصونها عن التغيير. وهو مبدأ عقيدي له خصوصيته الذاتية في العربية بمعزل عن موضوعية العلم المجردة. وهو ما يمكن أن نفسر به ما حصل في الواقع؛ حيث كان عمل النحاة بحد ذاته ظاهرة علمية-بغض النظر عن النوايا الذاتية- بينما كان اللحن ظاهرة لسانية اجتماعية؛ ولذا سار كل منهما في طريقه دون أن يكون لأحدهما سلطة على الآخر بالمعنى الفعلي. فلا النحاة أوقفوا اللحن، ولا اللحن أخرج النحاة من دائرة الآنية (الزمانية والمكانية)التي أغلقوها على أنفسهم، وظلوا ينشطون داخلها على مدى القرون المتتالية.
وبهذا المنظور يكون نحاة العربية قد أنجزوا شطرا من المعادلة اللسانية، وتركوا الشطر الثاني عن قصد منهم لعدم الحاجة إليه في تقديرهم، وذلك بعدم متابعة ما طرأ على العربية من تغير خلال القرون اللاحقة، حتى صار من العسير-كما قال هنري فليش- أن تحصل على صورة واضحة للنمو والتطور (التغيير)الذي أصاب العربية ككل لغة حية. (العربية ص14)
ومن هنا يتضح الفرق الجوهري في مفهوم مصطلح اللسانيات linguistiqueوفقا لحمولته الدلالية عند انتقاله من لغة إلى أخرى؛ إذ ليس من المنطق التعسف في الحرص على مطابقة الشحنة الدلالية للمصطلح من اللغة المنقول عنها إلى اللغة المنقول إليها، بالنظر إلى الخصوصية المعرفية والثقافية الحاصلة له في كل لغة. ولكي لا يتجرأ أحد على نحاة العربية بالقول إنهم لم يكونوا موضوعيين، ولم يكن عملهم علميا بالمعايير المحددة لمصطلح اللسانيات، حين انطلقوا من أساس معرفي ديني أو سياسي أو قومي.[xxi]

المبادئ الأساسية للسانيات:
      ويقصد بالمبادئ هنا المنطلقات الأساية التي يبدأ منها التفكير اللساني. وتتحدد عند البنويين وعلى رأسهم دو سوسير De Saussureباعتباره رائد الدرس اللساني الحديثانطلاقا من تحديد المبادئ النظرية، والأسس المنهجية، والمفاهيم الاصطلاحية التي أمكن من خلالها لدراسة اللغة أن تتخذ لنفسها طابع الصرامة العلمية لتغدو علما قائما بحد ذاته، على غرار باقي العلوم الدقيقة والتطبيقية؛وذلك بالإجابة على عدد من التساؤلات التي أفرزها الدرس اللساني. وقد تفرّع عن هذا الأمر عدد منالتقابلات أو الثنائيات اللسانية التي كانت أساس التفكير اللساني الحديث، وفي مقدمتها:اللغة والكلام، والآنية والتعاقبية، والمادة والشكل، والعلامة والقيمة، والتركيب والاستبدال. ولا نسعى هنا إلى إسقاط هذه المصطلحات ومفاهيمها على تراثنا اللغوي، واتخاذها معيارا لنقد وتقويم الفكر النحوي بقدر ما نسعى إلى الكشف عن جهات التقارب أو التباعد بينها وبين ما ورد في هذا التراث من أصول ومبادئ.
 فغياب المصطلح لا يعني بالضرورة غياب المفهوم، كما أن وجوده لا يعني اتحاد المفهوم بينهما. ذلك–كما قال ابن جني نفسه- لاشتراك العلوم اللغوية-واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها.[xxii]وهو يقصد هنا جميع اللغات؛ بما يجعل هذه المقولة بحد ذاتها مقدمة لإدراكه مسألة ما يعرف اليوم باللسانيات العامة، وكذلك مسألة القواعد الكلية.
اللغة والكلام:                                                                                                                    
 يشكل هذان المصطلحان قطبي الرحى في الدرس اللساني الحديث، بما لهما من أثر في تحديد موضوع الدراسة ورسم منهجها.فاللغة عند دو سوسير حدث اجتماعي وفردي في آن معا.وهي نظام مستقر ومتطور في آن معا.وهي تعاقد بين الأصوات والأفكار.[xxiii]وهي تواضعات ملحّة يتبناها الجسم الاجتماعي لتسهيل ممارسة الملكة اللسانية لدى    الأفراد.محاضرات 21وفي مقابل ذلك لا نكاد نلمس أي فرق جوهري بين هذا المفهوم وبين ما ذكره ابن جني بشأن تعريفه للغة في قوله: "حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"[xxiv]وهو تعريف يبدو على قدر كبير من التوافق مع مفهوم اللغة عند اللسانيين المحدثين، غير أن ابن جني هنا لا يكاد يعير اهتماما للفرق بين اللغة والكلام باعتبار الفرد المتكلم لدى علماء العربية نموذجا اجتماعيا، يعتدّ به وهو مصدر الاحتجاج اللغوي. بل إن تعريفه هذا إنما ينطبق على الكلام باعتباره أداء فرديا لولا كلمة (قوم)التي تشير إلى الصفة الاجتماعية للغة. ومرجع ذلك إلى رؤيته في الأساس إلى طبيعة الكلام بوصفه صورة أدائية للنظام.
ففي الوقت الذي أغرق فيه دو سوسير في تجريد مفهوم اللغة إلى الحد الذي يجعل وجودها ذهنيا محضا ونتيجة للحكمة الاجتماعية-كما يقول شارل بالي[xxv]-فإن ابن جني أيضا أغرق في تجريد مفهوم الكلام باعتباره نموذجا لغويا؛ إذ يقول: "أما الكلام فكل لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه، وهو الذي يسميه النحويون بالجمل."[xxvi]والجمل قواعد الحديث، كما يقول في موضع آخر؛مما يعني بأنمفهوم الكلام هنا لا يقصد منه الجانب العضوي لأداء اللغة لدى الفرد، بل هو مجموع الآليات والقوالب التي يتشكل الكلام على أساسها؛ أي النظام. وهو ما يفهم من معنى اللغة عند دو سوسير. وكما قال(لوسيان تينيار):إن الكلام لا يقولب في أوعية منطقية لكنه يختص بقوانينه التنظيمية المخصوصة، وهي المقصودة في الاكتشاف.[xxvii]
والإشكالية التي تواجه أي دارس لساني هنا تتعلق بتحديد المادة الموضوعية التي ينبغي أن تكون مدار الدرس اللساني، إما اللغة وإما الكلام، وإما هما معا.إذ من الناحية العضوية الفزيائية لا وجود للغة فعليا إلا في أذهان المتكلمين بها؛ لأنها ذات طبيعة اجتماعية، وإنما الموجود عمليا هو الكلام؛ لأنه ذو طبيعة فردية فزيائية في أدائه. وأما ما يبدو على الكلام من سمة الاجتماعية فمرده إلى صفة التعميم الناتجة عن اشتراك أفراد المجتمع عرفيا في لغة واحدة، من خلال تماثل كلامهم أداءً وتشابهه في الخصائص والسمات الصوتية والبنوية والتركيبية والدلاليةلارتباطهم بلسان واحد- وهو ما ذهب إليه ابن جني-في تعريفه النحو بأنه انتحاء سمت كلام العرب؛ أي السير على طريقهم والنسج على منوالهم.
والحقيقة التي غفل عنها الدارسون العرب المحدثون في معرض تناولهم لمسألة الفرق بين اللغة والكلام هي أن البنويين ينطلقون من هذه المسألة باعتبارها نقطة جوهرية، من حيث المبدأ، في تحديد موضوع الدراسة اللسانية انطلاقا من مبدأ نظري موحد. وما دام الموضوع غير ملموس منذ البداية، ولا يبرز للملاحظ البسيط، وإنما يعرف على أساس رؤية نظرية فإن وجهة النظر لدى دو سوسير هي التي تخلق الموضوع. وهذا الموضوع هو اللغة. فهو يميز بين لسانيات اللغة ولسانيات الكلام.[xxviii]
ويتضح هنا جليا أنه يقر منذ البداية بكون اللغة شيئا مجردا غير ملموس، وإنما يتم خلقه بالافتراض والتصور النظري. وهو ما يتعارض مع المطلب الموضوعي لمادة الدراسة العلمية، ولكنه وجد للمسألة مخرجا من مأزق اللغة بمعناها الاجتماعي المجرّد باللجوء إلى الكلام بمعناه الفردي المجسّد.فالأفراد الذين يشتركون في لسان واحد إنما يعيدون ويكررون بشكل تقريبي العلامات ذاتها مرتبطة بتصورات واحدة. فلو استطعنا جمع الصور الشفوية المختزنة لدى الأفراد للمسنا الرابط الاجتماعي الذي يشكل اللغة. فهي كنز يدخره الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعة واحدة عبر ممارسة الكلام، وهي منظومة نحوية موجودة بالقوة في كل دماغ، وعلى وجه التحديد في أدمغة مجموعة أفراد، إذ إنها لا توج


http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=689

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق