الأحد، 5 أغسطس، 2012

معضلة التواصل في مدرسة قروية

معضلة التواصل في مدرسة قروية



مقدمة

من بين ما نص عليه الميثاق الوطني للتربية والتكوين إفراد المدرسة القروية بكل ما تتألف منه من عناصر بشرية بعناية خاصة، ففي البند ال 138 من الميثاق تنص الفقرة حرف «أ» على أن من بين أهداف التعبئة في الموارد والوسائل « مراعاة الظروف الخاصة بالأطر التربوية العاملة بالوسط القروي بتوفير الشروط الضرورية لعملهم وحفزهم بمنح وتعويضات خاصة »، أما الفقرة ج فتنص على ضرورة ملاءمة القوانين حتى تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل فئة وحقوقها وواجباتها..

ومن بين ما نص عليه كذلك ضرورة انفتاح المدرسة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي ومراعاة خصوصيات هذا المحيط في المناهج والمقررات والوضعيات..

ومن المعلوم أن وزارة التربية الوطنية قد خصصت العشرية الحالية 2001-2010 كغلاف زمني لأجرأة ما نص عليه الميثاق من بنود من هذا النوع، فخرجت بالكتاب الأبيض الخاص بالمناهج الدراسية وأصدرت النظام الأساسي لموظفي الوزارة والنظام الأساسي لمؤسسات التعليم العمومي كما أصدرت الكثير من القرارات والمذكرات التنظيمية، وأردفتها بالعديد من المصوغات التي ترمي إلى إنعاش المؤسسة التربوية، بيد أن كل تلك النصوص سوف يبقى تفعيلها حلما مثاليا ومطمحا بعيد المنال..

ذلك أنه إذا لم تتظافر الجهود بين الفرقاء التربويين المعنيين بهذه المدرسة حاليا وبين مكونات المحيط الاجتماعي لها، من أجل التخفيف من حدة المعضلات التي تتخبط فيها مؤسستنا، فإن انتظار العصى السحرية التي نستشفها من أجرأة بنود الميثاق الوطني، قد يفضي بنا إلى متاهة لا خلاص منها، فالكل منا يعرف نوعية تلك المعضلات ، ويعرف أن من بينها ما يتطلب التدخل الفوري من السلطة المكلفة بتدبير القطاع التربوي، وما هو ملقى على عاتق الأطراف الأخرى بمن فيهم الإدارة التربوية الجهوية والإقليمية والمحلية والمدرسون والجماعات المحلية ومكونات المجتمع المدني والأسرة والأفراد،

ومن بين ميكانيزمات تدبير المدرسة عموما والمدرسة القروية على وجه الخصوص، بدأ المهتمون بالتربية يتحدثون عن تقنية التواصل، أي التواصل الأمثل بين كل أولئك المعنيين بتربية الطفل من أجل تمكينه من الالتحاق بصنوه في الدول المتقدمة في كل مجالات التعلم والتثقيف والإندماج في الحياة العامة، غير أن هذا التواصل بحد ذاته سوف يبقى من بين المعضلات الأكثر تأثيرا على مسار التربية والتعليم في بوادينا، ، فتفعيل التواصل، كمنهج وتقنية حديثة، أصبح من الأركان المعول عليها لمعالجة المشاكل الروتينية التي تنبلج عادة عن سيرورة الفعلين الإداري والتربوي، وتندرج من خلاله كافة أصناف العلاقات التي ترمي إلى تيسير عملية التعليم والتربية، ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية أحدثت الوزارة الكثير من الهياكل والقنوات والمهمات والمناصب ذات الطبيعة العلائقية، لتسريع المساطر وتبليغ التعليمات والتوجيهات وتبادل الرؤى في مختلف المعضلات، ومع ذلك ظلت المشكلة هي هي، وخصوصا في المدارس القروية التي تعاني من مشاكل بنيوية تتطلب التظافر المشار إليه أعلاه..

وللإطلالة على هذه المعضلة من جميع جوانبها، لا بد من انتهاج تحليل منطقي تستحضر من خلاله كافة المعوقات التي تحول دون أداء المهمات التواصلية بكل تشكيلاتها، كما أنه لابد من اعتماد بحث علمي منهجي ميداني يساعد على استقراء الوسط المدرسي لتأكيد أو نفي الفرضيات التي يسلم بها كل من اعترف وآمن بوجود مشاكل عويصة يخلقها غياب التواصل يمكن اعتماده كأساس لتنشيط وتدبير النظام التربوي في المدرسة القروية..

وفي هذه الورقة سوف نحاول أولا أن نعرف بمفهوم مهمة التواصل التي نبتغيها، ومفهوم المدرسة القروية التي نعنيها، ثم نردف ذلك بالحديث عن تصنيفات التواصل في مدرسة قروية، وبعدها سنتناول بالتحليل العوامل المؤثرة في التواصل، وأخيرا سأتقدم باقتراحات منهجية للتخفيف من حدة هذه المعضلة، وأملنا مستقبلا أن ننجز بحثا ميدانيا يقربنا أكثر إلى ما نعاينه ونتصوره عن بعد...

إبراهيم أوبلا



1- تحديد مفهومي « التواصل» و« مدرسة قروية» :

1-1: مفهوم التواصل :

مصطلح الاتصال والتواصل من بين أهم المصطلحات التي تتلاقفها الألسن وتتعدد بصددها التصورات حسب إدراك كل واحد لمعانيه وحدوده الدلالية ، وهذه هي طبيعة كل مستجد من المفاهيم التي تصدر إلينا من اللغات العالمية ، إلى درجة أن تحديد مفهوم هذا المصطلح سوف يبقى أسير التصورات التي تنبني على مدى ما يتمتع به الشخص المكلف بمهمة التواصل من الاندفاع الوجداني والحماس لمهمته، ومن هنا لابد من تحديد مفهوم مدقق ومتفق عليه منذ الآن حتى لا نسقط في دوامة الأفعال الاندثارية التي لن تجني منها مؤسساتنا أية فائدة تذكر أو أن تبقى هذه المؤسسات على حالها وخصوصا حينما تكون منتديات الاتصال مجرد فضاءات غوغائية لا فائدة ترجى منها، ومن هنا يكون السؤال المطروح حول مفهوم التواصل سؤالا مشروعا تقتضية مرحلة التأسيس وتمهيد الأرضيات اللازمة للوصول إلى تربية و تكوين أساسيين رفيعي المستوى حسب تطلعات الميثاق الوطني للتربية والتكوين،

والتواصل في اللغة، وحسبما جاء في المعجم العربي الحديث هو الاجتماع والاتفاق، أما في المنجد فياتي التواصل كمقابل للهجران، ولعل هذه المعاني اللغوية أبلغ وأنصع للتعبير عن الهدف من التواصل كحدث في المجتمع الإنساني، والتواصل في مضمونه العام، وحسب وجهة نظر شخصية، هو« ذلك الفعل الإجرائي الذي يتجسد من خلاله تبادل الرؤى والمعلومات وتنشيط العلاقات بين مختلف الأطراف المنتمية إلى نفس النسق الاجتماعي أملا في تحقيق التوافق والتراضي ، وهو بالنسبة لمؤسسة تعليمية إجراء عملي لتفعيل لتلك العلاقات الثنائية أو المتعددة الأطراف التي ينبثق منها الفعل التشاركي الممارس من أجل تدبير الحياة التربوية والمهنية داخل القطاع التربوي التكويني أو بين المؤسسة التربوية وبين جميع الأطراف المعنية بالتربية والتكوين من أجل تحقيق الحد الأقصى من الكفايات التي خطط لها من طرف السلطة الإدارية المكلفة بتدبير هذا القطاع»..

من هنا لابد أن نزيح منذ البداية تلك النظرة الضيقة للفعل التواصلي والتي تحملنا إلى الاعتقاد بأن الممارس للفعل التواصلي تنحصر مسؤوليته في تبليغ المعلومات والأوامر والمستجدات إلى من يعنيهم الأمر، فقد لوحظ مؤخرا أن بعض الاخوة من الأساتذة لا يفتأون عن مطالبة المكلف بالتواصل في مركز التكوين بحمل وتبليغ مقررات المجالس والاجتماعات إلى زملائه بحكم أنه مكلف بالتواصل ، وأعتقد أن هؤلاء الإخوة لم يستوعبوا بعد هذه المهمة ، ذلك أن مسؤولية التبليغ ونشر الإعلانات من بين أبرز المسؤوليات الإدارية المحضة، أما تفعيل التواصل داخل المؤسسة فيجب أن ينصب على تقفي وتتبع المتغيرات أو المستجدات في مختلف أصناف النظريات والحلول والتصورات في مجالي التربية التكوين البيذاغوجيي والديداكتيكي وفي مجال التشريع المدرسي وتوثيقها ونقلها إلى إدارة المؤسسة لتقوم هي بنشرها وتأليب الأطراف الأخرى من أجل استيعابها وتنفيذها بل وإغنائها بالنقاش والتمحيص إذا تطلب الأمر ذلك....

1-2: مفهوم المدرسة القروية :

المدرسة من الناحية اللغوية كلمة مشتقة من فعل « درس » وهي اسم يدل على الفضاء المكاني المخصص لتلقين الدروس، وقد استعملت هذه اللفظة مجازا كمقابل للمذهب الفكري أو الفلسفي أو السياسي المنتهج من طرف مجموعة بشرية، أما من الناحية الاصطلاحية فإن المدرسة عموما هي « فضاء تربوي نظامي ومهني أسسته الدولة لتمكين الطفل أو طلاب المعرفة من التلاميذ، من الكفايات اللازمة للاندماج في الحياة العامة أملا في الرقي بالوطن إلى مركز متقدم في النمو الاقتصادي والفكري والاجتماعي والسياسي والأخذ بأسباب التكنولوجيا ومن تم الالتحاق بمصاف البلدان المتقدمة.»

ويمكن تصنيف هذا الفضاء عندنا في المغرب من خلال عدة معايير منها معيار التخصص – مدرسة تقنية ومدرسة علمية ومدرسة أدبية...- ومعيار المستوى الدراسي – مدرسة أولية وابتدائية وثانوية- ومعيار التسيير – مدرسة خصوصية يسيرها الأشخاص ومدرسة عمومية تسيرها الدولة- ، ومنها معيار الحداثة والأصالة حيث نجد عندنا مدارس عتيقة ومدارس عصرية، أما المعيار الذي يهمنا نحن هنا فهو المعيار المجالي الذي تنقسم فيه المدرسة إلى:

أ- مدرسة حضرية تبنى عادة في المدن أو المراكز الحضرية وتتميز بالإمكانات المادية والمعنوية المتاحة لها، كما تمتاز فصولها ووحداتها بالتواجد في فضاء مكاني واحد، ومن أهم مظاهرها المنغصة الاكتظاظ بالتلاميذ ..

ب- مدرسة قروية وتأتي غالبا على شكل «مجموعة مدارس» تؤسس خارج النطاق الحضري وأهم ما يميزها في سلك التعليم الابتدائي :

+ انقسامها إلى وحدة مركزية ووحدات فرعية تغطي مداشر المنطقة التي تتواجد فيها ، وبالتالي فإن فضاءها المكاني واسع يحتاج المتنقل عبره إلى وسائل متعددة قد يكون المشي على الأقدام من بينها..

+ اختلاف بنياتها التحتية في طرق بنائها وموقعها بالنسبة للقرية، وغالبا ما نجدها خارج المساكن، وقد سادت في أغلب المجموعات المدرسية بإقليم طاطا مثلا طريقة البناء بالمفكك، كما نجد نماذج من البنيات التقليدية في بعض المداشر..

+ بعدها عن مركز النيابة مما يعرقل في الغالب إمدادها بالوثائق والمعدات والتجهيزات من جهة ، ويعيق المكلفين بتأطيرها من المراقبين التربويين والرؤساء الإداريين من التنقل من وإليها من جهة ثانية...

+ غالبا ما لا تكون المدرسة القروية- وخصوصا إذا كانت بعيدة- محظوظة في الاستئثار بالأطر التي تتمتع بالكفاءة العالية، فقد جرت العادة على أن حركتي التعيين والانتقال لا تستفيد من خلالهما على اصحاب النقط الجيدة، وبالدرجة الأولى، إلا المدارس الحضرية أو القروية القريبة من المراكز الحضرية...



2- أصناف العلاقات التواصلية في الحقل المدرسي:

هناك عدة معايير لتصنيف أشكال التواصل في الحقل المدرسي، ولا بد من المرور عبر هذه المعايير لكي ينجلي لنا التواصل المدرسي بكل مكوناته الشكلية والموضوعية ، وعلى العموم يمكن الانطلاق من هذه المعايير :

2-1: معيار الأهداف والمهام الكبرى الملقاة على عاتق المدرسة :

ومن خلاله تنقسم العلاقات التواصلية إلى:

أ- علاقات تربوية بيذاغوجية ، وهي الأبرز والأكثر فعالية، بل هي التي تمثل قطب الرحى في المؤسسة التعليمية، وباستثناء الأعوان المكلفين ببعض المهمات الخاصة بإعداد الفضاء كالبستنة والطبخ والتنظيف، يكاد جميع العناصر البشرية الأخرى معنية بهذه العلاقات التربوية،

ب- علاقات إدارية محضة، تسعى إلى تنفيذ مختلف مساطر الانتماء إلى المدرسة ( التسجيل والتعيين والانتقال والتكليف بالمهام.. ) وتدبير الوضعيات ذات الطابع الإداري ( إعداد الملفات والوثائق الإدارية واستقبال وإصدار المراسلات..)..

ج- علاقات ذات طابع اجتماعي ، وهي علاقات موازية للفعلين الإداري والتربوي وداعمة لهما، وقد تقوت هذه العلاقات مؤخرا بفضل انتهاج مبدإ الانفتاح على المحيط الاجتماعي للمؤسسة التربوية ..

2-2: معيار تراتبية مختلف العلاقات :

وللعلاقات التواصلية في المدارس شكلان أساسيان ، فهي إما أن تكون عمودية أو أفقية :

2-2-1: العلاقات العمودية :

أ- علاقة الرئيس بالمرؤوس : أي العلاقة التي تربط بين الموظفين والأعوان وبين رؤسائهم الإداريين (مدير ، نائب إقليمي ،رئيس مصلحة) أو التربويين ( مرشد تربوي، مفتش)، ولهذه العلاقات مواصفات عديدة تتجسد في الكثير من العمليات التي يمارسها كل طرف ، وهذه العمليات إما تصاعدية كالطلبات والشكايات والتظلمات والاقتراحات أو تنازلية كالتوجيهات والتعليمات والأوامر والتأديبات والتنبيهات والتنويهات...

ب- علاقة المربي بالمتعلم : وهي أكثر العلاقات تعقيدا، بل هي أم كل العلاقات التواصلية في المدرسة، وتتمحور هذه العلاقات في الغالب حول مختلف العمليات التي ترمي إلى تحقيق مختلف الكفايات في الحقلين البيداغوجي والديداكتيكي، كما يمكن أن يكون لها طابع إداري أو اجتماعي...

2-2-2: العلاقات الأفقية : ويمكن تصورها أو تجسيدها في :

أ- علاقة التلميذ بالتلميذ: وتتجلى من خلال تشاركهما في الفصل أو المرقد أو الساحة أو الملعب أو الفرقة الرياضية أو الفنية، ويتم تدبير هذه العلاقات من طرف المشرفين التربويين والحراس عن طريق التوجيه السليم والتدخل في الوقت المناسب بل وربما العقاب في بعض الأحيان...

ب- علاقة المدرس بزملائه : وهي في الغالب ذات طابع تربوي أو اجتماعي ، وتنجلي في قاعة الأساتذة ومجالس المؤسسة والجمعيات المدرسية، وغالبا ما تصاب هذه العلاقات بالتوتر إذا كان المدرسون ينتمون إلى أيديولوجيات متنافرة..

ج- علاقة المدرسة بمدرسة أخرى: وتتمثل في الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية المتبادلة بين المدارس، كما يمكن أن تأتي على شكل علاقات استشارية بين مدراء المدارس حول المشاكل المشتركة أو على شكل تبادل الرؤى حول القضايا التربوية في اجتماعات على صعيد النيابات الإقليمية أو مقاطعات التفتيش أو حتى على صعيد الأكاديمية..

ج- العلاقات المتولدة عن الأنشطة الاجتماعية التربوية بين أطراف العنصر البشري الممثلة في المدرسة، وهي علاقات قد تبدو في بعض الأحيان عمودية إلا أن التوجيهات التربوية الحديثة تنصح بإزاحة كافة أصناف السلطوية أثناء التواصل بين هذه الأطراف في مختلف الفضاءات...

2-3: معيار النتائج المتولدة عن التواصل:

وهي على العموم :

أ- إما علاقات تواصلية تؤدي إلى نتائج إيجابية حينما يتحقق معظم الكفايات والأهداف المتوخاة من المدرسة..

ب- وإما علاقات تنجم عنها نتائج سلبية ، وهي التي تفسر عادة بالمعضلات الناشئة عن التواصل...

2-4: معيار كيفية حصول التواصل :

هناك طريقتان لحصول العلاقة التواصلية :

أ- طريقة العلاقة المباشرة : وعبرها يكون التواصل بين طرفي العلاقة بدون أية حواجز أو وسائط ، كالتواصل بين المدرس والتلميذ في الفصل أو بين المدير والأستاذ في مكتب الاجتماعات على سبيل المثال، وقد يخلق هذا الصنف من التواصل عدة تحديات حينما تحتاج إليه المؤسسة التربوية ولا تتوفر وسائله الضرورية كالتواصل بين المدرس والمراقب التربوي أو حينما تنعدم ظروفه كالتواصل المخطط له في حصص الدعم التربوي، أو حينما تتوتر العلاقات بين طرفين فيجافي أحدهما الآخر كما يحدث في بعض الأحوال بين المدير والأساتذة أو بين المدرس والمجتمع المحلي، وهذه الظاهرة تكاد تكون مستفحلة في المدرسة القروية بسبب غياب الوعي التربوي لدى المربين وسواد الجهل والأمية لدى غالبية الآباء....

ب- طريقة العلاقات الوسائطية الغير المباشرة: وقد تم ابتكار هذا النوع لمواجهة التحديات التي تقف دون التواصل المباشر ومن أبرز أمثلته :

۱- التواصل عبر التراسل الإداري : وتحكمه ضوابط وأعراف لابد من احترامها من طرف المتواصلين منها احترام الشكل القانوني للمراسلة والسلم الإداري، وهذا التراسل إما أن يكون تصاعديا كمراسلة مدرس لرؤسائه التي تأتي على شكل طلب أو شكاية أو تظلم ، وإما أن يكون تنازليا كمراسلة الرئيس للمرؤوس التي تأتي على شكل استدعاء أو تنبيه أو استفسار مثلا، وقد خلق هذا الصنف من التواصل الضروري مشاكل كثيرة أمام المدرسة القروية نظرا لقلة وسائل المواصلات مما أدى إلى ضياع الحقوق التربوية والمهنية وضياع الوثائق في بعض الأحيان ...

۲- التواصل عبر الأنترنيت : ويندرج ضمن التقنيات الحديثة في التواصل ، ويفترض أن تكون المؤسسة مرتبطة بشبكة الأنتيرنيت ، ومجهزة بقاعة متعددة الوسائط وبموظفين متخصصين في الإعلاميات، وهذه الأمور مستعصية لحد الآن عن المدرسة المغربية وأحرى عن المدرسة القروية رغم أهميتها البيذاغوجية ...

3- العوامل المؤثرة في التواصل المدرسي بالوسط القروي:

لا يمكن التخفبف من حدة المعضلات الناجمة عن التواصل إلا من خلال تشخيص حقيقي للمؤثرات في هذا التواصل، وحسب النتائج التي تتمخض عن أصناف التواصل الآنفة الذكر، يمكن تجسيد هذه المؤثرات في ثلاثة أنواع من العوامل :

3-1: العوامل الداعمة :

وهي التي إذا توفرت ونشطت أدت بكيفية آلية إلى إنجاح المهام التواصلية، والوصول إلى النتائج التي خطط لها ، ومن هذه العوامل :

3-1-1: عوامل ذات طبيعة وظيفية مهنية : وتتمثل في كل الأحوال في الكفاءة والمهارات المهنية التي يكتسبها المدرس أو المدير أثناء التكوين من أجل التمهين، وتعتبر مادتا علوم التربية والتشريع المدرسي وأخلاقيات المهنة أهم مجال لاكتساب مهارة التعامل والتواصل والاحتكاك بالآخر، وأي استخفاف بالتوجيهات التربوية والمهنية المستقاة من هتين المادتين قد يؤدي في الأخير إلى نتائج مزرية في العلاقة بين المربي والمتعلم من جهة أو بين أطراف الفعل التربوي عامة من جهة أخرى، وهناك مغالطات كثيرة ينشرها بعض الفاشلين في أداء وظائفهم منها أن ما نتلقاه في مراكز التكوين من توجيهات في هذا المجال لا يمت لواقع المدرسة بأية صلة، وهذه مقولة مدحوضة تنم عن عجز قائلها عن تطبيق أحدث ما توصل إليه الباحثون من آليات وظيفية من أجل تواصل تربوي ومهني خلاق...

3-1-2: عوامل ذات طبيعة معرفية ثقافية : وتتمثل في مختلف المعارف التي يحتاج إليها المربي أثناء إلقائه لدروسه وتوجيهاته، فالعجز المعرفي الثقافي لديه قد يخلق فجوة يصعب سدها في العلاقات التواصلية التربوية والمهنية، وهو مطالب بالإطلالة على القوانين والأنظمة المهنية ومعرفة ما تخبؤه من أحكام ، وهو مطالب كذلك بالتمكن من مادته التي يدرسها تمكنا جيدا، وإلا ظل حبيس الهواجس كلما أقدم على التواصل مع الطفل أو مع الآخرين، حيث لن تنفعه سلطته التربوية والإدارية كي يخفي قصوره المعرفي بل سوف تقحمه في ما لا تحمد عقباه من المشاكل، وما قلناه في هذا الباب عن المربي يمكن قوله عن أي شخص يسعى إلى ربط علاقة مع المدرسة، فالمستوى الثقافي الجيد للمجتمع المحيط بالمؤسسة التربوية دعامة أساسية للتواصل المدرسي على كل حال ...

3-1-3: عوامل ذات طبيعة وجدانية وسلوكية: وهي الدعامة الكبرى لمبدإ التواصل ، وتتمثل في كافة المؤهلات السيكولوجية والأخلاقية التي تشجع الشخص على التواصل مع الآخر، فحب المهنة والارتياح للوسط المدرسي وتبادل الاحترام بين مختلف أطراف العلاقات المدرسية وأريحية السكان وسعيهم لتوفير الظروف المواتية للمدرس المغترب كي يندمج مع محيطه، كلها عوامل داعمة للتواصل، والمدرس الناجح هو الذي يتوفر على ضمير مهني راق و يتمكن من استمالة محيط المدرسة الاجتماعي لصالحه ، ومن شروط الوصول إلى هذا المطمح إيمان المدرس بحق الاختلاف واحترامه للعادات والتقاليد المحلية ومعاملة الآخرين معاملة ودية بعيدة عن المجاملات والنفاق ....

3-2: العوامل المثبطة للتواصل في مدرسة قروية :

وهي عكس سابقتها إذا مني بها التواصل ساقته إلى الفشل الذريع، وكان بإمكاني أن أختصر فأقول بان كل ما هو مضاد للعوامل الداعمة يثبط العلاقات التواصلية، ولكني آثرت الحديث عن بعض جوانب التثبيط التي عاينتها ميدانيا من خلال زيارتي لبعض المدارس البدوية، ومن العوامل التي تفرض وجودها بكثافة وتؤدي إلى التأثير سلبيا على العلاقات التواصلية :

3-2-1: تصادم القيم الأخلاقية والثقافية: فحينما يسعى أحد طرفي العلاقة بالمدرسة القروية إلى التواصل فيما بينهما يظل كل منهما متمسكا بحمولته الأخلاقية والثقافية التي اعتاد عليها وأصبحت من مثله العليا التي لا مجال للانسلاخ منها، ومن بين أصناف هذه الحمولات نذكر:

أ- لغة التواصل : ففي المناطق الأمازيغية نجد الساكنة يتحدثون بلغة أجدادهم ويعبرون بها عن حاجاتهم اليومية، وإذا حدث أن عين بين ظهرانيهم مدرس لا يعرف هذه اللغة، فإن أول ما يواجهه في الفصل تعود الأطفال على الحديث باللغة التي رضعوها من ثدي أمهاتهم، مما يؤدي في غالب الأحيان إلى نوع من التذمر وبالتالي إلى انتهاج المدرس طرقا لا تربوية في حمل الطفل على الكلام بلغة غير التي ألفها أو تعويده على الصمت، مما يؤدي في الأخير إلى تربية هؤلاء الأطفال على عقد نفسية خطيرة كالخجل والشعور بالدونية، وكان بإمكان أمثال هؤلاء من المدرسين أن يعترفوا للطفل بمكوناته اللغوية وأن يسعوا إلى تعليمه بطرق يشعر من خلالها بأن المدرس يحترم شخصيته ويقدرها..

ب- العادات والتقاليد البدوية : فالمجتمع البدوي ميال بطبعه إلى احترام موروثه الثقافي المتمثل في العوائد والأعراف التي دأب عليها السلف في المواسم والمناسبات واللباس والأنظمة المدنية وأنماط العيش، ومن المدرسين من يسعون إلى الاستخفاف بتلك التقاليد البدوية وانتقادها علنا ووصم أصحابها بالرجعية والتخلف دونما احترام لمشاعرهم، مما يؤدي إلى خلق ثغرة من الجفاء بين الطرفين، وكان الأحرى بهؤلاء المدرسين أن يلجأوا إلى حسن المعاملة واحترام مشاعر الآخرين والتكيف مع الوسط بكل حمولاته الفكرية والثقافية قدر الإمكان...

ج- الأخلاق : إن الأسرة القروية أسرة ممتدة صارمة في التمسك بقيمها، فالبدويون محافظون ومتمسكون بقيم الحشمة والوقار وتحاشي عبارات اللمز التي اعتاد عليها الحضريون في معاملاتهم اليومية، كما أن لباسهم لباس محتشم في غالب الأحوال، كما أنهم ينظرون إلى حرمة المرأة نظرة خاصة حيث يتشبثون بصون أعراضهم من كل الشبهات ويستنكفون أن يروا بناتهم عرضة للاستغلال الجنسي بأي طريقة، بيد أن بعض المدرسين بالوسط القروي لا يراعون هذه القيم فيتعمدون الخروج إلى ساحة القرية بما ألفوه من ألبسة غير محتشمة- في نظر القروي- ، أو السب والشتم واللمز بما حملوه من المدينة من عبارات وضيعة، كل ذلك يؤدي إلى الجفاء وردود الأفعال التي لا مبررلها لو أن هؤلاء الآتين من الحواضر قد احترموا سكان القرية وعودوا أنفسهم على ما دأب عليه هؤلاء السكان من التحفظ ...

3-2-2: الظروف الطبيعية والمعاشية : إن الكثير من المدرسين المنحدرين من وسط حضري قد لا تسعفهم البادية بما توفره لهم من مناخ و ظروف معاشية مناسبة لما ألفوه في ديارهم من الترف والبذخ والرخاء، وحينما يعينون في مدرسة قروية سوف يكون عليهم أن يرضوا بما قسم لهم إذا أرادوا أن يتكيفوا مع وضعهم الجديد، فقد يفرض عليهم هذا الوضع:

أ- الرضى بواقعهم المعاشي الجديد فهم سوف يجبرون على:

+ الإنارة بالشمع أو الغاز أو الفيول، أثناء إعدادهم لدروسهم وجذاذاتهم

+ تناول وجبات بسيطة يعدها لهم البدوي بأريحية لكنها غير مألوفة لديهم في منازلهم الاعتيادية..

+ ممارسة الكثير من الأشغال التي ركانت أمهاتهم وآباؤهم تغنيهم عنها كطهو وإعداد الطعام، وسوف يتحتم عليهم النزول إلى السوق الأسبوعية على أقدامهم أو على متن الدواب والشاحنات للحصول على حاجياتهم ..

ب- التكيف مع المناخ الطبيعي السائد في المنطقة : فإذا كانت العوامل المناخية لا تشكل عائقا في المناطق المعتدلة إلا أنها تطرح إشكالية في المناطق الجبلية المتسمة ببرودة الطقس، وكذلك الشأن بالنسبة للمناطق الصحراوية الشديدة الحرارة، خصوصا بالنسبة للمدرسين المعتادين على الجو المعتدل، ففي إقليم طاطا مثلا تؤثر العوامل المناخية على العلاقات التواصلية التربوية فتقل المردودية المهنية ابتداء من شهر مايو، دون أي مبرر سوى الحرارة، وكان من اللازم على المدرسين ورجال المراقبة التربوية الذين يسقطون في هذه المتاهة المهنية أن يسعوا إلى جعل مصلحة الطفل فوق كل اعتبار ...

3-2-3: القصور القانوني: لقد نص الميثاق الوطني في بنده ال 138 على أن السلطة المكلفة بالتربية والتكوين مطالبة بمراعاة الظروف الخاصة للأطر التربوية العاملة بالوسط القروي بتوفير الشروط الضرورية لعملهم وحفزهم بتعويضات ومنح خاصة، ولحد الآن ونحن نشرف على منتصف العشرية الخاصة بأجرأة بنود الميثاق الوطني لم تتقدم الوزارة بأي مشروع نص قانوني يلبي هذا الطموح المعقول، فالمدرس في المناطق البدوية يحس بحيف كبير لأنه ينفق مبالغ زائدة من حوالته على ضروريات التكيف مع الوسط في حين أن زملاء له متساوين معه في الأجرة يعملون في الحواضر أو المراكز المحظوظة ولا يؤدون هذه الضريبة، وإذا كان الميثاق الوطني يتحدث عن التعويضات فقط فإنه من اللازم أن يكون التباين ليس في الأجرة فحسب وإنما في مدد الترقية العادية ولو أن الأنظمة تقر بأن الاستقرار بالمجموعة المدرسية يمنح صاحبه نقطا زائدة إلا أنه ليس من المعقول أن تحتسب النقطتان لكل سنة ابتداء من السنة السادسة...

ومن المجالات التي يلاحظ فيها قصور قانوني في دعم العلاقات التواصلية التربوية مجال المراقبة التربوية، فهناك ظاهرة منغصة تعيشها المدرسة القروية تتجلى في إحجام المفتشين عن القيام بمهامهم في الإرشاد والتوجيه بدعوى قلة وسائل التنقل أو التعويضات، وإذا كان هذا المطلب مشروعا فهل يحق للمدرس أن يحجم هو الآخر عن الالتحاق بعمله لنفس السبب، إن وزارة التربية الوطنية لا يسوغ لها أن تكيل بمكيالين فتتغاضى عن عن هذا الأمر الواقع في الوقت الذي تراقب فيه المدرس مراقبة مجهرية، فإما أن توفر لرجال المراقبة التربوية ظروف قيامهم بمهامهم أو تحملهم على احترام القانون ...

ومن مجالات غياب مبدإ تكافؤ الفرص المنصوص عليه في الميثاق الوطني نشير إلى فحوى المذكرة الوزارية 110/96 الخاصة بتعيين المدرسين الجدد ، التي تنص على تفضيل الإناث على الذكور والمتزوجين على العزاب أثناء التعيين بالمؤسسات وإسناد الفصول، وأعتقد أنه يجب تجاوز هذه المذكرة وتمكين المؤسسة القروية بأكبر عدد من المدرسات لأنهن أمثل في تشجيع الفتاة القروية على التمدرس ...

3-2-4: العقد السيكولوجية : وترجع هذه العقد أساسا إلى نوع التربية والظروف الاجتماعية التي تربى فيها الشخص، حيث نجد بعض المربين مثلا مطبوعين اجتماعيا بعقد خطيرة كحب الذات والشعور بالدونية والنزوع إلى العدائية والانتقام، مما يجعل التواصل معهم صعب المنال لأن هذا النموذج لا يلبث أن يقع أسير عواطفه أثناء التواصل معه...

4- اقتراحات عملية من أجل تواصل أفضل:

أعتقد أن تكريس تقنية ملائمة للتواصل في المدارس القروية يقتضي الانطلاق من تمكين المدرسة من مقومات موضوعية وتمكين العاملين بها من تحفيزات ذاتية :

4-1: الشروط الموضوعية :

4-1-1: بنية تربوية ملائمة : ويتعلق الأمر ببنيتين :

أ- البنية التربوية المتمثلة في الأطر والفصول الدراسية : فبالنسبة للأطر التربوية يتعين إفراد العاملين بالوسط القروي بتكوين أساسي ومستمر يركز على ظواهر الوسط القروي التربوية والمهنية، بل والانتقال بهم أثناء التكوين لممارسة تداريبهم بهذا الوسط، أما بالنسبة للفصول الدراسية فيجب على الوزارة أن تتراجع على نظام الضم الثلاثي والرباعي( القسم المتعدد المستويات) والاكتفاء بالضم الثنائي على أمل إقصاء هذا النموذج من البنيات الاستثنائية مستقبلا...

ب- البنية المادية التحتية المتمثلة في الحجرات والقاعات والتجهيزات والوسائل: فمن الملاحظ أن المدرسة القروية غالبا ما يتم إغفالها والاكتفاء بما هو أبسط وأرخص من التجهيزات الأساسية والوسائل التربوية ، وهنا لابد أن نطرح مبدأ تكافؤ الفرص ، غير أن السلطة المكلفة بتدبير القطاع التربوي لا يمكنها وحدها أن تواجه المشاكل ذات الطبيعة البنيوية في المدرسة القروية ، لذا فإن إشراك محيط المؤسسة الاجتماعي من جماعات محلية وجمعيات المجتمع المدني لابد منه، وعلى العموم فإن التواصل يتضرر كثيرا من فقر البنى التحتية في المدرسة القروية ،

4-1-2: حوافز مادية لمؤطري المدرسة القروية: تنفيذا لما جاء في البند 138 من الميثاق الوطني:

أ- فالمدرس في حاجة إلى تعويضات نقدية لمواجهة التكاليف الزائدة التي يتميز بها عن زملائه بالمراكز الحضرية أو الشبه الحضرية ولمواجهة الاغتراب السوسيو-ثقافي والسيكولوجي الذين يستبدان به، كما يحتاج إلى سكن ملائم ...

ب- والمدير بالإضافة إلى مارأيناه عند المدرس في حاجة كذلك إلى تعويضات مادية لمواجهة التنقلات الاعتيادية بين مركزيته وبين الفرعيات البعيدة ومختلف التكاليف الزائدة...

ج- والمفتش يحتاج إلى تعويضات عن التنقل في مقاطعته، بل وإلى وسيلة نقل دائمة تؤهله للقيام بمهامه أحسن قيام...

4-1-3: قوانين وأنظمة مهنية منصفة : فهناك مجالات قانونية يحس فيها المؤطرون للمدرسة القروية بكثير من الحيف، حينما تسعى الطقوس الإدارية إلى مساواتهم مع زملائهم بالوسط الحضري منها:

+ التأجير: كتمكينهم من الزيادة في التعويضات كما أسلفنا

+ ومنها مساطر الترقية والانتقال: كإحداث نقطة المكوث بالفرعيات البعيدة وتعميم النقطتين عن كل سنة من سنوات المكوث بمجموعة المدارس لتشمل جميع السنوات..

+ ومنها الرخص بمختلف أشكالها: كتمكين المؤطر من آجال أطول من التي تمنح لغيره بالوسط الحضري..

+ ومنها ما يتعلق بالإيقاعات الزمنية المخصصة للعمل: كتمكين المدرسين للقسم المشترك من حصص أقل مما يمنح لمدرس الأقسام العادية، وتمكين المدرس من اختيار الصيغة المناسبة للفرعية التي يدرس بها..

لذا فإن تفريد هؤلاء المؤطرين بما ينصفهم ويأخذ بعين الاعتبار وضعياتهم الصعبة من القوانين والأنظمة، من شأنه أن يعطي للعوامل الداعمة للتواصل بالمدرسة القروية شحنة منعشة...

4-1-4: مناهج تربوية واقعية: فرغم ما نسمعه عن أن الكتاب الأبيض قد استجاب للخصوصيات الجهوية ،إلا أن الحقيقة أن المنهاج الدراسي والكتاب المدرسي مازالا غير ملائمين لخصوصيات الطفل القروي ويتجلى ذلك في :

أ- إغفاله للمحيط الطبيعي للمدرسة القروية الذي لا يعرف بعض الظواهر التي ينث بها الكتاب المدرسي، مما يجهد مخيلة الطفل ويوقعه في دوامة من التجريد ..

ب- إغفاله للمحيط الثقافي للمدرسة القروية : حيث يفرض على الطفل الأمازيغي على سبيل المثال أن يتعامل مع سمات ثقافية غريبة عما هو مألوف في بلدته أو قبيلته، كما يفرض على الطفل المسلم أن يتقبل ويسلم بسلوكات إباحية باسم الانفتاح على ثقافة الآخرين..

ج- إغفاله للإمكانيات المادية للأسرة الفقيرة السائدة في الوسط القروي ، حيث لا نجد إلا نوع الكتاب المستهلك والمندثر الذي لا يصلح للاستعمال مرة ثانية، والذي يؤدي لمن ألفه غرضا تجاريا محضا، وقد كان أطفال الأسرة الواحدة فيما مضى يستعملون الكتاب الواحد خلال عدة سنوات مما يوفر بعض الدراهم على عائل الأسرة...

4-1-5: محيط متفاعل: فرغم أن الميثاق الوطني يراهن على المحيط الاجتماعي والاقتصادي للمدرسة من أجل الدعم والمساهمة في خلق بنيات ملائمة، إلا أن تفعيل هذا الدور ما زال بعيد المنال، لذا فإن مسؤولية السلطات الإدارية المكلفة بتدبير المدرسة القروية على وجه الخصوص مطالبة بأن تنفتح أكثر على هذا المحيط وأن تعقد معه شراكات حول مشاريع عملية تراعي مصلحة الطفل والمجتمع على حد سواء، ومن أهم مجالات هذا التفاعل:

أ- مجال تجهيز وتأهيل المدرسة القروية للقيام بدورها التربوي، كبناء الأقسام وإصلاحها وإمداد المدرسة بالكهرباء والماء الصالح للشرب والمرافق الصحية والوسائل التعليمية والأدوات المدرسية..

ب- مجال التنشيط والتربية : ويعتبر النشاط الموازي الموجه للأطفال القرويين أهم فضاء لتفعيل إمكانيات الجمعيات التنموية والثقافية والرياضية المحلية، كما يمكن لهذه الجمعيات أن تساهم في دروس الدعم والتقوية لصالح هؤلاء الأطفال، وأن تساهم في تمكين الطفل من الالتحاق بالمخيمات الصيفية ..

4-2: الشروط الذاتية :

ويتعلق الأمر بشروط تهم على وجه الخصوص المربي( المدرس والمدير والمفتش والمشرفون التربويون) بصفته العمود الأول للتواصل في المدرسة ، فمن أهم ما يجب أن يتسم به هذا المربي:

4-2-1: حب المهنة : فالكثير من الذين يلتحقون بأسلاك التربية والتكوين لا هم لهم سوى الحصول على الراتب الشهري، أما حب المهنة فيتطلب :

أ- الامتثال للقوانين : ولا يتأتى ذلك إلا إذا وعى المربي مقتضيات علاقته النظامية بإدارته، وعرف كل القوانين التي تنظم مهنته وعمل على احترامها وتنفيذها ، ولا يمكن استشفاف تواصل أمثل من خرق القوانين والضرب بها عرض الحائط، أو من التحايل على القانون، أو من هذر مبدإ تكافؤ الفرص، وهنا لابد من الإشارة إلى أن حرمان المربي من أحد حقوقه المهنية لا يسوغ له إحجامه عن أداء واجباته لأن الطفل المستهدف لا ناقة له ولاجمل في ذلك الحرمان ، ولأن القانون حدد لنا الطرق والقنوات الكفيلة بالدفاع عن حقوقنا..

ب- تنفيذ التوجيهات التربوية: إن ما تصدره الجهات المسؤولة عن تدبير القطاع التربوي من التوجيهات يكون دائما منصبا في صالح التواصل مع الطفل، لذا فإن العمل بتلك التوجيهات دلالة قاطعة على العلاقة الحميمية التي تربط المربي بمهنته، وما أحوجنا إلى الاستماع إلى النصائح التي يقدمها المرشد التربوي وتتضمنها المذكرات التوجيهية، وفي المدرسة القروية تنطرح هذه الحمية على مدرسي القسم المشترك الذين يتعين عليهم أن يعملوا على تفعيل ما استوعبوه نظريا في مراكز التكوين وما حمله إليهم المراقبون التربويون ...

ج- التحلي بأدبيات المهنة: ويطرح هذا المطلب في العلاقات الثنائية أو المتعددة الأطراف داخل المدرسة، حيث يتعين على المربي أن يؤمن بحق الاختلاف، وأن يحترم زملاءه ورؤساءه، ويحترم توجهاتهم المذهبية والأيديولوجية، كما يتعين عليه أن يستحضر دائما كل المرتكزات والقيم والغايات الكبرى التي تأسس عليها منهاجنا التربوي، لأن الأنانية المفرطة وحب الذات والتطرف الفكري من الزلات التي تعصف بالعلاقات التواصلية...

4-2-2: التكوين المهني الخلاق: فعلى الرغم من أن مركز التكوين يعتبر القنطرة المثالية للتمهين في هذا الحقل التربوي، إلا أن جل الذين مروا عبر هذه المراكز حينما تلاقيهم بالمدرسة القروية يعطونك الانطباع بأنهم لم يحصلوا على أي تكوين يذكر، لذا فإن المربي الممارس للمهنة يتعين عليه أن لايبقى حبيس تلك المعارف والمهارات التي حصل عليها آنفا، بل يجب عليه أن يسعى إلى :

أ- دعم معارفه بالمطالعة والبحث والحضور في المنتديات التربوية والثقافية على العموم...

ب- تقفي المستجدات التربوية واستيعابها والعمل على تطبيقها..

ج- التحرر من العقد النفسية التي طبعه بها مجتمعه وأسرته...

د- التدريب الجيد واستغلال فضاء الدروس التطبيقية قدر الإمكان..

في الختام آمل أن أكون قد وضعت معضلة التواصل في محك النقاش والحوار، وعلى كل فإني لا أدعي أنني معفي مما عرضته من أفكار وشروط ، فالمسؤولية جسيمة جدا، وكلنا معرضون للزلات والأخطاء، وأتمنى أن يطلع زملائي الأساتذة وأبنائي الطلبة المدرسين على روح وفحوى هذه الورقة وأن يستمر النقاش فيما بيننا للوصول إلى نتائج مرضية...



http://membres.multimania.fr/cfidetata/ar/oubella.htm

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق