الأربعاء، 25 يوليو، 2012

مباحث بيولسانية حول الوضع الباثولوجي لثنائية الكفاءة والتأدية

مباحث بيولسانية حول الوضع الباثولوجي لثنائية الكفاءة والتأدية



الباحث: أ/ إزر فاطمة
الدرجة العلمية: ماجستير
الجامعة: جامعة صنعاء
الكلية: كلية الآداب
بلد الدراسة: اليمن
لغة الدراسة: العربية
تاريخ الإقرار: 2006
نوع الدراسة: رسالة جامعية

الملخص :

تزاحمت اتجاهات علمية عدة في بحث ظاهرة اللغة نظرا للدور الذي تمثله اللغة في حياة الإنسان. وحسب رأي "ليبسكي" (Guilio.C.Lepscky) في كتابه (La linguistique Structurale) فقد "شهد البحث اللساني الحديث انقسامات مذهبية متناقضة في عمق ما يتناوله من مسائل لغوية تصعب معها مرونة تكاثف الجهود العلمية و الآراء الموضوعية لتحليلها في أغلب الأحيان، فالصراع الجدلي بات جادا و معقدا بين النزعات التاريخية و البنيوية التوليدية في بحث ظاهرة اللغة."(1)

ويعكس هذا الزخم الفكري أهمية اللغة، و بحث خصائصها، في الوقت ذاته يعكس بعد ذلك التفاعل والتداخل بين مختلف الفروع العلمية لتنصهر كل هذه الاتجاهات في بوتقة واحدة لتمثل وظيفة واحدة هي تفسير وتقديم المعطيات اللسانية وتحليلها تحليلا وافيا ودقيقا يقف عند كل سؤال تطرحه هذه الظاهرة الخاصة. وما الاتجاهات اللسانية السابقة والحالية والنظريات والرؤى المختلفة إلا دليل على ذلك.

ربطا بموضوع بحثنا سنقف عند مرحلة تطورية معينة في البحث اللساني، وهي مرحلة اللسانيات التوليدية لمؤسسها "نوام تشومسكي" (N.A.Chomsky). لن يصعب على القارىء الوقوف عند سلسلة الزخم العلمي المتفاعل مع البحث اللساني – كمحاور مفهومية كبرى، لأن هناك تداخلا وإشكاليات في النظريات تحول دون الفهم والوضوح - من علم النفس، الجغرافيا، الرياضيات، الفلسفة، علم الاجتماع، علم الحاسوب، الاتنولوجيا، وعلم النفس المعرفي...إلخ إلا أن السلسلة الأخيرة من هذا الزخم ونعني بذلك اتصال اللسانيات بالعلوم الطبيعية وخاصة علم البيولوجيا وعلم الوراثة والفيزيولوجيا مثل تحولا هاما- حسب رأي جوليا كرستيفا (J.Cristeva) وغيرها من الباحثين والناقدين-، فقد خلف أبعادا فكرية، وأبرز خصوصيات معينة، واقترح مفاتيح جديدة لولوج البحث اللساني تنظيرا وتطبيقا. إذ حمل هذا التوجه الجديد الذي يربط اللغة بنتائج الأبحاث البيولوجية وبعلم الوراثة معطيات جديدة.و إن كان القارىء يعتقد بأن الأمر يتعلق بالمناطق التشريحية الخاصة باللغة المحددة من طرف "بروكا" (Broca) و"فرنيك" (Wernike) فحسب فالأمر ليس كذلك، فقد احتضن هذا المجال نتائج تتجاوز بكثير هذه المرحلة خاصة بعد ثورة الجينوم، اكتشاف حمض ADN، واستقراء شفرات الجينات الوراثية، وتحديد مكوناتها وآلية عملها.

هذه المعطيات قدمت كما ذكرنا فلسفات جديدة، وكسرت مسلمات وبديهيات- بالطبع على اختلاف الآراء حول قبول هذه الرؤى التنظيرية الجديدة والمعارضة كانت فعلا قوية - خادمة بذلك البحث اللساني والتناول المنهجي والتحليلي للغة.

رجوعا إلى الوجهة المحددة لبحثنا، فقد حاولنا من خلال هذه الإفرازات التحليلية الجديدة للغة الوقوف عند نصيب اللغة في وضعها الباتولوجي لا في وضعها السليم، بمعنى أدق: هذه المفاهيم والرؤى والمناهج والنظريات الجديدة كيف كان استقراؤها للوضع الباتولوجي، ماذا قدمت حوله وله؛ إذ إن هذه الزاوية من البحث قد حظيت باهتمام بالغ، تمخضت عنها أبحاث جادة ونتائج ومعارف جديدة، فهذا الجانب لا يقل أهمية عن الوضع السليم، لذلك أكد الباحث اللساني "رومان جاكبسون" (R.Jakobson) أهميته في مستهل كتابه (Langage enfantin et aphasie) مكملا جزءا ناقصا في مقولة "كارل بوهلـر" (Karl Bohler) التي أكدت أن الطفل بمفرده هو الذي يتيح لنا فرصة ملاحظة اللغة الإنسانية،ليضيف-جاكبسون بقوله - أن الاضطرابات اللغوية فقط هي التي تتيح لنا فرصة ملاحظة تلف اللغة الإنسانية، وكان يقصد بذلك أن ملاحظة التلف اللغوي ركيزة لدراسة وفهم الوضع السليم للغة.(2) لذلك كان الوقوف عند هذه الدراسات الحديثة والمعطيات الجديدة في دراسة الوضع الباتولوجي دافعا من أقوى الدوافع لاختيار موضوع بحثنا المعنون ب"مباحث بيولسانية حول الوضع الباتولوجي لثنائية الكفاءة والتأدية". الذي لا يتعدى كونه مجرد محاولة بسيطة لإضاءة بعض نقاط ونتائج الأبحاث المهتمة - التي أمكننا الحصول عليها- بهذا الجانب،هذه النقاط التي وجدناها سلسلة من المترابطات اللسانية.

وسنحاول حصر أسباب اختيارنا لهذا الموضوع في النقاط التالية:

1- نقاط التداخل والالتقاء التي جمعت اللسانيات والبيولوجيا، واعتماد نتائج علم الوراثة.
هذه النقاط تحديدها وتفسيرها طرح نقاط تعجب كثيرة، ونقاط استفهام أكثر: لماذا لجأت اللسانيات إلى هذا العلم الدقيق بالضبط؟، ما هي نقاط التقاطع بين هذين العلمين؟ ما علاقة الشفرة الوراثية بالشفرة اللغوية؟ وما علاقة الكودونات بالفونيمات؟

2- حديث "جاكبسون" (R.Jakobson) عن أثر مشروع الجينوم في تطوير البحث اللساني،
وما قدمه اكتشاف حمضADN للغة. وعلاقة النظام المناعي الإنساني
(Systeme imminitaire humain) في تفسير "غالابوردا" (Gallabourda) باضطرابات اللغة. أيضا ارتباط الكروموزوم رقم6 باضطرابات اللغة (Les troubles du lanagage). فلماذا يؤكد الباحث اللساني "جاكبسون" (R.Jakobson) أهمية هذا المشروع- ومعطيات بيولوجية أخرى- وحفز للدور المنوط به بشكل كبير في تفسير ظاهرة اللغة؟ ما تفسيره لهذه الأهمية، وأين تكمن نقاط المضاهاة التي جعلته يضاهي الشفرة اللغوية بالشفرة الوراثية؟

3- يؤكد: ميزس" (Mises) أن فهم الآليات المعرفية المتحكمة في اللغة لم ولن يتحقق إلا بدراسة جانب الاضطرابات اللغوية، فهذا الجانب هو الحقل التجريبي الثري بالمعطيات و الأدلة التي تجعل البيولوجي واللساني على حد سواء يكشفان عن تلك الميكانيزمات الأساسية السوية التي تستند إليها عملية اللغة، ويستلزم ذلك فتح مجال أكبر لفهم الأسس البراغماتية لاستعمال اللغة في وضعها الباتولوجي. لنحور معنى السؤال: كيف مكن كشف الميكانيزمات اللغوية في وضعها الباتولوجي من فهم مساقات هذه الميكانيزمات في وضعها السوي؟ هل تحقق ذلك، وهل وفق اللسانيون في تحديد الآلية الذهنية للغة؟

4-الحبسة (L'aphasie) – من بين اضطرابات كثيرة - حظيت بدراسة جادة و بأبحاث مكثفة، من حيث تحديدها وبيان أسبابها وخصائصها، وأيضا من حيث تحليل المستوى الأدائي للأفازي خاصة وتحقيقه للمستوى الاتصالي إنتاجا وتركيبا وفهما للعلامة اللسانية على مستوى المحورين محور الاستبدال (Axe paradigmatique) ومحور التراكيب (Axe syntagmatique). فما هي النتائج المتوصل إليها من خلال بحث هذا الاضطراب؟

5- ما هو المعيار اللساني – المتوصل إليه بعد تحديد الخلل اللغوي- المسؤول عن التمثل الذهني للغة لدى الأفازي، خاصة – كما هو معلوم - أن الأفازيا اضطراب متعلق بعملية الترميز (Encodage) وفك الترميز (decodage).

6- ماهي النتائج المترتبة عن إصابة منطقة ما حول الغشاء الزلالي الخلفية (La region peresylvienne posterieure)، ومنطقة ما حول الغشاء الزلالي (La region perisylvienne anterieure).

7- كيف استفاد "تشومسكي" (N.A.Chomsky) من هذه المعطيات في بناء نظريته التوليدية ؟ وكيف يمكن تفسير الاضطرابات اللغوية بناء على المحورية المؤسسة لنظريته ونقصد بذلك ثنائية الكفاءة والتأدية (Competence/Performance). هل الحبسة اضطراب يمس الكفاءة أم التأدية؟ إن كان الأمر يتعلق بالكفاءة، هل يمكننا وصف العملية الذهنية المتحكمة في تمثل المتكلم لكلامه، بمعنى أدق هل يصح الحديث عن قواعد استعمالية هذه الملكة الضمنية كملكة لسانية فحسب؟.

8- هل تعتبر الأبحاث الخاصة بدراسة اللغة الإيمائية (Langage gestuel) لدى المصابين باضطرابات لغوية نتائج تفرض الحديث عن كفاءة لسانية أو كفاءة اتصالية؟ وما هي أهم النتائج المتوصل إليها حول إمكانية المصاب في تحقيقه للغاية الاتصالية؟

9- قلة المراجع العربية المهتمة بمتابعة هذه الإفرازات اللسانية الحديثة. وتأخر المراجع الأجنبية في الوصول إلينا في أصلها أو حتى ترجماتها. لذلك فإن اعتماد الباحثة على ترجمة المقالات من مواقع الإنترنات و بصورة واسعة مما يعد من المنظور المنهجي نقطة سلبية إلا أن هذا لا يمت بصلة لما يصطلح عليه بشعار اختصار الوقت والجهد، على العكس إنما هو لجوء إلى مصادر معرفية توفر معطيات حديثة جدا يتعذر أن تصل ككتب أصلية أو كترجمة حتى إلا بعد فترة زمنية لا يستهان بها.

فيما يتعلق بمنهجية عرض الموضوع، اعتمدنا نظام المباحث رغبة منا في الوقوف عند محطات متنوعة من محطات البحث البيولساني، إذ أن كل محطة بذاتها بإمكانها أن تكون مشروع بحث، لذلك اعتمدنا نظام المباحث لعرض أهم هذه المحطات كما ذكرنا.

استهل البحث بمقدمة عرض فيها موضوع البحث، وأسباب اختياره، والأهداف المرجو الوصول إليها من بحث ومنهجية نظام البحث. ثم اتبعت ذلك بمدخل قدمنا فيه اهتمام البحث اللساني بدراسة اللغة ووقفنا عند مستويات هذه الدراسة، وشروط العملية الكلامية إنتاجاً وفقداناً.



المبحث الأول: وخصصناه للتعريف بعلم اللسانيات (Linguistique) وبأهم فروعه، مركزين على علم اللسانيات النفسي (Psycholinguistique)، علم اللسانيات الحاسوبي (Linguistique Computationelle)، علم اللسانيات البيولوجي (Biolinguistique)، علم اللسانيات الجغرافي (Linguistique geographique)، توطيداً للوجهة المحددة للبحث، وتأطيراً ابستمولوجيا لاتصال اللسانيات بالعلوم الإنسانية وبالعلوم الطبيعية مركزين أكثر على تحديد ماهية اللغة من الوجهة عصبياً – نفسياً.



المبحث الثاني: وخصصناه للتعريف بعلم اللسانيات البيولوجي (Biolinguistique) وبمجال اهتمامه فوقفنا عند الجانب التشريحي لمراكز اللغة (Centres du langage) واكتساب اللغة (L'acquisition du langage)، إدراك الكلام عند المولود (Perception de la parole chez le nouveau-né)، اللغة الإنسانية واللغة الآلية، ثنائية اللغة (Bilinguisme)، وأمراض اللغة والنطق (Troubles du langage et d'articulation)، واللغة الإيمائية (Langage gestuel).

وتعميقاً للتحليل وقفنا عند العلاقة الجامعة بين اللسانيات والبيولوجيا، منطلقين من عنصر التشريح الدماغي فكان:

1. البنى المخية الخاصة بآلية اللغة: ضمن هذا العنوان أدرجنا أهمية التظافر بين الباحث البيولوجي والباحث اللساني في تحديد مراكز اللغة (centres du langage) منطقة اللغة المنطوقة، منطقة فهم اللغة المنطوقة، منطقة اللغة المكتوبة، منطقة فهم اللغة المكتوبة، وأثر إصابة كل منطقة على المستوى اللساني.

2. منطقة ما حول الغشاء الزلالي الخلفية (Region Perisylvienne Posterieure) وأثر إصابتها على المستوى اللساني.

3. منطقة ما حول الغشاء الزلالي الأمامية (Region Perisylvienne Anterieure) وأثر إصابتها على المستوى اللساني.

4. الأنظمة التوسطية (Systemes de Mediation) وأثر إصابتها على المستوى اللساني.

كما تحدثنا في هذا المبحث عن الدراسة المهتمة ببحث التطور اللغوي لدى التوائم والتوائم الصنوية، أهم نتائج الأبحاث المهتمة ببحث المرونة الدماغية. كما تطرقنا إلى:

نتيجة دراسات الباحثdن (Hanna Damasio), (Antonio Damasio) حول مجموعات البنى العصبية الثلاث في علاقتها بالمستوى اللساني.

وقفنا أيضا عند آلية عمل الأذن وعلاقتها باكتساب اللغة، وإمكانيات المصاب الأصم – حسب نوع الإصابة – في استعاد لغته الإيمائية.

أيضاً آلية البصر وعلاقتها باللغة، وأثر إصابة المناطق القفوية وتحت الشوكية للفصوص القفوية الخامسة اليسرى واليمنى – المناطق المخية التي تضم المناطــق القشريــة v2, v4
(Lesions des zones occipitales et sous- calcarine des 5 eme circonvolutions occipitales gauche et droite-les regions cerebrales qui contiennent les aires corticales v2 et v4).

في فقدان القدرة على إدراك الألوان (Perception des couleurs). وقفنا أيضا عند عنصر آخر هو تضرر اللغة لدى متكلم مزدوج أو متعدد اللغة.

وقد حظي عنصر عسر القراءة (Dyslexie) بالاهتمام أيضاً وذلك من خلال الأبحاث الحديثة حول تفسير هذا الاضطراب لاسيما بعد أن أكدت كل التجارب ارتباطه بالكروموزوم رقم 6.

وكان آخر عنصر وقفنا عنده استعادة اللغة لدى الأفازي والاهتمام بالأساليب العلاجية الجراحية والتقويمية لتمكين المصاب من الكلام.



المبحث الثالث: وفيه تخصيص أكبر لعلاقة التضافر بين علم اللسانيات والبيولوجيا، إذ وقفنا عنـد تفسيـر اللسانـي رومان جاكبسون (R. Jakobson) لعلاقة الشفـــرة اللغويـة (Code Linguistique) بالشفـرة الوراثيـة (Code genetique) على مستوى النقاط التالية:

1. مضاهاة القواعد النيتروجينية الأربعة: الأدنين (A)- التايمين (T)– السيتوزين (C) وألجوانين (G) للفونيمات من حيث الماهية.

2. النظام الداخلي هو ما يحكم توزع الفونيمات في الشفرة اللغوية وهو ما يحكم القواعد النيتروجينية الأربعة في الشفرة الوراثية.

3. تفكك القواعد النتروجينية الأربعة إلى عناصر متقابلة والفونيمات كذلك.

4. تحدد دلالة عناصر الشفرة الوراثية من خلال انتظامها وتأليف الكودونات ضمن ضوابط نحو ADN، وتتحدد ماهية الفونيمات من خلال انتظامها وتأليفها: فونيمات- مورفيم – كلمة – جملة – عبارة – نص فخطاب ضمن ضوابط القواعد الخاصة باللغة.

5. مضاهاة شفرات Stop في الشفرة الوراثية لعلامات التنقيط في التنظيم الفونولوجي للشفرة اللغوية.

6. هدف الشفرة الوراثية البروتين (رسالة بيولوجية)، وهدف الشفرة اللغوية الدلالة (رسالة لغوية).

7. تحقق الرسالة الوراثية من خلال انتظام القواعد النتروجينية المكونة من ثلاثة أحرف وفق نظام خاص لتكون البروتين والرسالة اللغوية تتحقق من خلال انتظام الفونيمات وفق نظام صوتي وقواعدي خاص يحكم لغة المتكلم.

8. حدوث أي خلل في انتظام القواعد النتروجينية يتسبب في مرض ما، وحدوث أي خلل في انتظام الفونيمات خارج نظام لغة المتكلم يؤدي إلى اضطرابات في اللغة وفي التأدية – بحسب نوع الإصابات وآثارها.



المبحث الرابع: تعميقاً لأهمية العلاقة بين اللسانيات والبيولوجيا، خصص المبحث لتشومسكي (N. A. Chomsky)، الذي أكد على ضرورة اعتماد نتائج الأبحـاث العلميـة والتجريبيـة لتفسير اللغة، كون اللغة ظاهرة بيولوجية أصلاً، معلناً بذلك عن مبادئ جديدة تستند إليها نظرية النحو التوليدي ,فوقفنا عند أهم هذه المبادئ قصد الإمساك بالمصطلحات وبالمفاهيم البيولوجية المعتمدة لديه لتأكيد اتصال اللسانيات بالبيولوجيا في فهم اللغة، خاصة بعد ما فرضته هذه النظرية من أسس جديدة كسرت مسلمات سابقة.

كما وقفنا في هذا المبحث عند الطرف المقابل للنظرية، أي نقد النظرية فقمنا بعرض وجهة نظر الناقدة جوليـا كرستيفـا (J. Cristeva) والناقد رودلف بوطا (R. Bohta) – ممثل المعارضة القوي؛ الذي اعتبر لجوء تشومسكي وأتباعه إلى معطيات ونتائج علم البيولوجيا والوراثة لجوء تفسيري لتشكيل دعامة نفسية لنتائج الأبحاث اللسانية ليس إلا. كما عرضنا التحليل الأبستيمولوجي لجوليا كرستيفا (J. Cristeva) التي ردت هذا التداخل بين البيولوجيا واللسانيات إلى سيطرة الأفكار والأبحاث والدراسات الناتجة عن اكتشاف حمض ADN وتأثير مشروع الجينوم عموماً على الفكر العلمي، خاصة بعد اكتشاف الآلية الداخلية التي تحكم العضويات.



المبحث الخامس: موضوع البحث كان دور علم اللسانيات البيولوجي في بحث وكشف معطيات الوضع الباتولوجي للغة والكلام، لهذا خصص هذا المبحث كصورة تطبيقية لهذه الدراسة، إذ تحدثنا فيه عن اضطراب لغوي معين هو الأفازيا (L'Aphasie). فقمنا بتعريفها وبعرض جانب بحثها تاريخياً بدءاً من جسنر (gesner)، جال (Gall)، لوردا (Lordat)، بروكا (Broca)، تروسو (Trousseau)، بايرجر (Baillarger)، فرنيك (Wernike)، جاكسون (Jakson)، جاكبسون (Jakobson).

ثم عرضنا لكل صنف منها معرفين بأسبابه وأعراضه وأثره على المستوى اللساني. كما وقفنا عند مبادئ اختبار الأفازي، وهي عبارة عن جملة من الروائز التشخيصية المعتمدة لتحديد نوع الأفازيا وهي تشمل:

دراسة اللغة الشفوية:

- اضطرابات التعبير الشفوي

- اضطرابات الفهم الشفوي

دراسات اللغة المكتوبة:

اضطرابات التعبير الكتابي

اضطرابات الفهم الكتابي

الدراسة الكمية للإعادة اللفظية:

بعدها وقفنا عند كل صنف من أصناف الحبسة لتوزيعها حسب الثنائية التي بنى عليها تشومسكي (Chomsky) نظرية النحو التوليدي ونقصد بذلك ثنائية الكفاءة والتأدية. مركزين في هذا التصنيف على أعراض الأفازيا على المستوى اللساني.



المبحث الأخير:

وخصصناه لاضطرابات التأدية، مركزين على جزئية معينة هي اضطرابات النطق (Troubles d'articulation)، معرفين بها وبأسبابها العضوية والوظيفية. كما وقفنا عند ثلاثة أنواع منها هي:

اللثغة (sigmatisme) بأنواعها.

الخمخمة (Rhinonalie) بأنواعها.

تأخر الكلام (Retard de la Parole).

ثم وقفنا عند التحليل الصوتي للأصوات المصابة عند مصاب يعاني من اضطرابات نطقية معتمدين مدونة (أ.د/ نصيرة زلال) المعتمدة في المستشفيات الجزائرية – قسم الأرطوفونيا – فوقفنا عند كل صوت وحالات إبداله قصد تفسيره تفسيراً صوتياً: أي هل يعتبر الصوت المبدل فونيما (Phoneme) أو ألوفونا (Alphone) أو ألفوفونا (Alphophone) ومعلقين على مدى نجاح المصاب في تحقيق العملية التواصلية.

ثم كانت خاتمة البحث وهي عبارة عن أهم المحطات والنقاط المتوصل إليها في بحث الموضوع ,التي قدمناها في شكل نقاط حصراً وإيجازاً.



أما أهداف البحث فتمثلت في:

الوقوف عند نتائج الأبحاث العلمية – خاصة البيولوجيا وعلم الوراثة – وما قدمته للباحث اللساني من معطيات تفسيرية لظاهرة اللغة في وضعه الباتولوجي خاصة.

توضيح التكامل المعرفي بين علم اللسانيات والبيولوجيا، للوقوف على المساقات الإنتاجية والإدراكية للغة من طرف المتكلم السويِّ والمتكلم المصاب على وجه التحديد. وأهمية التظافر بين هذين العلمين، ونقاط التقاطع والالتقاء بينهما أيضاً.

أثر التطور العلمي للأبحاث التجريبية في بحث الوضع الباتولوجي للغة، خاصة بعد ثورة الجينوم وما أحدثه اكتشاف حمض ADN وآلية عملية في تقديم معطيات تحليلية جديدة للباحث اللساني خاصة في تفسير اضطرابات اللغة (Troubles du langage)، واضطرابــات التعلــم (Troubles d'apprentissage) كمــا هـو شـأن اضطراب عسر القراءة (Dyslexie) الذي تحول مستوى تفسيره اللساني من مجرد صعوبة فك الأصوات المكتوبة، إلى اضطراب يتعلق بخلل في الكروموزوم رقم 6. كذلك التجارب التي أثبتت تحول التحكم من نصف الكرة المخية الأيسر نحو نصف الكرة المخية الأيمن، كذلك دراسة إمكانيات استعادة اللغة باعتماد التنبيه الكهربائي والعلاج النغمي.

الوقوف عند نتائج بعض الأبحاث – ما أمكننا الحصول عليها – المهتمة بدراسة الوضع الباتولوجي للغة كدراسة الباحثـة فيكتوريـا فروكيــن (V. Frokin) من جامعة لوس أنجلوس وغيرها من الباحثين المهتمين بدراسة وبحث الأسس البيولوجية وأثرها على المستوى اللساني – لاسيما أن هذا النوع من الأبحاث والدراسات على أهميتها لم تحظ بالاهتمام في جامعاتنا ومخابر أبحاثنا.

الوقوف عند رؤيـة اللسـاني رومـان جاكبسـون (R. Jakobson) وتمثله لعلاقة المضاهـاة بين الشفـرة اللغويـة (Code linguistique) والشفـرة الوراثيــة (Code genetique) بدءاً من مضاهاته الفونيمات (PHONEMES) بالقواعد النيتروجينية الأربعة: الأدنين (A)، التايمين (T)، السيتوزين (C) والجوانين (G) والآلية الوظيفية لتحقق الشفرة الوراثية والشفرة اللسانية. وهدف الرسالة اللسانية والرسالة الوراثية؛ ومضاهاة شفرات (Stop) في الشفرة الوراثية لعلامات التنقيط في الشفرة اللسانية... الخ.

استثمار تشومسكي لمعطيات العلوم التجريبية في تفسير ظاهرة اللغة ودراستها، وفي بناء نظرية النحو التوليدي. كيف خدمت هذه المعطيات العلمية التجريبية نظرية تشومسكي، وكيف حولت مستوى البحث والتحليل من مستوى بسيكولوجي إلى مستوى يركز على بيولوجية ظاهرة اللغة، وعلى جهاز اكتساب اللغة الذي يولد الفرد مزوداً به، وفي بناء نحو آلي صوري يفسر ظاهرة اللغة عامة.

الوضع الباتولوجي للغة – من خلال الحالات المدروسة والنتائج المتوصل إليها – سواء مسَّ هذا الوضع اللغة (langage) أو الكلام (Parole) ما مدى تأثيره على تحقق العملية الاتصالية للمتكلم المصاب وكيف يفسر هذا الوضع بناءً على ثنائية تشومسكي، ونقصد الكفاءة (Competence) والتأدية (Performance).

استثمار واستغلال معطيات الأبحاث البيولسانية والنرولسانية في البرامج البيداغوجية، كذلك لتأكيد وإعلان هذه المعطيات المتعلقة بفهم كيفية معالجة الدماغ لدلالة اللغة سواء المنطوقة أو المكتوبة، ثم مقارنة متطلبات أو احتياجات وظيفته مع التقنيات البيداغوجية (Techniques Pedagogiques) المعتمدة في التعلم، بمعنى استغلال المختصين البيداغوجيين لمعطيات الأبحاث العصبية والأبحاث البيولسانية، ومراعاة أسس علمية مثبتة في التعامل مع المتعلم مثلما هو الأمر في تعلم اللغة المكتوبة (L'apprentissage de la langue ecrite).

هناك تعليقان (2):

  1. السلام عليكم أنا بحاجة ماسة لهذه الرسالة في أقرب وقت أتمنى منكم أن تقدموا لي نسخة إلكترونية

    ردحذف