الخميس، 24 يناير، 2013

من كلمات الإمام محمد البشير الإبراهيمي

من كلمات الإمام محمد البشير الإبراهيمي


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده.

مدخل وتمهيد:
فمِن سنة الله - تعالى - ألا تخلو الأمةُ مِن قائمٍ لله بالحجة، ومِن ناصحين يَبغون لها الخير، ويرفعون عنها الغشاوة، ويوضحون لها الطريق، يُكابدون ويتعبون ونصيبُهم المطاردة والعداوة، وقد يصل الأمر إلى الحبس والتنكيل والتشريد والتقتيل، وكم عانت الأمة وما زالت، والأسباب يعرفها العاميُّ على بساطته، كما يعرفها الخاصة على اختلاف تخصُّصاتهم، وتلتقي في كلمة واحدة، وهي قطْع ما أمر الله به أن يوصل في السياسة، كما في الاجتماع وفي التعليم، كما في التربية وفي البيوت، كما في النفوس وفي الأسرة، كما في المجتمع.

ضلالة "فصل الدين عن الواقع"، ضلالة فصل "العمل عن القول"، ضلالة "فصل العلماء عن الأمراء"، كلها قطْع لما أمر الله به أن يوصل، والإسلام كلٌّ لا يتجزأ، هو حقيقة واحدة، هي تعبيد الناس لربٍّ واحدٍ أحد، هو ربُّ العالمين، له الخلق والأمر، بيده ملكوت كل شيء، وإليه يُرجَع الأمر كله؛ ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد: 2-3].

ومعاناة الأمة لم تُفقدها الصلةَ فيما بينها وإن ضعُفت وتمزَّقت أوطانُها؛ لأن سلطان الإسلام على النفوس ما زال يعمل، وسيستمر - إن شاء الله - ما دام هناك أمر بمعروف ونهي عن منكر، ونصح وإرشاد، يصاحبها إخلاص وعمل، وصدق توجُّه لله الواحد القهار.

يقول العلامة محمد البشير الإبراهيمي - رحمه الله وطيَّبَ الله ثراه -: "ما زال الإسلام - وإن ضعُفت آثارُه في نفوس أهله، وضعُفت عقولُهم عن فهم حقائقه - يشعُّ بالروحانيات التي تقهر المادةَ وتغلبها على سلطانها، حتى في أيام صولتها وحولها، وما زال يجمع قلوبَ أبنائه على نوعٍ غريب من الأخوة تُنسيهم إياه الأحداثُ، ثم يَتنبَّه في نفوسهم بأيسرِ مُنبِّه.

أمعنت عوامل الشرِّ في تشتيت المسلمين والتبعيد بين قلوبهم باختلاف المذاهب والمَنازع في الدين والدنيا، وبين أبدانهم بالسدود المانعة، والحدود الفاصلة، وبين ألسنتهم بكثرة اللغات والرطانات، ولكن قوة الروحانية في الإسلام تغلَّبتْ على تلك العوامل كلِّها، وأبقتْ في نفوس المسلمين سِمةً ثابتة لا تَنمحي، ولكنها تختفي حتى تظنَّ بها الظنون، ثم تستعلن فتخيب الظنون.

ولو أن أمة ذاتَ دين ظهر بها وظهرت به، ثم أصابها بعضُ ما أصاب المسلمين من انحلال وتفكك وبلايا ومِحَن، لَنسيتْ دينَها أو لَكفرتْ به، ولم يبقَ مِن آثاره فيها ولا مِن آثارها فيه شيء، ولكنَّه الإسلام، ولكنه سلطان الإسلام على النفوس"[1].

وقد استخرجنا هذه الكلمات للعلامة الإمام محمد البشير الإبراهيمي، وهي خطاب للأمة، وإرشاد لكلِّ مَن يعمل بصدق، كما أنها بيان لمكانة الدِّين في توجيه الحياة، ودور التربية في إصلاح المجتمع.

كما أن كلمات الشيخ البشير الإبراهيمي توجيه للشباب والعلماء والأحزاب أن يبدؤوا بالتربية مصحوبةً بالتعليم، ويبتعدوا عن الشقاق والنزاع والكذب والتلفيق، المؤدِّي إلى الفشل، والمُضيِّع للجهود.

هي كلمات توجَّه لكل الأمة، وهي صرخة نذير عريان.

وتعجب حينما تجد هذه الكلمات مِن عالِم مُصلح مناضِل من بلاد المغرب الإسلامي العربي، يذكر فيها مصر، ولكن لا تلمح تقسيمًا للدول، كما أن القيم أصل لا يتجزأ، وهذا يجعلنا نعي معنى الأمة الجسد، التي إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى؛ فهي كلمات للأمة الإسلامية، أمة التوحيد والشهادة، أمة الدعوة والتوجيه والعمران والقيادة.

فهي للقادة والساسة، كما هي للعلماء والشباب؛ بل لعموم أمة الإسلام؛ لنعود بالأمة إلى ربها مستمسكةً بدينها، مُصلحة لذاتِ بينها، مُعمِّرةً لكونِ الله بأمر الله، مُقتديةً بخاتم رسل الله.

تعريف بالمصلح الإمام محمد البشير الإبراهيمي - رحمه الله -:
كاتب هذه الكلمات ونصَّاح الأمة هو: محمَّد بن بشير بن عمر الإبراهيمي، مجاهد جزائري، مِن كبار العلماء، انتُخب رئيسًا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولد ونشأ بدائرة سطيف (اصطيف) في قبيلة ريغة الشهيرة بأولاد إبراهيم (ابن يحيى بن مساهل)، من أعمال قسنطينة، وتفقَّه وتأدَّب في رحلة إلى المشرق (سنة 1911)، فأقام في المدينة إلى سنة 17، وفي دمشق إلى حوالي 1921، وعاد إلى الجزائر وقد نشطت حركة صديقِه ابن بادِيس (عبدالحميد بن محمد)، وأصبح له نحو ألف تلميذ، وأنشأ جمعية العلماء (1931)، وتولى ابن باديس رئاستها والإبراهيمي النيابة عنه، والمرحلة الأخيرة (1962 - 1965)، وهي التي عاد الإبراهيمي فيها إلى وطنه بعد استعادة الاستقلال، حتى وفاته في 20 مايو 1965.

يقول نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي: لقد سمعت الشيخ العربيَّ التبسي[2] - رحمه الله - يردِّد في كثير من مجالسه: "إن الإبراهيمي فلتة مِن فلتات الزمان، وإن العظمة أصلٌ في طبعه"، والعظمة الحقيقية - في رأيي - تَكمُن في القلب، والحقيقة: إن الإبراهيمي كان عظيمًا بعقله ووجدانه، بقلبه ولسانه، فكل مَن تقلَّب في أعطافه نال مِن ألطافه، فالقريب والرفيق والسائل والمحروم والمُريد والتلميذ، يجد فيه الأب الشفيق والأخ الصديق، الذي لا يبخَل بجهده وجاهه وماله - وإن قلَّ - لتفريج الكروب وتهوين الخطوب، وما تقربتَ منه إلا ملَكَ قلبَك بحلمه، وغمَر نفسك بكرَمه، قبل أن يشغل عقلَك بعِلمه، ويسحر لبَّك بقلمه، وكانت الخصال البارزة فيه: الإيثار، والحلم، والوفاء.

وفي تحديد هذه الشخصية يقول أحد رفاقه، الأستاذ أحمد توفيق المدني - رحمه الله - عندما تبوأ كرسيه في مجمع اللغة العربية بالقاهرة: "… فتقدم الإبراهيمي الأمين يحمل الراية باليمين، لا يأبه للمكايد ولا للسجون، ولا يبالي بالمنافي في الفيافي، بل دخل المعمعَة بقلب أسد، وفكْر أسد، ووضع في ميزان القوى المُتشاكِسة يومئذٍ تلك الصفات التي أودعها الله فيه:
علمًا غزيرًا فياضًا، مُتعدِّد النواحي، عميق الجذور.

واطلاعًا واسعًا عريضًا، يُخيِّل إليك أن معلومات الدنيا قد جُمِعَت عنده.

وحافظة نادرة عزَّ نظيرُها.

وذاكرة مرنة طيِّعة، جعلت صاحبَها أشبه ما يكون بالعقل (الإلكتروني).

كدائرة معارف جامعة سهلة التناول من علوم الدين، التي بلغ فيها مرتبة الاجتهاد بحق، إلى علوم الدنيا مهما تبايَنت واختلفت، إلى شتى أنواع الأدبَينِ القديم والحديث بين منظوم ومنثور، إلى تاريخ الرجال والأمم والدول، إلى أفكار الفلاسفة والحكماء مِن كل عصر ومصْر، إلى بدائع المُلَح والطرائف والنكت، كل ذلك انسجم مع ذكاء وقَّاد، ونظرات نافذة، تخترق أعماق النفوس وأعماق الأشياء.

وفصاحة في اللسان، وروعة في البيان، وإلمام شامل بلغة العرب، لا تَخفى عليه منها خافية، وملَكة في التعبير مُدهشة، جعلتْه يستطيع معالجة أي موضوع ارتجالاً على البديهة، إما نثرًا أو نظمًا.

ودراية كاملة بجميع ما في الوطن الجزائري، يُحدثك حديث الخبير عن أصول سكانه وقبائله، وأنسابه ولهجاته، وعادات كل ناحية منه، وأخلاقها، وتقاليدها، وأساطيرها الشعبية، وأمثالها، وإمكاناتها الاقتصادية، وثرواتها الطبيعية.

كل ذلك قد تُوِّج بإيمان صادق، وعزيمة لا تلين، وذهن جبَّار، مُنظَّم، يُخطِّط عن وعي، وينفِّذ عن حكمة، وقوة دائبة على العمل، لا تَعرِف الكلل ولا الملَل.

هذا هو البطل الذي اندفعنا تحت قيادته الموفَّقة المُلهمَة نخوض معركة الحياة، التي أعادت لشعبنا بعد كفاح طويلٍ لسانَه الفصيح، ودينه الصحيح، وقوميَّته الواعية الهادفة"[3] [4].

وإلى نصيحة الإمام - رحمة الله عليه -:
إن السياسة لُباب وقشور، وإنَّ حظ الكثير منكم - مع الأسف والمعذرة - القشورُ دون اللُّباب.

أما لباب السياسة بمعناها العام عند جميع العقلاء، فهو عبارة واحدة: إيجاد الأمة، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوِّماتها مِن جنس، ولغة، ودين، وتقاليدَ صحيحة، وعاداتٍ صالحة، وفضائلَ جنسية أصيلة، وبتصحيح عقيدتها وإيمانها بالحياة، وبتربيتها على الاعتداد بنفسها، والاعتزاز بقوَّتها المعنوية، والمغالاة بقيمتها وبميراثها، وبالإمعان في ذلك كله؛ حتى يكون لها عقيدة راسخة تناضل عنها، وتستميت في سبيلها، وترَى أنَّ وجود تلك المقومات شرطٌ لوجودها، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض عليها من مجموع تلك الحالات إلهامٌ لا يُغالَب ولا يُردُّ، بأن تلك المقوِّمات متى اجتمعت تلاقحَت، ومتى تلاقحَت ولدَت "وطنًا".

فاسمحوا لنا حين نفتخر بأن هذا اللُّبابَ من حظ جمعية العلماء، له عملت، وفي ميدانه سابقت فسبقَت، وفي سبيله لقيَت الأذى والكيد والاتهام، وفي معناه اصطدم فهمُها بفهم الاستعمار، هي تفهمه دينًا، وهو يفهمه سياسة، اسمحوا لنا حين نعتقد أن حظَّ بعضكم مِن هذا اللُّباب صفرٌ في صفْر، فإن لوَوْا ألسنتهم بشيء من ذلك، كذَّبتْهم أعمالُهم، وصدمهم الواقع، وإذا حاولوا شيئًا من ذلك، شفَّ ثوبُ التصنع عما تحته فافتضحوا.

إن جمعية العلماء تبني المقوِّمات التي لا تكون الأمة أمةً إلا بها، ولا تكون وحدةً متماسكةَ الأجزاء إلا بالمحافظة عليها، فواجبٌ على كل سياسيٍّ مُخلص أن يُعينها على ذلك، ويُنشِّطها، ويَعرف لها أعمالها، لا أن يَخذلها ويثبطها ويبسط لسانه بالسوء فيها.

وإن الاستعمار ما عكَف على هدم تلك المقوِّمات قرنًا كاملاً إلا لأنه كان يعلم أن سيأتي يوم يَصيح فيه صائح بكلمة: "حقي"، فقدَّرَ لذلك اليوم ولذلك الصائح أنهما لا يأتيان؛ حتى لا تكون هذه الأمة في موضعها من الأرض؛ لأنها أضاعتْه، ولا في موضعها من التاريخ؛ لأنها نسيتْه، ولعمري إذا لم توجد الأمة، فما صياحُ الصائحين إلا نفْخٌ في رماد.

إن جمعية العلماء تعمل لسياسة التربية؛ لأنها الأصل، وبعض ساستنا - مع الأسف - يعملون لتربية السياسة، ولا يعلمون أنها فرع لا يقوم إلا على أصله؛ وأيُّ عاقل لا يدرك أن الأصول مقدَّمةٌ على الفروع، وإن الاستعمار لأفقه وأقوى زَكَانةً، وأصدقُ حدْسًا من هؤلاء حين يُسمي أعمالَ جمعية العلماء سياسة، وما هي بالسياسة في معناها المعروف ولا قريبة منه، ولكنه يسميها كذلك؛ لأنه يعرف نتائجها وآثارها، وأنها اللُّباب وغيرها القشور، ويعرف أنها إيجاد لما أَعدَم، وبناء لما هدَم، وزرعٌ لما قلع، وتجديد لما أتلف، وفي كلمة واحدة: هي تحدٍّ صارخ لأسلوبه، وما خدعناه في ذلك - والله - ولا ضلَّلناه، وإنها لنُقطة اصطدام على الحقيقة بين نظر الجمعية وبين نظر الاستعمار؛ فلا الإسلام يَسمح لنا أن نعمل غير ما عملناه، ولا الاستعمار يرضى عن ذلك العمل، وقد أجبْناه وانتهينا، ومضَينا وما انثنينا.

أَيُريد هؤلاء أن يبنوا الفروع على غير أصولها، فيبوؤوا بضياع الأصل والفرع معًا؟ أم يريدون أن يجعلوا الفروع سُلمًا للأصول، على طريقة أبي دلامة [5]، فيبوؤوا باختلال المنطق وفساد القياس؟!

إننا نعدُّ ضعف النتائج من أعمال الأحزاب في هذا الشرق العربي كله آتيًا من غفلتهم أو تغافلهم عن هذه الأصول، ومن إهمالهم لتربية الجماهير وتصحيح مقوِّماتها، حتى تُصبحَ أمةً وقوةً ورَأيًا عامًّا وما شاء الحق، ومِن ترويضهم إياها على لفظ الحق قبل اعتقاد استحقاقه، وعلى لفظ الخصم قبل إحضار الحجة، وعلى لفظ العدوِّ قبل أخذ الحيطة، ومِن اغترارهم بالظواهر قبل سبْر البواطن، وبالسطحيات قبل وزن الجوهريات، وبالأقوال قبل أن تشهد الأفعال، ففي الوقت الذي كان فيه جمال الدين الأفغاني يضع أساس الوطنية الإسلامية على صخرة الإسلام الصحيح، ويُهيب بالمسلمين أن يَنفضوا أيديَهم من ملوكهم ورؤسائهم وفقهائهم؛ لأنهم أصل بلائهم وشقائهم، وفي الوقت الذي كان محمد عبده يُطيل ذلك البناء ويُعليه، كان مصطفى كامل - على إخلاصه لدينه ووطنه - يوجه الأمة المصرية إلى مقام الخلافة العُظمى المُتداعي، ويُخيف الاستعمارَ بشبح لا يُخيف، ثم جرَت الأحزابُ المصرية إلى الآن على ذلك المنهج: إهمال شنيع لتربية الأمة وتقوية مُقوِّماتها، وتطاحنٌ أشنع على الرياسة والحكم، وترديدٌ لكلمة الوطنية دون تثبيت لدعائمها، وتغنٍّ بمصالح الوطن وهي ضائعة، وترامٍ بالتُّهم والجريمةُ عالقة بالجميع، وتقديسٌ للأشخاص والمبادئُ مهدورة، والاستعمار مِن وراء الجميع يضحك ملءَ شدقيه، وينام ملءَ عينيه.

ليت شعري: إذا كان مِن خصائص الاستعمار أنه يَمحق المقوِّمات ويُميتها، ثم يكون من خصائص أغلب الأحزاب أنها تُهملها ولا تلتفت إليها، فهل يلام العقلاء إذا حكموا بأن هذه الأحزابَ شرٌّ على الشرق من الاستعمار؛ لأن الاستعمار يأتيه من حيث يحذَر، والحَذِر - دائمًا - يقظ، أما هذه الأحزاب، فإنها تأتيه مِن حيث يأمن، والآمن أبدًا نائم، فإذا انضمَّ إلى هذا الداء المُستشري خلافُ الأحزاب ومنازعاتها، كانت النتيجة الطبيعية ما نرى وما نسمَع، وقد أصبح هذا الشرق في تعدُّد أحزابه السياسية كعهده في الخلافة العباسية يوم كان كلُّ خلاف جدليٍّ في لفظة يُسفر عن فِرقة أو فِرَق، وكل مجلس مناظَرة بين فريقين يَنفضُّ عن ثالث ورابع، ونراهم يقولون: إن كثرة الأحزاب في أمةٍ عنوانُ يقظتها وانتباهها، وضمانُ وصولها إلى حقِّها، ولكننا لم نرَ مِن تعدُّد الأحزاب إلا نقصًا في القوة، ونقضًا للوحدة، وتنفيسًا على الخصم، واشتغالاً من بعضهم ببعضهم؛ وتعالتْ كلمة القرآن؛ فإنه لا يكاد يذكر الأحزابَ بلفظ الجمع إلا في مقام الخلاف والهزيمة؛ ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ﴾ [مريم: 37]، ﴿ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ ﴾ [ص: 11]، ولا يكاد يذكر الحزب بلفظ المفرد إلا في مقام الخير والفلاح؛ ﴿ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [المجادلة: 22]، وإن حزبَ الله في الأمة الجزائرية هو جمعية العلماء، وإنها لمُفلحة لا محالة.

إن من الغفلة والبله أن نقيس أحزابنا بالأحزاب الأوروبية؛ فإن تلك الأحزابَ ظهرتْ في أمم استكملتْ تربيتها، وصحَّحتْ مقوِّماتها؛ بدعوة دعاة جمعوا الكلمة، وعلماءَ أحيَوا اللغة، ومعلمين راضوا الأجيال على ذلك، وأينَ نحن وأحزابنا من ذلك؟

يا إخواننا - خطاب عطْف وتشريف - لسْنا والله نبغضكم؛ فما أنتم إلا جزءٌ مِنا، ولسْنا والله نحتقركم؛ فما أنتم إلا رأس مال هذه الأمة الفقيرة، ولسْنا والله نتهمكم بممالأة الاستعمار؛ فأنتم عندنا أجلُّ من ذلك، ولكننا نعدُّ مقاومةَ المقاومين منكم لجمعية العلماء ناشئةً عن بُعدهم عن التربية الإسلامية والثقافة العربية، ونجد في كل عيب من عيوبهم أثرًا بارزًا من آثار الاستعمار في تربيتهم.

إن أقبح ما في أساليبكم أنكم تَقسرون المبادئ على الخضوع للشخصيات في أمة حديثة عهد بعبادة الأشخاص، فتعرضونهما معًا للضياع، وإن أسوأ أعمالكم احتقارُكم للسواد الأعظم من الأمة - وهي أمتكم - فلا تُفكرون في إعدادها، ولا في درجة استعدادها، ولا تَلتفِتون إلى تصحيح الأُسُس فيها، ولا تعبؤون بدينها ولا بلُغَتها، ولا تَظهرون بالمظاهر التي تُقرِّبكم منها، ولا تنيرون أمامها السبلَ ببرامجَ واضحةٍ ومبادئَ معقولة، ولا تشركونها في رأي ولا مشورة، ولا تتَّصلون بها إلا حين يَنعق غراب الانتخاب.

إن منكم مَن يحتقر لغةَ الأمة؛ فلا يُقيم لها وزنًا، وفيكم مَن يحتقر دينها؛ فلا يقر له حسابًا، وفيكم مَن يحتقر بناتها؛ فلا يتزوج منهنَّ، وفيكم من يأنف من خؤولتها لأبنائه؛ فيختار لهم أخوالاً غرباء، وإن بعض ذلك لقدْحٌ محسوس في أمتكم الحاضرة، وإن بعضه لسمٌّ مدسوس في أعراق أمتكم المقبلة؛ فيا ويحكم هل هذا كله إلا من آثار الاستعمار في نفوسكم، شعرتم أم لم تَشعُروا؟

يا إخواننا، إنكم أحرجتمونا بأعمالكم وأقوالكم وأحوالكم، فأخرجتمونا مِن مقام التلطُّف في النصيحة إلى مقام الإيجاع في التنديد، وأردتم أن تثلموا سيفًا من سيوف الحق، فلا تلوموه إذا خشن متنُه، وآلَمَ جرحه، فتجرَّعوا هذه النصائح على مرارتها في لهواتكم؛ فما نحن - بمكاننا في الدين - أقل مِن أن ننصح، ولا أنتم - بمكانتكم في أنفسكم - أجلُّ من أن تَنتصِحوا.

يا إخواننا، إن الدعوى والزعْم، وسفاسف الأقوال، وتوافه الأعمال، وتصغير الكبائر، وتكبير الصغائر - كلُّ ذلك مما لا تقوم عليه عقيدةٌ سياسية، ولا تربيةٌ وطنية.

إننا لو جمعنا كل آرائكم في السياسة وفرضْنا تحقيقها، لما أفادت الأمة شيئًا وهي بهذه الحالة من التربية، فكيف وأنتم مُتبايِنون؟ وكيف وأنتم مع الخلاف يَكفُر بعضُكم ببعض، ويلعنُ بعضُكم بعضًا؟

إن وراء السياسة شيئًا اسمه الكياسة، وهي خلُق ضروري للسياسي، وإن السياسي الذي يَحترم نفسه، يَحترم غيره مهما خالفه في الرأي، ومهما كان الخلاف جوهريًّا، فإذا لزم النقد، فلا يكون الباعث عليه الحقد، وليكن موجهًا إلى الآراء بالتمحيص، لا إلى الأشخاص بالتنقيص.

إننا لا نتصوَّر كيف يخدم السياسي أمَّتَه بتقطيع أوصالها، وشتْم رجالها، وتسفيه كل رأي إلا رأيه؟ ولا نتصوَّر أن مما تُخدَم به الأمة هذه الدروس (العالية) في أساليب السبِّ، التي يُلقِّنها بعض الأحزاب لطائفة مِن شباب الأمة في (معاهد) المقاهي والأزقة؛ إن تَضْرِيَةَ الشبان على الشتم والسباب جريمةٌ لا تُغتفَر.

إن شباب الأمة هو الدم الجديد في حياتها؛ فمن الواجب أن يصان هذا الدمُ عن أخلاط الفساد، ومن الواجب أن يتمثَّل فيهم الطهر والفضيلة والخير، ومن الواجب أن تُربَّى ألسنتُهم على الصدق وقول الحق، لا على البذاء وعوْرات الكلام.

يا قومنا، إننا نخشى أن تُفسدوا على الأمة (بهذه الدروس) جيلاً كاملاً كنا نجهد أنفسنا في تربيته على طهارة الإسلام، وهِمَم العرب، ومجْد العروبة، والإيمان بحقوق الوطن، والعمل على تحقيق استقلاله وحرِّيته، ونبنيه طبقًا عن طبَق، ونُعلي أخلاقه خلُقًا عن خلُق، نخشى أن تضيِّعوا على الأمة هذا الجيل، وتُفسدوا مواهبَه، وتُلهوه بالمناقشات الحزبية عن الحقائق القومية.

نخشى ذلك، ونخشى أكثر منه على هذه الطائفة المُقبلة على العِلم، المُنكبَّة على تحصيله، هذه الطلائع التي هي آمال الأمة، ومناطُ رجائها، والتي لا تُحقِّق رجاءَ الأمة إلا إذا انقطعَت إلى العِلم وتخصَّصت في فروعه، ثم زحفت إلى ميادين العمل مُستكمِلةً الأدوات تامة التسلُّح، تتولى القيادةَ بإرشاد العِلم، وتُحسِن الإدارة بنظام العِلم، فتثأر لأمَّتها من الجهل بالمعرفة، ومن الفقر بالغِنى، ومِن الضعف بالقوة، ومِن العبودية بالتحرير، وتَكتسِح من ميدان الدين بقايا الدجالين، ومن ميدان السياسة والنيابة بقايا السماسرة والمتَّجرين، ومِن أفق الرياسة بقايا المُشعوِذين والأميِّين.

هذه الطائفة الطاهرة، الطائفة بمناسك العِلم، قد ألهبتُم في أطرافها الحريقَ بسوء تصرُّفكم، فبدأت تنصرف من رحاب العلم إلى أفنية المقاهي، ومن إجماع العِلم إلى خلاف الحزبية.

إن مِن طلاب العلم هؤلاء مَن يدرسُ الدين، وإن الدِّين لا يجيز لدارسه أن يُفتي في أحكامه إلا بعد استحكام الملَكة واستجماع الأدلة؛ حذرًا من تحليل محرَّم، وإن منهم الدارسَ للطبِّ، وإن قانون الطب لا يُجيزُ لدارسه أن يضعَ مِبضعًا في جسم إلا بعد تدريب وإجازة؛ خوفًا من إتلاف شخص، فهل بلغ مِن هوان الأمة عليكم أن تضعوا حظَّها في الحياة في منزلةٍ أحطُّ مِن حظِّ امرأة في طلاق، وأن تجعلوا حقَّها في الدواء أبخسَ من حق مريض على طبيبه؟

إنها - والله - لجريمة يُقيم بها مرتكبوها الدليلَ على أنهم أعداء للعلم، وقطَّاع لطريقه، أم يقولون: "لا علم بدون استقلال" فيُعاكسون سنَّة الله التي تقول: "لا استقلال بدون علم"، أم يقولون ما قاله كبير منهم: "إن محمدًا لم يأت بالعِلم؛ وإنما أتى بالسياسة"، و"إن روسيا لم تُفلح بالعلم؛ وإنما أفلحت بالسياسة"؟!

هذه نصائح مريرة، وحقائق شهيرة، لم نسمِّ فيها أحدًا، فمن استفزَّه الغضب منها، أو نزا به الألم مِن وقعها، فهو المريب، يكاد يقول: خذوني[6].


[1] آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي: (2: 375).
[2] كان نائب الإبراهيمي في رئاسة جمعية العلماء؛ آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1: 16).
[3] مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، عدد 24، يناير 1969.
[4] انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1: 13)، وانظر: الأعلام للزركلي، وله تراجم في كثير من الكتب والأبحاث والمقالات.
[5] حكايته مع بعض الخلفاء مشهورة، حين حكَّمه في الجائزة، فاقترح كلب صيد، ثم ترقى منه إلى طلب خادم وزوجة تطبخ الصيد، ودار تؤوي الجميع... إلخ.
[6] آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3: 64) وما بعدها، بتصرف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق