الأربعاء، 28 مايو، 2014

استراتيجيات التواصل من منظور علم النفس


 
    استراتيجيات التواصل من منظور علم النفس


فتيحة مهدي بلعسلة


مقدمة:

إن عملية الاتصال بين البشر عملية أساسية نحس ونفهم من خلالها بيئتنا، بما فيها من أناس ،ونضفي عليها معان معينة،ويتأتى تبعا لذلك أن نكون قادرين على التعامل معهم،أي نؤثر فيهم و نتأثر بهم ،وهذا كله عن طريق عملية الاتصال والتواصل. ويبقى الفرد المحور الأساسي الذي يدور من حوله وبواسطته كل ما يتم من عمليات اتصالية التي تتطلب عمليات نفسية مختلفة حتى تتفق مع مكونات شخصية الفرد وتتفق مع طابع الشخصية والمجال   النفسي الذي يوجد فيه الفرد والجماعة .
ولإنجاح عملية التواصل بين أفراد المجتمع لابد من توفر مهارات اتصالية مثل التفكير والكلام ،والاستماع والمشاهدة، والكتابة والقراءة والفهم والتحليل لتساعد على إنتاج رسالة اتصالية مناسبة،فقوة عناصر الاتصال من مرسل ورسالة ومستقبل واستجابة وتأثير، والتحامها مع بعضها يعطينا اتصالا مؤثرا وناجحا.
ويزخر مجال الاتصال أو التواصل بعدة استراتيجيات وأنماط ،أظهرت مختلف الدراسات النفسية مدى تأثيرها على الفرد والمجتمع من حيث تفسيره لها واستجابته لها ،ومن ثمّ إحداث تغيير في مجموع سلوكياته تبعا لمحتوى الاتصال.ونجد منها في مجال الاتصال والتواصل أساليب الدعاية و الإعلان،تغيير الاتجاه، ،العلاقات العامة .وهي الأنماط التي نتناولها في البحث الحالي بالشرح والتفسير بالنظر إلى علاقتها بشخصية الفرد من حيث تأثيرها على نفسيته من جهة، وإمكانية التغيير من سلوكا ته من جهة أخرى، وتحقيق تكيف الفرد مع البيئة الخارجية،مع المجتمع ،ومع مختلف التطورات التي تشهدها مختلف المجتمعات الحديثة ،ومن حيث توظيفها لمختلف الأساليب النفسية ومبادئي علم النفس والتي ترتكز على معرفة خصائص شخصية الفرد ومكوناته المعرفية ،وهذا كله من خلال محاولة الوصول إلى الإجابة عن تساؤلات البحث الحالي والمتمثلة فيما يلي:
-         ماهي الآثار المختلفة للتواصل بين أعضاء الجماعة التي يمكن أن تحققها وسائل الاتصال الحديثة ؟
-         ماهي الآثار النفسية والاجتماعية التي تلقيها عملية التواصل عبر أنماط الاتصال المختلفة على الفرد والمجتمع؟
-         كيف يمكن لوسائل الاتصال المختلفة أن تؤثر في الفرد من منظور علم النفس؟
-         كيف يمكننا الوصول إلى تحقيق ثقافة التواصل المطلوبة عبر وسائل الاتصال المختلفة؟


مفهوم الاتصال أو (التواصل ):

يعتبر الاتصال عملية تفاعل اجتماعي يهدف إلى تقوية العلاقات الاجتماعية في المجتمع عن طريق تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر التي تؤدي إلى التفاهم والتعاطف أو التباغض(إبراهيم أبو عرقوب 1993، ص17).
ويرى وارن  H.C Warren  أن مفهوم التواصل يشير إلى نقل انطباع أو تأثير من منطقة إلى أخرى دون نقل فعلي لمادة ما .أو إلى نقل انطباعات من البيئة إلى الكائن أو العكس أو من فرد إلى أخر،وفي سياق آخر يرى  الباحثين أن الاتصال أو التواصل بمعناه العام  و البسيط يقوم على نقل أو تبادل المعلومات بين أطراف مؤثرة ومتأثرة  على نحو يقصد به ويترتب عليه تغيير في المواقف أو السلوك(مجدي احمد ،2008،ص22).
إذن الاتصال أو التواصل هو العملية التي يمكن بواسطتها نقل أثار الغير الذي يحدث في إحدى مناطق المجال السلوكي إلى منطقة أخرى.وهي عملية اجتماعية بالدرجة الأولى فهي تتصل بعلاقة الفرد بالآخرين لتبادل المصالح المشتركة ومنها تحقيق مستوى من التواصل داخل المجتمع.
وتعتبر عملية الاتصال عملية ديناميكية ،فنحن نتأثر بالرسائل الاتصالية الواصلة إلينا فنغير معلوماتنا واتجاهاتنا وسلوكنا،وفي المقابل فإننا نؤثر في الناس بالاستجابة لهم وتبادل الرسائل الاتصالية معهم بهدف التأثير على معلوماتهم واتجاهاتهم وسلوكهم.فعملية الاتصال بصفتها عملية تفاعل اجتماعي تمكننا من التأثير في الناس والتأثر بهم ،مما يمكننا أن نغير من أنفسنا وسلوكنا بالتكيف مع الأوضاع الاجتماعية المختلفة ، وهي كذلك عملية مستمرة ،فنحن في اتصال دائم مع أنفسنا ومجتمعنا . وعملية معقدة لما تحويه من أشكال وعناصر وأنواع وشروط يجب اختيارها بدقة عند الاتصال (إبراهيم أبو عرقوب 1993،ص ص50-51) مما يخلق عملية تواصلية ذات أهداف ووسائل معينة.
ويعرّف ليلاند براون Leland Brown   الاتصال بأنه نقل وتلقي الحقائق والآراء والشعور والاتجاهات والإحساس وطرق الأداء والأفكار بواسطة رموز من شخص إلى آخر،وان هدف الاتصال هو أداء العمل المقصود مع خلق شعور وإحساس بأهمية الأداء (عطوف محمود ياسين،1981،ص 240)
نلاحظ من مختلف التعاريف أن الاتصال إجراء يتم لتبادل الفهم بين الكائنات البشرية، و ضرورة اجتماعية تسمح بتواصل الأفراد فيما بينهم .وبما أن الإنسان كائن اجتماعي ،اتصالي فانه لا يستطيع العيش في معزل عن المجتمع ،فالعزلة تعني العقاب والمرض النفسي الذي قد يؤدي به إلى  سوء التوافق النفسي والاجتماعي ومن ثم ظهور أعراض على شكل سلوكيات مضادة للمجتمع.
ويميل العلماء السلوكيين على تغليب النظرة الآلية لمفهوم الاتصال على أساس مضاهاته للمعلومات التي تجري في آلة تشغيل المعلومات،فيرون أن (الحدث الاتصالي )يتضمن مصدرا أو شخصا مرسلا ينقل إشارة أو رسالة خلال قناة إلى المكان المقصود، أو الشخص المستقبل.بينما يركز علماء النفس الاجتماعي على أهمية (التفاعل والسياق الذي تحدث به الاتصالات) ويساعد الاتصال في الوصول إلى وحدة في التفكير وظهور للسلوك التعاوني،وحين تكون وسائل الاتصال سليمة فإنها تؤدي بالفرد إلى الإحساس بالانتماء إلى الجماعة.ويلعب الاتصال دورا جوهريا في أي جماعة لحل المشكلات واتخاذ القرارات بصورة جماعية(المرجع السابق،نفس الصفحة ).


كيف تتم عملية الاتصال أو  التواصل ؟
         قسم علماء النفس الاجتماعي عمليات الاتصال في الإنسان إلى خمس عمليات وهي :
1-   الإحساس وجمع المعلومات:ويتم على مستواها استقبال المعلومات.
2-   اختزان المعلومات: ويتم على مستوى الذاكرة،والتذكر عملية ارتباط بين الخبرة والمفهوم بكلمات.
3-   تفسير المعلومات :يتم تقييم المعلومات في ضوء الإطار المرجعي لاتجاهاتنا ليتقرر ما إذا كانت تتعارض أو تنسجم مع موقفنا.
4-   الاستدعاء والتذكر:تتوقف القدرة على الاتصال على القدرة على استدعاء أفكار معينة وتحويلها إلى سلوك ظاهر.
5-   عملية التحويل :هي مرحلة ظاهرة للعيان أمام الناس،ليتعرف الآخرون على رغباتنا وهويتنا من خلال تعبيرنا، وخاضعة لنقدهم (عطوف محمود ياسين،1981،ص ص 243 -246).
ومن جهتهم يرى الباحثون في هذا المجال أن عملية التواصل تتم على درجات متفاوتة وتتحدد الدرجة التي يتم بها على أسس ثلاث:
1-أنواع العمليات القائمة بتحقيق التواصل(لغة الألفاظ أو لغة الإشارة)
2-خصائص المناطق المتواصلة
3-الحدود الفاصلة بين تلك المناطق.
وبناء على ذلك يمكن القول بان التواصل شرط أساسي لتحقيق التكيف المتبادل داخل أي نظام، ويستدل على تحقيق هذا التكيف بحدوث الاتزان داخل النظام (مجدي احمد ،2008،ص 22).
ويلاحظ مما سبق أن عملية الاتصال ترتكز على عنصرين هامين هما الإنسان كمرسل ومستقبل، و ما يتميز به  من تنظيم بنيوي وظيفي، ومن خصائص معرفية ونفسية ،والرسالة وما تحمله من خصائص لتحقق في الأخير التواصل مع الآخرين .

أهداف التواصل:
تهدف عملية الاتصال أو التواصل إلى تغيير في:
1 -المعلومات والذي يتم عن طريق
-تزويد الأخر(المستقبل)بمعلومات صحيحة وصادقة، جديدة إضافية لم يطلع عليها أو يعرفها من قبل عن الفكرة أو الموضوع أو الشخص مدار البحث، و تمكنه من إثراء معلوماته وتجديدها وتوسيع أفاقه و اتخاذ القرارات الصائبة.والسلوك السوي يساعده على التكيف مع نفسه ومجتمعه وبيئته (ص44ابو عرقوب
-تصحيح معلومات أو مفاهيم أو أفكار خاطئة لتجنب إرباك المستقبل وتوليد الشك لديه، الأمر الذي قد يؤدي إلى سوء الفهم للأفكار والأشخاص والأمور وبالتالي تؤدي إلى قرارات خاطئة وسلوك خاطئ
2- الاتجاهات :ويغير الناس اتجاهاتهم للتكيف مع بيئتهم بشكل أفضل ولإشباع حاجاتهم الداخلية،فالاتجاهات الجديدة تعطي معنى للحياة وللعالم الذي يعيش فيه الإنسان.
3- السلوكات :  تعديل أو تغيير السلوك العلني للمستقبل،فالهدف هنا هو إقناع الشخص بالتخلي عن السلوك السلبي أو الخاطئ، وتبني السلوك الايجابي أو الصحيح الذي قصده المصدر(إبراهيم أبو عرقوب،1993،ص ص 44 -48).

عملية التواصل وأثارها النفسية الاجتماعية على الفرد والمجتمع:
يعمل الاتصال أو التواصل على تطوير وتقوية العلاقات الإنسانية في المجتمع وبالتالي التماسك والترابط والتواصل بين الأفراد والجماعات والمؤسسات الاجتماعية.
ويعتبر الفرد المحور الأساسي الذي يدور من حوله وبواسطته كل ما يتم في المجتمع الإنساني من عمليات اتصالية : فالإنسان يتصل بذاته ويتصل بغيره،فالتواصل شرط أساسي لتحقيق التكيف النفسي للفرد داخل الجماعة،ويستدل على تحقيق هذا التكيف بحدوث الاتزان داخل المجتمع(مجدي احمد 2008،ص 22).
ومما لاشك فيه أن التعرض لسيكولوجية الاتصال والتواصل ينطلق من مبدأ الإشارة إلى الشخصية ومكوناتها،من جهة، والتوافق النفسي الاجتماعي من جهة أخرى.فالتواصل يتم أساسا من خلال شخصية الفرد وما ينظمها من مكونات مختلفة سواء كانت تلك الشخصية :شخصية المرسل أو المستقبل،أو بمعنى آخر أن الاستجابة أو التأثر لعملية الاتصال،إنما يتم أساسا من خلال العوامل النفسية التي تؤثر على سلوك الفرد واستجابته ومن أهمها الشخصية(مجدي احمد ،2008،ص76).
.
لقد أجريت عدة بحوث تناولت عملية التواصل وأثارها النفسية الاجتماعية من عدة جوانب، وكلها تبرز مدى أهميتها في تحقيق الاتزان داخل الجماعة على أساس الحد الأدنى من التوترات.ولقد أوضحت هذه الدراسات الآثار المختلفة للتواصل بين أعضاء الجماعة والتي
يمكن تلخيصها فيما يلي :
-تحقيق التقارب الذهني
-تنميط الاتجاهات
-زيادة اندماج الشخص في الجماعة
- ازدياد كفاءة التفكير بزيادة موضوعيته نتيجة انخفاض نسبة العوامل الشخصية
-زيادة تمكين الأعضاء من التوافق المتبادل في مستويات الشخصية المختلفة( مجدي احمد ،2008 ،ص25).
وعليه يحقق التواصل مهمته من خلال عمليتين رئيسيتين هما:
-انه يزيد من قدرة الأفراد على التوافق المتبادل
-يزيد من درجة اندماج الذوات في (النحن)( مجدي احمد ،2008،ص 24).
وهي العملية التي تدخل ضمن بنيان التفاعل الاجتماعي السوي والذي يسعى إليه الفرد لتحقيق تكيفه مع المجتمع الذي يعيش فيه.وتعرف عملية التفاعل الاجتماعي بأنها العملية التي يرتبط بها أعضاء الجماعة بعضهم ببعض ،عقليا ودافعيا في الرغبات والحاجات والوسائل والغايات والمعارف والمصالح( عطوف محمود ياسين 1981،ص 139)و  يمكن تحقيقها عن طريق مختلف أنماط الاتصال.
وتلعب عملية الاتصال أو التواصل بين الأفراد داخل المجتمع على تغيير البناء المعرفي للإنسان، وبالتالي تعديل سلوكه تبعا لمحتوى الاتصال بما فيه من تغيير الاتجاه،الدعاية،الإعلان، العلاقات العامة ضمن سيكولوجية تحددها معطيات مختلفة ،يرجع جزء كبير منها إلى شخصية الفرد،مدى استجابته للتأثيرات المختلفة،مدى القدرة على التأثير على بناءه المعرفي، وبالتالي إحداث تأثير على سلوكه فيما بعد ،وهنا تكمن أهمية النظر في أنماط الاتصال المختلفة وأثارها النفسية والاجتماعية، خاصة مع كثرة هذه الأنماط وتنوعها مع ظهور التكنولوجيات الحديثة من جهة،وميل الإنسان إلى كل ما هو جديد وخاصة الميل إلى الاستعمال المفرط لهذه التكنولوجيات بغرض تحقيق الرفاهية والراحة النفسية والمتعة من جهة أخرى.ومع ما قد ينتج عنه من تغيير في السلوك.

فما هي تأثيرات وسائل الاتصال المختلفة في الفرد من منظور علم النفس؟
يتفق علماء النفس على اعتبار الإنسان مزيج من العمليات النفسية الداخلية والتي يشار إليها بالسلوك الباطني، ومجموعة من السلوكات الخارجية التي تعكس شخصية الفرد ضمن ظروف بيئية واجتماعية معينة،وعليه يمكن تعريف السلوك بأنه كل الأفعال والنشاطات التي
تصدر عن الفرد ظاهرة كانت أم غير ظاهرة.إن التعريف العلمي للسلوك يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التفاعل بين الفرد وبيئته وان يشير إلى أن هذا التفاعل عملية متواصلة،فالسلوك ليس شيئا ثابتا ولكنه يتغير،وهو لايحدث في فراغ ولكن في بيئة ما (جمال الخطيب ،2007 ، ص ص 17-18 )

يشير علماء النفس إلى أن التأثير في السلوك يحدث عندما يفعل شخص ما أي شيء من شانه أن يؤثر في سلوك شخص آخر وهو الأمر الذي يحدث باستمرار في مواقف مختلفة مثل الإعلانات،الحملات الانتخابية،التفاعلات الاجتماعية وغيرها (نفس المرجع،ص14)
سلوك الإنسان يؤثر في البيئة ويتأثر بها أيضا،وتكيف الفرد والذي هو احد محددات بقائه يعتمد على طبيعة سلوكه  (نفس المرجع ص 18).
وتلعب العمليات المعرفية والرمزية دورا كبيرا في عملية تشكل السلوك من حيث كيفية إدراك الأحداث البيئية،وتفسير الشخص ذاته لسلوكه وتبريره له،وأنماط التفكير لدى الشخص،والتحدث إلى الذات،والاستراتيجيات المعرفية التي يستخدمها الشخص،فاكتساب الفرد للسلوك أو عدمه اكتسابه له يعتمد على عوامل معرفية مختلفة،وبناء على هذا فان أفعال الإنسان محصلة لعوامل ثلاثة أساسية هي السلوك ،المؤثرات البيئية،والعوامل المعرفية (نفس المرجع ص27).
وهناك العديد من الدراسات التي تناولت تأثير وسائل الاتصال المختلفة على سلوك الأفراد مثل التصويت، أنماط اللعب، العدوانية وغيرها.فالفرد يبقى في احتكاك دائم مع مختلف أنماط الاتصال التي يزخر بها عالم الإعلام ،والتي تخاطب مشاعر الإنسان،عواطفه ،إحساسه وفي محاولته  للاندماج داخل المجتمع، يحاول الإنسان إشباع رغباته المختلفة وحاجاته النفسية المتنوعة.
ويبقى فهمنا لتأثيرات وسائل الاتصال المختلفة من وجهة نظر علم النفس يرتبط أساسا بإدراكنا لأنواع الحاجات لدى الفرد، والتي يسعى إلى تلبيتها عن طريق استخدامه لمختلف هذه الوسائل، وما يمكن أن تحققه له هذه الوسائل من حاجة نفسية،اجتماعية تصل بدورها إلى تحقيق عملية التوافق لدى الفرد، وهي العملية التي تبدأ عندما يشعر الفرد بحاجة أو دافع ما  ،وتنتهي عندما يشبع هذه الحاجة أو يرضي هذا الدافع.
ولقد صنف أبراهام ماسلو Abraham Maslow هذه الحاجات إلى أربع مستويات ترتبط بالجانب النفسي وتكيف الفرد مع بيئته وحفاظه على صحته النفسية :

-         الحاجة إلى الأمن: الأمن هو تحرر الفرد من الخوف، وهو من شروط الصحة النفسية. ويتوفر الأمن النفسي للفرد مع شعوره بأنه قادر على الإبقاء على علاقات مشبعة ومتزنة مع الناس .
-         الحاجة إلى التقدير الاجتماعي: إن التقدير الاجتماعي الذي يتمتع به الفرد ذا صلة وثيقة بتأكيد الأمن النفسي لديه، ويتحقق التقدير الاجتماعي بشعور الفرد بالقبول من طرف الآخرين،وبان  ما يقوم به له وزن وقيمة عند الناس. فإذا نجح في ذلك تزداد ثقته بنفسه وبعمله ،ويشعر بتقدير الآخرين له وهذا يؤدي به إلى أن تكون له مكانة اجتماعية ،والشعور بالانتماء والحب.
-         الحاجة إلى الانتماء : الإنسان دائما في حاجة إلى جماعة قوية ينتمي إليها ويتوحد معها حتى يتخلص من التوتر النفسي والقلق ويحقق التوافق النفسي.ومن شروط إشباع الحاجة إلى الانتماء أن يتقبل الفرد جماعته التي ينتمي إليها،وان تتقبله هذه الجماعة،والدافع إلى الانتماء قد يدفع إلى المسايرة والتوافق معها أو قبول ما اتفقت عليه من معايير وأنماط سلوكية.
-         الحاجة إلى التعبير عن الذات وتوكيدها : هي الحاجة التي تدفع الفرد إلى الإفصاح عن ذاته ،سواء كان هذا في عمل أو في موقف،والتعبير عن شخصيته وتوكيدها وإظهار ما لديه من إمكانيات.(عباس محمود عوض،1987،ص ص78-81)

إذن نستنتج أن للإنسان مجموعة من الحاجات التي لابد من تحقيقها من خلال تفاعله مع الآخرين، وضمن أنماط اتصالية معينة ،وعليه فان استخدامات وسائل الإعلام على مستوى جماهيري يرتبط تحقيقها بمجموعة هذه الحاجات لدى المتلقين والمتمثلة بحاجات الفرد المعرفية،وحاجاته للاندماج الاجتماعي.
وقد حدد كاتز و جوريفتش وهاس Katz, Gurevitch§ Haas  بالتفصيل حاجات الأفراد والتي تحتاج إلى إشباع، وذلك عن طريق استعمال وسائل الإعلام أو غيرها
بما يلي:
1-   الحاجات المعرفية: وهي الحاجات المرتبطة بتقوية المعلومات والمعرفة وفهم بيئتنا وهي تستند إلى الرغبة في فهم البيئة والسيطرة عليها، وهي تشبع لدينا حب الاستطلاع والاكتشاف.
2-   الحاجات العاطفية: وهي الحاجات المرتبطة بتقوية الخبرات الجمالية، والبهجة والعاطفة لدى الأفراد. ويعتبر السعي للحصول على البهجة والترفيه من الدوافع العامة التي يتم إشباعها عن طريق وسائل الإعلام.
3-   حاجات الاندماج الشخصي : وهي الحاجات المرتبطة بتقوية شخصية الأفراد من حيث المصداقية،والثقة والاستقرار ومركز الفرد الاجتماعي وتنبع هذه الحاجات من رغبة الفرد في تحقيق الذات.
4-   حاجات الاندماج الاجتماعي: وهي الحاجات المرتبطة بتقوية الاتصال بالعائلة والأصدقاء والعالم، وهي حاجات تنبع من رغبة الفرد للانتماء.
5-   الحاجات الهروبية: وهي الحاجات المرتبطة برغبة الفرد في الهروب، وإزالة التوتر، والرغبة في تغيير المسار.(صالح أبو إصبع،،1999ص 111)

ومن منطلق الحاجات المختلفة التي يحتاج الإنسان إشباعها تظهراهم حاجات الجمهور والخصائص التي يتمتع بها ،والتي يجب أخذها بعين الاعتبار في تصميم استراتيجيات الاتصال المختلفة، لتحقيق تواصل ايجابي ،يخدم ثقافة المجتمع ويتماشى مع أبعاد شخصية الفرد في هذا المجتمع .فهناك مجموعة حاجات لابد من إشباعها لدى الفرد  وهناك مجموعة خصائص يجب أن يحترمها رجل الإعلام  وهو يقدم المادة الإعلامية
للفرد.مثل :الخصائص النفسية من سمات وميول، واتجاهات وعواطف وغيرها وخصائص اجتماعية مثل الجماعة التي ينتمي إليها الشخص.
وفي سياق عرضنا لتأثيرات وسائل الاتصال المختلفة على الفرد،نخص بالذكر بعض أنماط الاتصال التي يصادفها الإنسان في حياته اليومية والتي لها الأثر الكبير في عملية تواصله اليومية منها :



     -

1-الدعاية و الإعلان وتأثيرهما على الفرد:

تعتبر الدعاية والإعلان من أساليب الاتصال و التواصل الحديثة والتي تحاول التأثير على الناس بطرق مختلفة ولأهداف متنوعة،فهي تستخدم الأساليب نفسها لمحاولة التأثير والسيطرة على الناس.
ويرى الباحثون في ميدان الاتصال أن هناك صلة بين  مصطلحا الدعاية والإعلان ،ولعل الفارق الأساسي يكمن بينهما في الهدف والنتيجة،فالإعلان يهدف إلى تسويق منتج أو فكرة ويؤدي إلى أن يقوم الجمهور بالمبادرة بعمل ينسجم مع هدف المعلن،فالإعلان إذن هدفه تجاري ونتيجته تسويق السلعة المعلن عنها،أما الدعاية فان هدفها سياسي أو اجتماعي أو عقائدي،ونتيجتها استمالة المستهدفين وإقناعهم بمواقف وأفكار الدعائي والوقوف بصفه ( صالح أبو إصبع ،1999ص 171 ).
ويكاد مصطلحي الدعاية والإعلان يختلطان نظرا لتداخلهما في كل من:
الأساليب المستخدمة، الوسائل، وكذلك يتداخلان في الغايات والأهداف.(مجدي احمد،2008،ص 163).
وفي بحثنا هذا سوف نتناول هذان المصطلحان من حيث اتفاقهما على مخاطبة عقول الناس ومحاولة استمالتها ،والتأثير عليها، ومن تم تبني سلوك معين ،ومن حيث أنهما من أدوات الاتصال الحديثة، وإحداث التواصل بين أفراد المجتمعات المختلفة ،ومن حيث استعمالهما لمبادئي علم النفس ،  والأساليب النفسية للتأثير على أراء الناس واتجاهاتهم، ومشاعرهم وميولهم النفسية.وفي هذا تتفق الدعاية والإعلان في أن كليهما يستخدمان للتأثير والسيطرة على الأفراد والجماعات.
وبداية فقد توصل العلماء إلى وضع عدة تعار يف للدعاية منها ما قدمه براون C.Brown من حيث اعتبارها محاولة لإقناع الآخرين بتبني اتجاه معين دون إعطاء أي دليل منطقي لقبوله.
وقد قدمت د.جيهان رشتي تعريفا للدعاية على أنها محاولة متعمدة من فرد أو جماعة باستخدام وسائل الإعلام ،لتكوين الاتجاهات أو السيطرة على الاتجاهات، أو تعديلها عند الجماعات وذلك لتحقيق هدف معين.وفي كل حالة من الحالات يجب أن يتفق رد الفعل مع هدف رجل الدعاية ( صالح أبو إصبع،1999 ص173).
وتعرف الدعاية كذلك بأنها نشر معلومات وفق اتجاه مرسوم ومخطط من جانب فرد، منظمة، أو مؤسسة، وذلك للتأثير في الرأي العام تجاه تلك المنظمات والمؤسسات أو الأفراد، وتغيير اتجاهاته باستخدام وسائل الإعلام.
وفي تحليل هذا التعريف نجد :
أ‌-       أن الداعية يقوم بإخفاء جزء من الحقيقة في محاولة للإقناع، ولذلك نجد أن الدعاية ليست إلا نوعا من الإعلام آو التعليم آو التثقيف.
ب‌- أن الهدف من الدعاية هو التأثير في اتجاهات الناس وآرائهم وأفكارهم وسلوكهم.
-قيادة الأفراد والجماعات وتوجيهها وجهة معينة.
-السيطرة على الأفراد ومستقبلهم.
وعلى العموم فان الدعاية هي محاولة للتأثير في اتجاهات الناس وأرائهم، ومن ثم في سلوكهم بحيث تأخذ الوجهة التي يرغب فيها الداعية وفق اتجاه المنظمة أو المؤسسة،ويحدث هذا عن طريق الإيحاء أكثر مما يحدث بواسطة الحقائق والمنطق.(مجدي احمد ،2008،ص ص 160-161)
أما الإعلان فيعرفه س . و دّن ورفيقه Dunn et al  ( نقلا عن د.أبو إصبع 1999 ص 201)،باعتباره اتصال غير شخصي مدفوع ثمنه عبر الوسائل الإعلامية المختلفة من قبل المؤسسات التجارية والمنظمات غير الربحية، والأفراد الذين بطريقة ما يتم التعرف على هويتهم في الرسالة الإعلانية، والذين يأملون إعلام أو إقناع جمهور معين.
وهما يريان أن مفتاح هذا التعريف يكمن في الكلمات " غير شخصي
ومدفوع، الوسائل، التعرّف، الإقناع" وهي التي تفرق بين الإعلان وغيره من أشكال الاتصال الأخرى.
ولكن يبقى مما لاشك فيه أن الإعلان قائم على أساليب نفسية بغرض " الإقناع " الذي يمثل الهدف الأساسي منه،والذي يقوم على محاولة تغيير البناء المعرفي للفرد،ويقوم على فرضية تعديل السلوك المعرفي التي تعتبر أن الإنسان ليس سلبيا،فهو لا يستجيب للمثيرات البيئية فحسب،ولكنه يتفاعل معها،ويكوّن مفاهيم حولها وهذه المفاهيم تؤثر في سلوكه،ويسمي ألبرت باندورا هذا التفاعل بالحتمية المتبادلة،وما يعنيه ذلك هو أن الإنسان يطور مفاهيم معينة عن المثيرات البيئية وعلاقتها بعضها ببعض،وهذه المفاهيم بدورها تؤثر في ردود الأفعال التي تحدث لديه،والسلوك الذي يصدر عنه.(جمال الخطيب،2007،ص 334).

نلاحظ من التعاريف السابقة أن عملية الدعاية والإعلان تلعب دورا كبيرا في التأثير على سلوك الفرد والجماعة باستخدام وسائل الإعلام، فهي تستهدف عقول الناس في محاولة منها لتغيير والسيطرة على سلوك الأفراد ،حتى أنها يمكن أن تساهم في زيادة الوعي لدى الفرد وتجعله يكون اتجاهات سليمة وتعديل ما يحتاج إلى تعديل وذلك بطرق علمية،مدروسة،قائمة على أسس علم النفس وعلم النفس الاجتماعي.في هذا الموضوع يرى الكاتب الايطالي انطونيو ميوتوAntonio Miotto(نقلا عن د.صالح أبو إصبع 1999)أن الدعاية عبارة عن تكتيك للضغط الاجتماعي ،الذي يميل إلى خلق جماعات في بناء نفسي أو اجتماعي موحد عبر تجانس في الحالات العقلية والعاطفية للأفراد موضع الاعتبار.
وقد اعتبر جاك أيلول Jacques Ellul الدعاية ظاهرة اجتماعية،ويجب تناولها على هذا الأساس،لذا فهو يرى أن الدعاية بمعناها الواسع تشمل الحقول التالية:
1-العمل النفسي Psychological Action   :حيث يسعى الدعائي إلى تعديل الآراء بطرق سيكولوجية صرفة،وغالبا ما يتابع هدفا شبه تعليمي ويخاطب بنفسه مواطنيه.
2-الحرب النفسية Psychological Ware Fare:  :وهنا يتعامل الدعائي مع خصم أجنبي ويسعى إلى تحطيم معنوياته بأساليب نفسية ومنطقية ،ومن ثم يبدأ الخصم بالشك بمعتقداته وبأفعاله.
3-إعادة التعليم وغسيل الدماغ Re-Education§Brain Washing  :وهي طرق معقدة لتحويل الخصم إلى حليف ويمكن استخدامها فقط مع السجناء.

4-العلاقات العامة والإنسانية Public§Human Relation  : وهو يرى انه يجب إدخالها ضمن الدعاية لأنها تسعى إلى تكيف الفرد مع المجتمع مع نمط معيشة أو نشاط ما،وهي تستخدم لتجعل الفرد منسجما معها وهو هدف الدعاية(إبراهيم أبو عرقوب ،1993 ،ص173)
وللإعلان من جهته عدة وظائف تهدف في الأساس إلى إقناع المستهلك باستعمال سلعة جديدة وبالتالي استمالته إلى اتخاذ  "قرارات  "معينة ، وتبني أنماط سلوكية خاصة تأثر مع الوقت على أسلوب تعامله مع الأشياء وتحدد رأيه في أشياء مختلفة وذلك حسب شدة تأثره بإعلانات معينة على حساب قناعاته الشخصية.
ويحصر الباحثون أهم وظائف الإعلان فيما يلي:
- الوظيفة التسويقية:  يقوم الإعلان بتزويد الجمهور بمعلومات عن السلعة مثل خصائصها وسعرها ومكان بيعها،مما يساعد على إقناع المستهلك بتكرار شراء السلعة،أو إقناعه باستعمالها إذا كانت جديدة.
-الوظيفة التعليمية: يقوم الإعلان بتعليم الأفراد طرقا جديدة لتحسين أساليب حياتهم،ويتم ذلك من خلال قوة الإعلان الاقناعية.
-الوظيفة الاقتصادية: إن الإعلانات تسعى إلى ترويج السلع،مما يعزز التجارة ويدعم النشاط التجاري والصناعي داخل المجتمع ذاته،ويقوم الإعلان بتسهيل عملية التسويق وتخفيض تكلفته مما يؤدي إلى زيادة التسويق وزيادة الإنتاج ،مما يؤدي إلى الانتعاش الاقتصادي ويؤثر بالتالي على سوق العمل في الحد من البطالة.
- الوظيفة الاجتماعية: مما لاشك فيه أن التأثيرات الاجتماعية للإعلان تتضح في قدرته على المساعدة في تحسين ظروف الحياة ،وذلك من خلال تقديم أنواع من السلع وأساليب الحياة الاجتماعية التي تعمل على رفع مستوى الحياة وتحسين ظروفها وقد تصل إلى حل بعض المشكلات الاجتماعية.
- الوظيفة الترفيهية:  من الوظائف الجانبية التي يحققها الإعلان الترفيه وخصوصا الإعلانات التلفزيونية، والإعلانات الملونة في المجلات، وتستخدم الأغاني والرقصات في الإعلانات التلفزيونية،والتي يصبح الاستمتاع بها عند البعض هدفا في حد ذاته.(صالح أبو إصبع ،1999،ص 202 )

من خلال عرضنا لمختلف الجوانب التي تهدف إلى تحقيقها الدعاية والإعلان نستنتج أنها تستعمل الأساليب العلمية،السيكولوجية في التأثير على الفرد،فهي عملية سيكولوجية يستثمر فيها  الإعلان أو الدعاية الناجحة (الدوافع )عند المستهلك.فدافع (حب الاستطلاع )تستغله وسائل الإعلام من خلال الإعلان، وكذلك (دوافع الو الدية) في إطار الأسرة وتكوين الأطفال.
يركز الإعلان الهادف على ميول الجمهور التي تأخذ أشكالا مختلفة،فيستغل ميل الناس إلى (التقليد  والمحاكاة والتأثر بالإيحاء).ويخاطب الإعلان الناجح(الحاجات النفسية)للجمهور،كالحاجة إلى (الأمن)،حاجة الإنسان (للحياة أفضل)فيؤكد للمستهلك معنى التفاؤل وضمان الصحة مثلا.ويرتكز الإعلان الناجح على (فهم وتحليل وإشباع)سيكولوجية الجمهور،فعند (تصميم الإعلان)تدرس المؤسسة ماذا يريد الناس؟ماهي وسائل إقناعهم؟ماهي نقاط ضعفهم؟ولا يتم تصميم دعاية أو إعلان إلا بعد أن تدرس احتياجات كل فرد من المجتمع باختلاف الدور الذي يلعبه(عطوف محمود ياسين،1981،ص ص 229-230).          ويبقى الهدف من كل هذه العملية- تحقيق التواصل بين أفراد المجتمع الواحد وحتى المجتمعات المختلفة في ظل توفر التكنولوجيات الحديثة .

وقد أشار الباحثون في هذا المجال إلى أن تقديم الدعاية والإعلان يحتاج إلى دراسة متخصصة وإحاطة شاملة بعدد من الموضوعات الهامة مثل :
-       وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي وأهمية ذلك في عملية التنشئة الاجتماعية
-       الدعاية وأسسها ومبادئها وفعاليتها واللحظات السيكولوجية المناسبة لها
-       المواقف الاجتماعية المختلفة التي يعمل الفرد في إطارها
-       دراسة الجمهور وجماعة الرأي العام
-       دراسة شخصية الأفراد والجماعات وكيفية التأثير فيها
-       الوسائل والأساليب المناسبة للتأثير على الأفراد والجماعات
-       الدعاية والإشاعات وغيرها من وسائل الحرب النفسية (مجدي احمد،2008 ،ص 155-156)
وفيما يخص موضوع  الدعاية وعلاقته بعلم النفس ،يرى جاك أيلول Jacques Ellul   أن الدعاية قد تبنت ميادين علمية ولم تعد تستخدم حيل ساذجة وهذا يتجلى في المظاهر التالية:
1-   أصبحت الدعاية الحديثة ترتكز على التحليلات العلمية في ميداني علم النفس والاجتماع،وأصبح الدعائي يبني تكنيكاته على معرفته للإنسان،ميوله ورغباته وحاجاته وميكانيزماته النفسية وظروفه، ويعتمد كثيرا على علم النفس وبالأخص على علم النفس الاجتماعي.
2-   إن الدعاية أصبحت علمية،إذ تميل إلى تأسيس مجموعة من القوانين الدقيقة والصارمة والتي جرى اختبارها.
3-   ما يحتاجه الدعائي الآن هو تحليل دقيق للظروف وللفرد الذي سيتعرض للدعاية ضمن تلك الظروف،لان نوعا من الدعاية لأفراد في ظرف ما تكون نافعة،ولكنها لا تنجح في ظروف أخرى أو مع أفراد آخرين.
4-   زيادة المحاولة للسيطرة على استخدام الدعاية وقياس نتائجها وتحديد تأثيراتها.وأصبح يسود ما يمكن أن نسميه بالدعاية العقلانية.(إبراهيم  أبو عرقوب،1993، ص176).
ومن هذا المنطلق ظهرت عدة أنواع للدعاية منها الدعاية السياسية،الدينية،
الاجتماعية، وتتفق كلها في الهدف من حيث سعيها إلى تغيير في أنماط تفكير أو سلوك الأفراد في المجتمع وفي محاولة تمرير إيديولوجياتها من خلال السياق الاجتماعي .




ويشير الدوس هكسلي Aldus Huxley  إلى أهمية الجانب النفسي للفرد في الدعاية ،فيرى  أن فعالية الدعاية محكومة بنوعين من الظروف :
ظروف خارجية عن الفرد مثل ظروف الحرب  ،تغير وسائل الإنتاج ،وأخرى داخلية أو سيكولوجية  ترافق تغير الظروف الخارجية.(صالح  أبو إصبع،1999، ص 184).
والباحث في مجال الدعاية وعلاقتها بالجانب النفسي للإنسان يتوصل إلى أن الدعاية كمفهوم،الدعاية بأنواعها،أساليبها،شروط  وجودها ونجاحها، ومختلف الأساليب الاقناعية المستخدمة في الدعاية ،كلها مرتبطة بالجانب السيكولوجي للإنسان،
فالدعاية كنمط من أنماط الاتصال والتواصل  ترتبط بالفرد من حيث أنها تنطلق من  دراسة مكوناته الشخصية واخذ خصائصه النفسية بعين الاعتبار ،إلى محاولة التأثير على شخصيته واستمالته لتقبل الفكرة أو المنتج الذي تعرضه عليه، وفي كثير من الأحيان محاولة تغيير اتجاهه نحو بعض المواضيع .
من هنا تكمن أهمية العناية بموضوع الدعاية من حيث أن له قدرة كبيرة على التأثير على الفرد قد تصل إلى حد التغيير من سلوكه.
    ويعتبر خبراء الدعاية، بأنها(مؤثر خارجي)يؤثر في سلوك الفرد والجماعة.وتستخدم الدعاية(الاستهواء والإيحاء والإقناع)وتستغل ميل الفرد إلى المسايرة والتوحد والتقليد.ومن أساليبها التكرار والاستمرار في لفت النظر والتنويع،ويستغل خبير الدعاية(تأثير الجماعة المرجعية)في المجتمع.وتساعد الدعاية في تكوين الاتجاهات والآراء وتعديل السلوك وخلق شعور جماعي من الرأي العام حول موضوع الدعاية.ويهتم خبر الدعاية بالانسجام مع دوافع الجمهور وإشباعها وكذلك يهتم بالحاجات النفسية،كالحاجة إلى الأمن الاقتصادي،الرفاهية.ويخاطب خبير الدعاية الانفعالات والعواطف مستخدما كلمات شديدة التأثير(عطوف محمود ياسين،1981،ص ص 230-231)
وتستخدم الدعاية وسيلة اتصالية أو أكثر في حملاتها الدعائية من صحافة،إذاعة وتلفزيون ...الخ. وكل وسيلة إعلامية لها مميزاتها، وهي ذات فعالية وتأثير في جانب أكثر من غيرها،
ولذا فان الدعائي الناجح يحاول التأثير باستخدام وسيلة أو أكثر حسب هدفه،لان الدعاية تحاول تطويق الإنسان من كل السبل الممكنة في حقل المشاعر والأفكار،وذلك بمخاطبة إرادة الإنسان أو حاجته من خلال وعيه أو  لاوعيه ،ولا  يقتصر تأثير الدعاية عبر وسائل الاتصال على تغيير الأفكار،ولكنها تقوم بتعزيز الآراء وتحويلها إلى أفعال أيضا (صالح أبو إصبع،1999،ص 188)
وهكذا تصبح الدعاية نوعا من الإعلام يستخدم فيه :
أ‌-       الإيحاء والاستهواء والإقناع.
ب‌- استغلال تأثير الجماعة المرجعية على الفرد
ج- محاولة الوصول إلى بؤرة اهتمام الأفراد.
د- استغلال الدوافع النفسية للأفراد وعواطفهم وميولهم النفسية.
ه- استغلال اللحظات المناسبة في التأثير على الناس(مجدي احمد،2008،ص 161).

ويعتبر الإعلان من جهته ذو قوة تؤثر على وعي المرء وسلوكه،وهذا التأثير له جوانب معرفية وعاطفية وسلوكية .ويقدم لافيدج  و  ستينر Lavidge §Steiner نموذجا لتأثير الإعلان، وهو نموذج لقياس فعالية الإعلان. ويتدرج من مرحلة وعي المرء عن طريق الإعلان بوجود سلعة ما ،إلى مرحلة الحصول على معرفة من خلال ما يقدمه الإعلان من حقائق ومعلومات ،ثم المرحلة التي يقوم المرء فيها بربط هذه المعرفة بحاجاته ورغباته مما يؤدي إلى تفضيله لسلعة ما،وتحفزه الإعلانات إلى الاقتناع بالسلعة،ثم يصل به الآمر إلى أن يبادر إلى الشراء.( صالح أبو إصبع،، 1999،ص204)
وقد رأى فراى Frye أن هناك أساليب للتأثير يستخدمها الإعلان منها:
الأساليب المنطقية: هي مناشدة للعقل وموجهة إلى الفكرة وتستند إلى التعليل في الإقناع وهي ذات مدى طويل للتأثير.
الأساليب العاطفية: هي مناشدة للجانب الانفعالي عند الإنسان، وهي ترمي للتأثير في الانفعالات أكثر من التأثير على العقل والفكر.(نفس المرجع ص 205).

ومن هذا التصنيف يتضح لنا ارتباط الإعلان واستخدامه للأساليب النفسية التي تخاطب الجانب العقلي والجانب النفسي للفرد للتأثير على سلوكه  .وفي إشارة إلى الأساليب الاقناعية التي تستعملها الدعاية والإعلان، يتأكد لنا قوة ارتباطها بالأساليب النفسية  باستعمال مجموعة من الأساليب الاقناعية التي بمقدورها أن تنفذ إلى المتلقين، بحيث تسهم إسهاما كبيرا في تحقيق التأثير المطلوب، ومنها استخدام أسلوب التكرار،استخدام الصور النمطية،استخدام الكذب،إعطاء أسماء بديلة ،الاستشهاد ،التحويل ،المبالغة وغيرها.وتؤثر الدعاية و الإعلان في سلوك الفرد والجماعة تأثيرا بالغا على الشخص والزمان والمكان،فمثلا لعبت الدعاية دورا كبيرا وخطيرا إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية،واعتمدت بعض الدول على استخدام الدعاية كسلاح من أسلحة الحرب النفسية لكسب ثقة الجماهير،واستخدم الإعلان والدعاية في القضايا والمشكلات الاجتماعية لتكوين اتجاهات معينة داخل الرأي العام نحو قضايا كالطلاق،تحديد النسل،الانتحار...الخ.


إن الدعاية والإعلان هي وسائل  لا تستغني عنها البشرية،وخلال مسيرتها كانت أشكالهما تختلف،ووسائلهما تتطور،وخلال القرن العشرين تطورت وسائل الإعلام،وبات استخدام الدعاية سلاحا من أسلحة المجتمعات المعاصرة،وتفتح أفاق الإعلام الدولي الآن فرصا اكبر للإعلان وذلك من خلال استخدام التقنيات المتطورة للاتصال ( صالح أبو إصبع ،1999،ص 196)وعليه وجب حسن استغلالها كأداة جد قوية في التأثير على الأفراد وتحقيق تواصل ذو مستوى من الرقي ومن ثقافة الحوار والسلام .






2-سيكولوجية العلاقات العامة:

تعرف العلاقات العامة بكونها مهمة إدارية تعتمد على جميع أشكال الاتصال المتاحة من الاتصال الشخصي إلى الاتصال الجماهيري،وهي احد النشاطات الهامة التي برزت في القرن العشرين،لتكون ضمن الفعاليات التي تسهم وسائل الإعلام الجماهيري في تنفيذها.وتشمل العلاقات العامة مجموعة من الأنشطة التي تقوم بها الإدارة في المؤسسة، مثل التعرف على اتجاهات الجمهور التي تؤثر على عمل المؤسسة،والعلاقات الإنسانية فيها،وصورة المؤسسة لدى الجمهور وقياس اتجاهات الجمهور حول سياسات المؤسسة وإنتاجها وخدماتها.(صالح أبو إصبع،1999،ص ص 235-236).
وتعتبر العلاقات العامة مجموعة الجهود المقصودة المستمرة والمخططة التي تقوم بها إدارة المؤسسة، وتهدف إلى الوصول إلى تفاهم متبادل وعلاقات سليمة بين المؤسسة والجمهور خدمة لأهدافها.
ومن اشمل التعريفات ذلك التعريف الذي قدمه د.ريكس هارلو Rex Harlow عام 1976 (نقلا عن صالح أبو إصبع،1999،ص 236) باعتبار العلاقات العامة وظيفة إدارية مميزة تساعد في تأسيس خطوط اتصال وقبول وتعاون متبادل، والمحافظة عليها ،وفي تأسيس التعاون بين المنظمة وجمهورها .وتشمل كذلك على إدارة المشاكل والقضايا،وتساعد الإدارة في أن تظل على معرفة بالرأي العام وتستجيب له،وتحدد وتؤكد مسؤولية الإدارة لخدمة مصالح الجمهور،وتساعد ها  لتبقى يقظة وتستخدم التعبير بفاعلية،وتخدم كنظام تحذير مبكر للمساعدة في توقع الاتجاهات،وتستخدم البحث والصوت وتكنيكات الاتصال كأدوات رئيسية.
وتنبع شمولية هذا التعريف من انه يحدد وظائف العلاقات العامة ومسؤولياتها وأساليبها.
ومن العلماء من يرى أن العلاقات العامة هي (ضابط الاتصال)بين المؤسسة والجمهور، وهناك من يرى بأنها (فن معاملة الناس أو هندسة العلاقات)والفوز بثقتهم ومحبتهم وتأييدهم.(عطوف محمود ياسين، 1981، ص 207).
وقد تعددت مجالات العلاقات العامة-وجاء هذا التعدد لكي يعكس طبيعة الحياة وأنشطتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية –وكذلك تتميز بالتغير الدائم لكي تواكب طبيعة التقدم عامة.وبهذا نجد أن العلاقات العامة كأحد مظاهر عملية الاتصال الإنساني، فقد أصبحت مطلبا أساسيا لمؤسسات المجتمع ونظمه المختلفة: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، تحقق من خلالها أهدافها المختلفة، ويعمل من خلالها خبراء العلاقات العامة في تلك النظم والتنظيمات.(مجدي احمد،2008،ص 158).وهي تتخذ في ذلك وسائل الإعلام كأهم وسيلة اتصالية مثل استخدام الإعلان لتحقيق فهم للمؤسسة ،أو لتوصيل رسائل خاصة تهدف إلى فهم واضح من قبل الجمهور(صالح أبو إصبع،1999،ص244).
ويلخص العلماء أهداف العلاقات العامة فيما يلي:
1-   كسب ثقة الناس في المنظمة أو المؤسسة أيا كان نشاطها.
2-   الاحتفاظ بمستوى مرتفع من الروح المعنوية بين الموظفين والعاملين بالمؤسسة.
3-   رعاية العلاقات الإنسانية السليمة داخل المؤسسة وخارجها.
4-   العمل على كسب ود الجماهير إزاء المؤسسة.والتأثير في الرأي العام وتأييده.(مجدي احمد ،2008،ص 157).
ويرى بعض العلماء أن أهداف العلاقات العامة قد  تتحدد طبقا لنوعية النشاطات والخدمات التي تؤديها الإدارة أو المؤسسة للجمهور،ومن هذا المنطلق هناك شبه اتفاق بين علماء العلاقات العامة حول الأهداف التالية :
-       استخدام الوسائل الفعالة للتأثير في الرأي العام(داخل وخارج)المؤسسة بعد استقراء رغباته وتحليلها والتجاوب معها.
-       تقدير قيمة الرأي العام (الجمهور)وقياسه والكشف عن دوافعه وطرق إثارته ومعالمه ومشكلاته داخل المؤسسة وخارجها بهدف مساعدته والتوافق معه.
-       وضع البرامج المخططة والصالحة لتقييم هذا الغرض الثاني بشكل دوري مع المتابعة والتطوير(عطوف محمود ياسين، 1981، ص 208)
أما بالنسبة لوظيفة العلاقات العامة يرى بيرنايس  Bernays بان للعلاقات العامة ثلاث وظائف تاريخية  وهي:
إعلام الناس وإقناعهم وإدماج الناس بعضهم مع بعض.ووظيفة الإدماج وظيفة هامة للعلاقات العامة، التي تسعى إلى تكييف الناس والى أن يقوموا بالتفسير والى اندماج الأفراد والجماعات والمجتمع.وفهم الناس أساسي للوجود في ظل المجتمع التنافسي، والمعرفة هامة لكل فرد للتعامل مع الجمهور،ومن خلال العلاقات العامة يمكن للفرد أو الجماعة أن يضمن القرارات العامة مستندة غالى المعرفة والفهم (صالح أبو إصبع،1999،ص 238).
ونلاحظ  من خلال ما سبق ذكره أن العلاقات العامة تركز في الدرجة الأولى على تعاملها مع الفرد ،متبنية في ذلك أساليب نفسية تنطلق من معرفة  التكوين النفسي للفرد من جهة ،وإيجاد أساليب خاصة لتحقيق تكيف هذا الفرد من خلال إدماجه في المجتمع ،وهذا يظهر جليا من خلال مختلف الوظائف التي تقوم بها ومجموعة الأهداف التي تسعى إليها.
والمعروف أن العلاقات العامة تعتمد على علم النفس وذلك في ناحيتين أساسيتين هما :
1-   فهم المتعاملين مع المؤسسة .بمعنى فهم ما يلاءم شخصية أولئك المتعاملين واتجاهاتهم النفسية الاجتماعية وميولهم أيا كانت هذه الاتجاهات.
2-   فهم الجماعة ككل، بما فيها من قيم وعادات وتقاليد وأنماط سلوكية ونظم اجتماعية مختلفة.
وهذا بهدف تكييف المعاملة بحيث تتلاءم مع شخصيتهم وأطرهم المرجعية عامة،وبهذا يتحقق الهدف من العلاقات العامة (مجدي احمد ،2008،ص 157)والذي يرمي إلى إنجاح عملية التواصل ،باحترام شخصية الفرد وباستعمال الأسس والمبادئ النفسية التي تسهل علينا تحديد أهم المكونات الشخصية للفرد من جهة ،وتحقيق أفضل النتائج لتواصل الأفراد فيما بينهم.
ومن أهم النواحي النفسية في العلاقات العامة أن الأخصائيين بها يتعاملون مع بشر من الأفراد والجماعات ممن توجد بينهم فروق شاسعة في الشخصيات والقيم والمعايير، التي تتأثر بالوراثة والبيئة.وهذا يحتم على المتخصصين بالعلاقات العامة دراسة سلوك الأفراد والجماعات دراسة علمية، موضوعية، مما يساعدهم على فهم نظام الحوافز ومصادرها. ولابد للمشتغل بالعلاقات العامة من أن يتحلى بصفات شخصية جيدة قبل البدء بعمله،كمعرفته لمختلف ميادين علم النفس وعلى الأخص الرأي العام،ووظائف العلاقات العامة وأسسها ومبادئها ،وتخطيط البرامج ومتابعتها،وسيكولوجية الجماهير والتأثير بها،ويجب أن يكون شخصا ديناميكيا حسن الاطلاع،كثير التكيف مع المواقف المختلفة(عطوف محمود ياسين،1981،ص 209).
و لابد أن نتذكر بان الأدوار المختلفة التي يقوم بها رجل العلاقات العامة هي ادوار ذات اتجاهين،فحينما ينقل أخصائيو العلاقات العامة اتجاهات الناس وأرائهم ومواقفهم وحاجاتهم إلى المؤسسة التي يمثلونها،فأنهم في هذه الحالة يكونون قد قدموا خدمة للمجتمع بالتفاعل مع الجمهور ونقل اتجاهاته وحاجاته.فالعلاقات العامة كما تقدم خدمتها للمؤسسة فإنها تقدم خدمة للمجتمع،ومن خلال بعض البرامج مثل دعم البحث العلمي،والمشاركة في الندوات والتبرعات تعمل العلاقات على مد جسور التعاون والثقة بين المؤسسة والمجتمع ولتكون هي جسر المصالح والعلاقات المتبادلة بين المؤسسة والمجتمع ( صالح أبو إصبع،1999،ص 247)محققة بذلك جانب مهم جدا من التواصل بين الأفراد.
فالعلاقات العامة تهدف في مجملها إلى توثيق الصلة بالمجتمع ،من خلال التعامل مع أفراده، وبالتالي فهي تتبنى طرق علمية منهجية تراعي البناء النفسي للفرد ،وذلك كله بهدف تحقيق مستوى من التواصل الجيد والذي لا يمكن الاستغناء عنه في ظل التطورات التي يعرفها المجتمع ،وبغية تحقيق التفاعل والتكيف الواجب توفرهما للحصول على تواصل ناجح ،قادر على إشباع رغبات الفرد المختلفة في التعارف والتقارب والتعايش.

وسائل الاتصال ودورها في تغيير الاتجاهات:
يعرف روكيتش Rokeach  1968،الاتجاه بأنه تنظيم مكتسب،له صفة الاستمرار النسبي للمعتقدات التي يعتقدها الفرد نحو موضوع أو موقف،ويهيئه للاستجابة باستجابة تكون لها الأفضلية عنده (عطوف محمود ياسين،1981،ص 117).
الاتجاه هو الحالة النفسية القائمة وراء رأي الفرد فيما يتعلق بموضوع معين من حيث رفضه لهذا الموضوع أو قبوله، ودرجة هذا الرفض أو القبول (مجدي احمد 2008، ص116).
والاتجاه عبارة عن إطار مرجعي يزودنا بالمعلومات التي تجعلنا نشعر مع الآخرين أو نتضامن معهم، أو نحصل على دعمهم.ونحن نتعلم اتجاهاتنا من الحياة:  من خبراتنا الشخصية ومن تأثير الآخرين علينا كالأسرة و الأصدقاء والمدرسة ووسائل الإعلام،ومن ردود فعلنا العاطفية ومن الحياة. ونتعرف على اتجاهات الناس من سلوكهم لان اتجاهاتهم تؤثر على سلوكهم (إبراهيم أبو عرقوب،1993 ،ص 46).
ويرى العلماء أن الاتجاهات تتكون من عناصر معرفية،وجدانية ونزوعية وأنها مكتسبة ومتعلمة.
ويتكون الاتجاه حسب روبرت وليامسن Robert c. Williamson  (1982)
من المكونات التالية :
-         الجانب المعرفي والمتمثل في الاعتقادات والحقائق والمعلومات
-         الجانب المعرفي والمتمثل في مشاعر الحب والكراهية
-         الجانب السلوكي الخاص بالعمل
ويتميز الاتجاه بالميل إلى الثبات النسبي والاستقرار والاستمرار لتحقيق التناسب في استجابات الفرد وسلوكه تجاه مثيرات البيئة من حوله، ويتم قياس الاتجاهات عن طريق اختبارات نفسية طويلة تكشف عن الاتجاه وشدته (مجدي احمد ،2008،ص 117)
و يرتبط تغيير الاتجاه  بتغيير كمي أو نوعي في موضوع الاتجاه ،ويتم الاستعانة هنا بمختلف وسائل الاتصال الجمعي. وأي محاولة للإقناع وتغيير الاتجاه أو التأثير في الغير يجب أن تعتمد بالضرورة على  عملية الاتصال التي تتضمن شخصية المستقبل للاتصال،وشخصية مصدر الاتصال والعلاقة بينهما .
وفيما يتعلق بالطرق المستخدمة في تغيير الاتجاهات فيمكن أن نقسمها إلى ثلاث فئات كالآتي:
-التعريف بموضوع الاتجاه.
                                      - الخبرة المباشرة بموضوع الاتجاه.
-قرار الجماعة.
ويمكن أن تدرج تحت هذه الفئات الثلاثة مختلف وسائل الاتصال الجمعي من صحافة وإذاعة وسينما ومكتبات ومحاضرات وندوات، والبرامج التعليمية المختلفة،كما يمكن أن ندرج تحتها مختلف الطرق التي تركز حول الشخصية الفردية،وكذلك الخبرات المباشرة التي تتاح للإفراد ومختلف صور تأثير الجماعة ولعل أهمها الأسلوب المعروف بقرار الجماعة.( مجدي احمد ،2008 ،ص ص27 -28  .)
وتعتبر الاتجاهات محددات ضابطة منظمة لسلوك الأفراد والجماعات .وتتكون وترتبط طبقا لمثيرات اجتماعية، ويشترك بها عدد من الأفراد.والاتجاهات لا تتكون من فراغ ولكنها تتضمن دائما علاقة بين فرد وموضوع من موضوعات البيئة.وتتعدد الاتجاهات حسب المثيرات التي ترتبط بها،ولها خصائص انفعالية،وهي توضح وجود علاقة بين الفرد وموضوع الاتجاه.والاتجاه تتغلب عليه الذاتية أكثر من الموضوعية من حيث محتواه(عطوف محمود ياسين ،1981،ص 119).
وإذا حاولنا أن نربط بين  وسائل الاتصال ،تغيير الاتجاه وشخصية الفرد نجد أن وسائل الاتصال أداة من أدوات نقل العلم،التراث الثقافي والثقافة بجانبيها المادي والمعنوي ويؤثر هذا كله في الشخصية ككل ومنها يؤدي إلى تغيير الاتجاه.وكلما صلحت عملية النقل الثقافي والتنشئة الاجتماعية عبر وسائل الاتصال المختلفة كلما كانت عاملا ايجابيا في تكوين الاتجاهات السوية.وتلعب وسائل الاتصال دورا خطيرا في تكوين الاتجاهات من حيث أنها توجه أنظار الجمهور إلى المشكلة التي يتبلور حولها الاتجاه والرأي العام ،ويتأثر ذلك بطريقة اختيار ما تقدمه وطريقة تقديمه والتأكيد عليه أو إهماله،ومدى ما يتاح لها من حرية وما يفرض عليها من رقابة (مجدي احمد،2008، ص120)
وعادة ما يغير الناس اتجاهاتهم لسببين هامين وهما :
1-   للقيام بالأعمال بشكل أفضل أو لإشباع حاجات الفرد الداخلية
2-   لإرضاء قناعة داخلية إلى حد ما .( إبراهيم أبو عرقوب،1993، ص47)
ونجد أن تأثير وسائل الإعلام على تغيير الاتجاهات يتوقف على نسبة انتشار التعليم بين الناس،فكلما ازدادت هذه النسبة بين الناس،كان بالإمكان أن تتأثر الاتجاهات ،وتأثر المناقشات الجماعية التي تتيح حرية التعبير عن الرأي،أو التي تدور حول القضايا العامة،والتي تصل في النهاية إلى قرار جماعي ،في تعديل الاتجاهات وتغييرها ،حيث يستشعر أفراد الجماعة أن الرأي العام يتبلور من خلالهم ،وأنهم غير خاضعين للتأثير الخارجي.( مجدي احمد،2008،ص119)
وقد أثبتت البحوث العديدة فعالية وسائل الإعلام في خلق اتجاهات جديدة ،وتعمل وسائل الإعلام على تدعيم الاتجاهات والقيم أكثر من تغييرها ،حيث أن وسائل الإعلام تفضل التعبير عن أراء مقبولة من الأغلبية والتعبير عن أنماط الاتجاهات والسلوك الطبيعية في المجتمع.وهذا يؤدي إلى الانسجام الاجتماعي وإضعاف الفردية،وتقليل التسامح في الاختلافات ،وتعمد وسائل الإعلام على جعل الأفراد والجماعات والأشياء والأفكار مهمة،وذلك ببساطة عن طريق اختيارها لتكون موضعا للانتباه أو الملاحظة.(صالح أبو إصبع ،1999،ص 119)
وتعتبر الاتجاهات النفسية قابلة للتغيير رغم أنها تتميز بالثبات النسبي ولها صفة الاستمرار النسبي، وهناك فرق بين عملية تغيير الاتجاهات المقصودة،وعملية تغيير الاتجاهات تلقائيا نتيجة لما يؤثر عليها في الحياة العادية مثل تأثير الأغلبية وتأثير الإيحاء...الخ. (مجدي احمد 2008،ص-ص125-126).
وأوجز العلماء الوظائف الأساسية للاتجاهات –في إطار عملية التواصل- فيما يلي :
  -الاتجاه ينظم العمليات الدافعية والانفعالية والإدراكية والمعرفية حول بعض النواحي الموجودة في المجال الذي يعيش فيه الفرد.
- الاتجاه يوجه استجابات الفرد للأشخاص والأشياء والموضوعات بطريقة شبه ثابتة.
-الاتجاهات تنعكس في سلوك الفرد وفي أقواله وأفعاله وتفاعله مع الآخرين.
الاتجاهات تبلور وتوضح صورة العلاقة بين الفرد وبين عالمه الاجتماعي.
-الاتجاهات تيسر للفرد القدرة على السلوك واتخاذ القرارات في المواقف النفسية
الاتجاه يحمل الفرد على أن يحس ويدرك ويفكر بطريقة محددة إزاء موضوعات البيئة الخارجية.(عطوف محمود ياسين،1981،ص120-121).
ومن الناحية النظرية فان تغيير الاتجاهات يتطلب زيادة المؤثرات المؤيدة للاتجاه الجديد وخفض المؤثرات المضادة له أو الأمرين معا.أما إذا تساوت المؤثرات المؤيدة للتغير والمؤثرات المضادة له فانه يحدث حالة من التوازن وثبات الاتجاه وعدم تغييره. مجدي احمد ،2008،ص 126).
هذا ومن العوامل التي تجعل تغيير الاتجاه سهلا ما يلي:
-ضعف الاتجاه النفسي وعدم رسوخه.
-وجود اتجاهات متوازية أو متساوية في قوتها بحيث يمكن ترجيح إحداها على باقي الاتجاهات.
-توزع الرأي العام بين اتجاهات مختلفة.
-عدم تبلور ووضوح اتجاه الفرد أساسا نحو موضوع الاتجاه.
-عدم وجود مؤثرات مضادة
-وجود خبرات مباشرة تتصل بموضوع الاتجاه.
-سطحية أو هامشية الاتجاه مثل الاتجاهات التي تتكون في الجماعات الثانوية(كالأندية والنقابات والأحزاب السياسية...الخ).
ومن العوامل التي تجعل تغير الاتجاه صعبا ما يلي:
-قوة الاتجاه القديم ورسوخه.
-زيادة درجة وضوح معالمه عند الفرد.
-استقرار الاتجاه في نواة شخصية الفرد، وارتفاع قيمة وأهمية الاتجاه في تكوين شخصية الفرد ومعتقدات الجماعة التي ينتمي إليها (وهذا واضح في الاتجاهات الأساسية التي تتكون في الجماعات الأولية كالأسرة مثلا).
-الاقتصار في محاولات تغيير الاتجاه على الأفراد، وليس على الجماعة ككل،لان الاتجاهات تنبع أصلا من الجماعة وتتصل بموقفها.
-الاقتصار في محاولات تغييرا لاتجاه على المحاضرات والمنشورات وما شابهها دون مناقشة أو قرار جماعي.
-إدراك الاتجاه الجديد على أن فيه تهديد للذات.
-محاولة تغيير الاتجاه رغم إرادة الفرد.
-الدوافع القوية عند الفرد تعمل على مقاومة تغير الاتجاهات.
-حيل الدفاع تعمل على الحفاظ على الاتجاهات القائمة وتقاوم تغييرها.
ومن الملاحظ أن هناك عوامل مؤثرة تحاول تغيير الاتجاهات،إلا أن الفرد يحاول جاهدا أن يحقق حالة من التوازن ومقاومة هذه العوامل المؤثرة،وقد يحدث تأثير عكسي لمحاولة تغيير الاتجاه،خاصة إذا استخدمت الأساليب الخاطئة أو المبالغ فيها،حيث نجد أن استجابة الأفراد سلبية وفي اتجاه معاكس للاتجاه المقصود.( نفس المرجع،ص127).
وغالبا ما يحدث التغيير في المعلومات والاتجاهات والسلوك على التوالي،أي أن التغيير في المعلومات يتبعه تغيير في الاتجاهات ومن ثم تغيير في السلوك،فالتغير النفسي نتيجة تغير في السلوك لان كلا منهما يعتمد على الآخر،ومن هنا نرى أن كل عنصر أو متغير من العناصر يسهم بشكل كبير في التأثير الكلي أو الكفاءة الكلية لعملية الاتصال والتواصل فيما بعد .
                                                                     


خاتمة:
                                                          
لقد أولى  المهتمين بمجال الاتصال والإعلام أهمية فائقة للدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في المجتمع الحديث-بمختلف أنماطها- فاعتبر بعضهم الاتصال نسيجا للمجتمع الإنساني،وأكد آخرون أهمية عملية الاتصال لدى المواطن في ترسيخ شعوره بالانتماء إلى وطنه وقوميته،وان استغلال هذا الشعور بالانتماء في التنمية ضرورة من ضرورات نجاحها،إلى جانب أن وسائل الاتصال تنقل التراث الاجتماعي من جيل إلى آخر.واهتم آخرون بالمعلومات والأفكار التي تحملها وسائل الاتصال والإعلام والتي تعد العامل الأساسي في زيادة مجالات المعرفة لدى الجماهير،وتوسيع أفاقهم وازدياد قدرة أفرادهم على التقمص الوجداني وتقبلهم للتغير وإشراكهم في التنمية.(مجدي احمد،2008،ص ص 165- 166).
نستنتج مما سبق ذكره في إطار استعمال أنماط الاتصال المختلفة من دعاية وإعلان وعلاقات عامة ومحاولة تغيير الاتجاهات، أنها تمثل ابرز قنوات الاتصال الحديثة بغرض التواصل ،وان  عملية التواصل هي عملية نفسية قبل كل شيء ،فهي تعتمد في بناء استراتيجياتها على مبادئي علم النفس من حيث أنها تتعامل مع الإنسان الذي هو مزيج من المكونات النفسية والمعرفية والسلوكية يؤثر ويتأثر بمختلف أنماط الاتصال المعروضة عليه في سياق عملية نفسية تخاطب العقل والإحساس ومن ثم تحدث تغيير في السلوك
فاكبر دافع وراء استخدام وسائل الإعلام المختلفة يتمثل بالتعويض وان جميع الأفراد يحققون توازنهم الاجتماعي والسيكولوجي بالتعويض، وكلما توافرت وسائل الإعلام كلما زادت إمكانية استخدامها للتعويض لتحقيق التوازن في حياة الناس.(صالح أبو إصبع ،1999،ص 115)
وعليه وجب حسن استخدام هذه الأنماط من الاتصال انطلاقا من دراسة شخصية الفرد ضمن التطورات التكنولوجية والاجتماعية التي يخضع لها الإنسان يوميا ،تجعل سلوكه مرتبطا بدرجة كبيرة بأنماط التواصل هذه،مراعين المتطلبات الاجتماعية والنفسية للفرد بهدف الوصول إلى تحقيق ثقافة التواصل المطلوبة ،وذلك من خلال تسطير أهداف معرفية/سلوكية يصل إليها الفرد من خلال  توظيف مختلف أنماط التواصل المبنية على مبادئي علم النفس، بحيث تحقق الأهداف المرجوة منها. 
من الناحية النفسية يمكن القول بان العالم كله تحول إلى مجال نفسي،وهذا يعني أن ننظر إلى العالم على أساس اجتماعي نفسي. ويبقى دور الإعلام باستراتيجياته الاتصالية المختلفة يسهم في البناء المعنوي والمادي للإنسان.

و يبقى موضوع فهم الشخصية ومكوناتها وفهم التوافق ومشاكله ومحدداته إنما يساعدنا في فهم سلوك الإنسان وتفسيره تفسيرا علميا سليما وتوجيهه الوجهة الموضوعية السليمة،تساعدنا على ذلك وسائل الاتصال وأساليبه المختلفة.هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن يدخل القائم بعملية الاتصال في تقديره الخصائص الشخصية الفردية لكي تؤدي الرسالة الإعلامية أيا كانت أهدافها المرجوة،وكذلك مراعاة الفروق الفردية في خطط تغيير الاتجاه،وان يتجنب على الأقل النظر إلى الجمهور كما لو كان كتلة متجانسة من البشر،كل هذا يمكن أن يؤدي إلى وضع خطط عمل أكثر فاعلية لتحقيق التواصل الناجح والقادر على تحقيق التطور بإشباع رغبة الإنسان في التعارف في ظل تعدد الثقافات.

**************************************************************


اسم الباحث :  فتيحة مهدي بلعسلة
الوظيفة: أستاذ مساعد
الدرجة العلمية: طالبة دكتوراه
اسم الجامعة :  كلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم علم النفس وعلوم التربية والارطفونيا
جامعة مولود معمري- ولاية تيزي وزو
الجمهورية الجزائرية  الديمقراطية الشعبية
رقم الهاتف : 00213.551.167.394
رقم الفاكس :00213.21.35.70.62
البريد الالكتروني: belmehdi66@yahoo.fr
 


 **************************************************************
الهوامش :

1-إبراهيم أبو عرقوب (1993).الاتصال الإنساني ودوره في التفاعل الاجتماعي.دار مجدلاوي للنشر والتوزيع.الأردن.الطبعة الأولى.


         2-جمال الخطيب (2007).تعديل السلوك الإنساني.مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع/دار حنين للنشر والتوزيع.الطبعة الثانية.


3-عباس محمود عوض(1987).علم النفس العام.دار المعرفة   الجامعية،الإسكندرية.الطبعة الأولى

4-عطوف محمود ياسين(1981).مدخل في علم النفس الاجتماعي.دار النهار للنشر.بيروت.لبنان.الطبعة الأولى.


5-صالح أبو إصبع (1999).الاتصال والإعلام في المجتمعات المعاصرة. دار أرام للدراسات والنشر والتوزيع ،عمان.الأردن.الطبعة الثالثة.


6-مجدي احمد محمد عبد الله (2008).مقدمة في سيكولوجية الاتصال والإعلام.دار المعرفة الجامعية،سوتير-الإسكندرية.الطبعة الأولى.

7-J.A.C. Brown : Techniques Of Persuasion(1977) .Harmonds worth, Middesey;Penguin Books.


8-Robert c.Williamson et. al.  Social Psychology,(F,E  Peacock  Publishers,Inc, 1982) P.222

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق