الأربعاء، 28 مايو، 2014

"الذكاء الاتصالي" واستثمار شبكات التواصل

"الذكاء الاتصالي" واستثمار شبكات التواصل

  • عبدالله الجريفاني
عطفاً على ما تناولناه في المقال السابق «من أنتم؟» أقول: إن اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي يهدف إلى إشباع حاجات ورغبات معرفية وبيولوجية وسيكولوجية لا يمكن تحقيقها من خلال وسائل أخرى؛ لذا أعتقد أن ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي من إقبال محموم وتفاعل غير مسبوق راجع في المقام الأول إلى شعور مضاعف بالإرادة المسلوبة في التعبير، وعدم القدرة على إيصال الصوت، فجاءت هذه القنوات التواصلية بصفتها المنقذ، وأداة لإيصال ما يريدون التعبير عنه في الفضاء الإلكتروني بعيداً عن مقص الرقيب وحارس البوابة، وهي في هذه المرحلة تمثل أدوات للتنفيس عن المشاعر السلبية، وهذا ما أكدته دراسة حديثة نُشرت في مجلة «سايبر سايكولوجي» للسلوك والشبكات الاجتماعية أشارت إلى «أن زوّار مواقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» و»تويتر» الذين عادة ما يتركون تعليقات عدوانية أو سلبية على صفحاتهم الشخصية من المفترض أن يشعروا بالاسترخاء بعد كتابة حالتهم العامة، ولكنهم يميلون إلى مزيد من الغضب والإحباط»، وكشفت الدراسة عن أن إفصاح البعض عن وجهة نظرهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبر شبكة الإنترنت يمكن أن يجعلهم أشد غضبًا، كما ربطت الدراسة بين قراءة الأعضاء الآخرين للتعليقات السلبية وكتابة تعليقات خاصة بهم وبين التحولات النفسية إلى المزاج السلبي. وهذا ما يجعلني أميل إلى أن طبيعة الشبكات الاجتماعية تمثل بيئة خصبة للروح السلبية الانتقادية التي لا ترى فيما حولها ما يدعو إلى التفاؤل، وأداة للمحاسبة وإظهار المساوئ والعيوب، فلا يجب أن نتخذها معياراً وحيداً وحاسماً لوجهة نظر المجتمع بشكل عام حول القضايا والأحداث المحيطة بنا، وفي المقابل لا ينبغي إهمالها والتغاضي عنها وعدم الالتفات إليها بحجة عدم مصداقيتها أو أهميتها في التعبير عن وجهة نظر المجتمع وتلبية متطلباته واحتياجاته، بل يجب التعامل معها بمسؤولية كاملة، وأخذ جميع ما يطرح بعين الاعتبار بصفتها مؤشرات مهمة، فهؤلاء يعبرون عن آراء شريحة كبيرة من المجتمع، ومطالباتهم في مجملها مشروعة وإن كانت تتصف بالحدة والاندفاع، ومن الخطأ والخطر تجاهلها والاستعلاء عليها لأي سببٍ كان.
ومن الأسباب الأخرى التي تجعل النبرة السلبية سائدة وحالة الاحتقان متواصلة في مواقع التواصل الاجتماعي أن المعاناة ومرارة الحرمان والشعور بضعف العدالة وعدم الحصول على المستحقات هي من أبرز محفزات الكتابة للتعبير عنها والمطالبة بها، بينما من ينعم بحياة مستقرة مالياً ووظيفياً ومعيشياً فإن دافع التعبير عن أوضاعهم ضعيف، إن لم يكن معدوماً، بل إن من يتجرأ منهم على إبراز الجوانب الإيجابية في الحياة المحيطة به فإنه معرض للهجوم القاسي، والاتهام بالنفاق والمحاباة، وعدم الإحساس بمعاناة المجتمع.
وأعتقد أنه يجب الاهتمام بما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأخذه على محمل الجد، والسعي إلى إيجاد حلول جذرية للإشكالات التي يتكرر طرحها، والابتعاد عن الاستعلاء عليها بحجة أنها مطالبات غير مسؤولة، والدافع إليها هو الطمع وعدم القناعة بما يتم تقديمه، أو أنها لا تعبر عن رأي أغلبية المجتمع، وفي المقابل لا ينبغي التعاطي مع ما يتم طرحه بحساسية مفرطة، ومن ثم الشعور بالإحباط نتيجة التركيز على السلبيات وتجاهل الإيجابيات، بل يجب الاقتناع بأن وسائل التواصل الاجتماعي لم توجد لتخليد مآثرك وإبراز إيجابياتك بقدر ما أصبحت وسيلة للمراقبة والمحاسبة وإيصال الصوت الأضعف بدون تدخل أو وصاية، وعليك أن تتعامل معها وفق المبدأ العمري: (رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي)، صحيح أن في ذلك ما يشبه المثالية في التعامل، ولكن الحقيقة أنه ليس أمامك طريق سواه لتسلكه!. ومن الضروري أن تنهض الجامعات ومعاهد البحوث ومراكز الدراسات بدورها في رصد الظواهر الاجتماعية، والقضايا الراهنة التي تمثل حديث المجتمع، والموضوعات الجدلية التي كثر اللغط حولها في شبكات التواصل الاجتماعي، لتعطي القول الفصل المبني على المنهجية العلمية والحقائق والإحصاءات الدقيقة، بعيداً عن الاجتهادات التي قد يتم توظيفها لمصالح خاصة. أما القطاعات الحكومية فينبغي عليها مراجعة إستراتيجياتها الإعلامية، والاستثمار في مجال الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، ليس بهدف التلميع والبهرجة الإعلامية، وإنما بهدف التواصل مع أجيال أضحت لا تفهم إلا هذه اللغة، فلا تلمها إذا كانت سلبية في طرحها إن لم تر منك ما يدعوها إلى التفاؤل، وهناك نماذج رائعة لطريقة تعاطي بعض المسؤولين والجهات الحكومية معها قد يكون مجال الحديث عنها في مقالات قادمة بإذن الله، ولكن الحقيقة التي يجب إدراكها أن هذه الوسائل عصيّة على من يتعامل معها بنمط العمل الحكومي البيروقراطي، فيفتتحها في الثامنة صباحاً ويغلقها عند الساعة الثانية ظهراً، وبذلك تكون فقدت أهم خصائصها وسماتها وهي ما يعرف بـ»التفاعلية»، كما أن التعاطي معها بحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ»الذكاء الاتصالي» الذي يعرف متى يستخدمها، وكيف يوظفها، وماذا يضمنها؟، بعيداً عن تضخيم الأحداث، وكثافة الحضور والتواجد، واللجوء إلى الكذب أو تزييف الحقائق، واستخدام اللغة الملائمة لطبيعة تلك الوسائل، ولا يعني الاستثمار في هذا المجال تطويع تلك الوسائل وجلبها إلى بيئة العمل الحكومي التي قد لا تكون بيئة حاضنة لها، ولكن قد يكون من المناسب دعم المشروعات الشبابية التي تنسجم مع رؤية تلك الجهات وأهدافها وإستراتيجياتها، فهل يُعقل أن يستمر التركيز على الأداء الإعلامي التقليدي ويتم تجاهل الاستثمار في هذا المجال الخصب!، بينما نجد شاباً لم يبلغ عمره العشرين عاماً (وهو المغني الشهير «جاستين بيبر») يستثمر أكثر من مليون دولار في دعم المشاريع الناشئة للإعلام الاجتماعي!.
 http://www.makkahnp.com/makkahNews/component/k2/7320/7320#.U4Y1Nay4fFw

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق