مدونة تهتم باللسانيات التداولية التفاعلية الاجتماعية تحاول ان ترسم طريقا مميزا في معالجة الاشكالات المعرفية المطروحة في هذا النسق العلمي بالمناقشة والرصد والتحليل والمتابعة
الاثنين، 18 يوليو 2011
التخطيط اللغوي من الاستعمار إلى العولمة اللغوية
التخطيط اللغوي من الاستعمار إلى العولمة اللغويةد. عيد عبد الله الشمري - بدأ تطبيق السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي قبل دخول هذين المصطلحين ضمن مصطلحات علم اللغة التطبيقي بزمن طويل. فقد فرضت الدول الاستعمارية لغاتها على الشعوب المستعمرة في آسيا وإفريقيا والأمريكتين. وهذا يمثل سياسة وتخطيطا لغويا واضحا يهدف إلى نشر لغة وثقافة لغة المستعمر ويضمن تبعية شعوب المستعمرات اللغوية والثقافية والتعليمية والاقتصادية للمستعمر حتى بعد رحيله, وهذا ما أثبتته التجربة بالفعل. فلقد مارست الدول الاستعمارية ضغوطاً على تلك الشعوب المتحررة لاتخاذ لغة المستعمر السابق الفرنسية أو الإنجليزية لغة رسمية لتلك الشعوب بعد نيلها الاستقلال فتقاسمت فرنسا وبريطانيا مستعمراتهما لغويا. ولم تتوقف ممارسة السياسات اللغوية والتخطيط اللغوي للدول الاستعمارية عند تقاسم دول العالم الثالث من المستعمرات السابقة لغوياً بين الفرنسية والإنجليزية, بل امتد إلى العولمة اللغوية التي أعادت بموجبها الولايات المتحدة وبريطانيا إمبراطورية للغة الإنجليزية لا تغيب عنها الشمس. ودعمت الولايات المتحدة وبريطانيا تعليم اللغة الإنجليزية في جميع دول العالم دعماً ماديا ومعنويا لا مثيل له في التاريخ.
وبعد مرحلة انحسار الاستعمار بدأت دول المركز (الاستعمارية سابقاً) ممارسة سياسات لغوية وتخطيط لغوي محكم تمثل في دعم نشر لغات المستعمر السابق في مستعمراته وفي العالم أجمع من خلال مؤسسات تتدثر بالتعاون التعليمي أو العسكري أو الاقتصادي وبوسائل منها استقطاب البعثات من أبناء المستعمرات ودعم نشر ثقافات ولغات المستعمر ودعم نشر المدارس والجامعات الأجنبية والمدارس التبشيرية في دول الفرانكفونية ودول الكومنولث وغيرها من دول العالم الثالث.
وأضحت اللغة الإنجليزية لغة للعولمة العلمية والاقتصادية والثقافية والسياسية والتعليمية. وفي زمن عولمة اللغة الإنجليزية احتدم الصراع بين اللغتين الفرنسية والإنجليزية على لغة الاتحاد الأوروبي بعدما أثقلت ميزانية الترجمة كاهل الاتحاد, حيث بلغت 11 مليار دولار سنوياً, وما زال الصراع لم يحسم بعد.
السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي في العالم العربي
بدأت مظاهر السياسات اللغوية في العالم العربي بانتهاج شعوب المغرب العربي سياسة التعريب كأداة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومقاومة فرنسة شعوب المغرب العربي. وكان التعريب مرادفا للكفاح للتحرر من الاستعمار الفرنسي وفرضه اللغة الفرنسية على شعوب المغرب العربي. وبالتزامن مع سياسة التعريب لدى شعوب المغرب العربي ومناصرة لها في كفاحها ضد الفرنسة ومناصرة لباقي الشعوب العربية المستعمرة آنذاك نصت المعاهدة الثقافية لجامعة الدول العربية عام 1946 في المادة السابعة على الآتي «رغبة في مسايرة الحركة الفكرية العالمية تعمل دول الجامعة العربية على تنشيط الجهود التي تبذل لترجمة عيون الكتب الأجنبية القديمة والحديثة وتنظيم تلك الجهود», ونصت المادة التاسعة من المعاهدة نفسها على الآتي»تسعى دول الجامعة العربية إلى توحيد المصطلحات العلمية بواسطة المجامع والمؤتمرات واللجان المشتركة التي تؤلفها وبالنشرات التي تنشرها هذه الهيئات وتعمل على الوصول باللغة العربية إلى تأدية جميع أغراض التفكير والعلم الحديث وجعلها لغة الدراسة في جميع المواد في كل مراحل التعليم في البلاد العربية». وقد أوصت اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية عام 1946 بتأليف هيئات للتأليف والترجمة والنشر ووضع جوائز للمؤلفين والمترجمين والناشرين لكل قطر على حدة. وقد صدرت دساتير جميع الدول العربية تحمل مادة تأتي بعد اسم الدولة ونوع الحكم فيها تذكر أن اللغة الرسمية للدولة هي اللغة العربية. ومع أن بعض مجامع اللغة العربية كمجمع دمشق ومجمع القاهرة تأسست قبل تأسيس الجامعة العربية إلا أن هذه المجامع وما تبعها من مجامع اللغة العربية في بغداد وعمان والجزائر والمغرب ومكتب تنسيق التعريب في الرباط وأكاديمية المملكة المغربية في الرباط والاتحاد العلمي العربي واتحاد مجامع اللغة العربية واتحاد الجامعات العربية والاتحادات العلمية والتقنية التخصصية في العالم العربي ومؤتمرات التعريب التي تشرف عليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، كلها تهدف إلى تحقيق السياسة اللغوية بإثراء اللغة العربية وإحلالها المكانة اللائقة بها كلغة للعلم والحضارة والتكنولوجيا وكلغة عمل لمنظمة الأمم المتحدة ومنظماتها, وذلك لتنسيق كل هذه الجهود حتى لا تختلف أو تتعارض أو تتكرر. وتواجه جهود جميع المجامع اللغوية في العالم العربي مشكله الالتزام بما يقر من مصطلحات أو يتخذ من قرارات لتنفيذ السياسات اللغوية في أقطار العالم العربي والمشكلة المستعصية في وجه تحقيق السياسة اللغوية في العالم العربي هي الالتزام بالتعريب من قبل الأقطار العربية وإلزام كل قطر في سياسته اللغوية العربية بما يقع تحت ولايته من منظمات تعليمية أو إعلامية أو ثقافية بالتعريب. إن الالتزام والإلزام بالتعريب شأن حكومي سياسي لا بد أن تلزم بتنفيذه وتتابع تنفيذه جهة لها سلطة, فإن الجامعة العربية وجميع منظماتها والمجامع اللغوية والعلمية توصي ولكن الالتزام والإلزام شان كل دولة عربية.
يرى فشمان أن التخطيط اللغوي يمثل تطبيقاً لسياسة لغوية, ويعرف هاوجن 1959 التخطيط اللغوي بأنه عملية تحضير الكتابة وتقنينها وتقعيد اللغة وبناء المعاجم ليستدل ويهتدي بها الكتاب والأفراد في مجتمع ما. ويذكر فيشمان وآخرون 1968م إن أحد تطبيقات التخطيط اللغوي هو تنظيم دور اللغة عند بناء الدول بعد تحررها من الاستعمار الذي طمس الهوية اللغوية والقومية للشعوب المستعمرة تمهيدا لإحلال لغة المستعمر بدل لغات تلك الشعوب. إن عمر مصطلح التخطيط اللغوي بمفهومه الاستعماري لا يزيد على 60 عاما, ولم يستقر بعد بل وتتجاذبه رؤى ومسلمات متعارضة تنبع من تعارض المصالح. فدعاة التغريب اللغوي من علماء التخطيط اللغوي والمستشرقين والدول الاستعمارية ودول المركز في العولمة اللغوية المعاصرة ومن تبعهم من بعض أبناء المشرق والمستعمرات يشترطون التغريب اللغوي فرنسيا كان أو إنجليزيا كشرط للتنمية والتحديث والتقدم الاقتصادي والثقافي والعلمي. ويعارض المخططون اللغويون من دول المشرق ودول العالم الثالث (المستعمرات سابقا) ودول الهامش في العولمة المعاصرة دعاة التغريب اللغوي متحدين مصداقية رؤاه ومسلماته المنطلقة من مصالح استعمارية استجدت لخدمة الاستعمار اللغوي والتبعية اللغوية ويعترضون على تجاهل تجارب دول المشرق في التخطيط اللغوي التي تمتد آلاف السنين قبل الاستعمار. إن للغات كالصينية والعربية تجارب في التقييس والتقعيد والمصطلحات والمعاجم يفوق عمر اللغة الإنجليزية والفرنسية. وتتعدد صور تطبيقات التخطيط اللغوي الحديث ومن أبرزها:
1 ـ التنقية اللغوية. ومن أوائل الدول التي مارست هذا التطبيق فرنسا, حيث أصدرت نظاما لحماية اللغة الفرنسية من المفردات والمصطلحات الدخيلة وسهر على متابعة ذلك مجمع للغة الفرنسية ونظام ملزم لقرارات حماية اللغة الفرنسية, واضطلع المجمع بتوليد المفردات والمصطلحات الفرنسية لتواكب تطور المعرفة الحديثة. وقامت تركيا بتطبيق مماثل عندما اتخذ أتاتورك قرار التتريك وقطع الصلة بين تركيا العلمانية وتاريخها الإسلامي وتغيير حروف اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية.
2 ـ ترقية اللغة ومن أمثلة تطبيق هذا التخطيط اللغوي ترقية لغة بذاتها من بين مئات اللهجات أو اللغات محدودة المتحدثين في بلد ما. وحدث هذا التطبيق في ترقية اللغة السواحيلية لتصبح لغة وطنية في تنزانيا، وكذلك ترقية اللغة الماليزية لتصبح بديلا عن لغة المستعمر في أرخبيل إندونيسيا وخيارا بين أكثر من 200 لهجة لسكان جزر إندونيسيا.
3 ـ إحياء اللغات الميتة. وطبق هذا التخطيط اللغوي على إحياء اللغة العبرية التي كانت مهجورة لقرون وأحييت من خلال إنشاء مجلس لغوي تطور فيما بعد إلى الأكاديمية العبرية وعهد إليها بتقييس اللغة العبرية وتحديثها وبعثها من جديد لتصبح لغة قومية تدرس بها جميع العلوم والطب.
4 ـ إحلال اللغات القومية محل اللغات الأجنبية في التعليم. واختارت هذا التطبيق من التخطيط اللغوي كثير من الدول التي حرصت على تيسير العلوم باللغة الأم لأبنائها وتوطين العلوم والتقنية بلغة شعوبها وطبق هذا في اليابان، روسيا، كوريا، الصين، فيتنام, وسورية.
5 ـ الدفاع عن منزلة لغة ما. أكثر من مارس هذا التخطيط اللغوي الدول ذات اللغات الرئيسية في العالم. كالإنجليزية والفرنسية أو اللغات التي يكثر المتحدثين بها في العالم كالإسبانية والبرتغالية والصينية والعربية. وتدافع الدول عن منزلة لغاتها لتصبح لغة عمل دولية أو إقليمية في المنظمات الدولية. وأبرز مثال على هذا التطبيق استماتة فرنسا لتكون الفرنسية لغة للاتحاد الأوروبي أو لغة رسمية ضمن لغات أخرى للاتحاد.
6 ـ نشر اللغة الوطنية أو القومية في دول العالم. وأكثر من مارس هذا التخطيط الدول ذات الطموحات الاستعمارية والقادرة اقتصاديا على تمويل نشر لغاتها في العالم. وتمثل برامج الفرانكفونية والأنجلوفونية أبرز تطبيقات هذا النوع من التخطيط اللغوي.
السبت، 16 يوليو 2011
الجمعة، 15 يوليو 2011
الاتصالات الحيوانية animal communications
الاتصالات الحيوانية
تتضمن الاتصالات الحيوانية animal communications إطلاق أحد الأفراد إشارة كيمياوية أو فيزيائية يتلقاها فرد آخر فتبعث فيه سلوكاً ما. ولا تعد استجابة البعوضة مثلاً لجسم الإنسان اتصالاً، لأن الإنسان لا يطلق الحرارة بهدف جذب البعوضة، في حين أن انجذاب ذكر البعوض إلى أنثاه يتم لأن الأنثى تطلق رائحة بهدف جذب الذكور؛ كما أن رائحة الزهرة تعد إشارة كيمياوية لأنها تجذب النحلة إليها، على الرغم من أنها لم تولد إشارة بالمعنى الحقيقي، لأن الرائحة موجودة فيها أصلاً.
غايات الاتصال في العالم الحيواني
سيقتصر الأمر هنا على حالة «التآثر» interaction التي يكون فيها مرسل الإشارة ومستقبِلُها من النوع الحيواني نفسه، ولعل الآلية التالية توضح ذلك:
يقوم الحيوان المرسِل، بتأثير عوامل أو منبهات داخلية أو خارجية، بإصدار إشارة فيزيائية أو كيمياوية تستقبلها أعضاء حساسة نوعية لدى الفرد الذي يتلقاها، فتحدث فيه تبدلات داخلية يكون من نتيجتها تبدل في سلوكه الخارجي.
إن حاجة الحيوانات إلى تعرف أفراد نوعها تستوجب استخدام إشارات اتصال لهذا الغرض بقصد تأليف تجمعاتها. ولئن كان الكثير من الحيوانات يعيش حياة انفرادية، فيما عدا أزمان التزاوج، فإن أي حيوان من هذه الحيوانات يستخدم الإشارات للتعريف بنفسه لدى بقية الأفراد من نوعه بقصد بقائه منفرداً ضماناً لمورده الغذائي.
أما الحيوانات التي تقيم فيما بينها علاقات اجتماعية فإن إشارات الاتصال لديها تستخدم لأغراض عدة، منها: تنبيه أقرانها من أفراد النوع إلى وجود خطر ما، كما أن هذه الإشارات قد تفيد في ردع الضواري المحتملة بالصراخ الجماعي بقصد إخافة الأعداء.
ولئن كان معظم الحيوانات يأكل منفرداً، فإن المعروف عن الحيوانات الراقية أنها تتقاسم الأكل، وفي حالة كهذه قد تستخدم إشارات اتصال للدلالة على مصادر الطعام. ويمكن أن يجري ذلك بإشارات الهداية المعقدة كالإشارات التي تستخدمها الحشرات الاجتماعية لهداية أقرانها في العش نحو مصادر الغذاء البعيدة.
ولعل أهم إشارات الاتصال الحيوانية يُستخدم في عملية التزاوج، وحينما تتشابه ذكور الأنواع المختلفة وإناثها، تزداد أهمية تحديد النوع. فالنطاف لا يجوز توجيهها نحو بيوض لاتستطيع إخصابها. وهنا تؤدي إشارات الاتصال دور كلمة السر لتعريف أفراد النوع الحيواني الواحد بعضها ببعضها الآخر أولاً ولتلاقي الجنسين المناسبين ثانياً. وما إن يلتقي الذكر الأنثى حتى تُستخدم إشارات الاتصال في الغزل والاقتران بينها. فالإشارات الجاذبة الأولية لاتوفر إلا تحديداً بدئياً للهوية. وقبل أن يجري الاقتران الحقيقي لابد من التحديد الإيجابي والقطعي لتلك الهوية. وما رقصات الغزل عند العناكب والحركات الاستعراضية عند الطيور إلا إشارات اتصال تفيد في تحديد هوية الذكور لدى الإناث استعداداً للجمع بينهما في عملية الاقتران الأخيرة، التي ينبغي أن تكون في غاية الدقة، والتي تتطلب تعاون الذكر والأنثى في أدائها.
وعندما ينتهي الاقتران ويجري إلقاح البيوض يبدأ الاستعداد لخروج النسل الصغير إلى الحياة. صحيح أن بعض الحيوانات لا يولي صغاره أية رعاية، لكن الكثير منها يرعى الصغار، أو حتى البيوض والصغار كليهما، وهذا ما يتطلب وسيلة للإيعاز بين الأبوين فيما يخص مكان الغذاء ومكمن الخطر. وحيثما يرعى الكبار الصغار، كما هي الحال عند الطيور والثدييات مثلاً، تقوم حياة «أسرية»، وتكتسي إشارات الكبار الاتصالية أهمية إضافية لدى الصغار، وحينما يكبر الصغار فإنهم يطورون إشاراتهم الخاصة التي يتأثر بها سلوك الأبوين. ومن ثم فليس غريباً أن تكون الحيوانات ذات الحياة الأسرية الأرقى في التنظيم الاجتماعي قد طورت أكثر جمل الاتصال إتقاناً.
آليات الاتصال الحيواني
تُسَخِّر الحيوانات جميع حواسها تقريباً من أجل الاتصال. ويستخدم كثير من الحيوانات أكثر من قناة حسية، وعلى نحو متكامل، لضمان التقاط الإشارة الاتصالية. ويتناول البحث فيما يلي جميع القنوات الحسية الممكنة مع أمثلة عن كل منها.
الجمل اللمسية: يمكن للحيوان أن يكتشف الأشياء التي تقع على تماس معه (مصادفة أو إرادياً) بفضل حاسة اللمس لديه. ويصعب، حتى في الإنسان، الفصل بين المستقبلات المختلفة الموجودة في الجلد والتي تتنبه بالأشياء التي تلامسه. ولابد، في مجال الاتصالات الحيوانية بحاسة اللمس، من قيام التماس المباشر بين الأفراد، وهذا يعني أن الاتصال الحيواني باستخدام هذه القناة لا يتعدى المسافات القصيرة للغاية بين الأفراد.
أنماط الاتصال اللمسي: تتفاوت أنماط التماس كثيراً في طبيعتها وتوقيتها. فالإشارات اللمسية يمكن أن تتبدل بسرعة في شدتها وطبيعتها، كما يسهل تشغيلها وإيقافها. ولذلك تنفع الإشارات اللمسية بوجه خاص في نقل المعلومات الكمية، إذ تلزم إشارات متغيرة باستمرار لنقل عناصر معلوماتية متغيرة باستمرار.
يقوم الحيوان المرسل للإشارات اللمسية بإنتاج هذه الإشارات من حركات خاصة يُذكر منها: القبض والمسك بفضل المخالب واللواقط والأذرع، وكذلك الصدم بكامل الجسم وغير ذلك. فالنحلات مثلاً تجوب أرجاء خليتها مصطدمة بأجسام أقرانها لإشعارها بالإشارة الاتصالية. وهنا يجري استقبال الإشارة بوساطة مستقبلات للتماس واقعة على سطح الجسم.
الاستقبال اللمسي: تُعْرَفُ بعض الحيوانات بمستقبلات لمسية خاصة شديدة الحساسية، فنحل العسل مثلاً له مستقبلات للحركة في أرجله على جانب كبير من الحساسية تمكنها من كشف حركة الكريات في دماء الحشرات، وكذلك فإن «الشوارب» الطويلة في وجه القطة يكفيها أن تتحرك جزءاً بسيطاً من الملمتر حتى يستشعر الحيوان بفضلها الحركة التي تلامسه.
وتوجد قنوات الاتصال اللمسي في جميع المجموعات الحيوانية. فبعض معائيات الجوف Coelenterata البحرية يعيش في مستعمرات من بولبات polyps دقيقة، يحتفظ كل بولب منها باتصال عضوي مع البولبات الباقية. فإذا لُمِسَ أحدُها فإنه ينكمش، ولكن لا تلبث البولبات الباقية أن تستشعر المنبه وتنكمش هي أيضاً على الرغم من أن المنبه لم يتناولها مباشرة. وبالانتقال من هذه الجملة الاتصالية اللمسية البسيطة إلى جملة نظيرة راقية، كتلك التي لدى نحل العسل، يرى أن النحلة، إذا ما اكتشفت مصدراً للرحيق، فإنها تدل على موقعه وبعده وقيمته بفضل ما تقوم به من الجري بنسق محدد داخل خليتها. وهنا تلتقط النحلات الأخريات المعلومة الاتصالية باستشعار إيقاع حركات النحلة الكشافة وتوجهاتها.
ومن أمثلة استخدام المنبهات اللمسية في الاتصال عند الثدييات ما تقوم به الخنازير من دفع بالجسم وحك بالأنف في سلوكها الغزلي، وما يقوم به ذكر الزراف من إثارة لأنثاه في عملية «معانقة"، إذ تلتوي رقبتاهما الطويلتان الواحدة حول الأخرى وتفرك كل رقبة رقبة شريكها، وما تقوم به ذكور القطط والخيول من عض حقيقي للإناث يثيرها ويحثها على التقبل الجنسي من جانب الذكر. وإذا ما أخذ بالحسبان دور الشفاه «تلمظاً وتقبيلاً» لدى الرئيسات Primata، كما عند القردة في عمليتي الغزل والاقتران، تبينت أهمية القنوات اللمسية في لغة الاتصال الجنسي لديها.
الجمل الكيمياوية: تعد الحواس الكيمياوية أكثر قنوات الاتصال استخداماً في عالم الحيوان. ومن المعروف أن للإنسان حاستين كيمياويتين هما الشم والذوق. ولكن يصعب، بل يستحيل فصل هاتين الحاستين الواحدة عن الأخرى في العديد من الحيوانات. وعلى العموم تعد خاصة الاستقبال الكيمياوي البعيد أو حاسة الشم هي الحاسة الأهم شأناً في الاتصال الحيواني.
ويمكن أن تؤثر الإشارات الكيمياوية من مسافات بعيدة، لكنها قد لا تعطي إلا القليل من المعلومات عن جهة مصدرها، ما لم يكن هناك حركة للماء أو الهواء الذي يحملها. ولما كانت مثل هذه الحركة متوافرة في كثير من الأحيان، فإن تلك الإشارات الكيمياوية تستخدم استخداماً واسعاً في جذب الأقران من الذكور والإناث بعضها إلى بعضها الآخر.
وتتصف الروائح بخاصة الديمومة مدة من الزمن فلا يمكن استخدامها مؤشراً لتواتر الإشارة الكيمياوية (حضوراً أو غياباً) مثلما هي حال اللمس والضوء والصوت.
إصدار الإشارات الكيمياوية: قد تصدر الإشارات الكيمياوية عن جسم الحيوان، بمعنى كونها رائحة الجلد نفسه. ولكن ما يعد إشارات كيمياوية حقيقية في الاتصال الحيواني هو تلك المواد الكيمياوية التي تفرزها غدد خاصة لهدف معين، كالروائح الجنسية لدى بعض الحيوانات، فهذه الغدد تفرز كيمياويات نوعية specific تدهن بها الحيوانات أجسامها، ثم تتبخر هذه الكيمياويات أو تُطْلَق في الهواء أو الماء مباشرة.
ويُذْكَر على سبيل المثال أن بعض الأساريع caterpillars تُخرج عند الإنذار «قروناً» تنفث حولها روائح خاصة. قد يدوم إنتاج الرائحة طويلاً، كما في الروائح المميزة للأنواع الحيوانية، أو يقتصر إنتاجها على اندفاعات قصيرة، كما في الروائح الجنسية وروائح الإنذار.
التخطيط اللغوي في الجزائر ووظائفه في ندوة وطنية
التخطيط اللغوي في الجزائر ووظائفه في ندوة وطنية
الثلاثاء, 12 أبريل 2011
سعيد حمزة نذير
---------------------------------------------------------------
انطلقت اليوم بالجزائر العاصمة الندوة الوطنية حول "التخطيط اللغوي في الجزائر: اللغات ووظائفها"، من تنظيم المجلس الأعلى للغة العربية، على أن تختتم غدا بالخروج بتوصيات خاصة بالموضوع.
أشغال هذه الندوة تدور حول جملة من المحاور أهمها "التخطيط اللغوي: المفهوم والأهداف" و"الخريطة اللسانية في الجزائر بعد الاستقلال" و"تجارب التخطيط اللغوي في العالم المعاصر" وكذا "اللغة الوضع - الاستعمال- الوظيفة".
ودارت أهم المحاضرات في اليوم الأول حول التخطيط اللغوي الذي هو تدبيرٌ للتحول اللغوي، سواء التحوّل المنظومة اللغوية أو الخطاب اللغوي أو كليهما. ويتكلف ببرمجة التحوّل أجهزة تُقام خصيِّصاً لأغراض التخطيط، وتُفوّض رسمياً لذلك، ويبدأ التخطيط بتعيين المشكل اللغوي، وتحديد المحيطات المجتمعية التي تتطلّب نشاطاً تخطيطياً، وتدبيراً للثروات اللغوية.
وبعبارة أخرى، إن الوظيفة الأولى والأساس في التخطيط هي حلُّ المشاكل اللغوية، وإيجاد معالجة ملائمة تكون الأفضل والأحسن، بالمقارنة مع غيرها. أي أن ما يُحدد اختيار خطة أو أخرى قيمتها وفعاليتها، وغالبا ما يُعرّف المشكل اللغوي باعتبار الاختيار اللغوي حاجة بعض قطاعات الحكومة إلى تقرير اللغة أو التنوعات اللغوية التي ستُستعمل في المنظومة التربوية وسيطاً للتعليم، أو الإعلام، أو العدل، أو غير ذلك. وقد يُعرّف المشكل باعتبار تغيير نسق لغوي، أو تعديله بهدف عصرنة المعجم، مثلا، أو النحو أو النطق أو الخطاب. كما قد يتحدّد بالنظر إلى الحاجات المجتمعية، والأهداف السوسيو اقتصادية من نوع نشر معلومات تتصل بقضايا التصنيع أو الفلاحة أو التخطيط العائلي.
فاللغة العربية حاليا تواجه العديد من التحديات أهمها تنافس اللغات الأجنبية، فبعد عصر العولمة أصبحت اللغة الإنجليزية اللغة الأولى التي تنافس العربية حتى بين مستخدميها وأهلها، حيث يقول روبرت كوبر أن الإنجليزية شجرة عملاقة ضخمة تخنق كل الشجيرات الصغيرة التي تنمو بجانبها، بالإضافة إلى ظهور لهجات محلية محكية تستعمل للتداول اليومي وظهور لهجات هجينة كتلك التي ظهرت في الخليج العربي بسبب وجود الخادمات والخدم، كلغة "طاش ما طاش" وهذه اللهجات خلطة من العاميات والعربية واللغات الأجنبية.
كما أن للتحدي العلمي دور في ذلك حيث يزعم الكثيرون أن العربية الفصيحة لا تصلح أن تكون لغة العلم والتكنولوجيا في عصر التفجر المعرفي وعصر الإنترنت القرية الكونية.
كما ستتناول هذه الندوة مواضيع أخرى منها "نحو سياسة وطنية لتعليم اللغات الأجنبية وتوظيفها لخدمة مصالح الدولة والمجتمع" و"اللغة ومشروع النهضة والتنمية الوطنية". للإشارة ستشهد هذه الندوة مشاركة نخبة من الأساتذة والمختصين من مختلف الجامعات الجزائرية ومعاهد الترجمة واللغات الأجنبية ومراكز البحث المتخصصة في اللسانيات وعلوم اللغة والتخطيط التربوي.
العربية والأمن اللغوي
العربية والأمن اللغوي
إعداد : د. فؤاد بوعلي
----------------------------------------------------------------------------
كثر الحديث في هذه الأيام عن الحقوق الثقافية واللغوية للأقليات والشعوب المسماة أصيلة في ظل تساؤلات وإشكالات تطرح على الدولة الوطنية في العالم العربي. وإذا كانت بعض الدول تعاني من تعددية دينية ومذهبية أنتجت في الآونة الأخيرة جملة من الاحتقانات والنزاعات التي تصل أحيانا حد القتال مثل القبطية في مصر والتشيع في اليمن ودول الخليج ، فإن دول الغرب الإسلامي قد احتفظت لنفسها بتعددية لغوية أنتجت خطابا عن الحق اللغوي والحق في بعث تراث عف عنه التاريخ والحق في رفض القادم من شرق المتوسط . وفي كل مرة يثار موضوع العلاقة بين المجتمع والجماعة تثار قضية الحق في الكلام كأحد ركائز الانتماء وأساسا من أسس الوجود الإنساني .
فقد أعلن الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية أنّ:"وجود أقليّة إثنية أو دينية أو لسانية في دولة لا يجب أن يكون خاضعا لقرار من هذه الأخيرة، بل يجب إقامته على أساس مقاييس موضوعية." وقد تمّت صياغة الإعلان العالمي للحقوق اللغوية سنة 1996 ببرشلونة. وهو يكتسي راهنا شكل بروتوكول قُدِّم إلى مختلف حكومات الدول الأعضاء بهيئة الأمم المتّحدة، من خلال المؤسسات الدولية التابعة لها، وأيضا من خلال الجمعيات غير الحكومية المعترف بها من طرف الأمم المتحدة، والتي تعمل من أجل الاعتراف بالحقوق اللغوية واحترامها. وتندرج الحقوق الثقافية واللغوية ضمن الجيل الثالث لحقوق الإنسان، وهي حقوق تعتبر حقا لكل شخص، ليس بوصفه كائنا طبيعيا أو سياسيا لكن بوصفه عضوا في المجتمع. أي أنها حقوق أساسية مثل باقي حقوق الإنسان الأخرى، وبالتالي فهي ضرورية للكرامة البشرية وأحد مستلزماتها.
وقراءة عرضية لهذا الإعلان تثبت الإضافة النوعية التي قام بها في سبيل الحفاظ على الحقوق اللغوية للأقليات والشعوب من خلال حقّ اللغة في الوجود وحق اللغة في البقاء وحقّ اللغة في التطور والنماء. فكل كيان لساني له ـ بقوة القانون والتشريع ـ الحق في الانتقال من مجرد تواصل لهجي بيني فرعي إلى تواصل لغوي جماعي مبدع ومؤسس . {في هذا الإطار يمكن أن نضيف أنّ الدّول عموما تعتبر اللغات المحلية جزءً لا يتجزّأ من تراثها الثقافي. وبالتالي من حقّها أن تحافظ عليها وتطوّرها. كما أنّ المجموعات التي تتكلم هذه اللغات تستشعر حقّها في أن تنال من الدولة الاعتراف والدعم في إطار سياسة لغوية متجانسة}1. والاعتراف بهذا الحق لا يمس الانتماء الوحدوي ولا النسيج الاجتماعي لجماعة الأصل .
بهذا التصور يمكننا أن نقرأ الدعاوى المتكررة التي يعلنها بعض الفاعلين في العمل الجمعوي الأمازيغي عندما ينظرون إلى مسارهم المتصاعد ، من حيث المطالب وليس الوعي بالواقع والزمن ، بكونه صراعا وجوديا ضدا على الزمن العربي القادم ضدا على الهوية الأصلية للشعب الأمازيغي والقضية الأمازيغية . واللغة الأمازيغية ، أو اللغات الأمازيغية إن صح التعبير2، هي رأس المطالب وبعثها من رماد التاريخ هو أس الحركة بأكملها . خاصة بعد تأسيس جمعية الجامعة الصيفية باكادير التي كانت محطة للتنسيق بين الفاعلين في الحقل الأمازيغي في صياغة شعارات محددة من بينها التنوع في الاختلاف والمطالبة بدسترة الأمازيغية كلغة وطنية بالدستور ثم مؤخرا كلغة رسمية وإدماجها في حقل الإعلام والتعليم والإدارات والقضاء. والمتتبع للمسار المطلبي للحركة الأمازيغية يصل إلى أنها قد انتقلت من مجرد الاهتمام الثقافي والحق في الوجود الرسمي إلى البحث عن موقع لها في الدستور الوطني وبعد الدسترة سنصبح ملزمين بإصدار الوثائق بلغات القبائل الأمازيغية وربما في يوم من الأيام يكون لكل دوار لغته الخاصة بناء على مسار تجزيئي تفتيتي تبدو معالمه من شكل النضال الحقوقي الأمازيغي وشعاراته .
فإذا كانت الحقوق اللغوية الجماعية سواء المتعلقة بالمجموعات الإثنية، وهي حقوق طبيعية وثابتة لا يجوز المساس بها، وكمثال على ذلك الحق في إكساب القيمة للغة الإثنية ، أم الحقوق المتعلقة بالمجموعات الوطنية وهي حقوق وضعية ينشئها المجتمع، وبالتالي يمكن أن يلحقها التغيير حسب مشيئة الدولة بالأساس، وكمثال على ذلك حق الدولة في إضفاء صفة اللغة الرسمية على إحدى اللغات أو جميع اللغات الموجودة على ترابها، وأيضا حقها في إدماج لغــة أو لغات أجنبية في البرامج الدراسية، فإن لكل مواطن الحق أولا وقبل كل شيء في الأمن اللغوي. والأمن لا يتعلق بالحرية في اختيار لغة التواصل والإبداع ولكن في احترام الفضاء العام للتواصل اللغوي وتقدير الجانب الوحدوي في الاختيار . فلو تتبعنا المسار الذي أخذته المطالب الأمازيغية في فرض اللغة يقتنع أن الأمر لا يتعلق بحد معين بل بمسار لا ينتهي إلا بحرب لغوية على حد تعبير جون كالفي تزيد من الأزمات التي تحيط بالعربية ودورها الحضاري.
وإنه من الخداع أن نتصور بأن الطفل الذي لا يتعلم بلغته الأم معوّق ومحكوم عليه بالفشل في الدراسة. ولعل المثال المضاد الفاضح هو ما يجري مع عبرية إسرائيل. ففي هذا البابل اللغوي، الذي مصدره الهجرة الكثيفة، نجد لغات أم متعددة، منها العربية والروسية، واللغات الأوروبية، الخ، مع أن العبرية هي لغة المدرسة. ومعلوم أن الاسبانيكوس في الولايات المتحدة قد اختاروا ديمقراطيا تعليم أبنائهم بالإنجليزية. وكيف يمكن للغة مشكوك حتى في رسمها وفي أصلها أن تصبح لغة الإعلام والإدارة والتقنية مادامت التقارير الدولية كتقرير المعرفة 2009 تلح على كون العربية هي المدخل الطبيعي لإنشاء مجتمع المعرفة ؟
لذا سيظل اعتقادنا راسخا أن العربية هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق الأمن اللغوي للمواطن المغربي القائم على التفكير الوحدوي والمشترك الوطني بدل التركيز على الخصوصيات الجهوية والقبلية التي يمكن أن تجد لها مكانا في تعبيرات مختلفة دون أن تمس بالنظام اللغوي للأمة ودون أن ترهن مصير الوطن وثقافته وانسجامه بتجزيئات لغوية وثقافية تحت مسميات شعاراتية كالحق اللغوي والحق في التعبير والحق في الاسم والتسمية .
ولا يتعلق مسمى الأمن اللغوي بتوطين للعربية في فضائها بل بالتركيز على احترامها تداولا وقواعد واستعمالا في مراكز القرار من خلال إجراءات حقيقية تمس الحياة الثقافية للمواطن وتعيد الاعتبار للغته الوطني والرسمية . ولنا في التجربة الفرنسية خير مثال من خلال المناقشات الجارية بالبرلمان الفرنسي حول ضبط الاستعمال العام للغة التي تعد قضية دولة في نظام الجمهورية الخامسة وليست مجرد لغة تواصل عادي . هذا للاعتبار والتبصر . فألا يحق لنا أن نطالب نحن المغاربة بأمن لغوي، على غرار الأمن الروحي المرتكز على وحدة المذهب والعقيدة ، يتأسس على وحدة اللغة العربية واستعماله الملزم في مراكز القرار والإدارة دون إلغاء للتنوع الثقافي واللغوي والإقليمي .
إن احترام قواعد اللغة العربية - والمقصود هنا القواعد الأساسية وليس القواعد الخلافية والفرعية - يجب أن لا يقل أهمية عن احترام قوانين السير وقوانين الأحوال المدنية وقوانين الاستئجار وسائر القوانين النافذة.
هذه دعوة لاحترام الذات وليس إقصاء لمكوناتها.
1 ـ الدكتور عبد الهادي بوطالب الحقوق اللغوية وحق اللغة في الوجود، والبقاء، والتطور والنماء، والوحدة .
2 ـ لنا عودة لهذا المفهوم لكي نثبت أن الأمازيغية هي لغات وليس لعة واحدة وأن ما يؤسس الآن في دهاليز المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية هو لغة افتراضية على حد تعبير الأستاذ محمد الأوراغي
الأمن اللغوي
الأمن اللغوي
المؤلف : صالح بن عبد الله بن حميد
http://www.islamway.com/index.php?iw_s=esc&lang=1&id=1006&written_lesson=&target=1
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



























