الخميس، 14 يوليو، 2016

نحو تنظير لساني وظيفي حديث

لآليتي الاكتساب والتعلم اللغويين

مصطفى عقلي[1]


مقدمة:

من المطامح التي يروم البحث اللساني الوظيفي الحاليُّ بلوغَها: مطمحُ الأجرأة والانفتاح على الحياة السوسيو اقتصادية، والاندماج في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وذلك بتوظيف آلياته وإيوالياته، وتسخيرها لذلك، واستثمار نتائجه في القطاعات أو المجالات الحيوية التي تعتمد اللغة أساسًا لاشتغالها؛ كالترجمة، والتواصل، وتعليم اللغات، والاضطرابات النفسية واللغوية، وغيرها، وهذا بفضل ما أصبح يزخر به من مؤهِّلات، وإمكانيات نظرية وتجريبية، تؤهله لذلك.

من هذا المنطلق، نروم بدورنا، في هذا المقال، الانفتاح على مجال تعليم اللغة وتعلمها، والإسهام في معالجة بعض قضاياه النظرية؛ استنادًا إلى نظرية النحو الوظيفي، باعتبارها نظرية لسانية وظيفية حديثة، أثبتت نجاعتها في مجالات أخرى، وذلك وَفْق المحاور التالية:
علاقة اللسانيات بالبيداغوجيا.
نحو تحديد لساني لمصطلحَي الاكتساب والتعلم.
علاقة الاكتساب بالتعلم من منظور وظيفي.

1- علاقة اللسانيات بالبيداغوجيا:
لا أحد ينكر في عصرنا الراهن العلاقة الوطيدة بين اللسانيات، ومجال تعليم اللغة وتعلمها، ومدى استفادة هذا الحقل من اللسانيات طرقًا، ومناهجَ، وأدواتٍ، وأُطُرًا نظرية؛ فقد أثيرت مشكلات جديدة في حقل تعليم اللغات، ووضعت عدة دراسات عن تعليم اللغة، من خلال ثلاثة مجالات تُعتبر فروعًا للِّسَانِيَّات؛ كاللسانيات العامة التي يتم فيها تدريس التلميذ قواعد تركيب الجمل، ومفردات المُعجَم، وأصوات اللغة، وغير ذلك من مستويات اللغة ومراتبها، وعلم النفس الذي يدرس مسألة اكتساب اللغة وتعلمها، وآليات التحصيل اللغوي الذي يدرس قضية استعمال اللغة، وقواعد التواصل اللغوي[2].

ومنه، فاللسانيات "تُعَدُّ حقلاً مرجعيًّا أساسيًّا، وحاسمًا في البحث الديداكتيكي اللغوي؛ فهي منطلق ومحور أيِّ بحث حول تعليم وتعلم اللغة، ولا ترجع هذه الأهمية إلى هيمنة اللسانيات على ديداكتيك اللغات، بقدر ما ترجع إلى أن النظريات اللسانية تقدِّم للباحث الديداكتيكي إمكانية التفكير والتأمل في مادته وبنياتها، والمناهج التي تحكمها، خصوصًا وأن العديد من النماذج الديداكتيكية، تستند في مجال تعلُّم اللغة على نظريات ومقاربات لسانية"[3].

ومن ثمة، بات التفكير اللساني يمثِّل "جزءًا من الإستراتيجية الديداكتيكية؛ لأنه يمدها بحقل من المفاهيم، وبمنهج التحليل ومنظور التفكير، ويستمد منها في نفس الآنِ بعضًا من فرضياته، ومواضيع اشتغاله، كما أن أسئلة المهتم بديداكتيك اللغات، هي أسئلة في عمقها تستند إلى الأسس الإبيستيمولوجية والميتودولوجية للِّسانيات:
ككيفية اكتساب المتعلم للنسق اللغوي.
علاقة النسق اللغوي بالمحيط الاجتماعي.
كيفية تعلم اللغة: الجملة، النص، الكلمة..."[4].

على هذا الأساس، انفتحت اللسانيات الوظيفية، وخاصة نظرية النحو الوظيفي، على مجال تعليم اللغة وتعلمها، ودعت إلى استثمار آلياتها وإوالياتها ونتائجها؛ قصدَ الإسهام في حل قضايا هذا المجال، وذلك في إطار ما تسميه بالكفاية الإجرائية، وذلك بعدما حققت نتائج مهمة على مستوى التنظير والأجرأة اللغوية، في مجال الاكتساب اللغوي، كما سنرى في المحاور الموالية.

2- نحو تحديد لساني لمصطلحَي الاكتساب والتعلم:
إن أهم ما ينبغي أن يقوم به الباحث، هو أن يحدد مصطلحات بحثه، ويضبطها ضبطًا يلائم تخصصه؛ لأن المصطلح - كما يقول د. الشاهد البوشيخي -: "- كائنًا ما كان - إما واصفٌ لعلم كان، أو ناقل لعلم كائن، أو مؤسس لعلم سيكون"[5]، أو كما يقول د. فريد الأنصاري: "إن المصطلح هو العلم"[6]، وكما يقول د. عبدالله غزلان: "المصطلح أرضية أساسية لكل باحث أو قارئ، لا بد أن ينطلق منها كل واحد، فلا يمكن فهم علم أو فن، إلا إذا عُرِفت مصطلحاته المعرفة الدقيقة، وفي غياب هذه المعرفة يظل العلم أو الفن بعيدًا كل البعد عن هذا الباحث أو القارئ"[7].

ولعل أهمَّ المصطلحات التي كثر الحديث عنها في مجال تعليم اللغات مصطلَحَا الاكتساب والتعلم، فما المقصود بهذين المصطلحين في اللسانيات الحديثة عامة، وفي النحو الوظيفي خاصة؟ وما الفرق بينهما؟

2-1 التصور في اللسانيات التوليدية:
منذ ظهور اللسانيات وهي تهتم - من بين ما تهتم به - بوصف وتفسير آليات اكتساب اللغة وتعلُّمها، فاختلفت النظريات اللسانية حول ذلك، وتعددت الافتراضات، لكن تظل طروحات تشومسكي التوليدية المنطلَقَ الأساس للنظريات التي تعتمد "القدرة" أداةً للوصف والتفسير.

فقد ميَّز تشومسكي في العديد من أبحاثه "تشومسكي 1979 و1980" بين التعلم والاكتساب، واعتبر الاكتساب بمثابة الأساس؛ لأنه يرتبط باللغة الأم، ويتحقق بفضل التفاعل مع المحيط، في حين اعتبر التعلم بمثابة عملية ترتبط باللغة الثانية؛ لذلك افترض أن الطفل يُولَد مزوَّدًا بجهاز ذهني فطري، عبارة عن مَلَكة لُغوية، يمكِّنه من اكتساب اللغة، شرطَ أن يتفاعل تفاعلاً محدَّدًا مع محيطه.

وهذا يعني أن كل طفل - حسب تشومسكي - يمكن أن يكتسب لغة البيئة التي يعيش فيها دون أي نشاط أو مجهود تعليمي واعٍ ومنظَّم؛ وذلك بفضل هَاتِهِ القدرةِ اللغوية الفطرية المزوَّدِ بها منذ ولادته، وأي خلل في هَاتِهِ القدرةِ ينعكس سلبًا على عملية الاكتساب أوَّلاً، ثم عملية التعلم فيما بعد، ومن ثمة؛ فإن المسؤول عن عملية الاكتساب اللغوي الفطرية، وعملية التعلم الواعية، هي القدرة اللغوية التي يمتلكها المتكلم/ المستمع، وعلى أساسها يمكن وصف وتفسير العمليتين معًا؛ أي: الاكتساب والتعلم.

يقول د. الفاسي الفهري، في هذا الإطار:
"دَرَج اللسانيون على تصنيف اللغات إلى لغات أُوَل، ولغات ثوانٍ، على اعتبار أن اللغة الأولى تُكتسَب بدون تلقين، وهي اللغة الأم؛ أي: اللغة التي يلتقطها الطفل في محيطه الأقرب، وهو محيط الأم، دون أن يحتاج في ذلك إلى التمدرس، أو إلى توجيهات معلِّم ملقِّن، وعلى اعتبار أن اللغة الثانية تعتمد أساسًا على التلقين"[8].

من خلال هذا النص، يتضح أن د. الفاسي الفهري، بدوره، يؤكد على أن الاكتساب مرتبط باللغة الأم التي يحتكُّ بها الطفل في بيئته، ومحيطه الأقرب، ويشير إلى "أن الإنسان الأجنبي الذي ترعرع في محيط غير عربي، وفُطِر على لغة غير عربية، لا يمكن أن يكتسب مَلَكة مماثِلةً لملكة العربي في اللغة الفصيحة، مهما بلغ درسه لها، ولو في ظروف مثالية؛ فمَلَكَةُ العربي الفصيح - وإن كانت مكتسَبَة جزئيًّا عن طريق التلقين - لا تُوازيها إلا ملكةُ الفرنسي في اللغة "الراقية" المعيار، أو الإنجليزي في اللغة الإنجليزية المعيار، ولا يمكن أن تقارَن بمَلَكَة الفرنسي في العربية الفصيحة، أو غيره من الأجانب"[9].

مفاد هذا، أن الملَكَة اللغوية التي يكتسبها الإنسان في لغته الأم تظل الأقوى والأنجع، مقارنة مع باقي الملَكَات التي يمكن أن يتعلمها، ولو في ظروف وشروط مماثلة للظروف والشروط التي اكتسب فيها الملَكَة الأولى.

وبناء عليه، نخلُص إلى أن افتراضات كل من تشومسكي والفاسي الفهري، في إطار النظرية التوليدية، تُمَيِّز بين الاكتساب والتعلم؛ بحيث تربط الاكتساب باللغة الأم التي يحتك بها الإنسان في محيطه، وتتم بشكل طبيعي وتلقائي، بينما تربط التعلم باللغة الثانية التي يرغب الإنسان في امتلاكها؛ لذلك تتم بشكل إرادي وشعوري.

يقول "عمر أوكان" في هذا الصدد: "ينبغي التفريق بين الاكتساب اللغوي، وتعليم اللغات، باعتبارهما عمليتين مختلفتين تمامًا؛ فالاكتساب اللغوي هو عملية لا شعورية"؛ أي: تتم بطريقة طبيعية وتلقائية؛ لتنمية الكفاية التواصلية للمتكلم - السامع، دون حاجة إلى تعلم؛ وذلك مثل اكتساب الطفل اللغة الأم في الأسرة والمجتمع، أو مثل اكتساب فردٍ ما اللغةَ الأجنبيةَ في البلد الذي يتحدث أهله تلك اللغة، من خلال التفاعل الاجتماعي، والتواصل اليومي، أما تعليم اللغات، فهو عملية شعورية؛ أي: تتم بطريقة اصطناعية وإرادية؛ لامتلاك معرفة مفردات اللغة وقواعدها؛ وذلك مثل تعلُّم الطفل أو الفرد اللغة الأم أو اللغة الأجنبية داخل المدرسة، عن طريق التعليم، أو مثل: تعلُّم الكبار اللغة الأجنبية في المراكز الثقافية المختصة بتدريسها"[10].

2-2 التصور في اللسانيات الوظيفية "نظرية النحو الوظيفي":
أما في إطار اللسانيات الوظيفية، فقد أحدثت افتراضات سيمون ديك - "ديك 1997/1978" رائد هذا التوجُّه اللساني الحديث - خلخلةً في الطروحات التوليدية السابقة المتعلقة بعمليتي الاكتساب اللغوي وتعليم اللغات؛ بحيث رأى أن وصف وتفسير عمليتَي اكتساب اللغة وتعلمها، يرتبط بمفهوم أوسع وأشمل من مفهوم القدرة اللغوية، الذي اعتمدتْه التوليدية؛ فقد تبنى مفهوم القدرة التواصلية، الذي لا يقتصر على تمكُّن الطفل من اكتساب المعرفة اللغوية فحسْب، بل أيضًا من اكتساب استعمالها في الآنِ ذاته، معنى ذلك، أن الطفل لا يقتصر على اكتساب بِنْية اللغة الأم التي يحتكُّ بها في محيطه؛ أي: القواعد الصرفية والتركيبية والصوتية فقط، بل يكتسب وظيفتها، وسياقات استعمالها الاجتماعية والثقافية، وغيرهما.

يقول د. أحمد المتوكل في هذا الشأن: "يفطر الإنسان على مَلَكة لسانية، تَخُصُّ جنسه، وهي مجموعة من المبادئ تمكِّنه من اكتساب أي لغة من اللغات الطبيعية، من المنظور الوظيفي "ديك 1997" و"المتوكل 2003 و 2006" تتعلق هذه المبادئ العامة لا بِبِنْيات "صرفية - تركيبية" مجردة، بل بِبِنْيَات مرتبطة بالوظائف التواصلية التي تُسخَّر لتأديتها، بتعبير آخر: تمكِّن مبادئ الملكة اللسانية من اكتساب صِيغ الخبر والاستفهام والأمــر وغيرها، وتراكيب الفصل أو شبهه، والتصدير، والزحلقة، على أساس أنها صيغ وتراكيب تؤدي أغراضًا تواصلية معيَّنة، هذه الخلفية الفطرية لا تتيح اكتساب لغة أولى، بمعونة المحيط اللغوي فحسب، بل تمكِّن كذلك من تعلم لغة ثانية، ويتم ذلك عن طريق الانتقال من قدرة لغوية، إلى قدرة لغوية أخرى، في إطار نفس المبادئ العامة، أو من مستوًى لغويٍّ، إلى مستوى لغوي آخر داخل نفس القدرة اللغوية، كما يحصل أثناء تعلم العربية الفصحى مثلاً، مرورًا بإحدى الدوارج"[11].

من خلال ما سبق، يتضح أن الاكتساب عملية تلقائية، يقوم بها الإنسان من خلال ملكته اللسانية الفطرية، التي هي عبارة عن مبادئ عامة، لا تقتصر على البِنْيَات الصرفية التركيبية، بل تتضمن أيضًا ما يتعلق باستعمالها وتداوُلِها، دون إغفال الدور الفعَّال للمحيط اللغوي، وهَاتِهِ العمليةُ التلقائية تمكِّنُ الإنسانَ من اكتساب لغته الأم، لكن إن تعلق الأمرُ بلغة ثانية، فهاته العملية تُصبِح تعلُّمًا لا اكتسابًا.

وبذلك يمكن القول:
إن التعلم عملية واعية، تهدف إلى تمكين الإنسان من لغة ثانية، وذلك بالانتقال من قدرة لغوية مكتسَبَة، إلى قدرة لغوية تُتعَلَّم، أو من مستوى لغوي إلى مستوى لغوي آخر داخل نفس القدرة اللغوية، كما هو الشأن في البلدان العربية عندما تريد تعلُّم اللغة العربية الفصحى، مرورًا بإحدى الدوارج المغربية، أو المصرية، أو السورية، أو غيرها.

لذلك يرى د. أحمد المتوكل - رائد اللسانيات الوظيفية في الوطن العربي - أنه "مما يُنتظَر من النظرية الوظيفية العامة أن تُفرِز نحوًا كُلِّيًّا، يرصد المبادئ الفطرية التي تحكم اكتساب اللغة، ونفترض أن تكون هاتِه المبادئ أساسًا لاكتساب قدرة تشمل - تبعًا للجُرجاني - معرفتين اثنتين: معرفة لغوية صرفًا (معرفة بالوضع اللغوي مُعجمًا وصرفًا وتركيبًا)، ومعرفة خطابية، تمكِّن من إنتاج نمط خطابيٍّ ما وفهْمِهِ"[12].

وفي السياق نفسه، اعتبر د. علي آيت أوشان، مسألة الاكتساب اللغوي إشكالاً من الإشكالات التي عالجها النحو الوظيفي؛ حيث رأى: "أن جهاز الاكتساب اللغوي نسقٌ من المبادئ العامة، التي تمكِّن الطفل من تعلُّم اللغة، وهي مبادئ تتعلق بالوظيفة والبنية، فما يكتسبه الطفل أثناء تعلمه للُّغة ليس معرفة لغوية فحسْب، بل كذلك معرفة القوانين والأعراف المتحكمة في الاستعمال الملائم للُّغة، في مواقف اجتماعية معينة؛ أي: إنه يكتسب نسق اللغة، وفي نفس الوقت: الأعراف التي تضبط استعمال هذا النسق في مواقف تواصلية معيَّنة، من أجل تحقيق أغراض معينة"[13].

معنى هذا، أن النحو الوظيفي يهدف إلى اكتساب الطفل قدرة "لا تؤهله لإنتاج جمل نحوية فقط، بل كذلك لإنتاج هذه الجمل فيما يلائمها من سياقات الاستعمال؛ أي: اكتساب الطفل للقدرة التواصلية، وهي قدرة لا تنحصر في معرفة قواعد اللغة وحسْب، بل إنها تمكِّن الطفل من فهم الأقوال التي يسمعها، والتعبير عن المعنى الذي يريده"[14].

والمقصود بِهَاتِه القدرةِ - في إطار نظرية النحو الوظيفي - هي القدرة التواصلية والملَكَات التي تكوِّنها (الملكة اللغوية، والملكة المعرفية، والملَكَة الاجتماعية، والملكة المنطقية، والملكة الإدراكية)، والجهاز المفترض للتمثيل لها هو "نموذج مستعمل اللغة الطبيعية" المسؤول، تبعًا لذلك، عن وصف عمليتَي الاكتساب اللغوي وتعليم اللغات، وتفسيرهما.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل يمكننا الحديث عن علاقة بين الاكتساب والتعلم؟ وإن وُجِدَت، فما طبيعتها؟ وكيف يمكننا استثمارها لتنمية قدرة مستعمل اللغة المعجمية؟

2-3 علاقة الاكتساب بالتعلم من منظور وظيفي:
تُقِرُّ الدراسات اللسانية الحديثة بأنَّ فهْم عملية تعلم اللغات يتعلق بفهم عملية اكتساب اللغة الأم؛ لأن نسق المعرفة اللغوي - كما يقول د. عز الدين البوشيخي[15] - هو النسق الوحيد المعروف حتى الآن، الذي يمكن تحصيله بطريقتين: طريقة الفطرة؛ أي: الاكتساب، وطريقة التعلم.

لذلك حاولت القدرة، تفسير الكيفية التي تحصل بها هذه المعرفة اللغوية بافتراض جهاز ذهني، عبارة عن ملَكَة لغوية في الاتجاه التوليدي، وعن ملكة تواصلية في الاتجاه الوظيفي، اعتبر المسؤول عن العمليتين معًا؛ بحيث يشتغل في عملية الاكتساب بشكل تلقائي عفوي فطري، ويشتغل في عملية التعلم بشكل قصدي ومُمنهَج.

ومنه، فإنَّ فهم آليات اشتغال هذا الجهاز في عملية التعلم المقصودة، والهادفة إلى تعلم لغة ثانية - يقتضي تفسير اشتغاله في اكتساب اللغة الأم، ومن ثمَّةَ؛ يظل التعلُّم مرتبطًا بالاكتساب، وهذا ما دفع بعض الدراسات اللسانية الحاليَّة إلى اعتبار العلاقة بين التعلم والاكتساب علاقة محاكاة، والمقصود بالمحاكاة هنا هو خلق بيئة لغوية في عملية التعلم تحاكي - ما أمكن - البيئةَ اللغوية الطبيعية التي تُكتسَب فيها اللغة الأم؛ لأنه - كما يرى كريتشن[16] - تعلم اللغة الأجنبية الناجح هو التعلم الذي يقترب من عملية الاكتساب.

وعلى هذا الأساس، فإن تنمية القدرة المعجمية لمستعملي اللغة عن طريق التعلم، ينبغي أن تستفيد أو تنطلق من النتائج التي حققَتْها أحدث النظريات اللسانية المهتمة بالاكتساب اللغوي، وما توصلت إليه في أبحاثها حول القدرة المعجمية، وآليات التخزين والاسترجاع، وطبيعة المادة المخزَّنة، وقواعد الاشتقاق "والإنتاج"... إلخ، ولعل نظرية النحو الوظيفي تظل الأجدر بذلك في نظرنا.

3- خلاصة:
لا يسعنا في نهاية هذا العمل إلا أن ندعو المهتمين بالشأن التربوي، للانفتاح أكثر على النظريات اللسانية عامة، والوظيفية خاصة "نظرية النحو الوظيفي"، والاستفادة من نتائجها النظرية والتجريبية المحققة في مجال الاكتساب اللغوي، واستثمارها في مجال تعليم اللغة وتعلمها؛ بُغْيَةَ الرفع من مستوى التحصيل اللغوي لدى المتعلمين، وتنمية قدرتهم التواصلية التي تمكِّنهم من تعلُّم اللغة بنيةً ووظيفةً.

قائمة المصادر والمراجع:
الأنصاري، فريد: "المصطلح الأصولي عند الشاطبي"، سلسلة الرسائل الجامعية 1، معهد الدراسات المصطلحية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2004.
أوكان، عمر: "اللسانيات وتعليم اللغات"، سلسلة الندوات 2005/15، كلية الآداب، مكناس.
آيت أوشان، علي: "اللسانيات والبيداغوجية - نموذج النحو الوظيفي"، السلسلة البيداغوجية 5 ط1، مطبعة النجاح، البيضاء 1998.
بو دراع، عبدالرحمن: "اللغة بين الخطاب العلمي والخطاب التعليمي"، مجلة الموقف، العدد 8، 1988.
البوشيخي، الشاهد: "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونماذج"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1993.
البوشيخي، عز الدين: "مؤتمر اللغة العربية بين أمجاد الماضي وتحديات المستقبل"، كلية الدراسات الإسلامية، مركز اللغات الدوحة / دولة قطر 27 - 28 فبراير 2011.
غزلان، عبدالله: "اللسانيات الوصفية، وتعليم اللغة العربية"، سلسلة الندوات 14/2002، كلية الآداب، مكناس.
الفاسي الفهري، عبدالقادر: "المعجم العربي نماذج تحليلية جديدة"، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986.
الفرابي، عبداللطيف: "مدخل إلى ديداكتيكا اللغات"، مجلة ديداكتيكا، عدد 2، 1992.
المتوكل، أحمد:
"2003" الوظيفية بين الكلية والنمطية، دار الأمان، الرباط
"2006" المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي: الأصول والامتداد، دار الأمان، الرباط.
"2011" الخطاب الموسّط، نحو مقاربة وظيفية موحَّدة لتحليل النصوص والترجمة وتعليم اللغات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ومنشورات الاختلاف الجزائر، ودار الأمان الرباط.
Krashen, Stephen ( 1982 ): principles and practice in second language acquisition. Pergamon press.
Dik,s.c:
(1978): Functional grammar .Amsterdam: North- Holland.
(1997 a): the theory of Functional grammar. part I : the structure of the
Clause- second revised version Berlin: Mouton de Gruyter.
(1997b) : the theory of Functional Grammar. Part II : Complex and
Derived constructions, Berlin: Moutan de Gruyter.
Chomsky, N.,(1979) : A-propos des structures cognitives et de leur développement : une reponse à piaget . in : P.Palmarini .
Chomsky, N.,(1980b) : Rules and Representetions, Oxford-Bassil Blakwell.


[1] باحث في سلك الدكتوراه، تخصص اللسانيات الوظيفية، أستاذ مادة اللغة العربية - المملكة المغربية.
[2] عبدالرحمن بو دراع: "اللغة بين الخطاب العلمي والخطاب التعليمي"، مجلة الموقف، العدد 8، 1988، ص93.
[3] عبداللطيف الفرابي: "مدخل إلى ديداكتيكا اللغات" مجلة ديداكتيكا، عدد 2، 1992، ص8.
[4] علي آيت أوشان: "اللسانيات والبيداغوجية - نموذج النحو الوظيفي"، السلسلة البيداغوجية 5 ط1، مطبعة النجاح، البيضاء 1998، ص24-25.
[5] الشاهد البوشيخي: "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين - قضايا ونماذج"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1993- ص 7.
[6] فريد الأنصاري: "المصطلح الأصولي عند الشاطبي"، سلسلة الرسائل الجامعية 1، معهد الدراسات المصطلحية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2004، ص 11
[7] عبدالله غزلان: "اللسانيات الوصفية، وتعليم اللغة العربية"، سلسلة الندوات 14/2002، كلية الآداب مكناس.
[8] د. عبدالقادر الفاسي الفهري: "المعجم العربي - نماذج تحليلية جديدة"، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1986، ص20 و21.
[9] المصدر نفسه: ص21 و22.
[10] أوكان، عمر: "اللسانيات وتعليم اللغات"، سلسلة الندوات 2005/15، كلية الآداب، مكناس، ص68.
[11] د. أحمد المتوكل: "الخطاب الموسّط، نحو مقاربة وظيفية موحّدة لتحليل النصوص والترجمة وتعليم اللغات"، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ومنشورات الاختلاف الجزائر، ودار الأمان الرباط، 2011، ص45.
[12] المرجع نفسه: ص 56.
[13] آيت أوشان، علي: "اللسانيات والبيداغوجية - نموذج النحو الوظيفي"، السلسلة البيداغوجية 5 ط1، مطبعة النجاح، البيضاء 1998، ص: 42-43.
[14] ن.م.
[15] د. البوشيخي، عز الدين: "مؤتمر اللغة العربية بين أمجاد الماضي وتحديات المستقبل" كلية الدراسات الإسلامية، مركز اللغات الدوحة / دولة قطر 27 - 28 فبراير 2011.
[16] Krashen, Stephen (1982): principles and practice in second language acquisition. Pergamon press.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق