الجمعة، 15 أبريل 2022

 

الثقافة الجزائرية بعيون ألمانية

I.مقدمة:

Culture_algérienneصدر كتاب”الجزائر في مؤلفات الرحّالين الألمان (1830-1855)”، للأكاديمي الجزائري دودو أبو العيد، سنة 1975، وقدّم فيه المؤلف صوراً متعددة للجزائر كما جاءت في بعض مؤلفات الرحّالين الألمان في الفترة الممتدة بين سنة 1830، وهو العام الذي احتلت فيه فرنسا الجزائر، وسنة 1855.

عرفت الجزائر قبل سنة 1830 عدداً كبيراً من الأسرى الأوربيين، كما قام بزيارتها مجموعة من الرحّالين والكتّاب والعلماء والشعراء، الذين أصدروا كتباً على شكل رحلات أو رسائل أو مذكرات عن الجزائر ضمّنوها تجاربهم الشخصية وعلاقاتهم بأهلها ومواقفهم من قضايا المجتمع الأجنبي عنهم، كما وصفوا تقاليد البلد وعاداته في المدن والأرياف. قام المؤلّف بدراسة مجموعة من النصوص التي اختارها بعناية وعرض أهم ما ورد فيها بغرض تحديد ملامح الشخصية الوطنية من خلال ما كتبه هؤلاء الرحّالة الألمان في الفترة المحدّدة.

اهتمّ الألمان بالجزائر أول الأمر بترجمة ما كتبه مؤلفون أجانب، مثل كتاب الرحّالة الانجليزي توماس شو “رحلة من ولاية الجزائر” سنة 1765، وكتاب الشاعر الايطالي فيليو بنانتي “رحلة إلى سواحل البرابرة” عام 1824، وهي كتابات اهتمت أساساً بمسألة الأسرى التي اتخذتها أوروبا ذريعة للاعتداء المتكرر على شواطئ شمال إفريقيا. ويقول المؤلّف إن جلّ ما كتبه الألمان كان دليلاً للمستوطنين الأوروبيين إلى المستعمرة الجزائرية الخاضعة للاحتلال الفرنسي. فهم في الأغلب لهم رغبة في الهجرة إلى” المستعمرة الجديدة الرّائعة” كما وصفها أحدهم. وكان أغلبهم يشاركون الغزاة في عواطف الحقد على الشعب الجزائري تحت شعار”الدين والتضامن الأوربي”.

II.الرحّالة الألمان والجزائر:

أصدر فيلهيلم شيمبر )Wilhelm Schimper1804-1878[1]، وهو عالم نباتات ورحّالة باحث، كتابه بعنوان “رحلة فيلهيلم شيمبر إلى الجزائر في سنتي 1831 و1832“، والذي تم  طبعه في شتوتغارت عام 1834، على إثر قيام شيمبر برحلة إلى الجزائر لجمع النباتات بتكليف من الجمعية النباتية.

أول وصف قدّمه شيمبر عن الجزائر، كان من خلال مقارنته بين سلوك الحمّالة في ميناء المدينة وتعاونهم مع بعضهم، وسلوك الحمّالة في موانئ أوروبا الذين وصفهم بالجشع والغدر. وزار عالم الطبيعيات موريتس فاغنرMoritz Wagner الجزائر لمدة قصيرة سنة 1835، ثم عاد إليها مرة أخرى في أكتوبر 1835 كمراقب وجامع لعناصر الطبيعة، محمّلاً بتوصيات من باريس. وألف فاغنر كتاباً عن الجزائر سمّاه “رحلات في ولاية الجزائر في سنوات 1831،1837 و1838“، بدأ فيه بوصف ميناء الجزائر، فذكر أن وصول السفن إلى الميناء يعد عيداً بالنسبة للأهالي. ويتكون العمّال الجزائريون من العرب والزنوج والبِسَكريين الذين يصفهم بالبخل، ويقول إن اسم الجزائر معناه “الغزاة”، وهو اسم يوحي بالبطولة والقوّة، ولأنها أخضعت المسيحيين. أمّا شيمبر فيقول إن العاصمة سميت باسم الجزائر، لأن سهل متيجة تغمره الفيضانات في فصل الشتاء وتحيله إلى بحيرة كبيرة. ويقدر عدد سكّانها  بمائة ألف نسمة، وعدد بناياتها بخمسة عشر ألف، أمّا اللغات المستعملة بها فهي العربية والاسبانية والفرنسية والايطالية والألمانية والانجليزية والهولندية ولغات أخرى. وكان شيمبر يكلّف جارته الاسبانية بالذهاب إلى داخل بيوت الجزائريين لتعد له تقارير عن حياة الأسر وتصف له فيها ما يجري داخل البيوت، وقد مدح الأسرة الجزائرية ووصفها بأنها سعيدة رغم أنه عاب عليها العادة المتبعة التي تجعل من المرأة سجينة، حسب زعمه.

وعن التعليم في الجزائر، يشير شيمبر إلى أن الآباء يرسلون أبناءهم إلى المدارس في سن السادسة، ليحفظوا القرآن ويتعلموا الحساب والعلوم، ثم يواصلون دراستهم عند العلماء أو الفقهاء، أو يسافرون إلى مصر أو إلى تونس، أو إلى أوروبا ليدرسوا الطب. ويتّفق شيمبر مع ما قاله بفايفر بأن الطب يكاد يكون غير معروف في البلاد، فلا يوجد سوى طبيب واحد هو في نفس الوقت صيدلاني. ويقول إن الجزائريين يتحدّثون الفرنسية بطلاقة وقلّما يوجد عربي واحد في الجزائر لا يعرف القراءة والكتابة، وهم مثقفون ومتدينون، على عكس شعوب جنوب أوروبا التي قلما وجد فيها الرحّالة من يعرف القراءة والكتابة. ويقول فاغنر إن العاصمة تتكون من حي الأوربيين وحي العرب، وفيها مدرسة يتعلّم فيها التلاميذ الفرنسية والعربية، ومكتبة تحتوي على حوالي 600 كتاب، كما تتكون المدينة من الحضر واليهود وأجناس أخرى مختلفة من أهل البلاد. ويؤكد فاغنر ما ذهب إليه شيمبر من أن الفرنسيين هدموا الكثير من المساجد، وجعلت مساجد أخرى مخازن للتبن أو ثكنة عسكرية أو مسرحاً. يقول فاغنر: “هكذا اعتدت فرنسا على حرمات المسلمين، وذلك ما لن يغفره لهم الجزائريون ولن ينسوه أبداً”. كما احتج فاغنر على قيام فرنسا بجرح مشاعر المسلمين، وذلك بفتحها للقبور والأضرحة الجميلة بحثاً عن الكنوز والآثار الجميلة وإمعانا في إذلال الشعب الجزائري. ويتعجّب فاغنر كيف استطاع هذا الشعب أن يتعدى على قداسة الآثار القديمة كأعمدة المعابد المرمرية ونزع نقوشها. وانتقل الرحّالة فاغنر إلى وصف الحرب، كما أبدى فاغنر أيضاً إنسانية كبيرة تجاه نفائس الكتب التي سلبها الفرنسيون، وذكّره ذلك بما فعله الفرنسيون بكتب شيللر في ألمانيا، كما أن الكتب بالجزائر نادرة، ولهذا فهي نفيسة، وقلّما تجد عند العائلة أكثر من كتاب واحد. إلا أن المؤلف يقول إن فاغنر أبدى إنسانية كبيرة بخصوص الآثار والأشجار، بينما سخر من الموتى حيث استيقظت في نفسه نعرة التعصب الأوروبي.  وكان شيمبر قد تطرّق في كتابه إلى المساجد، وقال إن أروع مسجد في الجزائر قد تم هدمه لتقام مقامه ساحة للاجتماعات، كما أصبحت الكثير من المساجد مخازن للتبن أو بنايات عسكرية. كما قام الفرنسيون بهدم العديد من الأضرحة العزيزة على قلوب الجزائريين. ويدعو في نهاية كتابه الى احترام قوانين الجزائريين ومعتقداتهم ليتمكن الأوروبيون من كسب ثقتهم.

يذكر الرحّالة شيمبر بأن الجزائر مليئة بالمقاهي، إلا أن الخمول لم يتسرّب بعد إلى طبيعة الجزائريين، ويستمتع العرب في المقهى بسماع الموسيقى والأغاني العربية. ويصفهم بأنهم غير متعصبين، ودليله على ذلك أنهم أعاروه ثيابهم وأدخلوه مساجدهم والتفوا حوله وتحدّثوا معه وسلّموا عليه. ويصف رجالهم بالشجاعة في الحروب، إلا أن تفرقهم وصراعاتهم الداخلية تجعل الفرنسيين يتفوقون عليهم. ويتحدّث الرّحالة فاغنر عن كثرة المقاهي التي وصلت إلى ستين مقهى عربياً، يتعلّم فيه الأجانب العربية، ويستمعون فيه إلى الموسيقى العربية. وتجمع المقهى بين كل الأجناس، الشريف والوضيع، العربي المسلم والمسيحي واليهودي والأوروبي والإفريقي. وينصح فاغنر الأجانب بزيارة المقاهي العربية، التي يعتبرها أماكن تتيح الفرصة لهم للتعرف على الشعب ويتعلم لغته والتعابير الشعبية. ويأسف فاغنر لأن الفرنسيين قضوا على جانب كبير من أصالة المقاهي العربية الشرقية، حيث أقام الفرنسيون مكانها بنايات على الطراز الفرنسي. ويقع أجمل مقهى عربي في شارع البحرية، أما أكثر المقاهي العربية روّاداً في شارع الديوان قرب الكنيسة الكاثوليكية. كما تقع المقهى اليوناني قرب القصبة، لكن هذه المقهى تتمتع بسمعة غير طيبة. ويشير فاغنر إلى حفلة القرقوز التي تقام في أيّام رمضان في المقهى، والتي يعمل فيها القرقوز على مقارعة الجنود الفرنسيين في رمزية واضحة لمقاومة الأرياف للوجود الأجنبي، مما جعل فرنسا تعمد إلى منع إقامة هذا النوع من الحفلات سنة.

يصف شيمبر المستوطنين الأوربيين بأنهم مرتزقة وأشرار جشعون ومنهارون خلقيّاً. والتجّار الأوربيين لا أخلاق لهم وأنذلهم التجّار اليهود الذين يصف محلّاتهم بالقذارة عكس محلّات العرب النظيفة والمنظمة. ويستنتج المؤلف بأن شيمبر تحدّث عن أوضاع الجزائريين بعد الاحتلال من وجهة إنسانية، وكشف النقاب عن جرائم الغزاة، لكنه لم يعترض صراحة على احتلال الجزائر، رغم تحذيره لأبناء وطنه من الهجرة إليها حتى لا يشاركوا الأوربيين فظائعهم ويصبحون أعداءً لشعب لم يسبق له أن أساء إليهم.

وفي كتابه “تاريخ احتلال الجزائر من طرف الفرنسيين سنة 1830” الذي نشره في يلمناو عام 1832، تحدّث الرحّالة فينكلمان عن تاريخ الجزائر قبل احتلاله من طرف فرنسا، وعن تاريخها أثناء الاحتلال معتمدًا على ما كتبه بفايفر. وعلى عكس شيمبر الذي حذّر مواطنيه من السفر إلى الجزائر، يلاحظ المؤلف بأن فنكلمان يلح على مواطنيه في السفر إلى الجزائر التي سحرته طبيعتها، وموقعها الجغرافي، لأنها مستعمرة رائعة بالنسبة للألمان. وقد دعّم مشروعه هذا زميله ماكس ماريا فرايهير فون فيبر الذي نشر سنة 1854 كتاباً يشرح فيه مسالك الهجرة إلى الجزائر. وركّز فنكلمان على البحث في مدى خصوبة أرض الجزائر ومدى تنوع منتجاتها الزراعية. ويشرح للقارئ الألماني زيادة في التشويق وجود مناطق خصبة مهملة في قسطنطينة وعنابة والجزائر.وقام بعقد مقارنة بين أمريكا والبرازيل التي يجد فيها المهاجر الألماني نفسه غريباً بينهم ومنبوذاً، أما في الجزائر، فالألمان تحت رعاية الفرنسيين الذين لا يسمحون للجزائري أن يعلو فوق رأس المستعمرين. ويستنتج المؤلف بأن فنكلمان يهمه بالأساس أن يعيش مواطنوه في بلاد تمنح الأرض منحاً.

أما هيرمان هاوف وباشتراك مع ادوارد فيدرمان، فقد أصدر كتابًا صغير الحجم سنة 1835، بشتوتغارت، بعنوان”الجزائر كما هي”، وركّز المؤلف في دراسته لهذا النص على مقدمة الكتاب. في هذه المقدمة لا يبدي الرحّالة إعجابه بغزو فرنسا للجزائر، هذا البلد الذي أرعب الشعوب التجارية في عرض البحر الأبيض المتوسط، لكن فرنسا تمكنت من احتلال هذه المنطقة التي يصفها الرحّالة بالجميلة. ويشكك الرحّالة في نوايا فرنسا الاستعمارية فيقول إن هدف حملتها على الجزائر لم تكن فقط وضع نهاية للقرصنة، بل ان هذه الحملة بدت في ظاهرها “عملاً إنسانياً وحضاريّاً”، وفي باطنها تغذية للأطماع الشخصية البحثة. ويقول الرحّالة بأن الجزائريين ظنوا أنهم بطردهم للأتراك سيصبح في مقدورهم أن يرفعوا رؤوسهم، غير أن فرنسا سرعان ما طلبت منهم الخضوع لها أيضاً. وقد عاود الجزائريون الحميم إلى العهد التركي الذي كان الأنسب لهم ولهذا دفع بهم حنينهم إلى الهجرة الى الشرق للالتحاق بالأتراك هناك، لكن المؤلف يقول ان الرحّالة هاوف أخطأ في رأيه هذا، فهجرة الجزائريين إلى الشرق كانت بسبب افتقادهم للتجربة ولتدنيس الفرنسيين لأرضهم وليس بسبب الحنين للأتراك. وبالنسبة للمؤلف، تتجلى أهمية هذا الكتاب في أن الرحّالة هو الوحيد تقريباً الذي ناقش مسألة الأسباب التي ساقتها فرنسا لتبرير احتلالها للجزائر.

اما عالم الطبيعيات موريتس فاغنرMoritz Wagner فيتكون كتابه المذكور أعلاه من ثلاثة أجزاء وصف في الجزء الأول مدينة الجزائر والمدن الأخرى التي زارها، وفي الجزء الثاني تحدّث عن تاريخ الاحتلال والمعارك التي حضرها، وخصّص الجزء الثالث للحديث عن المجموعة الحيوانية الجزائرية، وساعده أخوه رودولف في كتابة الجزء الثالث. وينتقد الرحّالة فاغنر في مقدمة كتابه الرحّالة كامبل الذي يقول عنه إنه شاعر ناجح ورحّالة فاشل، ووصف رسائله بأنها عبارة عن انطباعات سائح عادية، كما وصف الأمير بوكلر موسكاو بدقة الملاحظة وظرافة النكتة لكنه لم ينجح في فهم حياة الجزائريين وكتابه سطحي. ويقول المؤلف إن فاغنر على حقّ، فكتاب بوكلار موسكاو “سيميلسو في إفريقيا” لا يحتوي على معلومات جديرة بالاهتمام، وقد اهتم الأمير أكثر بالتنوع الطبيعي في الجزائر، كما نقل بعض الرسائل التي من بينها رسالة الأمير عبد القادر الى الجنرال الفرنسي الذي يهدده فيها بالحرب، حيث يحذره الأمير عبد القادر بأن البدوي “لا صنعة له غير الحرب وأنه في انتظار مرتزقته في أي وقت كان”. ويدافع العسكري الألماني كارل ديكر عن فاغنر الذي أهدى كتابه إلى ولي عهد فرنسا، ويصف كتابه بأنه أحسن كتاب ألماني وضع عن الجزائر حتى سنة صدور كتابه هو سنة 1844. وقام في نهاية كتابه بإيراد ترجمة مختصرة لشخصيات جزائرية مثل أحمد باي وفرحات بن سعيد والميلود بن عراش، وأطول هذه الترجمات هي ترجمة الأمير.لكن المؤلف يقول بأن كتاب فاغنر لا يخلو من تعصّب للفرنسيين حيث استعمل أوصافهم ضد الجزائريين الذين كانت له علاقة متينة معهم، فوصف الجزائريين بالهمجيين رغم أن رجال الأمير ساعدوه في أداء مهامه البحثية أكثر من مرّة.

III.أوجه أخرى للجزائر:

يعترف فاغنر بأن توصيات المسئولين لا تنفع مع العرب الذين يرون في كل الأجانب جواسيس لفرنسا، وهم لا يثقون في أحد، وهو نفسه شعر بالخوف من أحد مرافقيه فقط لأنه أدّى الصلاة. وينقل فاغنر في كتابه مقابلة بين الجنرال بيجو والأمير عبد القادر، والتي نقلها الرحّالة عن النقيب السويسري فون مورالت. ويقول المؤلف إن الاطلاع على هذه المقابلة من مصادر أخرى يجنب القارئ المغالطات التي وقعت فيها الرواية الفرنسية لقصة اللقاء. وكان مالتسان المستشرق الألماني والرحّالة قد زار الأمير مرات عديدة، ونقل عنه حبّه لنابليون:”السلطان نابليون رجل الفرنسيون الآخرون كلاب”. ويقدم فاغنر هنا ترجمة مطوّلة عن الأمير عبد القادر، الذي وصفه بالقوة والفروسية والشجاعة والتدين والورع، وكان قد أجاب على رسالة تهديد من المارشال كلوزيل بعد الاستيلاء على تلمسان، قائلًا:”…فإذا كان السمك صاحب البحر، فان العربي سيظل كذلك صاحب البادية”.

ويقدم المؤلف الصور التي نقلها فاغنر في كتبه الثلاثة عن المجتمع الجزائري، فعن القضاء، يتحدث الرحّالة عن المحكمة العسكرية الفرنسية ثم المحكمة الشرعية الإسلامية التي تتشكل من قاض مالكي وقاض حنفي. ويصف فاغنر الشعور الإنساني بالعميق والقوي لفرنسا التي حاولت منع عقوبة الفلقة التي يفضلها الجزائريون على السجن. وهو تصور يدل على مدى ثقافة فرنسا، لكن الجزائري يحس بالعار إذا دخل السجن، لكن الفلقة لا تشعره به.

ويقارن فاغنر أسواق الجزائر الصغيرة والفقيرة بأسواق بغداد والقسطنطينة وطهران الكبيرة. ويكتري التاجر الأجنبي أو الجزائري واليهودي في السوق محلاً يعرض فيه تجارته، لكن التجارة لم تكن يوماً مربحة أو مزدهرة في الجزائر. أما دكاكين التجار المحليين فهي أكثر بؤساً. وبضائعها على العموم عبارة عن منتجات يدوية ومحلية. فقد قضى الفرنسيون على الأسواق الجميلة وأقاموا مكانها دكاكين ومخازن أوربية. إضافة إلى الروائح والعطور والمصنوعات القطنية، وهي مصنوعات لا تضاهي جمال البضائع الأوربية. وتتكون سلع العرب من محافظ النقود والعطور والمصنوعات الحريرية المصنوعة يدويّاً.

يقول  فاغنر إن عدد المساجد بالعاصمة 39 مسجدًا، وتكون مكتظة بالمصلين. وكان فاغنر يحضر الصلاة، ويبرر سلوكه هذا “بالفضول، تلك الرغبة الخاصة بنا نحن الألمان في مشاهدة المناظر الغامضة”، وكانت صلاة الجماعة التي يشارك فيها غامضة بالنسبة إليه. وعلى عكس ماقاله جل الرحّالة، فان فاغنر يقول إن المسلمين لا يمنعون أحداً من دخول مساجدهم.

ويعلن الجزائريون عن بدء شهر رمضان بإطلاق 100 طلقة من مدفع كبير. ويحرص الجزائريون على سماع الموسيقى في الليل  والكسكس بالزيت مع اللحم المقلي والفواكه، بعدها ينصرفون إلى مشاهدة العروض الهزلية أو المسرح الشعبي القرقوز ويشبه ما يحدث في القرقوز بما يحدث في مسرح العرائس الألماني، حيث تتصارع الشخصيات فيما بينها من البداية إلى النهاية. وتحتوي العروض على مشاهد وألفاظ خادشة للحياء، يعتبرها الرحّالة سبباً من الأسباب التي أدت إلى انهيار هذا الشعب الجزائري. وقد شجعته الحكومة الفرنسية.

وتسود البهجة الشعب الجزائري في العيد الصغير، ويؤكد الرحّالة أن سيادة شعب غريب لم ينقص من أفراح هذا الشعب. ويكون الشعب الجزائري أكثر تطرفاً في رمضان وأثناء المناسبات الدينية، لهذا لا يغادر القناصلة وأتباعهم واليهود منازلهم حتى لا يتعرضوا إلى المعاكسات والإهانات ضدهم.

ويصف النساء الجزائريات بالمحجبات، والأكلة الرئيسية في الأعراس خروف مشوي يقطع ويوزع على الحاضرين، بعد أن يدخنوا ويشربوا القهوة ويأكلوا قصعة كبيرة من الطعام. ويذكر أهمية الخاطبات في الجزائر اللواتي لهن حرية التحرك تماماً مثل الرجل. ويقول فاغنر إن المسلم له الحق في الزواج من أربع نساء إضافة إلى الإماء، إلا أن الجزائر ليس فيها أحد يملك حريمًا حقيقياً، وهناك عدد قليل من الحضر له أكثر من زوجة. وكان فاغنر يسخر من الموسيقى العربية ومن حركات الرقص، ولا يفوت فرصة إلا ويصف فيها رقصاتهم بأنها حركات رتيبة ليس فيها حد من الجمال والإبداع.

في كتابه “صور شمسية جزائرية” الذي نشره شترال في مدينة فيينا في 1842، نشر الرحّالة النمساوي قصصاً وحكايات عن الجزائر، واتسم أسلوبه بالتوجه الرومانسي الذي ظهر في ذلك الوقت، كما صور بعض الشخصيات الجزائرية والأجنبية. ويقع كتابه في أربعة أقسام؛ ويحتوي القسم الأول على القصص التالية: انتقام الحضري، والتي تحكي غيرة الرجل الشرقي على نساءه ونتائج التصورات الخيالية عند الغربيين الذين يعلمون بعالم ألف ليلة وليلة. وقصة المعمر المخدوع، الذي تعرض للنصب والاحتيال، وقصة مغامرة خطيرة.

ويحتوي القسم الثاني مجموعة من القصص، مثل قصة الساحرن وقصة صيد الضباع في نواحي الجزائر، وقصص في حسن الضيافة، وقصة اليهود في إفريقيا التي تصور لنا علاقات اليهود بسلطة الباي في تونس والداي بالجزائر وبايات وهران، خاصة معاملاتهم التجارية.

ويضم القسم الثالث من هذا الكتاب نبذة عن تاريخ الجزائر، ثم ينتقل إلى موضوع النباتات بالجزائر، التي يصفها بمملكة النباتات،”ويمجد المؤلف في مقاله هذا خصوبة الجزائر وما تقدمه لأهاليها من خير ونعمة وعطاء. ثم يحاول المؤلف إعطاء صورة عن الخدمات والصناعات المحلية والتحولات التي شهدتها بفعل احتكاك البلاد بالدخيل الأجنبي، من ذلك أنه” لا يوجد من يفوق الجزائري في تعاطيه للنبيذ، فهو لا ينقطع عن تناول الخمر إلا عندما يفقد الشرارة الأخيرة من وعيه”. ويرسم صورة لبنايات الجزائر الجديدة وشوارعها التي “تجعل الإنسان يشعر بأنه يعيش في مدينة أوروبية ومنجزاتها بعد ثمان سنوات من الاحتلال”.

ويصف شترال حماماً حضرياً، وبعض مظاهر المرأة الجزائرية، وخروجها لحضور الحفلات الدينية يوم الأربعاء، أو لزيارة قبور الأولياء، وجوانب أخرى من شخصية المرأة العربية. ويعود شترال إلى تمجيد الطبيعة الجزائرية، فيصور سهل متيجة حزاماً فاخراً وبساطاً أخضر مزدهر بالعمران. ويصف الرحّالة قبر الرّومية، وهو ضريح له أسطورة معروفة في البلاد.

وفي القسم الرابع والأخير يصف المؤلف بعض المدن الجزائرية، ويذكر بتاريخها وآثارها. ويقول المؤلف إن الرحّالة قدم آراءه حول الجزائر بشكل عام، ولكنه قدم أفكاراً خاطئة كغيره، وقد يرجع ذلك إلى تأثره بالأفكار النمطية التي كانت تنشرها الدعاية الاستعمارية، أو إلى سطحية بعض ملاحظاته عن البلاد ونفسية سكانها.

وألّف الضابط كليمانس لامبينغ الألماني الذي التحق بالفرقة الأجنبية بالجزائر سنة 1839 قبل أن يعود إلى وطنه، كتابا بعنوان “ذكريات من الجزائر” نشره سنة 1844 بمدينة أولدنبيرغ. واهتم الرحّالة بعلاقاته بالمواطنين حيث جلس في المقاهي العربية بالقليعة ووصف سكّانها بالعرب الأصلاء، ولم يجد ألطف ولا أكثر إنسانية منهم في الجزائر ووهران. ويذكر بأن اختلاط السكان الأصليين بالفرنسيين قضى على بعض طبائعهم الحميدة. ويذكر بأن الإسبانية منتشرة بكثرة. وطبيعة العربي في نظره متناقضة، تجمع بين الشدة والحلم، القسوة والشهامة، الجشع والكرمز وعلى الإنسان إذن ألا يخضع هذه الطبائع لمقاييس أوروبية خاصة.

ويصف العرب بأنهم محبون للشعر والموسيقى، ولا يخلو مقهى واحد من مغن وقصّاص، مثل الصوفي الملقب بالحافظ الذي ينشد عن الأندلس وبطولات عبد الرحمان الداخل وعظمة قرطبة. ويصف شجاعة العربي حين يقارن بين الأمير عبد القادر في شجاعته وانتصاراته وخطره على الفرنسيين بيوغرطة الذي يعد في ذاكرة الشعب الجزائري رمزاً لمكافحة الاستعمار، ويبدي تخوفه من أن يتعرض الأمير لما تعرض له يوغرطة من خيانة من أتباعه.

ووضع لودفيغ بوفري كتاباً بعنوان “مستقبل الجزائر في ظل السيادة الفرنسية” نشره سنة 1855 ببرلين. وأهداه إلى نابليون الثالث “إعجاباً بالحضارة الجديدة التي دخلت إفريقيا بفضل الفكر الجبّار الذي يهب من فرنسا… وحلّت محل الحضارة القديمة..”، في زعمه. ويصف الأمير عبد القادر تماماً كمن سبقه بيوغرطة، ويصفه بالبطل ويقول: “إن العقل الشرقي الذي يمتاز بخياله وشاعريته يحمل الشرقيين، وخصوصاً العرب، على تخليد أعمال أبطالهم وانتزاعها من الماضي”، وأن ذلك كفيل بتخليد بطولته، ما بقيت اللغة العربية حية خالدة وما بقي العرب يحتلون مكانهم بين أمم الكرة الأرضية.

ويؤكد المؤلف أن الشعر الشعبي في الواقع ليس غريباً عن المواطنين، فكل إنسان منهم شاعر بالفطرة، وأشعارهم مرتجلة لكنهم يحفظون أيضاً أشعاراً عن الأجداد. ويدندن النساء بأغاني أثناء قيامهن بأعمال البيت، وهي مقاطع تلقي الضوء على خلق المرأة العربية، ويقول الرحّالة إن في بعض أغانيهم رنّة هجائية تفضح عيوب أرفع الناس قدراً لديهم بطريقة هزيلة. ويورد بعض هذه الأشعار التي يرى أهميتها في أنها تلقي الضوء على حياة العرب العائلية والنسائية. ويقول: “إن الإنسان حين ينظر إلى الأوضاع التي تعيش فيها الجزائر…، يظن أن سكانها أبعد الناس عن الشعر، ولكن الواقع خلاف ذلك.” ويقترح جمع هذا النتاج الشعري ونشره بين الناس نظراً لأهميته وخطورته.

IV.استنتاجات:

يقول المؤلف إن غاية هؤلاء الرحّالة بتأليفهم لهذه الكتب هي في أغلب الأحيان الدسّ والتشويه، لأن مصالحهم اقتضت دائمًا قطع كل صلة تربط الجزائر بماضي الأجداد. ويحدّد المؤلف مهمته من خلال هذا العمل في المشاركة في إعادة كتابة تاريخ بلاده بما أنه يتقن اللغة الألمانية، وتتم مشاركته في نظره عن طريق عرض النصوص المكتوبة بهذه اللغة وتقديمها للمؤرخين المتخصصين لتقويمها ومقارنتها مع نصوص أخرى وفحص مدى صحّتها وموافقتها للوقائع التاريخية.

نقل إلينا الرحّالة الألمان في مؤلفاتهم التي نتجت عن معاينة مباشرة وباطلاع على ما كتبه الأوربيون أو مواطنوهم الألمان الذين سبقوهم الى الجزائر، صوراً عن العادات والتقاليد والآثار والشواهد الدينية مثل المساجد. وتفتح هذه التفاصيل الدقيقة التي نقلها إلينا المؤلفون الألمان أمام الدارس مجالاً كبيراً لدراسة نفسية الشعب والتطورات التي تطرأ عليه، وتساعد على تفسير بعض التصرفات المعينة في ظروف معينة، إضافة إلى أنها تربط حاضرنا بماضينا وتكون جزءاً من تكويننا الخلقي وشخصيتنا القومية. وينقل لنا المؤلف الألماني أيضاً مشاعره نحو الجزائر والتي تتراوح بين الإعجاب والخوف والحقد، أو كل هذه الأحاسيس مجتمعة. وهي مشاعر تساعدنا أيضاً على فك شفرة نظرة هؤلاء تجاه الجزائر كمواقف تاريخية وسجل لتاريخ البلاد. وركّز المؤلف كثيراً في كتابه على موريتس فاغنر الذي قدّم لنا معلومات علمية مفصّلة عن البلاد وجغرافيته وإثنياته وتاريخه.

ولا شكّ أن سنة 1830 ستكون أيضاً نقطة تحوّل كبيرة في نظرة الرحّالة الأوروبيين عمومًا والألمان على الخصوص الى تونس، وهذا ما سنراه في عرضنا لكتاب الأكاديمي التونسي منير فندري “الانسان المثقف في البربري الأجنبي، الرحّالة الألمان في تونس القرن التاسع عشر”.

 

مراجع:

أبو العيد، دودو: الجزائر في مؤلفات الرحّالين الألمان 1830- 1855، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1975.

Georg Heinrich Wilhelm Schimper,„Reise nach Algier 1831–1832“ (Stuttgart 1834).

Moritz Wagner , Reisen in der Regentschaft Algier in den Jahren 1836, 1837 und 1838. 3 Bde. Leipzig (1841).

Nebian Slimane Rafik, Deutsche Reiseliteratur über Algerien von 1830  bis 1871. Leipzig, 1979.

[1] Georg Heinrich Wilhelm Schimper„Reise nach Algier 1831–1832“ (Stuttgart 1834).

 

معجم الجائحة: التنوع المصطلحي وترجمته

سأل أحد المريدين شيخه ابن سينا: لماذا لا تكتب إلا بالعربية وأنت تتقن ألسنة أخرى عديدة من بينها الفارسية؟ فكان جوابه كالآتي: “أحب العربية وأكتب بها، لأن علوم الأوائل ترجمت إليها، واستقر فيها الاصطلاح”.

تسير هذه المساهمة في اتجاه تبيان قدرة اللغة العربية على تشييد منظومة اصطلاحية متكاملة في شتى العلوم والمعارف. وفي سياق موضوعنا. نطرح السؤال: إلى أي مدى تكون بنية العربية قابلة لاحتواء المتغيرات التي يفرضها تطور المعجم في صلته بالمستجدات العلمية والاجتماعية وغيرها؟

باغت فيروس كورونا العالم بجبروت متعدد الرؤوس، جبروت تاجي ينسجم مع اسمه وصفاته فغير السلوكات والقوانين والأعراف وأنماط التواصل. لم يكتف الفيروس التاجي بذلك فاخترق منظومة اللغة في أبعادها التواصلية والمعجمية والعلمية والاجتماعية.

من نافل القول الـتأكيد على أن أنظمة التواصل والتعبير هي أول ما يمس الإنسان والمجتمع في لحظات التحول والأزمات. ولأن الذهن البشري قادر على إنتاج عدد غير محدود من التعابير الاصطلاحية والاستعارات والكنايات وأشكال لا حصر لها من الصيغ المجازية فقد نحت العالم وفي كل اللغات أشكالا متنوعة من التعبير تبدأ من استعارات اتفاقية إلى استعارات حية أو تتحول من استعارات مبدعة إلى استعارات جامدة. وخلق في لغاته المتداولة أشكالا من السخرية والفكاهة. واستقى من لغات أخرى عبارات ومصطلحات تتفاوت من حيث المرجعية العلمية أو التداول الشعبي ومن حيث القوة المصطلحية أو الاستعمال الهجين بين الدقة والمرونة.

تقودنا هذه المقدمات إلى طرح سؤالين جوهريين:

1/ إلى أي حد يحتاج المجتمع خلال فترة الأزمات (حروب أو أوبئة) إلى مرونة اللغة وقدرتها على احتواء هذه الحاجيات وترجمتها إلى تعابير جديدة أو محورة؟

2/ هل يمكن – خارج التطور العادي للغات – أن تتوسع اللغة وتتمدد وتزيد في معجمها تلبية لتحولات اجتماعية طارئة أو لحاجات تفرضها بعض الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية؟

سنحلل هذه الأسئلة المتداخلة من ثلاثة مستويات من المقاربة:

  • مستوى التوسع المجازي
  • العربية والتنوع الاصطلاحي
  • مصطلحات كوفيد والكفاءة الترجمية

1/ التوسع المجازي

في مقال لها عن “الاستعارة الاصطلاحية من زاوية نظر معرفية”، تؤكد إزابيل أوليفييرا أن هذه الأخيرة ليست مسألة لغة، بل تخص بالأساس البنينة التصورية[1]، وبالتالي يمكن تعريفها كالآتي: “الاستعارة الاصطلاحية بعيدة كل البعد عن كونها طريقة بسيطة للتحدث، إنها بالأساس وسيلة للتفكير. ومن المسلم به أنها استعارة متخيلة، ولكن بمجرد إعادة استثمار هذه الاستعارة في ممارسة اجتماعية، بمجرد تحديد معناها من قبل الجهات الفاعلة التي تشتغل في إطار هذه الممارسة، فإنها تصبح تعبيرا عن مفهوم جديد”[2].

لقد أسهب لا يكوف وجونسون الحديث عن هذه البنينة الاستعارية والتصورية في كتابهما التأسيسي الاستعارات التي نحيا بها حين اعتبرا منذ الفصل الأول من الكتاب أن “الجزء الأكبر من نسقنا التصوري العادي استعاري من حيث طبيعته“[3]، وذلك حين حللا مفهوم الجدال والاستعارة التصورية: الجدال حرب، و”ذلك لإعطاء فكرة عما يجعل من تصور ما تصورا استعاريا، ويبنين بذلك نشاطا من أنشطتنا اليومية“[4].

إن مثال: الجدال حرب “يبنين (على الأقل جزئيا) ما نفعله حين نتجادل، ويبنين الطريقة التي نفهم بها ما نفعله. يكمن جوهر الاستعارة في كونها تتيح فهم شيء ما (وتجربته) انطلاقا من شيء آخر. إلا أن هذا لا يعني أن الجدال يعد فرعا من الحرب، فالجدالات والحروب نوعان من الأشياء مختلفان (الخطاب الكلامي والصراع المسلح)، والأنشطة المنجزة في كليهما تختلف. فالجدال، في جزء منه، مبنين ومفهوم ومنجز ومعلق عليه انطلاقا من الحرب. فأن نقول إن التصور مبنين استعاريا فمعنى ذلك أن الأنشطة واللغة مبنينان استعاريا.”[5]

إن هذه الوقفة عند البنينة الاستعارية من خلال استعارة الجدال حرب، يصب مباشرة في موضوعنا الذي يعالج التحول والتوسع المجازي داخل معجم الوباء ومن خلال بنية اصطلاحية ذات خلفية طبية أساسا.

تبنى القواميس من خلال قدرة اللغة على التطور داخل سياقاتها الاجتماعية والثقافية، لكنها تبنى كذلك من خلال الإبداعية الفطرية للمتكلم، وهي إبداعية لصيقة بظروف العيش والمستجدات والطوارئ التي تفرض حضورها داخل وضعيات التواصل وخلق أو نحت الكلمات داخل معان جديدة أملتها سياقات جديدة أو ببساطة أملاها التطور الطبيعي لحركة المجتمع والإنسان.

وقد رافق الانتشار السريع لجائحة كورونا التي أرعبت العالم بدون استثناء، تشكيلة معجمية وتعبيرية ارتكزت على مفهوم الحرب، واعتبرت الوباء عدوا والاجراءات المتخذة لمواجهته معدات حربية هدفها الانتصار عليه ودحره وإلزامه بالتراجع خارج أرض المعركة. من هنا إشارتنا أعلاه إلى مسألة البنينة الاستعارية التي خلقت التوتر الدلالي بين الوباء والحرب وجعلت التركيب المجازي في خدمة هذا التوتر.

من ذلك فإن الخطاب السياسي الذي أتى على لسان العديد من زعماء الدول، ركز بإلحاح على الخاصية الحربية للوباء موظفين استعارات الحرب المتوفرة من أجل صياغة تعابير استعارية جديدة تحيل أساسا على وضعية التأهب من أجل المواجهة. من أمثلة ذلك ما جاء في أقوال بعضهم: شنُّ حرب شعبية على الفيروس كما قال الزعيم الصيني شي جي بينغ، وإعلان الرئيس الفرنسي ماكرون أن البلاد تواجه حربا مع عدو غير مرئي بعيد المنال، أما المفوض الإيطالي الخاص لحالات الطوارئ الناجمة عن الفيروس فقد قال إن على البلاد أن تجهز نفسها لمواجهة عدو غير مرئي. رئيس الوزراء البريطاني من جهته اعتبر أن معركة مواطنيه مع الجائحة تم فيها تجنيد كل مواطن. أما دونالد ترامب فقد اعتبر نفسه رئيسا في زمن الحرب. وفي مصر أطلق الإعلام تعبير جيش مصر الأبيض لوصف الأطباء الموجودين في الصفوف الأمامية.[6]

ما يمكن ملاحظته أن خطاب الساسة خصص معجما قتاليا في وصف التعبئة التي يمارسها كل بلد في مواجهة الوباء، وهو سلوك لغوي طبيعي حين يتعلق بإنتاج صيغ مبتكرة في التعبير تعتمد على الخيال والابداعية اللغوية من أجل وصف حجم المشكلة التي تقض مضجع الجميع. والملاحظ كذلك أن هذه الأمثلة من الخطاب السياسي وظفت معجما ملائما في التعبير عن الحرب في مواجهة الوباء: العدو، التجنيد، الجيش، اقتصاد الحرب. ومن خلال هذا المعجم وطرائق توظيفه وصياغته، يمكن صياغة الاستعارة الآتية: الجائحة عدو. وهي استعارة تستلهم نموذج لايكوف وجونسون في البنينة الاستعارية التي بموجبها نصوغ استعارات تلائم الثقافات التي ننتمي إليها. ولن يجادلنا أحد حين نؤكد أن الخلفية التي توجه أغلب الثقافات الإنسانية في الزمن الحاضر هي خلفيات صراعية حربية قتالية في كل المجالات الحيوية (لنتذكر كيف جَيَّشتْ أمريكا ترسانة من الاستعارات الحربية والأيديولوجية لتبرر حرب الخليج الأولى والثانية ولتجعل من نفسها ضحية أمام صدام الجلاد)[7]. وهذا ما جعل البعض يتحفظ في التعامل مع الوباء باعتباره عدوا لأن لغة الحرب لم تكتف بغزو الاقتصاد والمجتمع، بل انتهت إلى التسلل إلى أكثر المجالات هشاشة عند الإنسان هي المرض والموت.

وعلى سبيل التركيب فإن عبارة التوسع التي عنونت بها هذه الفقرة تسير في اتجاه أن التعبير البشري وسع مقاصده داخل دائرة الخيال ليجعل من وضعية طارئة مجالا لتوظيف مفهوم الحرب داخل مفهوم المرض أي أن المتكلمين سواء كانوا رجال سياسة أم متكلمين عاديين بَنْيَنُوا من خلال طاقتهم المتخيلة معجم الحرب داخل مفهوم الوباء، وهو ما جعلنا نقترح الصياغة الاستعارية المذكورة: الجائحة عدو.

2/ العربية والتنوع الاصطلاحي

أقصد بالتنوع الاصطلاحي إمكانية اللغة في الاستيعاب والاحتواء والتعبير الترادفي والمشتق والمتعدد لشتى المعاني بما تحمله من فروق دقيقة بين دلالة وأخرى. وفي سياق موضوعنا، عرف الحديث العلمي والإعلامي والمتداول تطورا متسارعا للعبارات المحيلة على تطور الوضعية الوبائية لما سمي بعد أسابيع قليلة بـ”كوفيد 19″.

جميعنا يتذكر كيف أن انطلاقة الحديث عن الوباء بدأت بمصطلح “فيروس” الذي انتقل بسرعة إلى الحديث عن الوباء Epidémie، قبل أن تبادر منظمة الصحة العالمية أسابيع قليلة إلى دق ناقوس الإنذار بالانتقال المصطلحي من “الوباء” إلى “الجائحة” Pandémie.

الوباء في المعاجم العربية هو كُلُّ مرضٍ شديد العدوى، سريع الانتشار من مكان إلى مكان، يصيب الإنسان والحيوان والنَّبات. وفي لسان العرب: ” الوَبَأُ: الطاعون بالقصر والمد والهمز. وقيل هو كلُّ مَرَضٍ عامٍّ، وفي الحديث: إِن هذا الوَبَاءَ رِجْزٌ. وجمعُ الـممدود أَوْبِيةٌ وجمع المقصور أَوْباءٌ، وقد وَبِئَتِ الأَرضُ تَوْبَأُ وَبَأً.”

أما الجائحة في المعاجم العربية هي البَلِيَّةٌ، والتَهْلُكَةٌ، والدَاهِيَة. وهي في معجم العربية المعاصرة: مصيبة تحلُّ بالرَّجل في ماله فتجتاحه كلَّه “أصابته جائحةٌ هذا العام”، وسنة جائحة: جَدْبة، غبراء، قاحلة. وما أذهب الثَّمرَ أو بعضَه من آفة سماويّة. وتأتي بمعنى النكبة أي المصيبة والصدمة الفادحة، وهي ما يصيب الإنسان من حوادث الدهر وصدَماته. قال ابن دريد في “الجمهرة”: “أصابته نكبةٌ من الدهر، أي: جائحةٌ”. ثم هي الوباءُ العابرُ للحدود. جاء في “معجم الوبائيات” الذي ترجمته منظمة الصحة العالمية: “الجائحة (Pandemic) وباءٌ يجتاح مساحةً واسعةً، ويتجاوز الحدودَ الدولية، ويصيبُ عدداً كبيراً من الناس”. وهو بذلك يختلف عن الوباء (Epidemic) المحصور، ومثلَخَّصه انتشارُ مرضٍ ما بشكلٍ واسعٍ في منطقة معينة ضمن نطاق زمني محدَّد.

وذهب ابن فارس (395 هـ) في “المقاييس” إلى أن الجيم والواو والحاء تعود إلى أصلٍ واحدٍ هو الاستئصالُ، ونُقِلَ هذا المعنى عنه من بعدُ في “الصِّحاح” و”اللسان” و”تاج العروس.8”

ففي لسان العرب، الجَوْحُ: الاستئصال، من الاجْتِياح. جاحَتهم السَّنة جَوحاً وجِياحة وأَجاحَتهم واجتاحَتْهم: استأْصلت أَموالهم، وهي تَجُوحُهم جَوْحاً وجِياحة، وهي سَنَة جائحة: جَدْبة. والجَوْحةُ والجائحة: الشدّة والنازلة العظيمة التي تَجتاح المالَ من سَنَةٍ أَو فتنة. وكل ما استأْصله: فقد جاحَه واجْتاحَه.

لقد أعلن قاموس ميريام ويبستر الأمريكي يوم 30 نونبر كلمة الجائحة كلمة العام. وقال بيتر سوكولوفسكي، محرر قاموس “ميريام ويبستر”، لوكالة “أسوشيتيد برس”: “ربما لا يشكل هذا الاختيار صدمة كبيرة”، حيث تُعرّف الجائحة، في صيغتها الاسمية، من خلال القاموس، على أنها تفشي مرض يحدث في منطقة جغرافية واسعة (مثل بلدان أو قارات متعددة) وتؤثر عادة على نسبة كبيرة من السكان.

وأضاف سوكولوفسكي: “غالبا ما يكون للقصة الإخبارية الكبيرة كلمة تقنية مرتبطة بها وفي هذه الحالة، فإن كلمة جائحة ليست مجرد كلمة تقنية ولكنها أصبحت كلمة شائعة هذا العام. ومن المحتمل أن تكون هذه هي الكلمة التي سنشير بها إلى هذه الفترة في المستقبل”. وأعلنت منظمة الصحة العالمية في 11 مارس الماضي عن اعتبار تفشي فيروس كورونا الجديد “جائحة”. وقال سوكولوفسكي إن عمليات البحث عن الكلمة في نفس اليوم كانت أعلى نسبة… مقارنة بنفس التاريخ من العام الماضي.[8]

وقد عرف هذا القاموس المعاصر الجائحة كما يلي: “حدث ينتشر فيه المرض بسرعة كبيرة ويصيب عدداً كبيراً من الناس في منطقة واسعة أو في جميع أنحاء العالم.[9]”

لم يكن هدفنا من هذا الجرد القاموسي لمصطلحي الوباء والجائحة أن نقدم تفاصيل تعريفية من المعاجم العربية القديمة أو المعاجم الحديثة بقدر ما سعينا إلى لفت الانتباه إل بعض الأمور التي بدت لي أساسية في فهم تطور الألفاظ والاصطلاحات عبر العصور.

إن اطلاعا بسيطا على المصطلحات الثلاثة المحيلة حول تطور المرض تنقلنا من عبارة المرض الوافد أو المتوطن Endémie إلى الوباء Epidémie فالجائحة Pandémie. وإذا تأملنا تطورات هذه المعاني في اللغة العربية نجد أن المرض الوافد يعني المرض المنتشر على مستوى الوطن وهو ما لم يشر به إلى كوفيد بسبب انتقاله بسرعة إلى الانتشارية خارج حدود الصين. أما الأساسي في ملاحظاتنا فهو أن العبارات الدالة على الوباء والجائحة لم تكن تعني بالتحديد معناها المباشر في القواميس العربية القديمة إذ الملاحظ أن التعريفات الواردة ارتكزت على المجاز وخصوصا المؤشرات الكنائية في التعريف، فالوباء كان يحيل مباشرة إلى الطاعون ثم إلى المرض العام ثم إلى الرجز وهو الذنب أو العذاب. ومعنى هذا أن الانتقال من اللغوي المتداول لم يكن يسيرا بدون اللجوء إلى الصيغ المجازية التي ألحقت الوباء بالطاعون ثم بالرجز بناء على علاقة الإحالة الكنائية، فالوباء كناية عن المرض وهو كناية عن الطاعون الذي لم يكن معروفا داءٌ غيره، ثم إلى العذاب بناء علاقة السببية التي تجعل كل وباء مسببا لعذاب أو ناتجا عن ذنب وفقا للمعتقدات السائدة.

وإذا عدنا إلى مصطلح الجائحة، فإن مدلولها كما ورد في لسان العرب كان متصلا بالبلية والداهية والتهلكة ومسببا لفناء المال والثمر. ولم يكن يشير أساسا إلى المرض المنتشر أو الذي ينتقل إلى مساحات جغرافية واسعة عبر العالم.  وفي هذا إشارة واضحة إلى قدرة العربية على استيعاب معاني جديدة داخل ألفاظها بحسب ما تقتضيه الحاجة. يؤكد ذلك انشغال عموم الناس بمعنى الجائحة بعد إعلان منظمة الصحة العالمية عن كوفيد باعتباره جائحة ينبغي التصدي لها. وصار هذا اللفظ في العربية هو الآخر كناية عن المرض الذي ينتشر بسرعة وخارج حدود المكان الذي انطلق منه وذلك بالتوافق مع مقابله الفرنسي أو الإنجليزي Pandemy.

3/ مصطلحات كوفيد والكفاءة الترجمية

نتوقف في هذه الفقرة عند القاموس الذي أصدره مكتب تنسيق التعريب بالرباط والذي يعتبر أول عمل قاموسي تعريفي مترجم لمصطلحات كوفيد[10]. إن توقفنا عند هذا الإنجاز يروم أساسا وبدون عمق كبير – لأن الأمر يتطلب دراسة خاصة – إضاءة الإمكانات التي توفرت للغة العربية في استيعاب المصطلحات الطبية للجائحة داخل بنيتها اللسانية.

يتأسس ما نقوم به في سياق الحديث عن مصطلحات الجائحة داخل اللغة العربية على ما يمكن تسميته بالوعي المصطلحي أي الرصد الضروري للإمكانات التي توفرها اللغة العربية لتستوعب البنيات الاصطلاحية الجديدة التي يفرضها تطور العلوم من جهة وما يستجد من أوضاع كما هو الحال مع جائحة كوفيد. إن التحدي الذي يواجه العلماء والمترجمين والمشتغلين بحقل الدراسات الاصطلاحية هو كيف يمكن صياغة المقابل الملائم لمصطلحات علمية وطبية نشأت في مناخ علمي ومختبري ينتجها من خلال الملاحظة والتجربة والتعميم؟ وفي سياق حديثنا: كيف اشتغل واضعو معجم مصطلحات كوفيد 19 لتقديم الصيغ المصطلحية المناسبة داخل اللغات الثلاث؟ وكيف تمكنت اللغة العربية من احتواء 350 مصطلحا – هو عدد كلمات المعجم – داخل بنيتها اللسانية؟

ما نسعى إلى تقديمه اليوم، ما هو إلا مقاربة أولية لأن الرصد المتعمق وتحليل الإشكالات المتصلة بصياغة المصطلح الطبي داخل اللغة العربية يحتاج لحيز وجهد يتجاوزان ما تسمح به إمكانات هذا المقال.

يقدم معجم مصطلحات كوفيد تشكيلة مصطلحية تتنوع بين ما هو طبي وشبه طبي واجتماعي وتوجيهي تحسيسي.

من حيث المصطلح وترجمته وتعريفاته

إن أول ما يمكن ملاحظته أن هذا المعجم صدر في زمن قياسي ووفر مادة معجمية تغطي أهم المصطلحات الخاصة بكوفيد سواء في شقها الطبي أو الاجتماعي.

وإذا أمعنا النظر في طبيعة الترجمة نلاحظ أن بعض المصطلحات ترجمت في عبارة واحدة بينما ترجمت مصطلحات أخرى في أكثر من كلمة. بل إن هناك مصطلحات تركت في صيغتها اللاتينية بحروف عربية. نلاحظ كذلك أن بعض المصطلحات ترجمت بألفاظ غير رائجة في العربية وتتسم بالغرابة والندرة. وهو أمر لا يعود إلى تقصير في عمل فريق الترجمة بقدر ما يرجع إلى صعوبة إيجاد العبارة الملائمة لبعض المفاهيم العلمية الدقيقة التي أنتجت في مناخ لساني مغاير.

وعلى هذا الأساس نطرح السؤال الآتي: هل يعود الأمر إلى قصور بنية اللغة العربية على إيجاد ما يلائم داخل بنيتها اللسانية؟ ولماذا في بعض المفاهيم نحتاج إل ترجمة المصطلح بأكثر من كلمة واحدة؟

لنلق نظرة على بعض الأمثلة:

ترجمت عبارة bacteriophage بـ: عاثية. وبالعودة إلى تعريفها في العربية نحد أن عثي تعني أفسد. ويعرف المعجم هذا المصطلح كالآتي:

فيروس يهاجم البكتيريا، يتضاعف الملتهم في الثوي المضيف الذي ينقسم إلى ملتهمات جديدة، وهناك لكل جرثوم معين ملتهم خاص[11].

تعرف موسوعة ويكيبيديا هذه المصطلح بالعبارة نفسها، غير أنها تقدم تعريفا أكثر وضوحا مما جاء أعلاه. وتعريفها يقول: “العاثيات من أكثر الكائنات الحية شيوعاً على سطح الأرض. توجد منها مليارات في أمعاء الإنسان وتساعده في مكافحة البكتريا الضارة فيه. توفر أمعاء الإنسان لها وسطا معيشيا مناسبا، وتقوم هي بحماية الإنسان من بكتيريا ضارة إن أصابت أمعاءه. هذه النتيجة هي نتيجة جديدة (2013) أفصح عنها الدكتور “جرمي بار” من جامعة سان ديجو، كاليفورنيا“.

ترجمت عبارة lavage brochoalveolar بـ: غسل القصبات والأسناخ. وتطرح عبارة الأسناخ بعض التشويش في الفهم، في حين أن هناك من يترجم les alveoli ب: الحويصلات وهي العبارة الأكثر شيوعا في الاصطلاح الطبي.

كما ترجمت عبارة commorbidité بـ: مراضة مشتركة وهي ترجمة في كلمتين لتعذر إيجاد المقابل الواحد في اللغة العربية وقد نترجمها كذلك ب: الاعتلال المشترك. اللافت للانتباه في تعريف المصطلح، ما يلي:

مرض أو مجموعة أمراض موجودة لدى المريض سابقا، تضاف إليها إصابته بمرض كوفيد 19.

يبدو هذا التعريف صحيحا جزئيا لكنه غير دقيق في مجمله، ذلك أن الاعتلال المشترك لا يعني فقط الإصابة بمرض ما ثم يأتي كوفيد لينضاف إلى ذلك المرض، بل إن المصطلح يعني الاعتلال المشترك في أكثر من مرض بغض النظر عن نوعه وطبيعته. فقد يكون هذا الاعتلال جامعا بين السكري وارتفاع ضغط الدم مثلا.

تلك عينة بسيطة ومحدودة، والملاحظات التي سجلناها حولها لا تنقص من الجهد المبذول في صناعة هذا المعجم، دليل ذلك أن أغلب المصطلحات ترجمت وعرفت بعناية فائقة. ما قصدناه من ملاحظاتنا، أمران: أولهما، أن تشييد معجم من هذا القبيل يحتاج تجنيد فرق علمية متعددة التخصصات تتحرى في أدق التفاصيل المرتبطة بالمفهوم وخلفياته والإمكانات اللسانية التي تتوفر عليها اللغة الهدف. وثانيهما: التأكيد على قدرة اللغة العربية على استيعاب مختلف المفاهيم العلمية داخل مجالها اللساني.

يتوجب على أهل الاختصاص ومن يمتلكون المسؤولية العلمية والسياسية أن يضعوا استراتيجيات عابرة للحدود بين البلاد العربية من أجل خلق مناخ علمي تكون العربية فيه قادرة على الإنتاج العلمي للمصطلح والمفهوم بما تمتلكه بنيتها من مرونة وقوة وطواعية للنحت والتجديد المصطلحي. لا ينبغي أن ننسى هنا أن أول كلية طب درست علومه باللغة العربية، تم إنشاؤها في سورية في الربع الأول من القرن العشرين. وفي هذه الإشارة التاريخية ما يؤكد الكفاءة والمرونة والقدرة النحوية والاشتقاقية للغة العربية في إمكانية خلق أو تعريب أو ترجمة المصطلح العلمي داخل مجالها المعجمي.

حاولت هذه الورقة أن تعالج بعض إشكالات معجم الجائحة من منظور لغوي ومصطلحي وبلاغي. غايتها في ذلك تبيان الإمكانات التي توفرها كل لغة في صياغة مفردات جديدة تلائم سياق الحال، إضافة إلى الخلفيات الأيديولوجية التي تتجه أحيانا إلى وضع إشكالي مستجد لنستخدم معجما يلائم وطبيعة الصراعات التي يعرفها عالم اليوم في كل المجالات والتي تعكسها أساسا خطابات السياسيين كما حدث مع المعجم والاستعارات المستحدثة بعد انتشار جائحة كوفيد في العالم بأسره.

 

 

الهوامش

1/Isabelle Oliveira, « la métaphore terminologique sous angle cognitif »,  Meta, Volume 50, Numéro 4, décembre 2005.

2/ ASSAL, J.-L. (1995) : « La métaphorisation terminologique », Terminology Update XXVIII-2, p. 22-24.

3/ جورج لايكوف ومارك جونسون، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، 1996، ص 21.

4/ المرجع نفسه، ص 22.

5/ المرجع نفسه، ص 23.

6/ استعارة الحرب ودلالات متحولة. كيف أثرت جائحة كورونا على اللغات؟ موقع الجزيرة الإلكتروني، 19 أكتوبر 2020.

https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2020/10/19/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%AF%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A3%D8%AB%D8%B1%D8%AA

7/ عالج لايكوف هذه الاستعارات القاتلة في كتابه حرب الخليج أو الاستعارات التي تقتل، ترجمة عبد المجيد جحفة وعبد الإله سليم، دار توبقال للنشر، 2005.

8/ يوسف الجوارنة، من معجم (كورونا) … الجائحة، مجلة الدستور، عمان، 23 أبريل 2020.

https://www.addustour.com/articles/1147701-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%AC%D9%85-(%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7)-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9

9/ قاموس “ميريام وبستر” يعلن “الجائحة” كلمة العام 2020، فوكس نيوز، 30 نونبر 2020/

https://arabic.rt.com/funny/1178630-%D9%82%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%B3-%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D8%B1-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9-%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-2020/

10/ https://www.learnersdictionary.com/definition/pandemic

11/  DICTIONNAIRE TERMINOLOGIQUE COVID-19, Organisation Arabe pour l’Education, la Culture et les Sciences,  Bureau de Coordination d’Arabisation, 2020

12/ Ibid., p. 14.

 تحميل كتاب: 

 

مدارس اللسانيات - التسابق والتطور - جيفري سامبسون pdf

 

https://kolalkotob.com/book2263.html

 

 


 

لننقذ مدرستنا!

حرر ستة مثقفين جزائرين نصا بعنوان “لننقذ مدرستنا” يطرح وجهة نظرهم في الأزمة التي تعيشها المدرسة الجزائرية والتي يصفون وضعيتها بأنها “بلغت الحضيض” لكونها فشلت في القيام بوظيفتها التي تتمثل بالنسبة لهم في “…ترسيخ القواعد والقيم الاجتماعية …وتحصيل أساسيات المعرفة..” وإذا كان هذا النص الذي اعتبره محرروه “زجاجة قدف بها إلى عرض البحر،” يستهدف الجزائرين بالأساس، فإنه لا يخلو من فائدة لكل قارئ يهتم بالتحديات التي تواجه قطاع التعليم في بداية القرن الواحد والعشرين في دول متعددة، على رأسها المغرب.  وسيلاحظ القارئ التشابه في القضايا التي يواجهها المجتمعان خاصة في ما يهم مسائل اللغة، والدين، والثقافة، والإبداع.  ومجلة رباط الكتب إذ تنشر هذا النص، تتمنى أن يساهم في إثراء النقاش حول وضعية المدرسة في المغرب، وفي تعميق التفكير في مقاربات إصلاحها.

 

 

لننقذ مدرستنا!

هذا النّص بمثابة رسالة في زجاجة يقذف بها جزائريون إلى عرض البحر وهم لا يمثلون لجنة أو تنظيما، إنّهم لا يمثلون إلاّ أنفسهم. نص ينطلق من معاينة أن الحركة الوطنية افتقرت إلى التفكير العميق حول المسائل الوطنية والإجتماعية مما نتج عنه انقسامات وتمزقات لا نرى لها نهاية قريبة. جاءت مساهمتنا هذه من أجل البحث عن إجابة مشتركة ولا غرض آخر لها إلّا التعجيل بالتفكير في طريقة تجديد شروط البناء الوطني وأسس النّظام السّياسي في وضع يتسم بالتعددية التاريخية. إننا نؤمن أن المسألة التربوية تكمن في قلب هذا “التجديد” كضرورة ملحّة ومستعجلة.

لا تثير اللّغة العربية-كلغة تدريس- هذا الزّخم من الإنفعالات في المشرق أو المغرب كما تثيره في الجزائر، فهي باستمرار محل توترات سياسية وخصومات إديولوجية حادة، لأنّ الذين يدافعون عنها بذلك القدر من الجلبة لا يتصورنها إلاّ كلغة شعائرية وتراثية، وحتى عندما يقبلون كونها لغة ثقافة وفكر فإنّهم لا ينشغلون لا بشكل ولا بمضمون تلك الثقافة بل يكتفون باللّغة: لأنّها تقوم مقام الثّقافة –بالنسبة لهم-. بينما يجعلون منها مسألة مصيرية-كما يقولون- رغم هذا فإنّهم لا هم ولا أطفالهم ولا تلاميذ مدارسنا بشكل عام يبذلون مجهودا فعليا لتعلمها وجعلها أداة لغوية لتحقيق الذات فرديا والسعادة إجتماعيا. اللّغة العربية- عندنا- لا يُحْسَنُ تعلمها ولا تَكَلُّمُهَا لأنّها بدون محتوى، فقيرة وجافة كجدول وادٍ صحراوي. وما لم نفهم بَعدُ أنّ محتوى وثراء أي لغة-عبقرية اللّغة كما نسميه- يكمن في ثقافتها، كما هي متجسدة في معالمها الأدبية والجمالية الكبرى، وكما تتجلى في إبداعاتها الحاضرة والمستقبلية فإنّها ستبقى دون مضمون. في حين أنّنا كلّما تصنّعنا السخط من أجلها كلّما عجّلنا في تدَاعيها، تهلهلها وأفولها، لا تكون الشعوب جديرة باللّغات التي تنتسب إليها إلا إذا أَثْرَتْهَا واقتسمت ثمار ذلك مع بقية العالم. فما هي حالة الثقافة العربية في الجزائر؟ ردئية بلا شك لأنّ الجزائريين منفصلون تماما عن التراث الأدبي الكلاسيكي لهذه اللّغة، الذّي لا يطّلع عليه أحد-تقريبا- لأنّه أصبح مُبْهَماً حتى عند معظم أفراد النخبة المثقفة. فلتقرؤوا مقتطفا لابن المقفع أو سهل ابن هارون أو الجاحظ أو أبو العلاء المعري على تلميذ في الثانوية أو على طالب جامعي، وسترون أنّه لن يفهم لا المعنى ولا القصد، أخطر من ذلك ليس من المستبعد أن يكون الأستاذ نفسه غير قادر على فهم المقتطف ذاته وإذا فهمه فلن يمكن من تذوّق قيمته الأدبية والجمالية. ستون سنة من وجودها، لم تدرِّس المدرسة الجزائرية أيّا من ذلك. بينما الأنظمة التربوية الجديرة بهذا الإسم قديما وحديثا ترتكز على معرفة وتعليم الكلاسيكيات، التي بدونها تتعذّر أي حداثة أدبية وهذا منذ نشأة المدرسة عند الإغريق كما عند الرومان، في الصين القديمة كما في الهند الفيدية، في بلاد فارس الساسانية كما عند العرب في عصرهم الكلاسيكي، وأكثر من ذلك في العصر الحديث منذ النّهضة الإيطالية. لقد استطاعت الثقافة العربية الكلاسيكية أن تحقق ما تعجز الثقافة العربية الحديثة عن تحقيقه اليوم (ليس فقط في الجزائر) وهو أن تمنح العرب المسلمين ثقافتين إحداهما دينية والأخرى دنيوية، في العصر الكلاسيكي كان بإمكان أي طالب قضاء حياته كاملة في تحصيل إحداهما دون الأخرى أو طلبهما جنب إلى جنب قصد التمكن منهما معا. لماذا ذلك إذن؟ لأن الإسلام ليس مجرد دين فقط، بل هو ثقافة كذلك وإن إكتفى بكونه دين فقط استحال عليه أن يُطَوِّر حتى علومه الخاصة كعلم الكلام، علم أصول الفقه وأصول الدين، والسّبب أن هذه العلوم تتطلب تفكيرا عقليا لا يمكن تحصيله أو تطويره في غياب المنطق. بينما المنطق ليس علما عربيا ولا إسلاميا بل إغريقي. الكتب نفسها التي وردت فيها تلك العلوم الدينية قد أخذت شكلها وتقنية تأليفها وأنماط كتابتها وتقاليديها الأدبية من أكثر الثقافات العتيقة رقيا أي الثقافة الهيلينستية. المدافعون المدّعون عن اللّغة العربية عندنا الذين يُعْتَبَرون المسؤول الأول على غرق المدرسة يجهلون –طبعا- أنّهم مدينون للثقافة الإغريقية وتابعون لها حتى في طريقة تعلّم قراءة وكتابة اللّغة العربية التي نشرتها الكتاتيب القرآنية منذ قرون خلت.

أمّا بالنسبة لأولائك الذين يعتقدون أن اللّغة العربية لغة مقدّسة أو اللّغة الأقدس على الإطلاق، وهذا ليس إلا ضربا من الجنون، أوّلا لأنّ معظم اللّغات يتخيّل أصحابها أنّها نزلت من السماء- رغم أنّ محدّثا مشهورا كابن أبي شيبة من القرن التاسع اعتبر أن لغة أهل الجنة ليست العربية إنّما السريانية، بالإضافة إلى أنّ الأحاديث التي بنيت عليها هذه الأفكار هي أحاديث موضوعة، لقد وضع على لسان الرسول قول: “أحبوا العربية لثلاث لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي”، حديث موضوع تم إعادة تعديله من طرف السلفية الحديثة عن طريق شيخها ناصر الدين الألباني الذّي جعله مع ضعيف الحديث، وهي الدرجة ثالثة من مراتب الحديث بعد الصّحيح والحسن، ومن الثابت أن الحديث الضعيف لا ينتج عنه أثر في الأحكام الفقهيه لكنّه يصلح للتداول في مجالي الوعظ والإرشاد، هذا النّوع من الحديث شائع بين الدّعاة والوعّاظ إذ معظم القَصص والروايات التي ترد في خطبهم تنتمي إلى هذه الفئة من الحديث، والمهم ملاحظته أنّ خِطاب هؤلاء يقوم مقام الدّين في المدرسة الجزائرية كما يشهد عليه الفيديو الذّي نُشِر على شبكات التواصل الإجتماعي أول يوم من الدخول المدرسي لموسم 2016-2017، كإشارة لاستمرار الإستفزاز الذّي شهده صيف هذه السنة والذّي لم يكتفِ فيه المدافعون”أصحاب الأصالة” عن عربية واسلامية التربية الوطنية بهسترة النِّقاش والوصول به إلى مستويات من التوتر قلّما بلغها، بل صعّدوا الأمر من خلال نشاطات بغيضة تهدف إلى تحويل حربهم ضدّ المدرسة إلى حرب أهلية.

عِلاوة على سمته الرديئة فإنّ هذا الخطاب المدافع عن المدرسة باسم الدين جعل من الدين آلة ذات حدّين: طرفيها الحلال والحرام، في حين أنّ الشريعة الإسلامية تحتكم إلى سُلَّمَيْن لقياس الأفعال البشرية: الأول ديني والثّاني فقهي. يتضمن السلم الديني خمسة كيفيات:1) واجب، فرض، 2) سنّة، مندوب، مستحب، 3) مباح الذي يجب تمييزه عن الجائز، 4) المكروه، 5) وأخيرا الحرام وهو عكس الحلال، أمّا على سلم الأحكام الفقهية فإن المصطلح الأعم هو مصطلح “المشروع” الذّي يشتمل كل ما يعترف به الفقه ويوافقه. حسب درجة الموافقة حكم يعتبر:1) صحيح إذا كان أصله ووصفه يتفقان مع القاعدة، 2) مكروه إذا اتفق أصله ووصفه مع القاعدة ولكن اتصل بمحضور، 3) فاسد إذا وافق أصله القاعدة وخالفها وصفه، 4) باطل لا حكم له. مما سبق فإنّ الأثر الفقهي ينتج عن الصحيح والمكروه فقط. وكما أن الصحيح هو اللّفظ المستعمل عادة لفعالية أثره الفقهي كما قد يدلّ أحيانا على الصنفين (الصحيح والمكروه) معا. دمرّت السلفية المحدثة كل هذه الأحكام في بلادنا إلى درجة أنّ البلاد قد نسيت تقاليدها الفقهية الحنفية والمالكية. ولم يعد موجودا إلا المذهب الإباضي كشاهد على تعدد أشكال التدّين الذي تمسك به أجدادنا. مع ذلك فإنّ الدولة والمجتمع لا يحسنان حماية هذا المذهب من التهديدات التي تضغطه والتي تعتبر مصدرا للإنقسام في ظل تجاهل وطني وغياب الوعي بهذا الخطر، هذه التهديدات هي نفسها تلك التي ترمي بثقلها على مختلف أنواع التعبير اللّغوي الأمازيغي، وفي انتظار إنقاذ البعض منها وتقنين وتوحيد البعض الآخر، على المدرسة الآن أن تشرع في تدريس المنتوج الأدبي لهذه اللّغات من شعر ومآثر وحكايات شعبية وأساطير، ولا يجب أن يقتصر ذلك على المناطق الناطقة بالأمازيغية بأي حال من الأحوال بل يجب أن تدرّس أيضا في المناطق الناطقة بالعربية من البلاد، التي عليها أن تعيد إكتشاف وتبني هذا التراث كجزء منسي من عمقها التاريخي الثقافي. وعليه يجب على برامج المدرسة الجزائرية أن تجمع جنبا إلى جنب الشعراء الأمازيغ، الشعراء العرب والعالميين، وفي نفس الرتبة شعراء الملحون الذي يشكل ذاكرة ومعلمة اللغة المغاربية، تلك اللّغة التي قال عنها ابن خلدون أنها لغة تامة وأن لحن إعرابها لا يمنعها أن تكون صحيحة التعبير ودقيقة الفكرة ويدلّل على ذلك بنقله لأقدم الأمثلة المعروفة في هذا النوع من الشعر. من أجل إنتاج قواعد لغوية تثبت صحتها علميا يجب على بلادنا أن تنشئ أكادمية للّغة. سيكون خطأ جسيما تخصيص أكادمية للمعربين وأخرى للأمازيغيين كما هو متوقع، لينفرد كل جانب في زاويته ولا نحصل في نهاية المطاف على أي تغيير يذكر. والدّليل على عدم جدوى مثل هذا التفتت المؤسساتي هو تهاون المؤسسات الكثيرة التي يفترض بها دعم اللّغة العربية، دون ذكر تلك المخصصة للنهوض باللغة الأمازيغية، أمّا واقعا فما هي إلا أماكن موجهة لامتصاص لوبيات مثيرة للشغب تميل إلى البلبلة والثرثرة أكثر من العمل في هدوء وبصبر من أجل الصالح العام. بما أن الأكاديمية تجسيد للمثال اللّغوي للأمة لابد أن تجنح إلى الفعالية والوحدة، وليس إلى المجادلات العقيمة والإنفصام الذي لن يضيف إلى الإلتباس إلا إلتباسا في شكل ذهان لغوي بلغه الوطن منذ إستقلاله.

بالعودة إلى اللّغة العربية الكلاسيكية فليكن معلوما أنها ليست مقدّسة بأي حال اتفق، ولا تحتاج إلى أن تقدّس لتكون مقدّرة ومحبوبة، وحتى اللّغة التقنية النثر المقفى أو السجع كما نسميه والذي نجده في القرآن ليس مقدّسا، قبل أن يكون السّجع طابع التعبير القرآني كان من إختصاص الشعراء الخطباء، البلغاء، الكهان، والسّدنة ما قبل الإسلام، إنّها لغة جميلة ونحن نحبها لأنّها جميلة، هذا ما ردّ به أبو حنيفة عندما سئل هل يمكن للمسلم أن يهب أو يبيع نسخة من القرآن لغير المسلم، أجاب بالإثبات شارحا أن القرآن ليس مجرد كتاب ديني، إنه كتاب حكمة كذلك ويمكن لغير المسلم أن يقرأه ككتاب حكمة ويتذوق نكهته الأدبية والفلسفية دون أن يعتقد في الإسلام. وعليه فإذا كانت اللغة العربية مقدّسة كما تدّعيه السلفية المحدثة لماذا وصلنا القرآن محفوظا في خط اخترعته جماعات عربية مسيحية كانت تعيش بين الأردن وسوريا؟ ففي عصر ما قبل الإسلام الخط الوحيد الذي عرف في الحجاز-موطن الرسول- هو الخط الثمودي، ولم يكن الخط الذي اختاره الرسول وصحابته. بكل أسف الإسلام محروم من تاريخه وكلما قلت معرفة المسلمين بدينهم كلما سهل استعبادهم، ونهج السلفية المحدثة في ذلك الترغيب والترهيب وهي طريقة مريعة فمن جهة يصورون لك كل مباهج ولذات الجنة، ومن جهة أخرى يرهبونك بجحيم النار ولا يخفى على أحد أن بين الترغيب والترهيب مسافة خطوة واحدة قد تخطاها كثير من أبنائنا أثناء”المأساة الوطنية الكبرى” التي لم نتعاف منها بعد. ولأنّنا نعتقد أن المدرسة هي سبيلنا إلى الخلاص من خلال تلطيف علاقتنا بالدين والعالم، فإنّنا ندعوا إلى إصلاحها. إنّه واجب الأمة أن تنتزعها من هيمنة السلفية المحدثة التي تنخرها منذ عشرات السنين، مع أزمة المذهب المالكي التي ساهمت فيها السلفية المحدثة – أسلوب ديني يرتدي زي السلف الصالح وهو في الحقيقة اختراع حديث- التي تعد الــ”متنوج” الديني السّني الوحيد المتاح الذي يجذب إليه الناس في زمننا هذا. في حين أننا لا نرغب أن يحتل الدين كل الفضاء المدرسي، خوفا من أن يعيقه نهائيا عن أي إبداع، مطلبنا هنا ليس مطلبا لائكيا ملحدا كما يزعم خصوم المدرسة العصرية، بل هي دعوة لفكرة عميقة تأخذ التاريخ كمقياس لها: الإسلام الكلاسيكي لم يكن ليصبح الحضارة التي نعرف إلا عندما فصل العلوم النقلية عن العلوم العقلية، وأعاد إحياء الدراسات الفلسفية وضمن استقلاليتها في الوقت الذي لم تسمح فيه أوروبا اللاتينية بتدريسها إلّا عندما اعتبرت كخادمة للاّهوت. إنّنا نريد أن تكون لغة التدريس متحكّم فيها من طرف المعلمين والمتعلمين على حد سواء، إننا نريد أن تصل المدرسة إلى التمكّن من تاريخ الجزائر والحضارات التي تشترك معها في المجالين الثقافي والجغرافي لتحيي العلاقة مع بعديها الإفريقي والمتوسطي، ولأجل هذا الغرض يجب أن تتحرّر أذهان أطفالنا من كل ما يعيقها ويمنعها من الإزدهار من خلال: التربية، الثقافة والعلم، والصحيح أنّه من دون ثقافة عامة تستحيل إمكانية أي تكوين فكري جيّد، وهذا -بالضبط- ما تعانيه بلادنا: فعلى الرغم من ارتفاع عدد المتمدرسين-بفضل المجهودات المادية الهائلة التي تبذلها الدولة الوطنية لذلك- إلّا أن تكوينهم رديئ وعبارتهم فقيرة جدا.

لماذا المدرسة الجزائرية دائما ساحة للتجاذبات والتوترات الإديولوجية والسياسية الحادة؟ لماذا بعد محاولة تحديثها سنة 1977، المهمة التي أُسْنِدت إلى أحد ألمع مثقفينا انتهت بتخلى الرئيس بومدين عنها؟ بعد ضغط من وزيره للتربية الوطنية بإتخاذ موقف عَلَنِي من النّقاش العام، رفض الرئيس تاركا إياه وحيدا في مواجهة عنف الجناح الإسلامي-المحافظ للحزب الواحد-آنذاك- مما أجبر الوزير المصلح على الإستقالة سنتين بعد ذلك. في وقت أقصر من الذّي استغرقته لتأسيسها تحولت المدرسة الجزائرية إلى “مدرسة مزبلة” دام هذا عشرون سنة، ولكن لماذا إذن تخلى الرئيس بوتفليقة بدوره عنها عندما شكّل في ماي من سنة 2000 “لجنة لإصلاح منظومة التربية الوطنية” برآسة أحد أبرز الأساتذة، بعد وقوفه على الضّرر الذّي لحق بها وإعلانها مدرسة منكوبة تركها تغرق أكثر؟ بقي تقرير اللّجنة التي أشرفت على الإصلاحات مَخْفِياً ومغلقا وكأنّه سر من أسرار الدولة إلى أن قامت النقابة الوطنية المستقلة لأساتذة التعليم الثانوي والتقني SNAPEST  بنشره على شبة الأنترنت في ديسمبر 2014 في ظلّ لامبالاة مطلقة، لقد بلغنا الحضيض. لم ينتبه أي من التربويين إليه ولم ير فيه أهمية تذكر، وفي الحقيقة أنّه منذ عهد الرئيس بن بلة بقيت الحكومات المتعاقبة رهينة -فكريا- للنّماذج البيداغوجية للأطراف التي جعلت من المدرسة ساحتها للتنافس السياسي والإديولوجي فبالنسبة للأصوليين الذّين تتجه عيونهم إلى الماضي فإن المدرسة أولا وقبل كل شيء مؤسسة تربوية وعليه فإنّ وظيفتها الأولى هي نقل القيم، بينما يرى أنصار العصرنة أن المدرسة لا تستطيع ولا يمكنها إلا أن تكون مؤسسة تحضّر الأجيال اللاّحقة وتمدّهم بالمعارف الضرورية من أجل كسب معركة الإنتاج –كما كان التعبير سائدا في زمن الرئيس بومدين- أو تلبيةً لمتطلبات السوق بتعبيرنا الحالي، مع الإمتناع كليّا عن تشكيل خطاب حقيقي للعصرنة الإجتماعية. في حين أن المدرسة لا هذه ولا تلك من هاتين المؤسستين بل هي هما معا: فهي في الوقت نفسه إيطار للتنشئة الإجتماعي أي ترسيخ القواعد والقيم الإجتماعية (أو قيم الأغلبية السائدة من المجتمع كما هو الحال غالبا) ومكانا لتَحصيل أساسيات المعرفة، خاصة تلك المعارف التي يمكن تحويلها سريعا إلى مهارات وكفاءات. لقد عمّقت الأزمة التي تعيشها الدولة هذا التشظي في المدرسة، ولا يمكن للدولة أن تستردّ هيبتها إلاّ بوضع يدها من جديد على المدرسة، ليس من أجل ممارسة القمع عليها بل من أجل رسم الطريق الذي تسلكه، لأنّ الدولة الحديثة، وهذا ما تطمح إليه الدولة الجزائرية، رغم العجز الذي تعاني منه، أولا وقبل كل شيء مؤسسة تحكيم وضبط.

وأمّا الآن فإن رداءة المدرسة الجزائرية ظاهرة للعيان ولا يمكن لأحد إنكارها، رداءة أعاقت فكريا أجيالا كاملة من التلاميذ. الكارثة تفوق الوصف. في المدرسة لا نعلّم التلاميذ لغة أو عدة لغات، أو معارف كثيرة فقط، بل نمرّنهم على التفكير الخطي أي نعلمهم التفكير من خلال الكتابة، يمكن أن يبدو هذا تناقضا ولكن كلما قدرنا على ترجمة أفكارنا عن طريق الكتابة كلما كنا على الكلام براحة وسلاسة أقدر. قبل أن تكون مسألة موارد بلاغية أو حتى تواصلية اللّغة المدرسية والتحكم فيها قضية فكرية شائكة. ومن أجل الوقوف على إفلاس نظامنا التربوي لنقم بالتجربة التّالية: حاولوا فتح نقاش -بلغة سليمة- وليكن مع ابنتكم أو ابنكم المتمدرس حول موضوع من اختياره، وستلاحظون أنّه في تسع حالات من أصل عشرة يكون الفشل ذريعا، أغلب تلاميذنا محرومون حتى من طريقة الإستدلال العقلي. لا يحسنون إقتصاد الخطاب العقلي ولا آلياته. صحيح أن كل هذا يتم تعليمه ولكن هناك بعض منه ما يتم عن طريق الحدس، إذ يكفي من أجل ذلك أن تكون قارئا فذّا. مع الأسف هل تعرفون في محيطكم أطفال كثر يطالعون؟ هناك من يتخرّج من الجامعة دون أن يقرأ كتابا كاملا من أوّله إلى آخره، وإذا كان كثير منهم يتصفّحون الكتب فهم لا يقرؤونها. وإن حدث وطلبتم منهم-جزافا- إنجاز ملخص لكتاب أو بطاقة قراءة لا يقدرون على ذلك، فلا المتوسطة ولا الثانوية لقّنتهم الطريقة وتقنيتها. كيف يمكن إذن في وضع مماثل التعبير عن أي فكرة إذا لم نتحكّم جيدا في اللّغة التي درسنا بها لمدة عشرة أو خمسة عشر أو حتى عشرين سنة؟ كيف نحب الوطن ونلتحم طويلا مع الجماعه في مصيرها إذا جهلنا تاريخه؟ كيف نتفتح على العالم إذا بقينا أحاديي اللّغة؟ كيف السبيل إلى بلوغ الكمال في الإنسانية والمواطنة إذا لم يكن لدينا أي رصيد ثقافي، وإذا حرمنا ذائقة القراءة ومحبة الفن؟ ومِنَ الدّين نفسه لا يجب أن نخاف. لقد تركت-حتى لا نقول تخلت- الدولة ولمدة عقود كاملة تسيير الشأن الديني في يد جماعات ضغط جعلوا منه مِنطَّة لبلوغ أغراضهم الإجتماعية والسياسية إن لم نقل الشخصية. لماذا يجب على مدرستنا أن تتبنى بشكل رسمي مذهب القدرية والجبرية؟ إذا كان كل شيء مكتوب، فإذن لا شيء مكتوب، هذه الطريقة في الطاعة والولاء تعبير عن الهروب من مواجهة الواقع والتنصل من المسؤولية، فعندما لا يكون “المكتوب” هو المسؤول عن فشل النّاس فإنّهم يحمّلون الدولة ذلك أو أي كائن آخر إلاّ ذاتهم، علما أن مسألة ما إذا كان الإنسان مجبورا أو مختارا ومسؤولا عن أفعاله قضية لم يحسمها القرآن، بل ترك الأمر مفتوحا للنقاش بين المؤمنين” ليعقلوا” مانحا الحجج لهؤلاء وأولائك، ولكن بعد المساهمة في تأزيم كل المذاهب السنية الأخرى، قامت السلفية المحدثة بفرض نفسها كبديل أين احتلت فضاءات إجتماعية ومؤسساتية، ونشر الفكر السلفي الجبرية إلى درجة توصل فيها إلى نفي على الإنسان وجوده ككائن مستطيع وجعل من الإرادة الحرة عين الكفر، في حين أن القرآن يساوي بين عدد الآيات التي تؤيد الإرادة والتي تنفيها: حوالي ستة عشرة آية مؤيّدة وستة عشرة آية معارضة، أراد المتكلمون العقلانيون الذّين وضعوا القدرة والتمييز كأساس لفصل الإنسان عن الحيوان أن يجعلوا من الإنسان مسؤولا عن أفعاله وأن يتحمل تبعاتها. أليس هذا ما نحتاجه اليوم؟ يعني هذا بوضوح أن الدّين الذي يُحْسَنُ فهمه لا يتعارض مع حداثة المدرسة والتربية، بل يشجعها على دعم التفكير العقلي عند الأفراد قبل القيام بخياراتهم حتى يتصرّف بعلم-بتعبير علماء الإسلام القدماء-. الإرادة الحرة هي النّهج الفلسفي الوحيد الذي يناسب هذا العالم المركب الذي نعيش فيه. من الواجب إذن على المدرسة أن تمنح أطفالها مفاتيح وجودهم في العالم لتتمكن جزائرنا من بلوغ مرتبة جديرة بها بين الأمم وتعمل على سعادة ورفاه الجميع كجزء من إنسانيتها.

  • هواري تواتي، مؤرّخ، مدير دراسات في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الإجتماعية، باريس
  • أحمد جبّار، رياضي ومؤرخ علوم، أستاذ فخري في جامعة العلوم والتكنولوجيا في ليل، وزير سابق للتربية الوطني
  • محمد حربي، مؤرّخ ومسؤول سابق لجبهة التحرير الوطني
  • عبد الرزاق دوراري، مختص في اللّسانيات، أستاذ في جامعة الجزائر
  • خولة طالب إبراهيمي، مختصة في اللّسانيات، أستاذة في جامعة الجزائر
  • واسيني لعرج، كاتب وأستاذ الأدب الحديث في جامعتي الجزائر وباريس 3 السربون.

 


الصحراء من منظورٍ أنثروبولوجيٍ

 

الصحراء من منظورٍ أنثروبولوجيٍ

رحال بوبريك، المجتمع الصحراوي من عالم الخيمة إلى فضاء المدينة، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2021.

في التمهيد:

يعرض هذا المقال، بناءً على رؤيةٍ تحليليةٍ نقديةٍ، نتائج دراسةٍ حول المجتمع الصحراوي قيمةٍ في مجال الدراسات الصحراوية. فقد عانى البحث العلمي المتعلق بالصحراء الأطلنطية من فراغٍ معرفيٍ دام طويلاً خاصّةً في حقلي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، مما كرّس جهلاً بالفضاء الصحراوي، وثقافته، وبنائه الاجتماعي والاقتصادي. غير أن إنجاز أبحاثٍ علميةٍ رصينةٍ كهذه التي يتضمّنها كتاب “المجتمع الصحراوي من عالم الخيمة إلى فضاء المدينة” للباحث المغربي رحال بوبريك، قد أماطت اللثام عن كثيرٍ من الإشكالات التي ظلت بعيدةً عن التناول العلمي عند كثيرٍ من الباحثين المهتمين بهذا المجال.

وبناءً على ذلك، تروم هذه القراءة الوقوف على أهم القضايا الكبرى التي أثارها باحثنا في هذا العمل، انطلاقاً من قراءة وتحليل أهم الأفكار والمعارف والتحليلات التي يُقدمها. كما أسعى من خلال هذا العرض إلى تتبع الحسّ الأنثروبولوجي الذي يُعبر عنه رحال بوبريك في هذا الكتاب، والذي اعتمده كمنطلقٍ منهجيٍ ونظريٍ لتفكيك كثيرٍ من التيمات والمفاهيم التي يقف عندها من حين لآخر.

وفي مستهل القول، يرى الباحث الأنثروبولوجي الإسباني خوليو كارو باروخا (Julio Caro Baroja) أن السبق في الاهتمام بالمجتمعات البدوية يعود إلى الأنثربولوجيا الألمانية. حيث كشف الباحثون الألمان عن وجود ثقافةٍ بدويةٍ ورعويةٍ متميزةٍ انتشرت في مناطق واسعةٍ من العالم القديم، وفي أزمنةٍ متباينةٍ1. غير أنه لم يصل إلى المكتبة العربية من ذلك شيءٌ. والسبب في ذلك يعود طبعاً إلى عدم ترجمة تلك الأعمال إلى لغاتٍ يُتقنها الباحثون العرب، كما أنه لم تُعطَ أهميةٌ بالغةٌ للغة الألمانية وللإنتاج العلمي الألماني.

ومن ثم تظل الكتابات الإسبانية والفرنسية من أهم ما أُنتِج حول المجتمعات البدوية، إلى جانب الدراسات الإنجليزية التي أُنجِزت عن الرحل في مناطقٍ مختلفةٍ من العالم، وخاصّةً في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأستراليا. أما الأبحاث العربية فلا يوجد منها إلا النزر القليل، وخصوصًا حينما يتعلق الأمر بمجتمع الصحراء الأطلنطية. ولا ريب في أن كتاب “المجتمع الصحراوي من عالم الخيمة إلى فضاء المدينة” لرحال بوبريك، يُعد من أغنى ما كُتِب حول مجتمعات البدو، وما لحقها من تحولاتٍ معاصرةٍ على جميع المستويات.

وإذا أردنا أن نُعَرِّفَ بصاحب الكتاب رحال بوبريك، سنقول حتمًا إنه أنثروبولوجيٌ مغربيٌ متخصصٌ في أنثروبولوجيا المجتمعات الصحراوية،. وقد أصدر الباحث عددًا كبيرًا من الدراسات والمقالات تهم مجال الصحراء، منها هذا الكتاب الذي نحن بصدد قراءته ومناقشته في هذا المقال، وهو إنتاجٌ لتجربةٍ طويلةٍ في الاشتغال حول المجتمع الصحراوي تفوق عشرين سنةً من البحث والتقصي.

يُلقي رحال بوبريك الضوء في هذا العمل على موضوعٍ شائكٍ ومعقّدٍ، يقف من خلاله على حيثيات التحول في المجتمع الصحراوي، وذلك انطلاقًا من تتبع مسار انتقال الرحل من نمط الحياة البدوية، القائم على الترحال والتنقل الدائم بحثاً عن الماء والكلأ، إلى نمط العيش الحضري بالمدن المحدثة عقب الدخول الاستعماري إلى المنطقة. وحقيقةً، إن معالجة هذا الموضوع هو في غاية الصعوبة. إذ يحتاج الأمر من الدارس اكتساب معرفةٍ وخبرةٍ دقيقةٍ عن بنية المجتمع الصحراوي من جهةٍ، ثم التسلح بعدةٍ منهجيةٍ ونظريةٍ رصينةٍ تُمكن من دراسة المجتمعات المحلية بكثيرٍ من الحرفية من جهةٍ ثانيةٍ، على غرار ما قام به الباحث رحال بوبريك حينما استعار من الأنثروبولوجيا التاريخية مقاربته العلمية، وذلك أثناء دراسته لتطور أشكال ومظاهر التحضر ما قبل الاستعمار، مما مكنه من فهم سيرورة الانتقال من البداوة إلى الاستقرار والتوطين (ص. 7). كما اقتنص باحثنا أيضًا من السوسيولوجيا الحضرية (Louis Wirth) بعض المفاهيم والتحليلات النظرية حول الظاهرة الحضرية.

وعلى كل حالٍ، تأتي أهمية مُؤَلَّف “المجتمع الصحراوي من عالم الخيمة إلى فضاء البادية“، من حيث كونه يرصد لنا مباشرةً مسار التحول الذي عرفته الصحراء إثر الانتقال من عالم البادية، إلى فضاء المدينة بمقوماتها العصرية، وما واكب ذلك من تحولاتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ غيرت من ملامح المجتمع الصحراوي. إن إثارة هذا الموضوع يُظهر لنا أن المجال الصحراوي ما زال يغري الباحثين في العلوم الاجتماعية، رغم العديد من الدراسات التي أنجزت حوله في السنوات الأخيرة في مختلف التخصصات. فهناك مزيد من القضايا الجزئية التي لم تنل بعد حظها من الدراسة والبحث، خصوصًا وأن الأقاليم الصحراوية تعيش دائماً في تطور مستمر.  وعلى هذا الأساس فإن تحليل ومناقشة مباحث هذا المؤلف وفصوله، سيهيئ أمام الباحثين المهتمين بالدراسات الصحراوية، الطريق للكشف عن عدد من الإشكالات التي تستدعي البحث فيها مستقبلاً. فالبحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي حول الصحراء ما يزال في بداياته.

هذا، ويضم الكتاب الماثل أمامنا أربعة فصولٍ رئيسيةٍ؛ يتناول الفصل الأول منه عالم الخيمة كنمطٍ للسكن والتنظيم الاجتماعي، والثاني المدينة الصحراوية التقليدية في فترة ما قبل الاستعمار من خلال نموذجي گليميم والسّمارة، والثالث يتمحور حول الترحال أمام محك التحولات. أما الفصل الرابع فيناقش فيه الباحث نهاية الترحال وصيرورة الانتقال من الخيمة إلى المنزل وصولاً إلى الاجتثاث أو ما يسميه ﺑ”نهاية البداوة”.

أولاً: عن المرجعية النظرية والمنهجية للكتاب

لا شك أن متتبع كتابات رحال بوبريك سيلاحظ أن لديه اهتماماً خاصاً بأنثروبولوجيا المجتمعات الصحراوية. حيث كان يسعى دائمًا، إلى تبيان مدى غنى المجال الصحراوي وخصوبته ثقافياً واجتماعياً.  فلم تكن الصحراء بالنسبة إليه فضاءً عقيماً وثابتاً، بل عرفت ديناميكيةً ثقافيةً، واجتماعيةً وسياسيةً2، جعلت من الفضاء الصحراوي مجالاً فاعلاً وحركياً في تاريخ المجتمع البيضاني ومجتمع الشمال الغربي لإفريقيا ككل.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاهتمام العلمي يعكس انشغالاً مجتمعياً وتنموياً خاصاً بالصحراء، مما فرض طلباً متزايداً للقراء والمهتمين على الأبحاث التي تتناولها.  وتبعاً لذلك، يمكن اعتبار هذا الكتاب من تجليات المواكبة العلمية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي عرفها المجال الصحراوي في السنوات الأخيرة، والتي من بين مؤشراتها ارتفاع نسب التمدن في المدن الصحراوية بفعل تزايد استقرار البدو الرحل، وبالتالي الانتقال من نمط الحياة البدوية إلى نمط العيش الحضري.

وفي ظل هذا السياق المجتمعي العام، الذي شكل عاملاً محفزاً لاهتمامٍ أكاديميٍ يستهدف إنتاج معرفةً علميةً تساعد على فهم حيثيات التحول في المجتمع الصحراوي وتفاعلاته المعقدة، باعتباره صيرورةً تاريخيةً وثقافيةً واجتماعيةً، تأتي مساهمة الباحث رحال بوبريك بهدف محاولة تفكيك خيوط هذا الموضوع الشائك. وذلك باعتماد مقاربةٍ أنثروبولوجيةٍ تاريخيةٍ، تأخذ بعين الاعتبار المدى الطويل في دراسة تطور أشكال ومظاهر التحضر ما قبل الاستعمار (وَلاّتة وگيلميم)، من خلال التركيز على مسار الانتقال من نمط عيش يَتَّكِئُ على البداوة والترحال إلى نمط جديد قِوَامُهُ الاستقرار بالمدن والمراكز الحضرية.  وهكذا، وبحسٍّ أنثروبولوجيٍ تاريخيٍّ عميقٍ ذي هدفٍ تحليليٍ وتفسيريٍ، حاول رحال بوبريك أن يضع إشكاليته في إطارٍ نظريٍ واضح.  وقد نجح في ذلك إلى حدٍّ بعيدٍ، حيث استحضر منذ البداية النظرية الأنثروبولوجية حول البداوة من خلال تصور جاك بيرك (Jaque Berque)، الذي اعتبر أن الترحال حالةً قصوى من تأقلم مجتمعٍ إنسانيٍ مع قساوة الوسط (ص. 5).

هذا وقد استند بوبريك في تحليله لتطور الظاهرة الحضرية بالصحراء على كتابات رواد السوسيولوجيا الأوائل، وخاصّةً ماكس فيبر (Max Weber) ولويس ويرث.  كما انفتح الباحث كذلك على حقولٍ معرفيةٍ أخرى قريبةٍ، ليستمد منها بعض المفاهيم والمعطيات التحليلية التي ساعدته على فهم إشكالية المدينة الصحراوية. ونخص بالذكر دراسات الجغرافي الفرنسي أوليفيى بليز (Olivier Pliez) حول المدن الصحراوية في ليبيا، وكتاب مدن موريتانيا العتيقة  لأخمد مولود ولد أيده الهلال، وغير ذلك من الدراسات الحديثة. كما استحضر نظرية المجال عند بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في دراسته للخيمة كمجالٍ منزليٍ تحكمه مجموعةّ من القواعد، وينبني على تقسيمٍ منظمٍ للأدوار والوظائف والواجبات.  وعلى أية حالٍ، فإن تطور الظاهرة الحضرية في المدن الصحراوية، كما يقول رحال بوبريك، إنما هي عمليةّ بدأت منذ منتصف القرن الماضي لتأخذ شكلها النهائي في أواخر السبعينيات تزامناً مع حرب الصحراء، وهي المرحلة التي اتخذها الباحث كموضوع له في هذه الدراسة (ص. 8).

ثانياً: الخيمة رمزاً للبداوة

استهلّ الْمُؤَلِّفُ عمله البحثي هذا، بالعودة قليلاً إلى زمن البداوة ليبين أن الحياة البدوية كانت تقتضي العيش في الخيمة كمسكنٍ متأقلمٍ مع نمط حياة الرحل وترحالهم.  ولذلك اختار الباحث أن يقف بالوصف والدراسة على كل مكونات الخيمة المادية منها والرمزية.  فصناعة الخيمة تمثل طريقةً لإدراك الحياة الاجتماعية، بل وطريقةً لإدراك القيم الرمزية كما يجسدها السكن لدى البدو (ص. 9).  فبناء الخيمة وتركيبها وجمعها ونقلها هو عمليةٌ اجتماعيةٌ تنبني على تقسيمٍ دقيقٍ ومنظمٍ للأدوار.  وقد عمل بوبريك في هذه الدراسة على تقديم وصفٍ سوسيولوجيٍ لكل المراحل والعمليات التي تتصل بالخيمة ككيانٍ ماديٍ، ولكن أيضًا كنظامٍ اجتماعيٍ رمزيٍ وثقافيٍ. وفي الواقع، إن المرأة هي العنصر الأساس الذي تدور حوله مختلف أعمال إنتاج الخيمة، بل وحتى طريقة العيش داخلها، حيث تتكفل النساء بجميع مراحل صناعتها بشكلٍ جماعيٍ ((التويزة)) (ص. 14).

إن المجتمع الصحراوي في جوهره، وكما يشير عالم الاجتماع الموريتاني عبد الودود ولد الشيخ، هو مجتمعٌ بدويٌ يتكون من عدة قبائلٍ مختلفةٍ كانت تعيش على الترحال وتربية الماشية.  ويتنقلون بشكلٍ دائمٍ بحثًا عن الماء والكلأ لحيواناتهم التي تمدهم باللبن واللحوم للغذاء3.  وعليه، فإن طبيعة العيش البدوي هو الذي فرض هذا النوع من السكن المتمثل في الخيمة.  فالتنقل الدائم والمستمر استوجب العيش في خيام مصنوعة من القماش أو القماش الممزوج بوبر الإبل (ص. 15).  وهنا يقف الكاتب بحنكته الأنثروبولوجية والسوسيولوجية على وصف قيام الرحل، بعد توقفهم من المسير، بتركيب خيامهم والمواد والأدوات التي يعتمدونها في ذلك.  والمثير للانتباه حقيقةً، ليس هو طبيعة الخيمة وشكلها وموادها، وإنما تلك المهارات والخفة والبداهة التي يمتلكها الرحل في تقويض ظروف الطبيعة القاسية بالصحراء، ومقاومة شظف العيش بالفضاء الصحراوي المرعب.  فالترحال ليس بالأمر الهين، لكن بحقٍّ استطاع أولئك البدو بناء نظامٍ اجتماعيٍ، واقتصاديٍ، وسياسيٍ خاصٍّ بهم. وهو نظامٌ يتلاءم مع الطبيعة البدوية، ويتكيف مع الشروط البيئية والمناخية التي عادةً ما تفرضها المناطق الصحراوية.

ومن جانبٍ آخر، نجد رحال بوبريك لا يُناقش في هذا الكتاب موضوع الخيمة في مظهرها المادي الهندسي أو اعتبارها مسكنًا بسيطاً يأوي الأسرة ويقيها من البرد والشمس فقط، ولكن باعتبارها تمثلاً اجتماعياً وثقافياً ورمزياً.  وهنا يربط الباحث بين الخيمة وحياة البداوة وخصائصها وثقافتها المميزة، ويعتبر أن الخيمة هي تعبيرّ عن كيانٍ اجتماعيٍ هو أساس المجتمع وهو الأسرة.  فكلمة ((خيمة أهل فلان)) تشير في معناها إلى الأسرة أو مجموعة من العائلات من نفس القبيلة (ص. 25). ولذلك ينظر الباحث إلى الخيمة كفضاءٍ رمزيٍ يشمل العديد من القيم الثقافية والعادات والممارسات الاجتماعية والطقوس التي تؤسس للثقافة البدوية وحضارتها.

وفي هذا الشأن، يُقدم بوبريك تحليلاتٍ معمقةٍ حول طبيعة الحياة الاجتماعية داخل الخيمة، والأدوار والوظائف والواجبات التي على كل فردٍ من أفراد الأسرة أو القبيلة القيام بها.  ويقف بالأساس على دور المرأة المحوري سواءّ في صنع الخيمة، أو في الحياة اليومية داخلها.  وما يمكن أن نستنتج من كل تلك التحليلات هو أن الحياة البدوية في كليتها تدور كلها حول الخيمة بالإضافة إلى الإبل والرعي كمصدرٍ للعيش. ولذلك فإن الخيمة كنمط سكنٍ في المجتمع الترحالي تمثل جزءاً جوهرياً من نموذج التنظيم الاجتماعي الذي تتميز به القبيلة في الصحراء كأساسٍ للحياة الاجتماعية والمادية.  وقد انطلق باحثنا من هذه المسألة بالذات ليؤكد على أن القبيلة هي إطار الحياة الاجتماعية البدوية، فلا يستطيع الفرد بالنسبة إليه العيش خارجها (ص. 39).

ومن ثم نخلص إلى أنه إذا كان الالتفاف حول القبيلة في المجتمع الصحراوي أمرٌ حتميٌ فرضته طبيعة العيش البدوي، المحفوف بالمخاطر والإكراهات الطبيعية والبيئية والاقتصادية، فإن الخيمة شكلت الوحدة الأساسية في التنظيم القبلي، إذ كانت تدور حولها الكثير من القيم الاجتماعية والثقافية، ولكن أيضاً كانت أساس الإنتاج الاقتصادي في المجتمع البدوي المتسم بقلة الموارد وندرة مصادر العيش.

ثالثاً: المدينة الصحراوية التقليدية

يُقصد بالمدينة الصحراوية التقليدية في هذه الدراسة، تلك المراكز القليلة التي عرفت نوعاً من الحياة المستقرة نسبياً، والمرتبطة بشبكات التبادل التجاري الذي كان يربط بين ضفتي الصحراء، والتي جعلت منها نقط عبورٍ للقوافل التجارية.  وهي تقع أساساً في الشمال (واد نون) أو جنوب تيرس (موريتانيا حالياً) (ص. 51). ومن هذا المنطلق بين بوبريك أن المناطق الصحراوية الواقعة جنوب وادي نون لم تكن تعرف حياةً حضريةً مستقرةً، بل كان الترحال الرعوي هو النمط السائد طيلة قرونٍ عدةٍ، وكان التنقل هو الأسلوب الذي كانت تنهجه القبائل البدوية. غير أن ذلك لم يمنع من تواجد بعض أماكن الاستقرار التي كان يُصطلح عليها ﺑ  الگصر4.

إن القصور التي يتواجد أغلبها في مناطق الواحات تُمثل في نظر صاحب الكتاب طريقةً مميزةً في الحياة، والتي تُعد حضريةً بمعايير المجال الصحراوي.  وعلى هذا الأساس، يقف بوبريك على نموذجين رئيسيين للحياة الحضرية في الصحراء: ﮔليميم والسمارة، معتبراً أن النموذج الأول أهم من الثاني.  وتستمد مدينة ﮔليميم أهميتها من الدور الذي لعبته منطقة وادي نون في التجارة الصحراوية. حيث شهدت هذه المنطقة مراكز حضريةٍ مزدهرةٍ، كنول لمطة وتگاوست (ص. 73).  ومن هنا يمكننا أن نفهم مدى التأثير الواضح للتجارة القافلية في خلق نواةٍ للظاهرة الحضرية في شمال الغرب الصحراوي.  وفي المقابل، استفادت السمارة من البعد الديني لنشأة مشروع مدينةٍ في قلب الساقية الحمراء، والمتمثل في تأسيس زاوية الشيخ ماء العينين في نهاية القرن 19م.

بناءً على مادةٍ مصدريةٍ تاريخيةٍ غنيةٍ، متمثلةٍ في الرحلات، تمكن رحال بوبريك من رصد كل الجوانب المتعلقة بمدينة ﮔليميم كمركزٍ حضريٍ هامٍّ بمنطقة واد نون خلال القرن 19. وقد أبرز أن المدينة لعبت دوراً اقتصادياً هامّاً في محيطها القروي والواحي، مستفيدةً من وظيفتها التقليدية كمحطةٍ رئيسيةٍ للقوافل التجارية العابرة للصحراء.  بيد أن انتقال ﮔليميم من مجرد واحةٍ إلى مدينةٍ حضريةٍ لم يكن إلا في النصف الثاني من القرن 19. وهنا يقف بوبريك بالدراسة والتحليل على العوامل المساعدة في بروز ﮔليميم كنواةٍ للحياة الحضرية في الفضاء الصحراوي وفي بلاد البيضان بشكلٍ عامٍّ، والتي يُرجِعُها إلى العامل السكاني المتجانس والكثيف نسبياً، وتنوع الأنشطة الاقتصادية، وتواجد السوق والمواسم، ثم السلطة السياسية والمسجد الجامع.

أما تأسيس مدينة السمارة فقد ارتبطت، كما أشرنا سلفاً، بزاوية الشيخ ماء العينين الذي اتخذ منذ سنة 1860 من منطقة الساقية الحمراء مكاناً للترحال (ص. 102)، قبل أن يختار الاستقرار على ضفاف أحد الوديان، وأسس فيه قصبة السمارة في أواخر القرن 19، وبالضبط في عام 1898.  واستناداً إلى هذا، عرّج بوبريك على تناول، الظروف والحيثيات التاريخية والدينية والسياسية والجغرافية التي كانت وراء تأسيس مدينة السمارة في قلب حوض الساقية الحمراء، التي تعتبر بالنسبة إليه أرض القداسة بامتياز5 (ص. 105).  وذلك بالنظر إلى الأدوار الهامة التي لعبتها في التاريخ الديني للمغرب الأقصى.

وعلى ضوء ما تقدم، يمكن أن يُثار في ذهن القارئ تساؤلٌ حول ما قيمة بناء مدينةٍ في وسطٍ صحراويٍّ قاحلٍ ذي نمطٍ عيشٍ بدويٍ يقوم على الترحال والتنقل الدائم وراء المراعي؟ فباستثناء إشارةٍ طفيفةٍ إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يقوم به بناء مركزٍ ثابتٍ، بالنسبة للشيخ ماء العينين، في استقبال المريدين والباحثين عن البركة (ص. 116)، لم يقدم رحال بوبريك جواباً كافياً عن هذه المسألة، أو على الأقل وضعها في إطارٍ إشكاليٍّ ما دام أن إثارة الأسئلة أهم من الأجوبة في مثل هذه المواقف التي يمكن أن تعترض الباحث. بيد أنه قدم تحليلاً نوعياً للأدوار التي كانت لمدينة السمارة في استقطاب الرحل واستتباب خيامهم قرب القصبة من ناحيةٍ، ووظيفتها السياسية (التواصل مع السلاطين) والعسكرية (الجهاد ضد الفرنسيين) من ناحيةٍ ثانيةٍ.  ثم إنه أثار الطموح الذي كان للسمارة لأن تكون محطةً تجاريةً، لموقعها على محاور الطرق التجارية (ص. 119).

ومع ذلك، لم تستطع مدينة السمارة الصمود أمام الإكراهات والتحديات الصعبة التي وقفت أمام استمرارها وتطورها كنواةٍ حضريةٍ في الصحراء. وبالتالي لم يتحقق لها ذلك النجاح المرتقب. وهو ما جعل بوبريك يخلص في دراسته إلى أن منطقة الغرب الصحراوي ظلت مجالاً للترحال بامتياز، والذي هيمنت عليه تقاليد الحياة الرعوية. وهو الأسلوب الذي يتماشى مع الطبيعة الصحراوية ذاتها، وظروفها المناخية والبيئية القاسية التي تجعل من الصحراء منطقةً تنتصر فيها الحتمية الجغرافية على كل إرادة الإنسان في بناء المدن (ص. 126). غير أن إطلال الفضاء الصحراوي على المجال البحري غرباً قد مكن من اكتشاف بديلٍ لإقامة المدن في الصحراء.  وهو المشروع الذي عملت عليه السلطات الاستعمارية بعد دخولها إلى المنطقة في بداية القرن 20.

رابعاً: الترحال أمام محك التحول

ينطلق الْمُؤَلِّفُ في هذا الفصل من فكرةٍ جوهريةٍ مفادها أن ميلاد المدينة الحديثة في الصحراء الأطلنطية يعود إلى سنوات السبعينيات من القرن الماضي، وخاصةً مع حرب الصحراء التي اندلعت سنة 1975 (ص. 127). بيد أن تراجع الترحال كنمطٍ للعيش، انطلق مع دخول الاستعمار أوائل القرن العشرين، وتحديداً سنة 1934. وهاهنا، يدعونا رحال بوبريك من أجل فهم تطور الواقعة الحضرية وعملية توطين البدو الرحل، إلى تتبع مراحل الاحتلال العسكري، وسياسات القوى الاستعمارية تجاه السكان الرحل. ونظراً للأهمية التاريخية والسياسية لهذه العملية فإن الباحث لا يتصور فهم كيفية ظهور المدينة في الصحراء دون دراسة التحولات التي عرفتها الظاهرة الترحالية بعينها.  فلولا تدهور الرعي الترحالي لما توجه الرحل نحو مراكز الاستقرار.

وقد وقف الباحث بقليلٍ من التفصيل، وبشكلٍ خاصٍّ، على السياسة الاستعمارية الإسبانية في منطقتي الساقية الحمراء ووادي الذاهب التابعة لدائرة نفوذها، واستحضر أساساً ما كان يقوم به الضباط العسكريون من مخططاتٍ لاستقطاب زعماء القبائل والعمل معهم في إدارة الإقليم.  وبعد أن ترسخ الوجود الإسباني في الصحراء عمل على إنشاء مراكز الاستقرار لاستيعاب الرحل وجلب المستوطنين الإسبانيين. وكان من بين السياسات المعتمدة في ذلك تهيئة الموانئ على السواحل، وتقديم الهدايا، وفتح المستوصف أمام المرضى البدو، وجلب المياه، وتشييد المباني والمرافق التجارية والإدارية، ثم تقديم المعونات للساكنة عبر توزيع المواد الغذائية.

وتبعاً لذلك، لاحظ بوبريك أن استقرار الرحل في المدن، حظي بتشجيعٍ من الدولة الاستعمارية، وبعد ذلك، بتشجيعٍ من الدولة الوطنية (ص. 157). وفي المقابل، تراجع نمط الحياة الرعوية الذي كان في حالة هشة، وهو ما أدى إلى تفكك أسس الاقتصاد الرعوي ممّا قاد بشكلٍ تدريجيٍ إلى توطين البدو.  وبالتالي أصبحت الصحراء الأطلنطية، منذ ذلك الحين، تتجه نحو قيام الظاهرة الحضرية وتسارع وتيرة التمدن.

وعلاوةً على ذلك، يرى رحال بوبريك أن نهاية الترحال في الصحراء، ومعها أسلوب حياة البداوة تحت الخيمة، ارتبط بالحد من حركة الرحل من خلال ترسيم الحدود (ص. 158). حيث أبرمت كلٌّ من فرنسا وإسبانيا مجموعةٌ من الاتفاقيات، والتي قسمت بموجبها منطقة الصحراء وحددت من خلالها مجالات نفوذ كل واحدةٍ منها. وهنا نرى أن هذه السياسة التعسفية التجزيئية للقبائل من خلال ترسيماتٍ حدوديةٍ استعماريةٍ، أدت إلى تفكيك البنية القبلية من أجل تسهيل عملية توطينها في مجالاتٍ مختلفةٍ6.

لقد سبق للباحث أحمد جوماني أن تناول هذا الموضوع في مقال له حول ((كبار الرحل والحدود الاستعمارية))7. والخلاصة الأساسية لهذا البحث هو أن الترحال الرعوي تأثر كثيراً بالسياسات الاستعمارية، والهادفة إلى مراقبة تحركات الرحل في أفق توطينهم في مراكز مستقرة والقضاء على البداوة.  وفي هذا الشأن، يرى بوبريك بأن الحدود التي وضعتها القوى الاستعمارية، دون مراعاة للظروف الاجتماعية والتاريخية والجغرافية للصحراء، قد تم فرضها تدريجياً. وبالتالي كانت القبائل ملزمةً بأن تخضع في ترحالها للتعسف الإداري والعسكري للسلطات الاستعمارية التي سنت مجموعة من الإجراءات القانونية لتنظيم حركات الرحل وتنقلاتهم في المجال.

وهكذا، شكل رسم الحدود عاملاً أساسياً لانهيار أسس الحياة البدوية، التي لم تكن تتأسس فقط على الرعي والترحال، بل كانت تقوم أيضاً على التجارة وحضور الأسواق والمواسم.  لكن تأثير الحدود سيبلغ كذلك المجال الاقتصادي، من خلال تقييد حركة التبادل التجاري بعد أن أصبح الوصول إلى الأسواق أمراً شبه مستحيل بفعل سياسة الحدود (ص. 173).  وقد كان لهذا الوضع انعكاساتٌ بالغةٌ على الاقتصاد البدوي، ومعه نمط عيش الترحال الذي لم يقوَ على الصمود أمام العوامل الخارجية المتمثلة في الاستعمار.

خامساً: نهاية البداوة أم نهاية الحضارة؟

بعد أزيد من نصف قرنٍ من التغيرات الاجتماعية والسياسية في منطقة الصحراء الأطلنطية، عرفت البداوة تفككاً عميقاً. فلم يعد الترحال أسلوباً لطلب الرزق، ولم تعد الخيمة فضاءً للسكن، ولم يعد الجمل وسيلةً للتنقل في الفيافي، ولم يعد للقبيلة حضورٌ وازنٌ كما كان من قبل، بل صارت المدينة بمقوماتها الحداثية ملاذاً محتوماً لأهل الصحراء وسكانها.  وقد أرجع الباحث رحال بوبريك هذا التحول الجديد في نمط العيش لدى الرحل إلى ثلاثة عواملٍ جوهريةٍ: السياسة الاستعمارية، وموجات الجفاف، وحرب الصحراء.

ويقدم رحال بوبريكن في هذا الصدد، في هذه الدراسة معطياتٍ دقيقةً عن ما يسميه ﺑ ((صيرورة الاستقرار)).  ويعني بها مجموع المراحل والظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والطبيعية التي عرفتها منطقة الصحراء، والتي فرضت عملية استقرار البدو الرحل وتوطينهم بالمراكز الحضرية المحدثة من قبل الاستعمار الإسباني.  فقد أدت السياسة الاستعمارية لإسبانيا القائمة على الإدارة غير المباشرة والاستغلال الاقتصادي للموارد الطبيعية (المعادن والثروة السمكية)، إلى تسارع وتيرة استقرار البدو الرحل وانخراطهم في المشروع الاستعماري المبني على التحضر والتوطين في مقابل الترحال والتنقل الذي كان سائداً. فضلاً عن ذلك، دفعت موجات الجفاف الرحل إلى اللجوء إلى المدينة باعتبارها الملجأ الأخير للعيش بعد تقويض الرعي الترحالي (ص. 183).

لقد نهجت إسبانيا سياسةً استعماريةً هجينةً ذات هدفين أساسيين: الأول، اقتصاديٌ يتمثل في استنزاف الثروات الموجودة، والثاني، سياسيٌ يكمن في مراقبة تحركات الرحل، وبالتالي القضاء على الترحال.  ومن أجل ذلك شرعت الإدارة العسكرية الإسبانية بعد ضمها لمنطقة الصحراء كمقاطعة إسبانية سنة 1958 في مجموعة من الإجراءات والتدابير لإحكام السيطرة على الإقليم.  وقد كان من بين تلك الإجراءات دمج البدو في حياة المدينة عير سياسة الإعمار والبناء وشق الطرق وتشييد المباني، ومساعدتهم في الانخراط في الحياة الحضرية وما تقتضيه من العمل المأجور والمهن المتعددة والسكن في مساكن قارة عوض الخيمة المتنقلة.

ونتيجةً لذلك انخرط عددٌ كبيرٌ من الرحل في الحياة الحضرية الجديدة كي يتحرر من إكراهات التقلبات المناخية وما ينتج عنها من أزمة جفافٍ تجعله مهدداً دائماً بفقدان مورد رزقه (ص. 196). فقد أدى توالي سنوات من الجفاف إلى هلاك أعدادٍ كبيرةٍ من قطعان الماشية.  وبالتالي أصبحت المدينة ملاذاً لكثير من العائلات البدوية.  وأصبح معه الاستقرار مآلاً لا مفر منه في عالمٍ تغير بالكامل (ص. 198). إن تراجع حياة الترحال بل ونهايته، بغض النظر عن الظروف التي عرفتها الممارسة الرعوية ذاتها، شكل نتيجةً حتميةً لظهور المدينة في الصحراء.

ومن جهةٍ أخرى، لعبت حرب الصحراء دوراً كبيراً في طرد الرحل نحو المدن.  وقد عمل بوبريك على توضيح هذا العامل من خلال ربطه بين الأحداث السياسية التي وقعت في السبعينيات و التغيير الجذري الذي حصل في طريقة حياة الرحل. وبالنسبة إليه، فاندلاع حرب الصحراء في نونبر 1975 شكل الحدث الرئيس الذي أجبر آخر الرحل على الاستقرار (ص. 199).  ومعلومٌ أن الحروب والاضطرابات السياسية كانت تشكل دائماً، وعبر التاريخ، عاملاً حاسماً في تغيير البنية السكانية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات.  وهكذا اضطرّ الرحل بعد توتر الأوضاع السياسية ونشوء المعارك بين الإسبانيين والصحراويين إلى مغادرة المجال الرعوي، والإقامة بالمدن، بما يعني ذلك من انتقالٍ من نمط عيشٍ ترحاليٍ إلى نمطٍ آخر جديدٍ مرتبطٍ بالحياة الحضرية.  وهو تحولٌ عبّر عنه بوبريك بكونه انتقالٌ من الخيمة كرمزٍ للبداوة إلى المنزل كشعارٍ للمدينة، وما استحدثه ذلك من تغيراتٍ في أسلوب الحياة الاجتماعية الذي تأثر أيما تأثرٍ بالوظائف الجديدة للمدينة وخصائصها الحضرية.

وهكذا، يحق لنا أن نتساءل في هذا المقام عن الدور الذي لعبته نشأة المدينة في الصحراء في قلب موازين الفضاء الصحراوي، الذي لم يكن يعرف عن الاستقرار والتمدن شيئا، سوى ما كان يتواجد في بعض الواحات التي كانت تفصل بين مجال الصحراء والمناطق الخصبة الواقعة من الشمال أو الجنوب منها. وبالتالي فمن البديهي أن يستقر في الذهن التساؤل عن كيف يمكن الحديث عن عالمين مختلفين في الصحراء: عالمٌ حضريٌ وآخر بدويٌ؟ إن هذا الإشكال تنبه إليه باحثنا رحال بوبريك في معرض حديثة عن ظهور المدينة، وأشار إلى أن الصحراء لم تكن تعرف مراكز مستقرةً، وبالتالي لم تكن هناك ثقافةٌ حضريةٌ مقابل ثقافةٍ بدويةٍ (ص. 200).

إلا أن ما يسترعي الانتباه في هذا الإطار هو مدى قدرة البدو الرحل الذين أَلِفُوا حياة البداوة على الاندماج في الحياة الحضرية، وكيف أثر ذلك في شخصيتهم وقيمهم وتكوينهم النفسي وأسلوب تفكيرهم وأنماط سلوكهم.  وقد استطاع بوبريك دراسة هذا الموضوع، وقدَّم تحليلاتٍ مكنت من فهم هذا التحول المفصلي في حياة البدو، وخاصةً على مستوى الفضاء المنزلي وكيفية استعماله والمعايير الاجتماعية والثقافية المعتمدة في ذلك، والتي تُوضِّحُ مدى استمرار تعلق البدو المستقرين بما كانوا عليه في زمن البداوة.

وصفوةُ القول، إن استقرار البدو في المجتمع الصحراوي كان له وقعٌ كبيرٌ على المظهر العام للصحراء. ففي الوقت الذي كانت فيه مجالاً بدوياً يأوي حضارةً عريقةً فتنت خيال العديد من المؤرخين والجغرافيين والرحالة والمستكشفين والتجار الذي كانوا يعبرون ما بين ضفتيها، أصبحت اليوم كلها مدناً ومراكز استقرارٍ متفرقةٍ ومشتتةٍ.  فقد أجبر الرحل على التخلي عن نمط حياةٍ دام لقرونٍ ليجدوا أنفسهم في فضاءٍ غريبٍ عنهم (ص. 230).  فلم تكن عملية الاستقرار هذه مجرد استقطابٍ للسكان نحو المدن، بل شكلت عملية استئصالٍ للحياة البدوية، وتدميرٍ لأسلوب الترحال الرعوي بما له وما عليه. إنه فعلٌ وخيمٌ سماه بوبريك ﺑ ((عملية الاجتثاث)). إنه الوصف الذي يُعبر أحسن تعبيرٍ عن ما عرفه المجتمع الصحراوي من تغيرٍ عميقٍ.

على سبيل الختم

يُمثل كتاب “المجتمع الصحراوي من عالم الخيمة إلى فضاء المدينة” لرحال بوبريك، ومعه هذه القراءة الخاطفة، فرصةً للقارئ العربي عموماً، للتعرف عن قرب وبأسلوبٍ علميٍ مبسطٍ، عن مجال الصحراء الأطلنطية وعن مسارها التاريخي والاجتماعي والثقافي. فالدراسة تضم معطياتٍ غزيرةٍ حول البنية الاجتماعية للمجتمع الصحراوي زمن البداوة، والتحولات التي شهدها بدءاً من الدخول الاستعماري إلى المنطقة وحتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، إثر عملية استقرار البدو الرحل وما واكبها من تحولٍ في نمط العيش.

إجمالاً، إن القراءة التحليلية النقدية للدراسة السالفة، أظهرت أنه على أهميتها تبقى بحاجةٍ إلى دراساتٍ أخرى ميدانيةٍ في مجالي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إذ مازالت هناك أسئلةٌ كثيرةٌ تحتاج إلى تكثيف الأبحاث فيها، وخاصّةً ما يتعلق بتبيان مدى تأثير الظاهرة الحضرية بالصحراء على الجانب الثقافي، ونعني بذاك ما مدى حفاظ المجتمع الصحراوي على ثقافته الغنية التي ميزته لقرونٍ عدةٍ، بعد الاندماج مع حياة المدينة ومتطلباتها العصرية. ثم إن الموضوع يطرح قضايا وإشكالات أخرى تستدعي البحث والتفكير، منها على سبيل المثال لا الحصر: مسألة الرحل في الوقت الراهن، والتعايش القبلي والإثني في المدن الصحراوية، واستثمار الرصيد التاريخي والاجتماعي للمجتمعات البدوية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية الشاملة.

 

 

الهوامش

1 إذا كان التأثير الألماني في الأربعينيات من القرن الماضي واضحًا في عمل خوليو كارو بارخا الأنثروبولوجي، ففي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كانت اهتماماته أكثر ارتباطًا بالعالم الأنجلوسكسوني وبفكرة الوظيفية. لكن لا يمكن أن يتوافق الموقف التاريخي الواضح لكارو باروجا مع الرؤية الكلاسيكية للوظيفية التي اقترحها مالينوفسكي أو رادكليف براون، لأنه إلى حدٍّ ما موقفٌ ضيقٌ، وقائمٌ على التزامن المطلق مع نموذج المجتمعات البدائية والمعزولة نسبيًا؛ وبالتالي فإن ما يجمع أعماله هو نقد النظرية الوظيفية وتكييفها مع المجتمعات المعقدة ومع التصور التاريخي الذي أنشأه إيفانز بريتشارد. ولكن يجب القول أيضًا بأن التاريخ، جنبًا إلى جنب مع الأنثروبولوجيا الاجتماعية، يظهر كمكونٍ أساسيٍ في تحليلات باروخا، وكشرطٍ متوافقٍ تمامًا مع الوظيفية الأنثروبولوجية. منذ هذا الوقت، وجد باروخا طريقته الخاصة التي يشار إليه بالبنيوية التاريخية. يمكن الرجوع إلى:

Carmen Ortiz Garcia, «Julio Caro Baroja, antropólogo e historiador social», in: RDTP, LI, 1, 1996, p. 292.

2  رحال بوبريك، دراسات صحراوية: السلطة، الدين، والمجمع، دار أبي رقراق، الرباط، ط1، 2008، ص 6.

3 Abdel Wedoud Ould Cheikh, La société Maure: Éléments d’anthropologie historique, publication de center des études sahariennes, impressions bourgreg, Rabat, 2017, p. 31.

4 تُعد الدراسة التي أنجزها الباحث الموريتاني أحمد مولود ولد أيّده الهلال عن مدن موريتانيا العتيقة من الأعمال الجادة التي تناولت هذا النوع من المدن المسمى بالقصور في المجال البيضاني بشكل عام. ويمكن للمهتم أن يطلع على هذا العمل القيم، ليتبين له مدى خصوصية وتفرد هذا النوع من المراكز التي احتضنت نمطاً معيناً من الاستقرار في وسطٍ صحراويٍ شاسعٍ متّسمٍ بالبداوة والترحال الرعوي. اُنظر: أحمد مولود ولد أيّده الهلال، مدن موريتانيا العتيقة: قصور ولاته، وودان وتيشيت وشنقيط، منشورات مركز الدراسات الصحراوية، دار أبي رقراق، الرباط، 2014.

5 يُنظَرُ للباحث نفسه: «الساقية الحمراء أرض الأولياء»، في: الصحراء جدلية الإنسان والمجال، مؤلف جماعي (إعداد وتقديم: محمد البوزيدي)، منشورات جمعية الشعلة للتربية والثقافة، طباعة برانت، أﮔادير، 2013، ص, 107-124.

6 محمد بو النعناع، «دينامية الوسط الحضري بالصحراء: حالة مدينة أگلميم»، في: الديناميات الاجتماعية وأفق البحث بالصحراء، تنسيق رحال بوبريك وعبد الله هرهار، منشورات مركز الدراسات الصحراوية، دار أبي رقراق، الرباط، 2016، ص. 226.

7 أحمد جوماني، «كبار الرحل والحدود الاستعمارية»، في: التراث الصحراوي التاريخ والذاكرة، أعمال ندوة الداخلة الدولية، منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، دار النشر ملتقى الطرق، الدار البيضاء، 2014، ص. 77-99.