الأربعاء، 10 أغسطس، 2011

اللهجة التارقية

اللهجة التارقية ------------------------------------ تقع ولاية تمنراست أقصى جنوب الجزائر، سكانها قبائل "التوارق"، ولعل أهمها قبيلتي "كال غلا" و"طايتوك"(1) إلى جانب قبائل أخرى وفدت من مناطق متفرقة وبخاصة منطقة توات وتيديكلت، ومتليلي الشعانبة، ووادي ميزاب، دون أن ننسى النازحين من الحدود المجاورة، كالنيجر ومالي، أضف إلى ذلك حركة السياح الأجانب. فالهقار إذاً يشكل تجمعاً سكانياً لعدد من القبائل تمتاز كل واحدة عن الأخرى بلغتها الخاصة، إضافة إلى انمازها عاداتً وتقاليد وما إلى ذلك لتنصبغ بالتنوع والاختلاف. إن ما يؤلف بين هاته الفسيفساء أكثر بكثير مما يفرق بينها من حيث الدين والتاريخ والوطن، واللغة الوطنية المتمثلة في اللغة العربية. هذا مما أسال لعابنا لمدارسة ومقاربة هذا المجتمع من جانب لغته الوطنية (اللغة العربية) وعلاقتها باللغات الأخرى ولا شك أن أقواها هي اللغة المحلية (التارقية) الموسومة بـ : "التماشقت" إحدى اللغات الحامو سامية. ولما كانت اللغة العربية فيما يزعم لغة سامية ازددنا تحفيزاً في مقاربة العلاقة بينها وبين التارقية، ووجدنا ابتداء تشابه المستوى التقعيدي، بخاصة الصرفي والدلالي لبعض الدوال. هذا مما يشكل ازدواجية لغوية تؤدي بنا إلى معرفة نوع التعايش بين التارقية والعربية ؟ التوارق أو الملثمون الرجال الزرق، أو الرجال الأحرار نسبة إلى "تماشق" أو "تمازغ"؛ هم بدو الصّحراء، والبَدَويُّ فارس لا يشق له غبار، وسيف على رقبة المعتدي، ضربه بتار، شهم في مواطن الشهامة، عفيف في مواطن العفة، ذلك الفارس على ظهر جواد، موطنه منابع الماء حيث ينيخ رحاله، مرحباً بالضيف.(2) ينحدر التوارق من أصول بربرية، ويقدر وجودهم بإفريقيا بحوالي خمسة آلاف سنة، حيث كانوا في الساحل الشمالي بدءاً، وهيمنوا فيها على طرق التجارة عبر الصحراء متاجرين بنفائسها من ذهب وعاج وإبنوس وملح، وأقاموا دولة إلى الداخل قليلاً في النيجر سُمِّيَت "سلطنة العير" عاصمتهم "أغادير"، وحينما انتشرت الدعوة الإسلامية وقف علماؤهم المعروفون بالمرابطين إلى جانب الدين الحق ؛ فنشروا تعاليمه الحنيفة في أغوار الصحراء حتى مشارف الاستواء، ثم جاء المستعمر الفرنسي ليسيطر على مناطقهم بعد مقاومةٍ عنيفةٍ لم تُغْمض له عيناً، فوجد التوارق أنفسهم مقسمين بين الجزائر، ليبيا، مالي، النيجر، تونس، المغرب، بوركينا فاسو...(3) استوطن التوارق الجزائر منذ القدم، ويكفيهم فخراً أنهم أنشؤوا أول حضارة عبر التاريخ القديم، على ضفاف بحيرات الصحراء الكبرى. والباحثون يجمعون على أن النقوش الصخرية بالصحراء متطورةٌ مقارنة مع مثيلاتها المصرية القديمة، مما يُبيّن أن المركز الحقيقي الذي انتشرت منه الحضارة قبل الميلاد هو مناطق المرتفعات بالصحراء الجزائرية كالهقار والطاسيلي وغيرهما. إن مداخلتنا تحدد إطارها المكاني بالهقار التي تقع أقصى جنوب الجزائر. هذه البيئة توحي بالانغلاق والتكتُّم، إلا أن سكانها كانوا متفتحين على البلاد المجاورة كالنيجر والمالي وحتى موريتانيا وليبيا أحياناً، ممَّا كوَّن آفاقاً فكرية أثرت المواهب وأمدت بزادٍ واسعٍ بفضل القوافل التجارية ومؤخراً بفضل المعارض السنوية (الأسيهار)، وبفضل الاحتكاك. إن هذه الشخصية لا يمكن أن يكون لها وجود بغير الإسلام الذي أَسْهَمَ في نشره وتنوير العقول بمبادئه ثلة من الشيوخ بخاصة الوافدين من إقليم توات وبالذات من منطقة "أقبلي" من أمثال الشيخ التوهامي، والشيخ الطالب ناجم سلامة، والشيخ محمد الناجم حادقي، والشيخ يحضيه الشنقيطي، والشيخ بن مالك (فولان).(4) فالتارقي والعربي وجدا نفسيهما في الآهقار (جبال بركانية قديمة التكوين)، ما لبث أن أزال بها التارقي كثيراً من مظاهر البداوة حيث حياة التمدن والاستقرار والصناعة والانصياع للقوانين ؛ التعليم والتواصل والحياة العامة المؤسساتية فوجد التارقي نفسه بين توظيف إحدى اللغتين التارقية أو العربية. الازدواجية اللغوية في الهقار: الازدواجية اللغوية في مفهومها الواسع هي استعمال الشخص نفسه لنظامين صرفيين ونحويين مختلفين. وهو الأمر الحاصل على ألسن التوارق في المنطقة. العربية بأنظمتها الصرفية والنحوية والصوتية تختلف تماماً عن الأنظمة ذاتها في التارقية على الرغم من بعض التشابه الذي لا يمكن رده إلا للقرابة اللغوية أو لكثرة الاحتكاك، أو للتأثير والتأثُّر؛ فاستعمال الشخص للنظامين : العربي والتارقي بنفس الوتيرة من التحكم يجعلنا نصفه بمزدوج اللغة، وهو مظهر طبيعي عند التوارق ؛ فهم يعرفون العربية بل هناك من يجيدها لدرجة التأليف بها، ومنهم من يعرف اليسير الذي يقيم به التواصل الضروري بينه وبين العربي في الحياة اليومية. هذا الأمر لا نجده عند العربي الذي إما أنه لا يتقن التارقية أصلاً، وإما أنه إن تحدث بها بدا عليه التلعثم، عدى من احتك بالتوارق احتكاكاً طويلاً ومباشراً (كالمصاهرة) ؛ فإنه يكون قادراً على استعمال النظامين جميعاًً. على أن الدولة فتحت فضاءً واسعاً لتعليم هذه اللغة بإدخالها في التعليم مما يغيّر من الأمر مستقبلاً، وعليه يمكن أن نصف التارقي بمزدوج اللغة في الوقت الذي نتحفظ من ذلك مع العربي. إن ما يدعو للدهشة هو أن التوارق لا يجدون الراحة في التبليغ إلا بلغتهم، ولكم ينشرح صدر الواحد منهم حينما يتواصل مع غيره ممن يتقن التارقية، علماً أنه لا ينبذ بأية حال الحديث بالعربية، فتراه مزاوجاً بين اللغتين أحيانا(5)، ومنتصراً لواحدة منهما دون تعصب. يولد المولود التارقي ليجد نفسه في محيطٍ بشري يتواصل باللغة، فيأخذ في اكتساب النظم اللغوية كما هو الشأن مع سائر البشر، فيشرب من الينبوع اللغوي الأول (التارقية) إلى غاية الثالثة ليجد نفسه أمام لسانٍ آخرَ لا يقلُّ شأناً عن لغته الأم، وهو اللسان العربي، لسان العقيدة والعبادة والتواصل الرسمي، فيتوجب عليه تعلم أبجدياتها، وتعلم القرآن والحديث النبوي والفقه في الكُتَّاب ليلتحق بالمدرسة النظامية بعد ذلك. فأصبحت اللغتان من العادة بمكان في عرف التارقي، جاعلاً شعاره لكل مقامٍ مقال. التارقية والعربية : إن الصراع اللغوي بين التارقية والعربية لم يكن وليد اليوم، هذا الذي يضعف من حدته ؛ فالشعب النازح وهم العرب لم يكونوا شيئاً مذكوراً أمام عدد التوارق في هذه المنطقة على الرغم من أن لغتهم لغة الدين والحضارة، ولكن التعايش لم يكن صعباً فكلاهما استعمل لغة الآخر وجعلها وسيلة التفاهم. ومما أضعف حدة الصراع بينهما أيضاً شخصية التارقي الذي يأبى أن يتخلى عن ثوابته، يتحدث العربية، ولا ينقطع عن الحديث بلغته الأم إلا أثناء العبادة أو قراءة القرآن أو تلاوة الأحاديث النبوية أو الاتصال بالعربي لساناً. ولا غروَ في ذلك إذ إن البربر جميعهم متشددون في الامتثال لقيمهم والحفاظ عليها من لثام ولباس وعادات،.. هذا العامل ولد انضباطاً في استعمال التارقي للغة العربية. كل هذا جعل اللغتين متعايشتين على لسان كلٍ من العربي والتارقي ومما زاد في هذا التعايش المصاهرة والوطن الواحد والمصير المشترك. وعلى الرغم من توفر العوامل الكفيلة بغلبة إحداهما على الأخرى ؛ فاللغة العربية لغة حضارة والتوارق كانوا يشكلون أغلبية ساحقة أمام العرب القاطنين بالمنطقة، وهما من فصيلة لغوية واحدة وهي الحاموسامية...، إلا أن الغلبة لم تحدث. إن السبب العلمي الكامن وراء هذا التعايش هو أن الأمر لا يتعلق بمسألة العرب أو التوارق في العدد أو الفصيلة اللغوية بقدر ما هو تلك المرجعية الدينية للعربية والتي يمثل تصارعُها مع اللغات قضية تفكير واعتقاد. يقول البروفيسور الدنمركي "كارل براسه" المتخصص في الأمازيغيات وبالضبط التارقية : "تخصصت في التارقية لأنها ملائمة جداً للمقارنة مع باقي اللغات الحاموسامية"(6)، ويقول في موضع آخر عن قداسة العربية : "العرب أحضروا الإسلام معهم واستطاعوا إقناع الشعوب بأن العربية هي لغة الله المقدسة، وهكذا فاللغة العربية لديها مقام خاص عند المسلمين"(7)؛ فاستغناء التارقي عن العربية هو استغناء عن الدين، ومع ذلك فإنه بين اللغتين كثيرٌ من مظاهر التداخل اللغوي. لقد اقتبست التارقية من العربية الكثير؛ في الدين والتعليم ونظم الحياة العصرية وغيرها، في الوقت الذي لم تتأثر الفصحى العربية بشيءٍ من التارقية، إلا أن العامية العربية أخذت شيئاً من التارقية وهو ما يظهر أثناء الحديث اليومي. يقول "كارل" : "هما ليستا لغة واحدة ولكن هناك علاقة بينهما، فكلاهما من نفس العائلة الكبيرة الحاموسامية... كل هذه اللغات لديها علاقة قريبة في النظام النحوي والنظام الصوتي".(8) ومن التشابه الذي لاحظناه بين التارقية والعربية بالهقار: 1 - على المستوى الصرفي : المضارع في العربية يأتي من الماضي بزيادة حروف (أنيت)، فالفعل "نَامَ" = "يطاس" في التارقية حينما نصرفه بحسب الضمائر: المتكلم- المخاطب - الغائب، نقول : أَطّسغْ : نمتُ (أنا) تطّسدْ : نمتَ (أنت) نطّسْ : نمنا(نحن) يطّسْ : نامَ (هو) اطّسنْ : نمنَ (أنتن) مطّسْ : نامتْ (هي) ونجد بعض الألفاظ في مستواها المعجمي تَمُتُّ بصلةٍ إلى العربية : تامطوث : (المرأة) من الطمث ؛ "الكائن الذي يحيض". أمورث : (البلد) الأرض وهي من المرثة. ايجاديجن : (الوتر) من الجد أي الأرض الصلبة. ايكرز: (الحرث) من كرز أي أدخل شيئاً في حفرة.(9) أخام : من الخيمة. آمان : الماء. أبّا : الأب. أنّا : الأم. يمُّوتْ : مات. وفي الأعداد نجد : إسِّين : اثنان سديس : ستة وقيل من السدس السّا : سبعة التّام : ثمان.(10) الخاتمة : نشير إلى أن كثيراً من البحثة تخصصوا في مدارسة اللغات الحاموسامية التي تتكون من خمسة فروع : اللغات السامية، اللغات المصرية القديمة، اللغة البربرية والتي تتفرع إلى عدة فروع إحداها التارقية. ثم اللغات الكوشية في إثيوبيا، واللغات التشادية في غرب إفريقيا. منهم "كارل براسه" الدانمركي، و"شارل دي فوكولد"، و"اندريه باست"، و"يوسي آرو"، و"أمير عبد المنعم"، و"عثمان سعدي"، وغيرهم... إن واقع التارقية اليوم أمام العربية يستدعي التعايش أكثر من ذي قبل، لقد تنامت الحياة في الهقار بعد الاستقلال وأصبحت المنطقة ولاية معتبرة، وقام الدستور الجزائري ابتداء من 1996 على أن الهوية الجزائرية لها أبعاد ثلاثة : الإسلام والعربية والأمازيغية. ثوابت تزيد في تأصيل هذا التعايش. الهوامش : 1 - مجلة إيماوضين (الشباب)، مركز تنشيط الشباب، تمنراست 1998. 2 - مقال، إعداد أمير عبد المنعم، ص 1. 3 نفسه. 4 - سلام سملالي بن سعد : مفهوم التغيير (مقال)، 1998، ص 3. 5 - أحمد نعمان : العربية والتارقية بين الصراع والإزدواجية (مقال)، 2005، ص 1. 6 - كارل براسه : حوار عن الأمازيغية (مقال)، حاوره إبراهيم قرادة، 2000، ص 7. 7 - نفسه. 8 - نفسه، ص 2-3. 9 - مجلة إيماوضين، ص 28. 10 - د. يوسي آور: وحدة الأصل بين اللغتين العربية والبربرية، مجلة الأصالة، أعمال الملتقى 13 للفكر الإسلامي، وزارة الشؤون الدينية، تمنراست 1972، ص 2-69. ------------------------------------------------------------------------------- http://www.flyarb.com/%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%82%D9%8A%D8%A9-161191.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق