الأربعاء، 27 أبريل، 2011

استراتيجية التواصل من اللفظ إلى الإيماءة

استراتيجية التواصل من اللفظ إلى الإيماءة سعيـد بنگراد I تتجاذب مفهوم التواصل حقول معرفية بالغة التنوع تكاد تشمل كل المنتوج الإنساني، فكل ما يمكن أن يشتغل كرابط بين الإنسان وما يوجد خارجه، وكل الأشكال الثقافية التي تتحدد من خلالها هوية الأفراد وتخبر عن انتماءاتهم إلى ثقافة بعينها - لغة ولباسا وطقوسا ونمط عيش - يجب النظر إليها باعتبارها " وقائع إبلاغية" تندرج ضمن حالات الاجتماع الإنساني الذي يتخلى داخله الفرد طوعا عن ملكوته الخاص لكي يتوحد مع الآخرين. وعلى هذا الأساس، فإن الظواهر الإنسانية في كليتها لا يمكن أن توجد خارج رغبة الكائن البشري في التواصل مع غيره بشكل مباشر أو غير مباشر، فمجموع ما ينتجه الإنسان عبر لغته وأشيائه وجسده وإيماءاته وطقوسه ومعماره يندرج ضمن سيرورة تواصلية متعددة المظاهر والوجود والتجلي إلى الحد الذي يجعل الثقافة في كليتها سيرورة تواصلية دائمة. وتلك هي الحالة التي يصفها إيكو وهو يتحدث عن حقل السميائيات وموضوعها (1). فالسميائيات هي دراسة للثقافة باعتبارها النموذج الكلي الذي يشتمل على كل حالات التواصل الإنساني. فلا يمكن تصور النشاط الثقافي - العنصر المحدد للوجود الإنساني - إلا من خلال زاوية تواصلية. وذاك أمر بالغ الوضوح، فكما لا يمكن تصور كون أخلاقي إلا ضمن حالة اجتماعية تنظر إلى القيم الأخلاقية باعتبارها إكراهات ومحظورات هي التعبير الأسمى عن انتماء عفوي إلى نظام اجتماعي من طبيعة رمزية، فإن التواصل هو الآخر حالة اجتماعية تتحقق من خلال أنساق متعددة ينسج الأفراد داخلها سلسلة من العلاقات من طبائع مختلفة: اللغة والنسب والجوار والتصاهر والحاجات الاقتصادية. ورغم الطابع الإنساني المحض لهذا النشاط، فإن ميلاد العلم الذي يدرس حالات التواصل كان في أحضان نشاط علمي غريب إلى حد كبير عن عوالم الملكوت الإنساني، ولا يعترف بما يمكن أن تثيره الإرساليات من انفعالات وردود أفعال عند المخاطب. فالتواصل في هذا الحقل يشتغل بآلات صماء لا تستجيب سوى للمعادلات الرياضية التي يجب التحكم فيها بدقة من أجل تقليص حجم " الضياع" المعلوماتي الذي قد يحدث أثناء كل عملية إبلاغية. فلقد قدم مهندسو الاتصالات الهاتفية (السلكية واللاسلكية) والعاملون على قياس المسافات الافتراضية (تلك التي تربط بين قذيفة يلفظها مدفع أرضي وطائرة عسكرية تحلق على علو شاهق وتسير بسرعة فائقة) أولى المحاولات الخاصة بصياغة المبادئ النظرية الأولى لهذا الحقل المعرفي الجديد. كما رأى فيه المهتمون بحالات النفس مفتاحا لفهم آليات السلوك البشري، فقد شكل مفهوم التواصل في تصوراتهم النظرية والتطبيقية الممر السري الذي يقود الذات العليلة إلى التخلص من كل العقد والاختلالات النفسية، من خلال افتراض حالات تواصلية يسقطها العليل أو يثيرها المحلل من خلال استنفار الطاقات الانفعالية المحجوزة داخل الذات المصابة بخلل يمنعها من تحقيق تواصل " سليم"، أو على العكس من ذلك من خلال " التدخل المفارق" حيث يُنصح العليل ب" التمادي" في سلوكه المريض ليستعيد حالته الطبيعية كما كان ينصح بذلك فاتسلافيك ورفاقه. (2) ويحتل في أبحاث الكثير من الأنتروبولوجيين موقعا مميزا. فقد حاول الكثير منهم، من خلال مفهوم التواصل هذا، إدراك سر الترابط الاجتماعي وكنه السيرورة التي من خلالها يتعلم الإنسان كيف ينتمي إلى ثقافة مجتمع ما ويصبح جزءا منها من خلال سلسلة من الطقوس التي تغطي جميع مناحي الحياة العملية والرمزية. وعندما أُعلن عن ميلاد السميولوجيا باعتبارها علما جديدا سيأخذ على عاتقه دراسة ما استعصى على الضبط والتحديد من خلال ما توفره العلوم الأخرى، سارع الكثيرون إلى ربط هذا العلم بالتواصل الإنساني. فالسميولوجيا في تصورهم هي علم يختص بدراسة ما يعود إلى الظاهرة التواصلية في شكلها اللفظي أساسا. فالعلامات هي أدوات يستعملها باث بشكل قصدي من أجل التواصل مع متلق ضمن دورة كلامية تكفل سوسير مبكرا برسم حدودها في كتابه دروس في اللسانيات العامة. (3) وهي الخطاطة التي قادت الفرسان الثلاثة (ج. مونان ول. برييتو وإ. بويسينس) إلى الدعوة إلى التخلي عن عالم الدلالة والاكتفاء برصد ووصف وتحليل حالات التواصل، اللفظي منه بالأساس. وعلى الرغم من الاعتراف بالقيمة العلمية للأعمال التي قدمها هؤلاء، فإن الكثير من الباحثين لم ير داعيا للفصل بين التواصل باعتباره نشاطا قائما على قصدية صريحة، وبين الدلالة باعتبارها سيرورة لا تتحدد من خلال نية التأثير المباشر في سلوك مخاطب مخصوص. فالتواصل يتضمن بالضرورة حالات للتدليل، والدلالة لا يمكن أن تخلو من قصدية إبلاغية صريحة، أو مفترضة فقط من خلال المقام التلفظي. ولقد أكدت مجموعة من الدراسات الحديثة في مجال التواصل غير اللفظي هذه الفرضية، وكشفت عن مردودية كبيرة في التحليل؛ منها تلك التي أنجزها مجموعة من الباحثين الأمريكيين المنتمين إلى ما سمي بجماعة بالو ألطو (نسبة إلى مدينة أمريكية صغيرة تقع في ضواحي سان فرانسيسكو) أو" المدرسة الخفية " (college invisisble). وعلى هذا الأساس، فإن دراسة التواصل يجب أن يُنظر إليها من زوايا متعددة، سواء من حيث تصنيف الظواهر التواصلية، أوتحديد أشكال تجليها، أو من حيث الإحالة على التصورات النظرية التي حاولت، من منطلقات إبستمولوجية مختلفة، تحديد حجم التواصل وعمقه ومناطقه ووظائفه في النفس والاجتماع. فبما أن التواصل أولا وأخيرا هو أساس التوازن النفسي وأساس الاندماج الاجتماعي للفرد، والأساس الذي تقوم عليه طرق الانتماء إلى ثقافة ما، فإننا لا يمكن أن نفعل أي شيء لا يتضمن جزئية تواصلية، إلى الحد الذي دفع فاتسلافيك إلى القول باستحالة عدم التواصل (4)، فغياب التواصل يفترض انعدام السلوك الإنساني، وهو أمر لا أعتقد أن هناك من يقره أو يعترف به. ويكفي أن نشير في هذا المجال إلى أن البدايات الأولى للوجود الإنساني الهادف إلى بلورة أدوات رمزية للتمثيل ستقود الكائن البشري إلى تأنسنه من خلال التخلص من عبء الأشياء وتعويضها بمفاهيم سهلة التداول والاستعمال، ما كان لها أن تستقيم لولا التشارك والتواضع الجماعي عبر إنشاء التجمعات السكنية المستقرة وخلق الأشكال التمثيلية الأولى التي ستضمن استمرارية هذا الاستقرار، وهو ما يعني خلق حالات التبادل الاجتماعي في كل التجارب الحياتية: الخيرات المادية والنساء واللغة (انظر.. شتراوس وتصوره لبنية القرابة). (5) استنادا إلى هذا يجب التمييز بين التواصل باعتباره ظاهرة تعد عصب الوجود الإنساني وشرطه الأساس، وبين التواصل باعتباره نظرية تتأمل الفعل التواصلي وتستخرج قواعده ومظاهره. فبينما تشكل معطيات التواصل وجودا موضوعيا يمكن الإمساك به من خلال كل مظاهر السلوك الإنساني، لا تشكل النظريات التواصلية سوى فرضيات للتحليل وفهم آليات السلوك، أي يجب النظر إليها باعتبارها إجراءً تجريديا قابلا للتعديل والإضافة والحذف. استناد إلى هذين المستويين يمكن إدراج سلسلة من التمييزات المتفرعة عن الحالتين السابقتين. فالتواصل قد يكون معطى بديهيا مرتبطا بما يضمن الوجود الإنساني ذاته، وهي حالة التبادل الاجتماعي النفعي الضروري، وقد يكون مصطنعا يتخذ شكل إلزام قسري تفرضه الوسائط الحديثة التي تنطلق من مسبقات إيديولوجية وفكرية وعقدية توجه السلوك وتتحكم في ردود الأفعال من خلال خلق حالات التنميط السلوكي المستجيب لحاجات بعينها. وتدخل ضمن هذا الشكل كل الأساليب الحديثة في التواصل منها "الدعاية السياسية" و"التوجيه الديني" و "التكوين الإيديولوجي" والإرساليات الإشهارية وكل البرامج التلفزية والإذاعية. وكما نميز بين أشكال التواصل يمكن التمييز بين أدوات هذا التواصل وبؤره. فهو في المقام الأول لفظي يتخذ اللسان بإكراهاته ولبسه أداة مثلى لصياغة الإرساليات ونقل الانفعالات والتمييز بينها، إلا أنه قد يكون إيمائيا يستند إلى أعضاء الجسد من أجل خلق حوار مع الآخر، كما قد يكون اجتماعيا تتحول داخله الطقوس والعادات وردود الفعل الجماعية إلى حالات تواصلية تكشف عن العمق الثقافي للجماعة، كما قد يكون منبثقا من الوجه المادي للحياة كالعمران وتنظيم الفضاءات وطرق التعاطي مع الدورة الزمنية وأنماط توزيعها. II إلا أن التواصل باعتباره علما يبحث في أشكال العلاقات التي تربطها الكائنات البشرية فيما بينها لم يظهر إلا في فترة متأخرة، وبالضبط في الثلاثينيات من القرن الماضي. ويعود الفضل في ذلك إلى عالمين عُرفا بانتمائهما إلى ميادين معرفية بعيدة عن عوالم السلوك البشري، ومع ذلك قدما خطاطات تختصر عملية التواصل وتحدد عناصرها الداخلية ومسارها ومجمل التأثيرات التي تعوق تحقق الإرسالية أو تسهم في إنجاحها، وهي الخطاطات التي ستلهم الباحثين في ميدان التواصل الإنساني. وقد كان نوربيرت فيينر (1894-1964) الذي يُنسب إليه علم السبرنطيقا أول من قام بتحديد السيرورة التي من خلالها يمكن التحكم في أشكال التواصل وتوجيهه. لقد كان همه هو تحديد السبل العلمية الدقيقة التي يستطيع من خلالها مدفع أرضي مضاد للطائرات أن يصيب هدفا متحركا يسير بسرعة فائقة. فكانت فكرة " الإرجاع " feedback أو retroaction التي تعني قدرة الفعل المنجز آنيا أن يؤثر في سبب وجوده في ارتباطه بنسق يبرره. « فكل نتيجة تؤثر بشكل إرجاعي على سببها، وكل شيء يجب أن يُنظر إليه باعتبار بعده الدائري لا الخطي». (6) لقد كان السؤال بسيطا: كيف يمكن توقع موقع الطائرة اللاحق من أجل تحديد اتجاه وسرعة القذيفة لتكون في " الموعد" المحدد من خلال ضبط دقيق للمدار الذي تتحرك داخله الطائرة، فإذا أمددنا المدفع بالمعلومات الخاصة بالفرق الموجود بين المدار الحقيقي والمدار المثالي فسيكون بإمكانه إصابة الطائرة وإسقاطها. (7) ومن خلال الحالة الخاصة بالمدفع الأرضي الذي يتصيد الطائرة، سيمنح فيينر مفهوم الإرجاع بعدا كونيا يصدق على كل الظواهر الطبيعية منها والاجتماعية. فالنسق كما هو معروف مرتبط- بحكم اشتغاله - بقواعد داخلية تضمن له الاستمرار والحفاظ على كيانه، ومرتبط ثانيا بقدرته على توقع السلوكات الممكنة استقبالا التي قد تخرق قوانينه وتهدده بالانهيار الكلي. لذا عليه أن يسقط حالات للإنجاز هي التي ستضمن له نوعا من التماسك الداخلي. ولهذا رأى « فيينر في المدفع الذي يتصيد الطائرة واليد التي تأخذ الكأس إلى الفم والآلة البخارية التي تشتغل وفق وتيرة ثابتة سيرورة واحدة من طبيعة دائرية حيث إن المعلومات الخاصة بالفعل قيد الإنجاز تغذي بشكل استرجاعي النسق وتمكنه من تحقيق غاياته «. (8) وعلى هذا الأساس، فإن السبرنطيقا ستكون " جهازا علميا الغاية منه التحكم في آليات التواصل كما تتحقق عند الآلة وعند الحيوان". (9) فإذا أخذنا بالاعتبار سلسلة الاشتقاقات التي يمكن توليدها استنادا إلى الأصل اللاتيني لكلمة cyberneteique التي تعني التحكم والقيادة والمراقبة، سيكون بإمكاننا توسيع دائرة التحكم لكي تشمل عالم الكائنات البشرية ذاتها، حينها تنجلي أمامنا حقيقة جديدة تتلخص في إمكانية التحكم في السلوك الإنساني وتوجيهه من خلال البرمجة الإرجاعية التي تمكن النسق من إعادة إنتاج حاجاته من القواعد والضوابط: " التحكم " في السلوك الاجتماعي من خلال ما يشبه البرمجة المسبقة لردود الأفعال والذوق والوجدان. فلا شيء يجب أن ينفلت من سلطة الرقيب السلطوي، ولا أحد يستطيع أن يبني ملكوتا سلوكيا خارج إكراهات النسق الاجتماعي. استنادا إلى هذه الملاحظة سينتقل مفهوم الإرجاع هذا إلى علوم إنسانية كثيرة وفي مقدمتها الأنتروبولوجيا. فقد وُظف في هذا الحقل من أجل فهم السلوكات الإنسانية وإنتاجها لقيم تسهم إرجاعيا في حماية النسق الذي تنتمي إليه ومن خلاله تُدرك وتؤول. « فلقد أصبح من الممكن، من خلال فكرة الإرجاع، ضبط الظواهر الخاصة بـ "اتخاذ القرارات"، وتحديد تشكلها، فاتخاذ القرارات يعد القلب النابض لكل نشاط عقلي منظم «. (10) والمثال الصريح على فكرة الإرجاع هو ما تقدمه حالة التواصل الإشهاري. فمن أجل التحكم في السلوك الشرائي الاستقبالي للمستهلك وتوجيهه يجب جمع أكبر عدد من المعلومات الخاصة بوضعه الحالي: ما يتعلق بوجدانه ووضعه المادي (القدرة الشرائية) وميولاته الذوقية، وكذا معتقداته الدينية والأسطورية، وكل ما يسهم في تحديد " هوية شرائية " من خلالها يتحدد الفرد ويمارس مجمل نشاطاته. وفي نفس الفترة التاريخية قدم كلود شانون، وهو مهندس أمريكي كان يعمل في ميدان الاتصالات الهاتفية خطاطة جديدة تختصر من خلال خاناتها ونمط اشتغالها العملية التواصلية برمتها. ولقد كانت الغاية من هذه الخطاطة هي تحسين مردودية الاتصالات الصوتية التي تتم عن بعد بجميع أشكالها من خلال التقليص من حجم الضياع الذي يشوش على الإرسالية ويتلف الكم المعلوماتي الذي تتضمنه الإرسالية المبثوثة. وهو ضياع لا علاقة له " بسوء الفهم " المرتبط بالقدرات الإدراكية لدى الإنسان، أو نتيجة تأويل خاطئ يقوم به متلق مفترض، بل هو ناتج عن القصور التقني وعدم ملاءمة الآلات الموجودة لمتطلبات الاتصال. وتتخذ هذه الخطاطة الشكل التالي: مصدر الخبر الباث الإشارة النهائية المتلقي الهدف الإرسالية الإشارة المبثوثة الإرسالية فمن أجل إنجاح أية عملية تواصلية لابد من تظافر مجموعة من العناصر تحدد سيرورة خطية تسير من اليمين إلى اليسار (وفق نظام اللغة العربية) وفق تتابع خطي منطقي: وجود مصدر للخبر ينتج الإرسالية (التحدث في الهاتف)، ووجود باث يحول الإرسالية إلى إشارات (الهاتف الذي يقوم بتحويل الصوت إلى تموجات كهربائية) ووجود القناة، وهي الأداة المستعملة لإنجاز هذه المهمة (الأسلاك الهاتفية) ووجود متلقي يعيد بناء الإرسالية انطلاقا من الإشارات الحرارية، وفي الأخير وجود جهة تنتهي إليها الإرسالية، والأمر يتعلق بالشخص أو المؤسسة التي تستقبل الإرسالية. (11) وما يميز خطاطة شانون هو تركيزها الكلي على خانة الخبر. فنجاح الإرسالية أو فشلها مرتبط بسلامة ووضوح الكم الخبري المبثوث، ولا علاقة لهذا الخبر بمحفلي البث والتلقي. ذلك أن " الخبر" في تصور شانون لا يقاس بالكم المعلوماتي، ولا يستدعي حالة انفعالية لحظة البث أو التلقي عند طرف من الأطراف المنخرطة في التواصل، كما لا يفترض لبسا أو غموضا في دلالات الإرسالية، إن الخبر عنده « وحدة إحصائية مجردة تتعامل مع الإرسالية في انفصال عن دلالاتها». (12) ومن هذه الزاوية فإن " الخبر عند شانون كيان أعمى." (13) إن ميزة خطاطة شانون هي أنها وحيدة الاتجاه تقود من مصدر أصلي هو منبع الإرسالية إلى نقطة نهائية هي منتهى الاتصال. وهذه الخاصية هي التي ستحد من فعاليتها وتقلص من حجم مردوديتها في ميدان التواصل الذي يعتمد المعطيات الإنسانية كقناة مطلقة لإنتاج وقائع إبلاغية لا يحتفظ داخلها أي محفل بموقع ثابت، فالباث يتحول إلى متلق والمتلقي يصبح بدوره باثا، وهكذا دواليك ضمن دورة كلامية لا منتهية نظريا. وهنا يكمن الاختلاف الجذري بين فكرة التواصل كما تمت صياغتها في أحضان النموذج الرياضي وقبله السبرنطيقي، وبين فكرة التواصل كما تم تصورها فيما بعد ذلك في ميدان التواصل الإنساني غير الآلي. فعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي تكتسيها خطاطة شانون (لقد شكلت حدثا معرفيا هاما في تاريخ التواصل في صيغته الحديثة)، فإن التطورات اللاحقة التي عرفها البحث في مجال نظريات التواصل اقتضت التخلص من إكراهات هذه الخطاطة، وتخليصها من طابعها " الآلي " لكي ينفتح التواصل على كل مناحي الحياة الإنسانية، بما فيها تلك التي لا تشكل ظاهريا ثيمة تواصلية كبرى كالأبعاد الزمانية والمكانية. فعلى الرغم من التشابه الموجود مثلا بين هذه الخطاطة وبين النموذج التواصلي الذي قدمه جاكبسون في بداية الستينيات من القرن الماضي، فإن الخطاطتين تختلفان اختلافا جذريا من حيث الأساس النظري، ومن حيث نمط توزيع الخانات، ومن حيث نمط الاشتغال. فخطاطة شانون صماء عمياء لا تلقي بالا للانفعالات المصاحبة للواقعة التواصلية، كما لا تكترث لحالات اللغة المتنوعة وما يترتب عن ذلك من إمكانيات التأويل، في حين يتحدد جوهر التواصل في خطاطة جاكبسون في علاقته بالوظائف الممكنة للغة. السياق الباث.......... الإرسالية........ المتلقي الاتصال السنن (14) فالخانات التي يشتمل عليها النموذج اللساني ليست خانات " محايدة" وفارغة وبعيدة عن أي استثمار دلالي. إنها في واقع الأمر مرتبطة بوظائف محددة. فكل خانة تشير إلى وظيفة معينة. فالانفعال مرتبط بالمتكلم (الوظيفة الانفعالية) أما المتلقي فقد يكون عرضة للزجر والأمر والنهي والتوجيه (الوظيفة الإفهامية)، أما الشعري فمثواه الإرسالية (الوظيفة الشعرية)، ويتحدد المرجعي من خلال الإحالة على السياق (الوظيفة المرجعية)، ويرتبط السنن باللغة الواصفة (الوظيفة الميتالغوية)، وقد لا تتجاوز الواقعة الإبلاغية حدود الحفاظ على حالة من التواصل من خلال التأكيد على أداة الاتصال (الوظيفة اللغْوية). وتلكم هي الوظائف الست التي يشير إليها جاكبسون من خلال صياغة نموذجه التواصلي. مرجعية انفعالية..... شعرية....... إفهامية لغوية ميتالغوية (15) وعلى هذا الأساس لا يمكن تصور فعل تواصلي لا يشتمل، بهذا القدر أوذاك، على شحنة انفعالية تشير إلى غاية من الغايات المتعددة للفعل التواصلي. فكلما ركز الباث على خانة من الخانات أنتج وقعا إبلاغيا متميزا عن غيره من الآثار النفسية وردود الأفعال. إن هذه الشحنات الانفعالية هي التي ستعبد الطريق أمام مجموعة من التصورات النظرية التي حاولت تجاوز نظرية السنن (code) لتركز على السياقات المعتمدة على فكرة الاستنباط (inférence) كسيرورة أساسية في فهم الإرساليات. وربما تكون هذه الخاصية هي التي قادت الكثير من الباحثين الجدد في ميدان التواصل إلى التخلي كلية عن الخطاطات التواصلية الأولى، أي عما يسمونه النموذج التلغرافي من أجل تبني النموذج الأركستري الذي يستعيد المعنى الأصلي لكلمة تواصل الدال على المشاركة والتفاهم (16). فالحقيقة الجديدة التي تضمنتها الأبحاث التالية في ميدان التواصل منبثقة عن تصور نظري لا يقصر هذا النشاط الإنساني على بعد لفظي قصدي ودال، كما لا ينظر إليه باعتباره فعلا إراديا وقصديا مفكرا فيه بشكل واع دائما. III إن الانزياح عن النموذج التلغرافي سيفتح التواصل على كل الأبعاد التي يتضمنها الفعل الإنساني دون الاهتمام بدرجات التفاوت الممكنة بين هذا الفعل أو ذاك (ما قد يحدث في التمييز بين فعل لفظي صريح، وإيماءة " عفوية " غير دالة بشكل مباشر على مضمون إبلاغي ما)، فهذا التفاوت لا يشكك في الطبيعة الإبلاغية للملفوظ الإيمائي، ولكنه يكتفي بتحديد قيمته التواصلية ضمن سلمية تعبيرية ما. والحاصل سيكون هو التخلي كلية عن التعريف القديم للتواصل باعتباره رابطا لفظيا وقصديا بين شخصين، ليصبح « سيرورة اجتماعية لا تتوقف عند حد بعينه، سيرورة تتضمن عددا هائلا من السلوكات الإنسانية: اللغة والإيماءات والنظرة والمحاكاة الجسدية والفضاء الفاصل بين المتحدثين. ولهذا سيكون من العبث الفصل بين التواصل اللفظي والتواصل غير اللفظي، ذلك أن الفعل التواصلي هو فعل كلي «. (17) ويكفي أن نشير هنا إلى حالة متميزة مثلها باحث من الولايات المتحدة الأمريكية ويتعلق الأمر بـ توماس هال. فقد وسع هذا الباحث في كتاباته المتعددة (18)، تحت تأثير أطروحات سابير وورف اللسانية، من دائرة التواصل لتشمل الإيماءات وأفعال الجسد وانفعالاته وكل ما يحيط بالإنسان بشكل مباشر كـ " الزمان الثقافي" و" الفضاء البيشخصي". Espace interpersonnel فقد قام هال بإدراج مجموعة من السلوكات غير اللسانية والعناصر الثقافية ضمن فعل التواصل، فكان بذلك يؤسس لما سيسميه لاحقا بالبروكسيميك (proxémique) أو الإبلاغ الحيزي، والإبلاغ الحيزي مقولة جديدة من ابتكاره الخاص ومؤداها أن الفضاء الفاصل بين المتخاطبين يشكل فائضا مضمونيا يشير إلى دلالة جديدة تُضاف إلى الإرسالية اللسانية. مثال ذلك أن حجم المسافة الفاصلة بين متخاطبين " يخبر " عن طبيعة العلاقة بين المنخرطين في عملية الإبلاغ (علاقة حميمية، علاقة عادية علاقة تراتبية....) وهو ما ينعكس على الصوت ونبرته وتنغيمه (الهمس، الوشوشة، الكلام المسموع، الصراخ...) وهو ما يطلق عليه العوالم الحسية المرافقة لكل فعل لفظي. (19) « فتغرات الصوت عند الأمريكي مثلا مرتبطة بتغيرات المسافة الفاصلة بين الأشخاص وتتحدد في الوضعيات الثمانية التالية: 1- قريب جدا: (10 إلى 20 سم) همهمة، سري للغاية. 2- قريب: (25 إلى 35 سم) همهمة مسموعة، سري. 3- على مقربة: (40 إلى 60 سم) فضاء داخلي، صوت هادئ، فضاء خارجي صوت عادي، حميمية. 4- محايد: (60 إلى متر) صوت هادئ صوت مرتفع شيئا ما خبر شخصي. 5- محايد: (متر و 20 إلى متر ونصف) صوت عادي، خبر غير شخصي. 6- مسافة عمومية: (متر و60 إلى مترين و40 سم) صوت عادي مسموع خبر عمومي. 7- عبر الغرفة: (متران و40 إلى 6 أمتار) صوت مرتفع، خبر يخص مجموعة من الأشخاص. 8- مسافة كبيرة: (6 أمتار إلى 7 أمتار و40 سم فضاء داخلي، وقد تصل إلى 30 متر في فضاء خارجي على مدى الصوت. « (20) ولا يمكن التعاطي مع الزمن إلا من هذا الزاوية أيضا. فالزمان وفق هذه النظرة لا ينظر إليه داخل الملكوت الاجتماعي باعتباره كتلة أو مدى محسوسا من خلاله نقيس حجم ما مضى ونتوقع ما سيأتي، بل باعتبار بعده الثقافي. فالفصل المجرد وظيفة كونية لها نفس الحجم ونفس الإيقاع، في حين يمتلك الزمن بعدا آخر، هو عمقه الرمزي ضمن مجموعة ثقافية ما. « فالزمن يتكلم" (21) كما تتكلم كل العناصر التي تحيط ب" الكائن المتواصل" ، ونحن ندرك خطابه ونتعامل مع غيرنا وفق هذا الخطاب، ولقد كان عنوان كتابه الأخير دالا في هذا المضمار، فقد سماه " رقصة الزمن" (22) حيث يُجزأ الزمن إلى كتل متمايزة عن بعضها البعض بحكم انتماء الزمن إلى الدائرة الثقافية التي تغطي الفعل التواصلي. وهكذا نكون أمام زمن فرنسي وآخر أمريكي وثالث ألماني ورابع عربي. والتوزيع في نهاية الأمر وبدايته ليس سوى محاولة الإمساك بالطريقة التي يُوظف من خلالها الزمن لكي يكون دالا على مضامين إضافية، ويتعلق « الأمر بالتساؤل عن الكيفية التي يعبر من خلالها عن الزمن ويستعمل ويبنين داخل ثقافات متنوعة؟ « ذلك « أن الزمن يعد من الأنساق الأساسية في ثقافتنا «. (23) ولقد أشرنا في مقال سابق (24) إلى الدور الذي تلعبه الثقافة في تحديد طبيعة التعامل مع المحيط المباشر للكائن البشري بأبعاده الزمانية والفضائية، وتأثيرها أيضا في مجمل الاستعمالات الخاصة بالجسد وعوالمه المتعددة. وباحثون كثيرون في مجال التواصل الإنساني غير اللفظي أكدوا وجود روابط وثيقة بين اللسان وبين الملفوظ الإيمائي المرافق له. واستنادا إلى هذه المسلمة لا يمكن الفصل بين الإيماءات الصادرة عن ذات اجتماعية ما، وبين اللسان الذي تستعمله هذه الذات. ذلك أن السجل الإيمائي للذات المومئة مرتبط ارتباطا وثيقا باللسان الذي تستعمله كأداة لفظية للتواصل. ولهذه الروابط تجليات متعددة ومتحولة، إنها بالغة الحركة والديناميكية، فهي تتغير بحسب المجموعات الاجتماعية بحكم تنوع طباعها اللسانية والحركية والثقافية. وهذا معناه استحالة الفصل بين لسان الذات المتكلمة وبين سجلات التواصل الجسدي الخاص بها. فالاستعمال الاجتماعي للسان مرتبط أشد الارتباط بالاستعمال الاجتماعي للجسد. فاللسان الأصلي المتجذر في وجدان الفرد له جسد أصلي يقابله. (25) ويمكن في هذا المجال الإحالة على أمثلة بالغة التنوع كتلك التي تشير إلى حالات العمال المهاجرين وطريقتهم في مفصلة اللفظي والإيمائي في خطاب تُصاغ حدوده باللغة الفرنسية، فهذه الحالات تبين إلى أي حد يرتبط الملفوظ اللساني بالملفوظ الجسدي، فالمستمع إلى هؤلاء يخيل إليه أنهم يتكلمون اللغة الفرنسية بجسد عربي. وهي أيضا الحالة التي تمثلها المسلسلات المكسيكية المدبلجة بالعربية. فالملاحظ الفطن يدرك الهوة الفاصلة بين اللغة العربية المستعملة في الحديث، ومجمل الانفعالات المنبعثة من إيماءات الممثلين وتقاسيم وجوههم. ولقد عبر أحد الأصدقاء عن دهشته الكبيرة عندما شاهد فيلما فرنسيا في أحد فنادق بيكين ناطقا باللغة الصينية. لقد كان بطل الفيلم ألان دولان وكم كان مثيرا للسخرية وهو يحرك جسده بالفرنسية بينما تلهج شفتاه بالصينية. لقد كان الأمر مثيرا لا لأن صديقنا يجهل التحدث باللغة الصينية، بل لأن المواقف الدرامية ومجمل الإيماءات الصادرة عن هذا الممثل كانت متنافرة مع الخطاب اللساني. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الانتماء إلى ثقافتين مختلفين لا يتحدد من خلال لغتين مختلفتين فحسب، بل يقود أيضا إلى إسقاط عوالم حسية مختلفة (26). وتلك قاعدة ذهبية في تدبير الشأن الإنساني وفهم ميكانيزماته وصور وجوده. وهي قاعدة لا تتعلق بالنشاط اليومي في تجلياته العملية فحسب، بل تغطي حالات نقول عنها إنها برامج مسبقة تتحكم في كل العمليات اليومية كاللباس والمشي وتحريك الأعضاء، وكذا تقنيات القبلة وإشارات النداء وأشكال الإغراء، ومجمل الانفعالات التي تستوطن الوجه والعينين وبعض أعضاء الجسد. وهي خلاصة مستوحاة من أطروحات وورف - سابير وطريقة تصورهما للوظيفة الأصلية للسان. فهذه الوظيفة تتجاوز حدود " التعبير " و" التواصل" لكي تحدد مجمل تصوراتنا عن الكون وأشكال وجوده وتجلياته (اللسان شكلنة للعالم). فما نعرفه عن العالم وكيفية ذلك، وأنماط توزيع المضامين عمليات تتم داخل اللسان ومن خلال آلياته في التقطيع المفهومي وصياغة حدود الفضاء والزمان. إن اللسان هو الأداة الوحيدة التي تمكننا من القيام بذلك، " ولذلك فنحن " أسرى لغاتنا "، لا فاعلين مستقلين داخلها كما نتوهم. ولئن كانت هذه التصورات لا تضيف الشيء الكثير إلى ما قيل عن وظيفة اللسان ودوره في تشكل الفكر وخروجه من السديمية، فإنها مع ذلك أثارت الانتباه إلى الروابط الممكنة بين الجسد الاجتماعي باعتباره ما يُؤوي " النموذج السري" المعمم ، وبين الجسد الفردي باعتباره التحقق الفعلي لقنوات تواصلية فيها اللسان بطبيعة الحال، وفيها أيضا سلسلة أخرى من " اللغات" التي تستعملها الذات من أجل تنويع السياقات وتخصيص المضامين، وتحديد أشكال الانتماء إلى هذه الثقافة أو تلك. وبناء عليه، فإن اللسان لا يعبر عن الفكر، ولايشكل غطاءه فحسب، إنه الأداة التي من خلالها يتخذ هذا الفكر شكلا على حد تعبير كاسيرير. وما هو جديد حقا في هذه الأطروحات هو الربط بين التقطيعات المفهومية التي يقوم بها اللسان، وبين البرامج " السرية " التي تتحكم في السلوك الجسدي وتحدد دلالات ملفوظاته. فإذا كانت « الطريقة التي يدرك من خلالها الإنسان عالمه الخارجي مبرمجة في اللغة وشبيهة في ذلك بطريقة اشتغال الحاسوب (فالذهن البشري مثله في ذلك مثل الحاسوب يسجل ويبنين الواقع الخارجي في انسجام تام مع البرنامج المعد لذلك)» (27) ، فإن الجسد هو الآخر يخضع في إنتاجه لمجمل السلوكات إلى ما يشبه النموذج الضمني الذي ينفلت من المراقبة الواعية ليتخذ شكل حدس معمم على أفراد المجموعة الثقافية الواحدة. « ففي حالة الإيماءة مثلا نلاحظ وجود تداخل بين الفردي والاجتماعي، ونحن نتعامل مع هذه الإيماءة استنادا إلى سنن سري ومعقد، سنن غير مكتوب لا يعرفه أحد ولم يسمع به. وهذا السنن لا يرتبط بالجانب العضوي، إنه على العكس من ذلك وليد التقاليد الاجتماعية والدينية واللغوية (...) إن الإيماءة، كما هو الشأن مع أي سلوك، لها جذور عضوية، إلا أن قوانينها والأسنن الضمنية للإرساليات، وردود أفعالنا تجاهها هي من صلب التقاليد الاجتماعية «. (28) إن التواصل الإنساني، على هذا الأساس، لا يمكن حصره في تبادل لفظي تحركه قصدية صريحة يدرك فحواها طرفا الفعل الإبلاغي، بل بؤرته مجموع ما ينتمي إلى التجربة الإنسانية التي تستوطن الذات (الإيماءات واللباس وطريقة الجلوس واستقبال الضيف....) وتستوطن محيط هذه الذات أيضا (ما يعود إلى طريقة التعاطي مع الفضاء والزمان وأشكال العمران). وهي الخلاصة التي سيستثمرها توماس هال إلى حدودها القصوى من أجل الكشف عن الآليات الداخلية للعوالم الحسية التي ينتجها الجسد في تفاعله مع محيطه الإنساني والمادي. فأنماط استعمال الحواس تكشف عن الاختلافات الموجودة بين ثقافات الشعوب.(29) وهي مسألة نحن على دراية كبيرة بها، يكفي أن نشير هنا إلى ما يقال عن تميز سكان الحوض المتوسطي في استعمالهم المفرط للإيماءات أثناء الحديث. بل يمكن أن نضيف مثالا آخر بالغ الدقة والخصوصية ويتعلق الأمر بالازدواجية اللغوية داخل العربية ذاتها. فنحن نفكر ونكتب ونصوغ أفكارنا بالفصحي، إلا أننا ندير الشأن اليومي بالعامية. وهو ما تؤكده تدخلات المواطنين في التلفزة، فاستعمالهم للعامية يكشف عن عفوية في التعبير وتلقائية في استعمال الحركات، في حين يكشف استعمالهم للفصحى عن ارتباك في التعبير والحركات الجسدية على حد سواء. إنها " جدية" مصدرها عدم التوافق بين الفصحى وحركات الجسد، أو على الأقل لا تتوافق الفصحى إلا مع مقامات بعينها. ويقدم هال في هذا المجال مثالا جديرا بالاهتمام، ويجب أن نستحضره دائما من أجل التعرف على العوالم الحسية التي تتحرك داخلها الذات العربية. ففي تصوره هناك اختلاف جذري بين العوالم الحسية التي يستدعيها سلوك الأمريكي وتلك التي يتطلبها سلوك العربي. فالعربي عادة ما يعتمد اللمس والشم في تواصله مع مخاطبه، إنه يؤول ويؤلف بين معطيات الحس بطريقة لا يستسيغها الأمريكي، بل يستهجنها. فالأمريكيات اللائي تزوجن عربا يدركن هذا جيدا، فعندما يعود العربي إلى وطنه يتخلى عن قناعه الأمريكي، ليلبس عباءة الثقافة المحلية. (30) استنادا إلى هذه الفرضية يمكن قراءة كل أعمال هال وأعمال مجموعة أخرى من الباحثين الذين اتخذوا الفضاء الثقافي مدخلا لفهم آليات التواصل الإنساني. فالتواصل في تصورهم مبثوث في كل مناحي الحياة الإنسانية، إنه في " اللغة الصامتة " وفي " البعد الخفي "وفي " رقصة الزمن " وفي " ما هو أبعد من الثقافة ". (31) إنها حالات الوجود الإنسانيالمتنوعة حيث ترقد في كل منطقة من مناطق هذا الوجود جزئية تواصلية على المحلل أن يكشف عن طبيعتها وعن قوانين اشتغالها وأشكال تجلياتها. وهي الفرضية ذاتها التي اعتمدها راي بيردوايستل (Ray Birdwhistell) في صياغة حدود تصوراته النظرية الخاصة بمفصلة الحركات أو ما يطلق عليه: " الكينيزية" والكينيزية هي دراسة الحركات الجسدية في ذاتها وفي ارتباطها بالبعد اللفظي. ومع ذلك فإن في أعمال بيردوايستل نكهة أخرى لا يمكن إدراك سرها إلا من خلال استحضارالنموذج اللساني، فآثار هذا النموذج واضحة بشكل جلي في تعاطيه مع الجسد الإنساني. لقد صاغ مفاهيمه وطرق تحاليله، وكذا طريقة تقطيع موضوعات درسه استنادا إلى التقطيع اللساني ذاته. فالإيماءة والتأليفات الملفوظية تتمفصل من أجل إنتاج دلالاتها استنادا إلى تقطيع داخلي يذكر بالتقطيع اللساني. « فالاكتشافات المورفولوجية أكدت أن السلوك التواصلي الذي تدركه العين يمتلك خصائص شكلية شبيهة بتلك التي ندركها عن طريق الأذن، (...) وهذا التشابه هو الذي سيوجه لاحقا الأبحاث في ميدان الكينيزية، واستنادا إليه ستصاغ حدود الجهاز المفهومي الذي سيتبناه البحث في هذا الميدان». (31) إن هذا الانحياز الكلي للسانيات سيتجلى، كما يصرح بذلك بيردوايستل، في الجهاز المفهومي الذي تبناه من أجل مقاربة السلوك التواصلي الذي " يُدرك عن طريق العين "، إلى درجة أننا نعثر على نوع من التوازي بين الطريقة التي اعتمدتها الدراسات اللسانية البنيوية في التعاطي مع موضوعها، وبين الطريقة التي اعتمدتها الكينيزية في تقطيع موضوعها وتحديد عناصره الأولية وكذا سلسلة العلاقات التراتبية الموجودة بين هذه العناصر. وفي هذا المجال نعثر على مجموعة من المفاهيم الدقيقة التي تستعمل من أجل تحديد الوحدات الصغرى المشكلة للواقعة المدروسة. فكما نتحدث عن الفونيم والمورفيوم والمعنم، ومجمل التأليفات الممكنة، نستطيع في مجال الكينيزية أن نتحدث عن " الكيني " " الكينيم " و" الكينيمورفيم "، وهي الوحدات التي تعتمدها الكينيزية من أجل تحديد " النص " الإيمائي" ، بتداخلات عناصره وعلاقات التراتب بينها. إن الأمر يتعلق بتصور نسقي (النظر إلى الظواهر باعتبار بعدها النسقي لا باعتبار العناصر التي تكونها)، فالإيمائية ليست تجميعا لوحدات معزولة، بل هي كل مترابط ولا يدرك إلا باعتباره كذلك. والمعنى لا يوجد في الإيماءة المعزولة، بل يستوعبه نسق مولد له. ولهذا فإن التحليل الذي يقوم به بيردوايستيل « لا ينصب على التبادل، بل على النسق الذي يجعل هذا التبادل أمرا ممكنا». (32) فبالإمكان عزل مجموعة من العناصر (التي يطلق عليها بيردوايستيل الكينيم) والتعامل معها باعتبارها سمات مميزة داخل حقل الكينيزية. وهذه العناصر هي التي تقود في تأليفاتها إلى تحديد دلالة ما. فعلى عكس التصورات التي ترى في الإيماءة كيانا دالا بشكل مسبق داخل ثقافة، فإن بيردوايستيل يرفض العزل المفرد، ويرفض الدلالات المستقلة لأي عضو أو إيماءة. فإذا أمكن الحديث عن دلالة إيمائية، فإن هذه الدلالة وليدة تأليف لا تجميع لدلالات الأعضاء. فمن السهل جدا أن نعزل عنصرا ما ونبحث له عن معنى، لكن من الصعب أن نحدد له دلالة ضمن بنية تامة. ولتأكيد ذلك يقدم بيردوايستل حالة " شخص مريض". فإدراك هذه الحالة من لدن مراقب ما لا يقتصر على عضو أو حركة بل يستحضر مجموع ما يصدر عن هذا الجسد العليل ويدل على أن هذا الشخص في حالة صحية سيئة. « فالدلالة على" صحة في وضع سيء" ليست وليدة إيماءة أو حتى مجموعة من الإيماءات المستقلة عن بعضها البعض، بل هي نتاج العلاقة الرابطة بين مجموع هذه العناصر». (33) إن الأمر شبيه في ذلك بحالة الملفوظ، فلا تستقيم دلالته إلا من خلال العلاقات الموجودة بين الوحدات التي تكونه، سواء تلك التي تتحقق في الحضور أو تلك التي يستدعيها منطق الافتراضات السياقية الممكنة. وهذا ما تؤكده دراسته الشهيرة التي تحمل عنوان " مشهد السيجارة ". والأمر يتعلق بحوار مصور يدور بين رجل وامرأة يتداولان في شأن طفل صغير، لا يستغرق سوى 18 ثانية. فبينما تتحدث دوريس عن ابنها وعلى الطاولة قنينتين من الجعة، يناولها غريغوري سيجارة ويشعلها. إن التحليل يكمن في رصد الترابط الموجود بين الحركات التي يقوم بها الشخصان وبين الملفوظ اللساني المرافق لها. إن المشهد يحتوي على كم هائل من المعطيات التي تحدد طبيعة العلاقة بين غريغوري ودوريس وآفاقها المستقبلية. وهي معطيات تتوزع على صيغ منها الكينيمات الرابطة بين المقاطع والكينيمات التأكيدية، والكينيمات الدالة على الصمت اللفظي (ما هي طبيعة الرابط بين الحركات التي تقوم بها دوريس وإيقاعها وبين الملفوظ اللساني الذي يضبط إيقاع هذه الحركات)... والرابط بين هذه العناصر هو الذي يشكل الأساس الذي يقوم عليه المشهد، ويجب أخذها جميعها بعين الاعتبار، وكل تحليل للتواصل أو للتفاعل يقتصر على صيغة واحدة - معجمية، لسانية أو كينيزية - فإنه سيظل ناقصا لأنه يقصي الصيغ الأخرى الصانعة للفرجة التواصلية. (34) إن التصورات السابقة التي تحدثنا عنها تؤكد بهذاالقدر أو ذاك على الدورالذي لعبته اللسانيات في الكشف عن مناطق تواصلية كانت مجهولة إلى عهد قريب. فكما هو واضح، فإن هذه التصورات الخاصة بالفعل التواصلي غير اللفظي لم تكن بعيدة عن الروح التحليلية التي أشاعتها اللسانيات داخل كل المعارف المعاصرة. فعلى الرغم من تقليص حجم اللفظي واعتباره حالة تواصلية ضمن حالات أخرى، فإن الأدوات الإجرائية التي اعتمدها باحثون كثيرون مختصون في التواصل غير اللفظي مستوحاة من اللسانيات. فالتعريف الذي أوردناه سابقا يرى في التواصل سيرورة اجتماعية تشتغل ضمنها الذات الإنسانية باعتبارها بؤرة لمعطيات سلوكية لا عد لها ولا حصر منها البيولوجي النفعي المباشر، ومنها الثقافي المكتسب. وضمن الدائرة الثانية يندرج عمل المحلل. فاستنادا إلى المعطى الثقافي تبنى عجلة التواصل التي تقصي المعطيات غير الدالة. وذاك مقوم من مقومات التحليل اللساني. فاللسان شكل لا مادة، وهو نسق لا ركام من المعطيات الهلامية غير المنظمة. فالطاقة الصوتية في ذاتها كيان غير دال، وهي مشتركة بين الكائنات الحية بما فيها الحيوانات، إلا أنها لن تقود إلى إنتاج "كلام " قبل أن تخضع للمفصلة المنتجة للوحدات الصوتية المميزة. وذاك حال البعد غير اللفظي، فمعطيات الجسد والطقوس والإيماءات، ومكونات الأثاث الثقافي من زمان وفضاء لا يمكن تصورها في ذاتها بل في ارتباطها بغطاء ثقافي يحولها إلى أنساق تتحدد داخلها دلالة عناصر الفعل التواصلي الإنساني. http://saidbengrad.free.fr هوامش 1- Umberto Eco: La structure absente, éd Mercure de France, Paris 1972, p 13 2- Alex Mucchielli, Jean - Antoine Corbalan, Valérie Fernandez: Théorie des processus de la communication, éd Armand colin , Paris 1998, p 19 3- انظر ف يهذا المجال الأعمال التي قدمها كل من برييتو وبويسنسن ومونان. 4- P Watzlawick, J Helmick Beeaven, Don D. Jackson: Une logique de la communication, éd seuil, 1972, p 47 5- انظرِC Levi-strauss: Anthropologie structurale, éd Plon 1958 p 71 et suiv 6- Bateson, Birdwhistell, Goffman, Hall, Jackson, Scheflen, Sigman, Watzlawick: La nouvelle communication, textes receuillis et présentés par Yves Winkin p 15 وانظر أيضا Philippe Breton et Serge Proulx: L'explosion de la communication, La découverte /poche pp 89 - 90 - 91 -92 7- نفسه ص 15 8- Bateson, Birdwhistell, Goffman, Hall, Jackson, Scheflen, Sigman, Watzlawick: La nouvelle communication, textes receuillis et présentés par Yves Winkin p 16 9- نفسه ص 16 10- Philippe Breton et Serge Proulx: L'explosion de la communication, La découverte /poche p 93 11- La nouvelle communication, p18 12- نفسه ص 18 13- نفسه ص 19 14- انظر Roman Jakobson: Essais de linguistique générale, les fondements du langage, éd Minuit, 1963, p 214 15- نفسه ص 220 16- La nouvelle communication, p 26 ويجب أن نشير هنا إلى أن السياق الذي نتحدث عنه هنا هو سياق فرنسي يربط كلمة communication بالكلمة اللاتينية communicare الدالة على الجمع والعلاقة بما فيها توحد الأجساد 17- نفسه ص 24 18- نذكر منها 1959: Le langage silencieux La danse du temps 1983, la dimension cachée1966, Au dela de la culture 1976 19- Edward T. Hall: La dimension cachée, éd Seuil, 1971 , p p 13 - 15 20- Le langage silencieux, pp 209 - 210 21- نفسه ص 18 22- La Danse du temps; temps culturel et temps vecu, éd seuil , 1984 23- Edward T. Hall: La danse de la vie, temps culturel, temps vecu, éd sqeuil , 1984, p 11 24- انظر مقالنا نساؤهم ونساؤنا، مجلة علامات، العدد 12، 1999 25- David Le Breton: Des Visages, éd Métailié; 1992; p 141 26- انظر Edward T. Hall: La Dimension cachée, éd Seuil ,1971, p 15 27- ذكره هال: la dimension cachéé p 14 28 - Edward Sapir: Anthropologie, éd Minuit, Paris 1967, p 46 29- la dimension cachéé, p 15 30- نفسه ص 16 31- يتعلق الأمر بعناوين كتب هال، وقد أحلنا على بعضها في هذا المقال. 31- Ray. L. Birdwhistell: Un exercice de kinésique et de linguistique: La scène de la cigarette, in La nouvelle communication, op cit , p 163 32- نفسه ص 75 33- La nouvelle communication, op cit, p 67 34- نفسه ص 190. سعيد بنگراد - 2004 .

هناك تعليق واحد:

  1. شكرا على هذه الدراسة
    هل يمكن أن تمدنا بمصدرها للتوثيق العلمي؟
    تحياتي

    ردحذف