الأربعاء، 27 أبريل، 2011

استراتيجية التواصل من اللفظ إلى الإيماءة

استراتيجية التواصل من اللفظ إلى الإيماءة سعيـد بنگراد I تتجاذب مفهوم التواصل حقول معرفية بالغة التنوع تكاد تشمل كل المنتوج الإنساني، فكل ما يمكن أن يشتغل كرابط بين الإنسان وما يوجد خارجه، وكل الأشكال الثقافية التي تتحدد من خلالها هوية الأفراد وتخبر عن انتماءاتهم إلى ثقافة بعينها - لغة ولباسا وطقوسا ونمط عيش - يجب النظر إليها باعتبارها " وقائع إبلاغية" تندرج ضمن حالات الاجتماع الإنساني الذي يتخلى داخله الفرد طوعا عن ملكوته الخاص لكي يتوحد مع الآخرين. وعلى هذا الأساس، فإن الظواهر الإنسانية في كليتها لا يمكن أن توجد خارج رغبة الكائن البشري في التواصل مع غيره بشكل مباشر أو غير مباشر، فمجموع ما ينتجه الإنسان عبر لغته وأشيائه وجسده وإيماءاته وطقوسه ومعماره يندرج ضمن سيرورة تواصلية متعددة المظاهر والوجود والتجلي إلى الحد الذي يجعل الثقافة في كليتها سيرورة تواصلية دائمة. وتلك هي الحالة التي يصفها إيكو وهو يتحدث عن حقل السميائيات وموضوعها (1). فالسميائيات هي دراسة للثقافة باعتبارها النموذج الكلي الذي يشتمل على كل حالات التواصل الإنساني. فلا يمكن تصور النشاط الثقافي - العنصر المحدد للوجود الإنساني - إلا من خلال زاوية تواصلية. وذاك أمر بالغ الوضوح، فكما لا يمكن تصور كون أخلاقي إلا ضمن حالة اجتماعية تنظر إلى القيم الأخلاقية باعتبارها إكراهات ومحظورات هي التعبير الأسمى عن انتماء عفوي إلى نظام اجتماعي من طبيعة رمزية، فإن التواصل هو الآخر حالة اجتماعية تتحقق من خلال أنساق متعددة ينسج الأفراد داخلها سلسلة من العلاقات من طبائع مختلفة: اللغة والنسب والجوار والتصاهر والحاجات الاقتصادية. ورغم الطابع الإنساني المحض لهذا النشاط، فإن ميلاد العلم الذي يدرس حالات التواصل كان في أحضان نشاط علمي غريب إلى حد كبير عن عوالم الملكوت الإنساني، ولا يعترف بما يمكن أن تثيره الإرساليات من انفعالات وردود أفعال عند المخاطب. فالتواصل في هذا الحقل يشتغل بآلات صماء لا تستجيب سوى للمعادلات الرياضية التي يجب التحكم فيها بدقة من أجل تقليص حجم " الضياع" المعلوماتي الذي قد يحدث أثناء كل عملية إبلاغية. فلقد قدم مهندسو الاتصالات الهاتفية (السلكية واللاسلكية) والعاملون على قياس المسافات الافتراضية (تلك التي تربط بين قذيفة يلفظها مدفع أرضي وطائرة عسكرية تحلق على علو شاهق وتسير بسرعة فائقة) أولى المحاولات الخاصة بصياغة المبادئ النظرية الأولى لهذا الحقل المعرفي الجديد. كما رأى فيه المهتمون بحالات النفس مفتاحا لفهم آليات السلوك البشري، فقد شكل مفهوم التواصل في تصوراتهم النظرية والتطبيقية الممر السري الذي يقود الذات العليلة إلى التخلص من كل العقد والاختلالات النفسية، من خلال افتراض حالات تواصلية يسقطها العليل أو يثيرها المحلل من خلال استنفار الطاقات الانفعالية المحجوزة داخل الذات المصابة بخلل يمنعها من تحقيق تواصل " سليم"، أو على العكس من ذلك من خلال " التدخل المفارق" حيث يُنصح العليل ب" التمادي" في سلوكه المريض ليستعيد حالته الطبيعية كما كان ينصح بذلك فاتسلافيك ورفاقه. (2) ويحتل في أبحاث الكثير من الأنتروبولوجيين موقعا مميزا. فقد حاول الكثير منهم، من خلال مفهوم التواصل هذا، إدراك سر الترابط الاجتماعي وكنه السيرورة التي من خلالها يتعلم الإنسان كيف ينتمي إلى ثقافة مجتمع ما ويصبح جزءا منها من خلال سلسلة من الطقوس التي تغطي جميع مناحي الحياة العملية والرمزية. وعندما أُعلن عن ميلاد السميولوجيا باعتبارها علما جديدا سيأخذ على عاتقه دراسة ما استعصى على الضبط والتحديد من خلال ما توفره العلوم الأخرى، سارع الكثيرون إلى ربط هذا العلم بالتواصل الإنساني. فالسميولوجيا في تصورهم هي علم يختص بدراسة ما يعود إلى الظاهرة التواصلية في شكلها اللفظي أساسا. فالعلامات هي أدوات يستعملها باث بشكل قصدي من أجل التواصل مع متلق ضمن دورة كلامية تكفل سوسير مبكرا برسم حدودها في كتابه دروس في اللسانيات العامة. (3) وهي الخطاطة التي قادت الفرسان الثلاثة (ج. مونان ول. برييتو وإ. بويسينس) إلى الدعوة إلى التخلي عن عالم الدلالة والاكتفاء برصد ووصف وتحليل حالات التواصل، اللفظي منه بالأساس. وعلى الرغم من الاعتراف بالقيمة العلمية للأعمال التي قدمها هؤلاء، فإن الكثير من الباحثين لم ير داعيا للفصل بين التواصل باعتباره نشاطا قائما على قصدية صريحة، وبين الدلالة باعتبارها سيرورة لا تتحدد من خلال نية التأثير المباشر في سلوك مخاطب مخصوص. فالتواصل يتضمن بالضرورة حالات للتدليل، والدلالة لا يمكن أن تخلو من قصدية إبلاغية صريحة، أو مفترضة فقط من خلال المقام التلفظي. ولقد أكدت مجموعة من الدراسات الحديثة في مجال التواصل غير اللفظي هذه الفرضية، وكشفت عن مردودية كبيرة في التحليل؛ منها تلك التي أنجزها مجموعة من الباحثين الأمريكيين المنتمين إلى ما سمي بجماعة بالو ألطو (نسبة إلى مدينة أمريكية صغيرة تقع في ضواحي سان فرانسيسكو) أو" المدرسة الخفية " (college invisisble). وعلى هذا الأساس، فإن دراسة التواصل يجب أن يُنظر إليها من زوايا متعددة، سواء من حيث تصنيف الظواهر التواصلية، أوتحديد أشكال تجليها، أو من حيث الإحالة على التصورات النظرية التي حاولت، من منطلقات إبستمولوجية مختلفة، تحديد حجم التواصل وعمقه ومناطقه ووظائفه في النفس والاجتماع. فبما أن التواصل أولا وأخيرا هو أساس التوازن النفسي وأساس الاندماج الاجتماعي للفرد، والأساس الذي تقوم عليه طرق الانتماء إلى ثقافة ما، فإننا لا يمكن أن نفعل أي شيء لا يتضمن جزئية تواصلية، إلى الحد الذي دفع فاتسلافيك إلى القول باستحالة عدم التواصل (4)، فغياب التواصل يفترض انعدام السلوك الإنساني، وهو أمر لا أعتقد أن هناك من يقره أو يعترف به. ويكفي أن نشير في هذا المجال إلى أن البدايات الأولى للوجود الإنساني الهادف إلى بلورة أدوات رمزية للتمثيل ستقود الكائن البشري إلى تأنسنه من خلال التخلص من عبء الأشياء وتعويضها بمفاهيم سهلة التداول والاستعمال، ما كان لها أن تستقيم لولا التشارك والتواضع الجماعي عبر إنشاء التجمعات السكنية المستقرة وخلق الأشكال التمثيلية الأولى التي ستضمن استمرارية هذا الاستقرار، وهو ما يعني خلق حالات التبادل الاجتماعي في كل التجارب الحياتية: الخيرات المادية والنساء واللغة (انظر.. شتراوس وتصوره لبنية القرابة). (5) استنادا إلى هذا يجب التمييز بين التواصل باعتباره ظاهرة تعد عصب الوجود الإنساني وشرطه الأساس، وبين التواصل باعتباره نظرية تتأمل الفعل التواصلي وتستخرج قواعده ومظاهره. فبينما تشكل معطيات التواصل وجودا موضوعيا يمكن الإمساك به من خلال كل مظاهر السلوك الإنساني، لا تشكل النظريات التواصلية سوى فرضيات للتحليل وفهم آليات السلوك، أي يجب النظر إليها باعتبارها إجراءً تجريديا قابلا للتعديل والإضافة والحذف. استناد إلى هذين المستويين يمكن إدراج سلسلة من التمييزات المتفرعة عن الحالتين السابقتين. فالتواصل قد يكون معطى بديهيا مرتبطا بما يضمن الوجود الإنساني ذاته، وهي حالة التبادل الاجتماعي النفعي الضروري، وقد يكون مصطنعا يتخذ شكل إلزام قسري تفرضه الوسائط الحديثة التي تنطلق من مسبقات إيديولوجية وفكرية وعقدية توجه السلوك وتتحكم في ردود الأفعال من خلال خلق حالات التنميط السلوكي المستجيب لحاجات بعينها. وتدخل ضمن هذا الشكل كل الأساليب الحديثة في التواصل منها "الدعاية السياسية" و"التوجيه الديني" و "التكوين الإيديولوجي" والإرساليات الإشهارية وكل البرامج التلفزية والإذاعية. وكما نميز بين أشكال التواصل يمكن التمييز بين أدوات هذا التواصل وبؤره. فهو في المقام الأول لفظي يتخذ اللسان بإكراهاته ولبسه أداة مثلى لصياغة الإرساليات ونقل الانفعالات والتمييز بينها، إلا أنه قد يكون إيمائيا يستند إلى أعضاء الجسد من أجل خلق حوار مع الآخر، كما قد يكون اجتماعيا تتحول داخله الطقوس والعادات وردود الفعل الجماعية إلى حالات تواصلية تكشف عن العمق الثقافي للجماعة، كما قد يكون منبثقا من الوجه المادي للحياة كالعمران وتنظيم الفضاءات وطرق التعاطي مع الدورة الزمنية وأنماط توزيعها. II إلا أن التواصل باعتباره علما يبحث في أشكال العلاقات التي تربطها الكائنات البشرية فيما بينها لم يظهر إلا في فترة متأخرة، وبالضبط في الثلاثينيات من القرن الماضي. ويعود الفضل في ذلك إلى عالمين عُرفا بانتمائهما إلى ميادين معرفية بعيدة عن عوالم السلوك البشري، ومع ذلك قدما خطاطات تختصر عملية التواصل وتحدد عناصرها الداخلية ومسارها ومجمل التأثيرات التي تعوق تحقق الإرسالية أو تسهم في إنجاحها، وهي الخطاطات التي ستلهم الباحثين في ميدان التواصل الإنساني. وقد كان نوربيرت فيينر (1894-1964) الذي يُنسب إليه علم السبرنطيقا أول من قام بتحديد السيرورة التي من خلالها يمكن التحكم في أشكال التواصل وتوجيهه. لقد كان همه هو تحديد السبل العلمية الدقيقة التي يستطيع من خلالها مدفع أرضي مضاد للطائرات أن يصيب هدفا متحركا يسير بسرعة فائقة. فكانت فكرة " الإرجاع " feedback أو retroaction التي تعني قدرة الفعل المنجز آنيا أن يؤثر في سبب وجوده في ارتباطه بنسق يبرره. « فكل نتيجة تؤثر بشكل إرجاعي على سببها، وكل شيء يجب أن يُنظر إليه باعتبار بعده الدائري لا الخطي». (6) لقد كان السؤال بسيطا: كيف يمكن توقع موقع الطائرة اللاحق من أجل تحديد اتجاه وسرعة القذيفة لتكون في " الموعد" المحدد من خلال ضبط دقيق للمدار الذي تتحرك داخله الطائرة، فإذا أمددنا المدفع بالمعلومات الخاصة بالفرق الموجود بين المدار الحقيقي والمدار المثالي فسيكون بإمكانه إصابة الطائرة وإسقاطها. (7) ومن خلال الحالة الخاصة بالمدفع الأرضي الذي يتصيد الطائرة، سيمنح فيينر مفهوم الإرجاع بعدا كونيا يصدق على كل الظواهر الطبيعية منها والاجتماعية. فالنسق كما هو معروف مرتبط- بحكم اشتغاله - بقواعد داخلية تضمن له الاستمرار والحفاظ على كيانه، ومرتبط ثانيا بقدرته على توقع السلوكات الممكنة استقبالا التي قد تخرق قوانينه وتهدده بالانهيار الكلي. لذا عليه أن يسقط حالات للإنجاز هي التي ستضمن له نوعا من التماسك الداخلي. ولهذا رأى « فيينر في المدفع الذي يتصيد الطائرة واليد التي تأخذ الكأس إلى الفم والآلة البخارية التي تشتغل وفق وتيرة ثابتة سيرورة واحدة من طبيعة دائرية حيث إن المعلومات الخاصة بالفعل قيد الإنجاز تغذي بشكل استرجاعي النسق وتمكنه من تحقيق غاياته «. (8) وعلى هذا الأساس، فإن السبرنطيقا ستكون " جهازا علميا الغاية منه التحكم في آليات التواصل كما تتحقق عند الآلة وعند الحيوان". (9) فإذا أخذنا بالاعتبار سلسلة الاشتقاقات التي يمكن توليدها استنادا إلى الأصل اللاتيني لكلمة cyberneteique التي تعني التحكم والقيادة والمراقبة، سيكون بإمكاننا توسيع دائرة التحكم لكي تشمل عالم الكائنات البشرية ذاتها، حينها تنجلي أمامنا حقيقة جديدة تتلخص في إمكانية التحكم في السلوك الإنساني وتوجيهه من خلال البرمجة الإرجاعية التي تمكن النسق من إعادة إنتاج حاجاته من القواعد والضوابط: " التحكم " في السلوك الاجتماعي من خلال ما يشبه البرمجة المسبقة لردود الأفعال والذوق والوجدان. فلا شيء يجب أن ينفلت من سلطة الرقيب السلطوي، ولا أحد يستطيع أن يبني ملكوتا سلوكيا خارج إكراهات النسق الاجتماعي. استنادا إلى هذه الملاحظة سينتقل مفهوم الإرجاع هذا إلى علوم إنسانية كثيرة وفي مقدمتها الأنتروبولوجيا. فقد وُظف في هذا الحقل من أجل فهم السلوكات الإنسانية وإنتاجها لقيم تسهم إرجاعيا في حماية النسق الذي تنتمي إليه ومن خلاله تُدرك وتؤول. « فلقد أصبح من الممكن، من خلال فكرة الإرجاع، ضبط الظواهر الخاصة بـ "اتخاذ القرارات"، وتحديد تشكلها، فاتخاذ القرارات يعد القلب النابض لكل نشاط عقلي منظم «. (10) والمثال الصريح على فكرة الإرجاع هو ما تقدمه حالة التواصل الإشهاري. فمن أجل التحكم في السلوك الشرائي الاستقبالي للمستهلك وتوجيهه يجب جمع أكبر عدد من المعلومات الخاصة بوضعه الحالي: ما يتعلق بوجدانه ووضعه المادي (القدرة الشرائية) وميولاته الذوقية، وكذا معتقداته الدينية والأسطورية، وكل ما يسهم في تحديد " هوية شرائية " من خلالها يتحدد الفرد ويمارس مجمل نشاطاته. وفي نفس الفترة التاريخية قدم كلود شانون، وهو مهندس أمريكي كان يعمل في ميدان الاتصالات الهاتفية خطاطة جديدة تختصر من خلال خاناتها ونمط اشتغالها العملية التواصلية برمتها. ولقد كانت الغاية من هذه الخطاطة هي تحسين مردودية الاتصالات الصوتية التي تتم عن بعد بجميع أشكالها من خلال التقليص من حجم الضياع الذي يشوش على الإرسالية ويتلف الكم المعلوماتي الذي تتضمنه الإرسالية المبثوثة. وهو ضياع لا علاقة له " بسوء الفهم " المرتبط بالقدرات الإدراكية لدى الإنسان، أو نتيجة تأويل خاطئ يقوم به متلق مفترض، بل هو ناتج عن القصور التقني وعدم ملاءمة الآلات الموجودة لمتطلبات الاتصال. وتتخذ هذه الخطاطة الشكل التالي: مصدر الخبر الباث الإشارة النهائية المتلقي الهدف الإرسالية الإشارة المبثوثة الإرسالية فمن أجل إنجاح أية عملية تواصلية لابد من تظافر مجموعة من العناصر تحدد سيرورة خطية تسير من اليمين إلى اليسار (وفق نظام اللغة العربية) وفق تتابع خطي منطقي: وجود مصدر للخبر ينتج الإرسالية (التحدث في الهاتف)، ووجود باث يحول الإرسالية إلى إشارات (الهاتف الذي يقوم بتحويل الصوت إلى تموجات كهربائية) ووجود القناة، وهي الأداة المستعملة لإنجاز هذه المهمة (الأسلاك الهاتفية) ووجود متلقي يعيد بناء الإرسالية انطلاقا من الإشارات الحرارية، وفي الأخير وجود جهة تنتهي إليها الإرسالية، والأمر يتعلق بالشخص أو المؤسسة التي تستقبل الإرسالية. (11) وما يميز خطاطة شانون هو تركيزها الكلي على خانة الخبر. فنجاح الإرسالية أو فشلها مرتبط بسلامة ووضوح الكم الخبري المبثوث، ولا علاقة لهذا الخبر بمحفلي البث والتلقي. ذلك أن " الخبر" في تصور شانون لا يقاس بالكم المعلوماتي، ولا يستدعي حالة انفعالية لحظة البث أو التلقي عند طرف من الأطراف المنخرطة في التواصل، كما لا يفترض لبسا أو غموضا في دلالات الإرسالية، إن الخبر عنده « وحدة إحصائية مجردة تتعامل مع الإرسالية في انفصال عن دلالاتها». (12) ومن هذه الزاوية فإن " الخبر عند شانون كيان أعمى." (13) إن ميزة خطاطة شانون هي أنها وحيدة الاتجاه تقود من مصدر أصلي هو منبع الإرسالية إلى نقطة نهائية هي منتهى الاتصال. وهذه الخاصية هي التي ستحد من فعاليتها وتقلص من حجم مردوديتها في ميدان التواصل الذي يعتمد المعطيات الإنسانية كقناة مطلقة لإنتاج وقائع إبلاغية لا يحتفظ داخلها أي محفل بموقع ثابت، فالباث يتحول إلى متلق والمتلقي يصبح بدوره باثا، وهكذا دواليك ضمن دورة كلامية لا منتهية نظريا. وهنا يكمن الاختلاف الجذري بين فكرة التواصل كما تمت صياغتها في أحضان النموذج الرياضي وقبله السبرنطيقي، وبين فكرة التواصل كما تم تصورها فيما بعد ذلك في ميدان التواصل الإنساني غير الآلي. فعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي تكتسيها خطاطة شانون (لقد شكلت حدثا معرفيا هاما في تاريخ التواصل في صيغته الحديثة)، فإن التطورات اللاحقة التي عرفها البحث في مجال نظريات التواصل اقتضت التخلص من إكراهات هذه الخطاطة، وتخليصها من طابعها " الآلي " لكي ينفتح التواصل على كل مناحي الحياة الإنسانية، بما فيها تلك التي لا تشكل ظاهريا ثيمة تواصلية كبرى كالأبعاد الزمانية والمكانية. فعلى الرغم من التشابه الموجود مثلا بين هذه الخطاطة وبين النموذج التواصلي الذي قدمه جاكبسون في بداية الستينيات من القرن الماضي، فإن الخطاطتين تختلفان اختلافا جذريا من حيث الأساس النظري، ومن حيث نمط توزيع الخانات، ومن حيث نمط الاشتغال. فخطاطة شانون صماء عمياء لا تلقي بالا للانفعالات المصاحبة للواقعة التواصلية، كما لا تكترث لحالات اللغة المتنوعة وما يترتب عن ذلك من إمكانيات التأويل، في حين يتحدد جوهر التواصل في خطاطة جاكبسون في علاقته بالوظائف الممكنة للغة. السياق الباث.......... الإرسالية........ المتلقي الاتصال السنن (14) فالخانات التي يشتمل عليها النموذج اللساني ليست خانات " محايدة" وفارغة وبعيدة عن أي استثمار دلالي. إنها في واقع الأمر مرتبطة بوظائف محددة. فكل خانة تشير إلى وظيفة معينة. فالانفعال مرتبط بالمتكلم (الوظيفة الانفعالية) أما المتلقي فقد يكون عرضة للزجر والأمر والنهي والتوجيه (الوظيفة الإفهامية)، أما الشعري فمثواه الإرسالية (الوظيفة الشعرية)، ويتحدد المرجعي من خلال الإحالة على السياق (الوظيفة المرجعية)، ويرتبط السنن باللغة الواصفة (الوظيفة الميتالغوية)، وقد لا تتجاوز الواقعة الإبلاغية حدود الحفاظ على حالة من التواصل من خلال التأكيد على أداة الاتصال (الوظيفة اللغْوية). وتلكم هي الوظائف الست التي يشير إليها جاكبسون من خلال صياغة نموذجه التواصلي. مرجعية انفعالية..... شعرية....... إفهامية لغوية ميتالغوية (15) وعلى هذا الأساس لا يمكن تصور فعل تواصلي لا يشتمل، بهذا القدر أوذاك، على شحنة انفعالية تشير إلى غاية من الغايات المتعددة للفعل التواصلي. فكلما ركز الباث على خانة من الخانات أنتج وقعا إبلاغيا متميزا عن غيره من الآثار النفسية وردود الأفعال. إن هذه الشحنات الانفعالية هي التي ستعبد الطريق أمام مجموعة من التصورات النظرية التي حاولت تجاوز نظرية السنن (code) لتركز على السياقات المعتمدة على فكرة الاستنباط (inférence) كسيرورة أساسية في فهم الإرساليات. وربما تكون هذه الخاصية هي التي قادت الكثير من الباحثين الجدد في ميدان التواصل إلى التخلي كلية عن الخطاطات التواصلية الأولى، أي عما يسمونه النموذج التلغرافي من أجل تبني النموذج الأركستري الذي يستعيد المعنى الأصلي لكلمة تواصل الدال على المشاركة والتفاهم (16). فالحقيقة الجديدة التي تضمنتها الأبحاث التالية في ميدان التواصل منبثقة عن تصور نظري لا يقصر هذا النشاط الإنساني على بعد لفظي قصدي ودال، كما لا ينظر إليه باعتباره فعلا إراديا وقصديا مفكرا فيه بشكل واع دائما. III إن الانزياح عن النموذج التلغرافي سيفتح التواصل على كل الأبعاد التي يتضمنها الفعل الإنساني دون الاهتمام بدرجات التفاوت الممكنة بين هذا الفعل أو ذاك (ما قد يحدث في التمييز بين فعل لفظي صريح، وإيماءة " عفوية " غير دالة بشكل مباشر على مضمون إبلاغي ما)، فهذا التفاوت لا يشكك في الطبيعة الإبلاغية للملفوظ الإيمائي، ولكنه يكتفي بتحديد قيمته التواصلية ضمن سلمية تعبيرية ما. والحاصل سيكون هو التخلي كلية عن التعريف القديم للتواصل باعتباره رابطا لفظيا وقصديا بين شخصين، ليصبح « سيرورة اجتماعية لا تتوقف عند حد بعينه، سيرورة تتضمن عددا هائلا من السلوكات الإنسانية: اللغة والإيماءات والنظرة والمحاكاة الجسدية والفضاء الفاصل بين المتحدثين. ولهذا سيكون من العبث الفصل بين التواصل اللفظي والتواصل غير اللفظي، ذلك أن الفعل التواصلي هو فعل كلي «. (17) ويكفي أن نشير هنا إلى حالة متميزة مثلها باحث من الولايات المتحدة الأمريكية ويتعلق الأمر بـ توماس هال. فقد وسع هذا الباحث في كتاباته المتعددة (18)، تحت تأثير أطروحات سابير وورف اللسانية، من دائرة التواصل لتشمل الإيماءات وأفعال الجسد وانفعالاته وكل ما يحيط بالإنسان بشكل مباشر كـ " الزمان الثقافي" و" الفضاء البيشخصي". Espace interpersonnel فقد قام هال بإدراج مجموعة من السلوكات غير اللسانية والعناصر الثقافية ضمن فعل التواصل، فكان بذلك يؤسس لما سيسميه لاحقا بالبروكسيميك (proxémique) أو الإبلاغ الحيزي، والإبلاغ الحيزي مقولة جديدة من ابتكاره الخاص ومؤداها أن الفضاء الفاصل بين المتخاطبين يشكل فائضا مضمونيا يشير إلى دلالة جديدة تُضاف إلى الإرسالية اللسانية. مثال ذلك أن حجم المسافة الفاصلة بين متخاطبين " يخبر " عن طبيعة العلاقة بين المنخرطين في عملية الإبلاغ (علاقة حميمية، علاقة عادية علاقة تراتبية....) وهو ما ينعكس على الصوت ونبرته وتنغيمه (الهمس، الوشوشة، الكلام المسموع، الصراخ...) وهو ما يطلق عليه العوالم الحسية المرافقة لكل فعل لفظي. (19) « فتغرات الصوت عند الأمريكي مثلا مرتبطة بتغيرات المسافة الفاصلة بين الأشخاص وتتحدد في الوضعيات الثمانية التالية: 1- قريب جدا: (10 إلى 20 سم) همهمة، سري للغاية. 2- قريب: (25 إلى 35 سم) همهمة مسموعة، سري. 3- على مقربة: (40 إلى 60 سم) فضاء داخلي، صوت هادئ، فضاء خارجي صوت عادي، حميمية. 4- محايد: (60 إلى متر) صوت هادئ صوت مرتفع شيئا ما خبر شخصي. 5- محايد: (متر و 20 إلى متر ونصف) صوت عادي، خبر غير شخصي. 6- مسافة عمومية: (متر و60 إلى مترين و40 سم) صوت عادي مسموع خبر عمومي. 7- عبر الغرفة: (متران و40 إلى 6 أمتار) صوت مرتفع، خبر يخص مجموعة من الأشخاص. 8- مسافة كبيرة: (6 أمتار إلى 7 أمتار و40 سم فضاء داخلي، وقد تصل إلى 30 متر في فضاء خارجي على مدى الصوت. « (20) ولا يمكن التعاطي مع الزمن إلا من هذا الزاوية أيضا. فالزمان وفق هذه النظرة لا ينظر إليه داخل الملكوت الاجتماعي باعتباره كتلة أو مدى محسوسا من خلاله نقيس حجم ما مضى ونتوقع ما سيأتي، بل باعتبار بعده الثقافي. فالفصل المجرد وظيفة كونية لها نفس الحجم ونفس الإيقاع، في حين يمتلك الزمن بعدا آخر، هو عمقه الرمزي ضمن مجموعة ثقافية ما. « فالزمن يتكلم" (21) كما تتكلم كل العناصر التي تحيط ب" الكائن المتواصل" ، ونحن ندرك خطابه ونتعامل مع غيرنا وفق هذا الخطاب، ولقد كان عنوان كتابه الأخير دالا في هذا المضمار، فقد سماه " رقصة الزمن" (22) حيث يُجزأ الزمن إلى كتل متمايزة عن بعضها البعض بحكم انتماء الزمن إلى الدائرة الثقافية التي تغطي الفعل التواصلي. وهكذا نكون أمام زمن فرنسي وآخر أمريكي وثالث ألماني ورابع عربي. والتوزيع في نهاية الأمر وبدايته ليس سوى محاولة الإمساك بالطريقة التي يُوظف من خلالها الزمن لكي يكون دالا على مضامين إضافية، ويتعلق « الأمر بالتساؤل عن الكيفية التي يعبر من خلالها عن الزمن ويستعمل ويبنين داخل ثقافات متنوعة؟ « ذلك « أن الزمن يعد من الأنساق الأساسية في ثقافتنا «. (23) ولقد أشرنا في مقال سابق (24) إلى الدور الذي تلعبه الثقافة في تحديد طبيعة التعامل مع المحيط المباشر للكائن البشري بأبعاده الزمانية والفضائية، وتأثيرها أيضا في مجمل الاستعمالات الخاصة بالجسد وعوالمه المتعددة. وباحثون كثيرون في مجال التواصل الإنساني غير اللفظي أكدوا وجود روابط وثيقة بين اللسان وبين الملفوظ الإيمائي المرافق له. واستنادا إلى هذه المسلمة لا يمكن الفصل بين الإيماءات الصادرة عن ذات اجتماعية ما، وبين اللسان الذي تستعمله هذه الذات. ذلك أن السجل الإيمائي للذات المومئة مرتبط ارتباطا وثيقا باللسان الذي تستعمله كأداة لفظية للتواصل. ولهذه الروابط تجليات متعددة ومتحولة، إنها بالغة الحركة والديناميكية، فهي تتغير بحسب المجموعات الاجتماعية بحكم تنوع طباعها اللسانية والحركية والثقافية. وهذا معناه استحالة الفصل بين لسان الذات المتكلمة وبين سجلات التواصل الجسدي الخاص بها. فالاستعمال الاجتماعي للسان مرتبط أشد الارتباط بالاستعمال الاجتماعي للجسد. فاللسان الأصلي المتجذر في وجدان الفرد له جسد أصلي يقابله. (25) ويمكن في هذا المجال الإحالة على أمثلة بالغة التنوع كتلك التي تشير إلى حالات العمال المهاجرين وطريقتهم في مفصلة اللفظي والإيمائي في خطاب تُصاغ حدوده باللغة الفرنسية، فهذه الحالات تبين إلى أي حد يرتبط الملفوظ اللساني بالملفوظ الجسدي، فالمستمع إلى هؤلاء يخيل إليه أنهم يتكلمون اللغة الفرنسية بجسد عربي. وهي أيضا الحالة التي تمثلها المسلسلات المكسيكية المدبلجة بالعربية. فالملاحظ الفطن يدرك الهوة الفاصلة بين اللغة العربية المستعملة في الحديث، ومجمل الانفعالات المنبعثة من إيماءات الممثلين وتقاسيم وجوههم. ولقد عبر أحد الأصدقاء عن دهشته الكبيرة عندما شاهد فيلما فرنسيا في أحد فنادق بيكين ناطقا باللغة الصينية. لقد كان بطل الفيلم ألان دولان وكم كان مثيرا للسخرية وهو يحرك جسده بالفرنسية بينما تلهج شفتاه بالصينية. لقد كان الأمر مثيرا لا لأن صديقنا يجهل التحدث باللغة الصينية، بل لأن المواقف الدرامية ومجمل الإيماءات الصادرة عن هذا الممثل كانت متنافرة مع الخطاب اللساني. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الانتماء إلى ثقافتين مختلفين لا يتحدد من خلال لغتين مختلفتين فحسب، بل يقود أيضا إلى إسقاط عوالم حسية مختلفة (26). وتلك قاعدة ذهبية في تدبير الشأن الإنساني وفهم ميكانيزماته وصور وجوده. وهي قاعدة لا تتعلق بالنشاط اليومي في تجلياته العملية فحسب، بل تغطي حالات نقول عنها إنها برامج مسبقة تتحكم في كل العمليات اليومية كاللباس والمشي وتحريك الأعضاء، وكذا تقنيات القبلة وإشارات النداء وأشكال الإغراء، ومجمل الانفعالات التي تستوطن الوجه والعينين وبعض أعضاء الجسد. وهي خلاصة مستوحاة من أطروحات وورف - سابير وطريقة تصورهما للوظيفة الأصلية للسان. فهذه الوظيفة تتجاوز حدود " التعبير " و" التواصل" لكي تحدد مجمل تصوراتنا عن الكون وأشكال وجوده وتجلياته (اللسان شكلنة للعالم). فما نعرفه عن العالم وكيفية ذلك، وأنماط توزيع المضامين عمليات تتم داخل اللسان ومن خلال آلياته في التقطيع المفهومي وصياغة حدود الفضاء والزمان. إن اللسان هو الأداة الوحيدة التي تمكننا من القيام بذلك، " ولذلك فنحن " أسرى لغاتنا "، لا فاعلين مستقلين داخلها كما نتوهم. ولئن كانت هذه التصورات لا تضيف الشيء الكثير إلى ما قيل عن وظيفة اللسان ودوره في تشكل الفكر وخروجه من السديمية، فإنها مع ذلك أثارت الانتباه إلى الروابط الممكنة بين الجسد الاجتماعي باعتباره ما يُؤوي " النموذج السري" المعمم ، وبين الجسد الفردي باعتباره التحقق الفعلي لقنوات تواصلية فيها اللسان بطبيعة الحال، وفيها أيضا سلسلة أخرى من " اللغات" التي تستعملها الذات من أجل تنويع السياقات وتخصيص المضامين، وتحديد أشكال الانتماء إلى هذه الثقافة أو تلك. وبناء عليه، فإن اللسان لا يعبر عن الفكر، ولايشكل غطاءه فحسب، إنه الأداة التي من خلالها يتخذ هذا الفكر شكلا على حد تعبير كاسيرير. وما هو جديد حقا في هذه الأطروحات هو الربط بين التقطيعات المفهومية التي يقوم بها اللسان، وبين البرامج " السرية " التي تتحكم في السلوك الجسدي وتحدد دلالات ملفوظاته. فإذا كانت « الطريقة التي يدرك من خلالها الإنسان عالمه الخارجي مبرمجة في اللغة وشبيهة في ذلك بطريقة اشتغال الحاسوب (فالذهن البشري مثله في ذلك مثل الحاسوب يسجل ويبنين الواقع الخارجي في انسجام تام مع البرنامج المعد لذلك)» (27) ، فإن الجسد هو الآخر يخضع في إنتاجه لمجمل السلوكات إلى ما يشبه النموذج الضمني الذي ينفلت من المراقبة الواعية ليتخذ شكل حدس معمم على أفراد المجموعة الثقافية الواحدة. « ففي حالة الإيماءة مثلا نلاحظ وجود تداخل بين الفردي والاجتماعي، ونحن نتعامل مع هذه الإيماءة استنادا إلى سنن سري ومعقد، سنن غير مكتوب لا يعرفه أحد ولم يسمع به. وهذا السنن لا يرتبط بالجانب العضوي، إنه على العكس من ذلك وليد التقاليد الاجتماعية والدينية واللغوية (...) إن الإيماءة، كما هو الشأن مع أي سلوك، لها جذور عضوية، إلا أن قوانينها والأسنن الضمنية للإرساليات، وردود أفعالنا تجاهها هي من صلب التقاليد الاجتماعية «. (28) إن التواصل الإنساني، على هذا الأساس، لا يمكن حصره في تبادل لفظي تحركه قصدية صريحة يدرك فحواها طرفا الفعل الإبلاغي، بل بؤرته مجموع ما ينتمي إلى التجربة الإنسانية التي تستوطن الذات (الإيماءات واللباس وطريقة الجلوس واستقبال الضيف....) وتستوطن محيط هذه الذات أيضا (ما يعود إلى طريقة التعاطي مع الفضاء والزمان وأشكال العمران). وهي الخلاصة التي سيستثمرها توماس هال إلى حدودها القصوى من أجل الكشف عن الآليات الداخلية للعوالم الحسية التي ينتجها الجسد في تفاعله مع محيطه الإنساني والمادي. فأنماط استعمال الحواس تكشف عن الاختلافات الموجودة بين ثقافات الشعوب.(29) وهي مسألة نحن على دراية كبيرة بها، يكفي أن نشير هنا إلى ما يقال عن تميز سكان الحوض المتوسطي في استعمالهم المفرط للإيماءات أثناء الحديث. بل يمكن أن نضيف مثالا آخر بالغ الدقة والخصوصية ويتعلق الأمر بالازدواجية اللغوية داخل العربية ذاتها. فنحن نفكر ونكتب ونصوغ أفكارنا بالفصحي، إلا أننا ندير الشأن اليومي بالعامية. وهو ما تؤكده تدخلات المواطنين في التلفزة، فاستعمالهم للعامية يكشف عن عفوية في التعبير وتلقائية في استعمال الحركات، في حين يكشف استعمالهم للفصحى عن ارتباك في التعبير والحركات الجسدية على حد سواء. إنها " جدية" مصدرها عدم التوافق بين الفصحى وحركات الجسد، أو على الأقل لا تتوافق الفصحى إلا مع مقامات بعينها. ويقدم هال في هذا المجال مثالا جديرا بالاهتمام، ويجب أن نستحضره دائما من أجل التعرف على العوالم الحسية التي تتحرك داخلها الذات العربية. ففي تصوره هناك اختلاف جذري بين العوالم الحسية التي يستدعيها سلوك الأمريكي وتلك التي يتطلبها سلوك العربي. فالعربي عادة ما يعتمد اللمس والشم في تواصله مع مخاطبه، إنه يؤول ويؤلف بين معطيات الحس بطريقة لا يستسيغها الأمريكي، بل يستهجنها. فالأمريكيات اللائي تزوجن عربا يدركن هذا جيدا، فعندما يعود العربي إلى وطنه يتخلى عن قناعه الأمريكي، ليلبس عباءة الثقافة المحلية. (30) استنادا إلى هذه الفرضية يمكن قراءة كل أعمال هال وأعمال مجموعة أخرى من الباحثين الذين اتخذوا الفضاء الثقافي مدخلا لفهم آليات التواصل الإنساني. فالتواصل في تصورهم مبثوث في كل مناحي الحياة الإنسانية، إنه في " اللغة الصامتة " وفي " البعد الخفي "وفي " رقصة الزمن " وفي " ما هو أبعد من الثقافة ". (31) إنها حالات الوجود الإنسانيالمتنوعة حيث ترقد في كل منطقة من مناطق هذا الوجود جزئية تواصلية على المحلل أن يكشف عن طبيعتها وعن قوانين اشتغالها وأشكال تجلياتها. وهي الفرضية ذاتها التي اعتمدها راي بيردوايستل (Ray Birdwhistell) في صياغة حدود تصوراته النظرية الخاصة بمفصلة الحركات أو ما يطلق عليه: " الكينيزية" والكينيزية هي دراسة الحركات الجسدية في ذاتها وفي ارتباطها بالبعد اللفظي. ومع ذلك فإن في أعمال بيردوايستل نكهة أخرى لا يمكن إدراك سرها إلا من خلال استحضارالنموذج اللساني، فآثار هذا النموذج واضحة بشكل جلي في تعاطيه مع الجسد الإنساني. لقد صاغ مفاهيمه وطرق تحاليله، وكذا طريقة تقطيع موضوعات درسه استنادا إلى التقطيع اللساني ذاته. فالإيماءة والتأليفات الملفوظية تتمفصل من أجل إنتاج دلالاتها استنادا إلى تقطيع داخلي يذكر بالتقطيع اللساني. « فالاكتشافات المورفولوجية أكدت أن السلوك التواصلي الذي تدركه العين يمتلك خصائص شكلية شبيهة بتلك التي ندركها عن طريق الأذن، (...) وهذا التشابه هو الذي سيوجه لاحقا الأبحاث في ميدان الكينيزية، واستنادا إليه ستصاغ حدود الجهاز المفهومي الذي سيتبناه البحث في هذا الميدان». (31) إن هذا الانحياز الكلي للسانيات سيتجلى، كما يصرح بذلك بيردوايستل، في الجهاز المفهومي الذي تبناه من أجل مقاربة السلوك التواصلي الذي " يُدرك عن طريق العين "، إلى درجة أننا نعثر على نوع من التوازي بين الطريقة التي اعتمدتها الدراسات اللسانية البنيوية في التعاطي مع موضوعها، وبين الطريقة التي اعتمدتها الكينيزية في تقطيع موضوعها وتحديد عناصره الأولية وكذا سلسلة العلاقات التراتبية الموجودة بين هذه العناصر. وفي هذا المجال نعثر على مجموعة من المفاهيم الدقيقة التي تستعمل من أجل تحديد الوحدات الصغرى المشكلة للواقعة المدروسة. فكما نتحدث عن الفونيم والمورفيوم والمعنم، ومجمل التأليفات الممكنة، نستطيع في مجال الكينيزية أن نتحدث عن " الكيني " " الكينيم " و" الكينيمورفيم "، وهي الوحدات التي تعتمدها الكينيزية من أجل تحديد " النص " الإيمائي" ، بتداخلات عناصره وعلاقات التراتب بينها. إن الأمر يتعلق بتصور نسقي (النظر إلى الظواهر باعتبار بعدها النسقي لا باعتبار العناصر التي تكونها)، فالإيمائية ليست تجميعا لوحدات معزولة، بل هي كل مترابط ولا يدرك إلا باعتباره كذلك. والمعنى لا يوجد في الإيماءة المعزولة، بل يستوعبه نسق مولد له. ولهذا فإن التحليل الذي يقوم به بيردوايستيل « لا ينصب على التبادل، بل على النسق الذي يجعل هذا التبادل أمرا ممكنا». (32) فبالإمكان عزل مجموعة من العناصر (التي يطلق عليها بيردوايستيل الكينيم) والتعامل معها باعتبارها سمات مميزة داخل حقل الكينيزية. وهذه العناصر هي التي تقود في تأليفاتها إلى تحديد دلالة ما. فعلى عكس التصورات التي ترى في الإيماءة كيانا دالا بشكل مسبق داخل ثقافة، فإن بيردوايستيل يرفض العزل المفرد، ويرفض الدلالات المستقلة لأي عضو أو إيماءة. فإذا أمكن الحديث عن دلالة إيمائية، فإن هذه الدلالة وليدة تأليف لا تجميع لدلالات الأعضاء. فمن السهل جدا أن نعزل عنصرا ما ونبحث له عن معنى، لكن من الصعب أن نحدد له دلالة ضمن بنية تامة. ولتأكيد ذلك يقدم بيردوايستل حالة " شخص مريض". فإدراك هذه الحالة من لدن مراقب ما لا يقتصر على عضو أو حركة بل يستحضر مجموع ما يصدر عن هذا الجسد العليل ويدل على أن هذا الشخص في حالة صحية سيئة. « فالدلالة على" صحة في وضع سيء" ليست وليدة إيماءة أو حتى مجموعة من الإيماءات المستقلة عن بعضها البعض، بل هي نتاج العلاقة الرابطة بين مجموع هذه العناصر». (33) إن الأمر شبيه في ذلك بحالة الملفوظ، فلا تستقيم دلالته إلا من خلال العلاقات الموجودة بين الوحدات التي تكونه، سواء تلك التي تتحقق في الحضور أو تلك التي يستدعيها منطق الافتراضات السياقية الممكنة. وهذا ما تؤكده دراسته الشهيرة التي تحمل عنوان " مشهد السيجارة ". والأمر يتعلق بحوار مصور يدور بين رجل وامرأة يتداولان في شأن طفل صغير، لا يستغرق سوى 18 ثانية. فبينما تتحدث دوريس عن ابنها وعلى الطاولة قنينتين من الجعة، يناولها غريغوري سيجارة ويشعلها. إن التحليل يكمن في رصد الترابط الموجود بين الحركات التي يقوم بها الشخصان وبين الملفوظ اللساني المرافق لها. إن المشهد يحتوي على كم هائل من المعطيات التي تحدد طبيعة العلاقة بين غريغوري ودوريس وآفاقها المستقبلية. وهي معطيات تتوزع على صيغ منها الكينيمات الرابطة بين المقاطع والكينيمات التأكيدية، والكينيمات الدالة على الصمت اللفظي (ما هي طبيعة الرابط بين الحركات التي تقوم بها دوريس وإيقاعها وبين الملفوظ اللساني الذي يضبط إيقاع هذه الحركات)... والرابط بين هذه العناصر هو الذي يشكل الأساس الذي يقوم عليه المشهد، ويجب أخذها جميعها بعين الاعتبار، وكل تحليل للتواصل أو للتفاعل يقتصر على صيغة واحدة - معجمية، لسانية أو كينيزية - فإنه سيظل ناقصا لأنه يقصي الصيغ الأخرى الصانعة للفرجة التواصلية. (34) إن التصورات السابقة التي تحدثنا عنها تؤكد بهذاالقدر أو ذاك على الدورالذي لعبته اللسانيات في الكشف عن مناطق تواصلية كانت مجهولة إلى عهد قريب. فكما هو واضح، فإن هذه التصورات الخاصة بالفعل التواصلي غير اللفظي لم تكن بعيدة عن الروح التحليلية التي أشاعتها اللسانيات داخل كل المعارف المعاصرة. فعلى الرغم من تقليص حجم اللفظي واعتباره حالة تواصلية ضمن حالات أخرى، فإن الأدوات الإجرائية التي اعتمدها باحثون كثيرون مختصون في التواصل غير اللفظي مستوحاة من اللسانيات. فالتعريف الذي أوردناه سابقا يرى في التواصل سيرورة اجتماعية تشتغل ضمنها الذات الإنسانية باعتبارها بؤرة لمعطيات سلوكية لا عد لها ولا حصر منها البيولوجي النفعي المباشر، ومنها الثقافي المكتسب. وضمن الدائرة الثانية يندرج عمل المحلل. فاستنادا إلى المعطى الثقافي تبنى عجلة التواصل التي تقصي المعطيات غير الدالة. وذاك مقوم من مقومات التحليل اللساني. فاللسان شكل لا مادة، وهو نسق لا ركام من المعطيات الهلامية غير المنظمة. فالطاقة الصوتية في ذاتها كيان غير دال، وهي مشتركة بين الكائنات الحية بما فيها الحيوانات، إلا أنها لن تقود إلى إنتاج "كلام " قبل أن تخضع للمفصلة المنتجة للوحدات الصوتية المميزة. وذاك حال البعد غير اللفظي، فمعطيات الجسد والطقوس والإيماءات، ومكونات الأثاث الثقافي من زمان وفضاء لا يمكن تصورها في ذاتها بل في ارتباطها بغطاء ثقافي يحولها إلى أنساق تتحدد داخلها دلالة عناصر الفعل التواصلي الإنساني. http://saidbengrad.free.fr هوامش 1- Umberto Eco: La structure absente, éd Mercure de France, Paris 1972, p 13 2- Alex Mucchielli, Jean - Antoine Corbalan, Valérie Fernandez: Théorie des processus de la communication, éd Armand colin , Paris 1998, p 19 3- انظر ف يهذا المجال الأعمال التي قدمها كل من برييتو وبويسنسن ومونان. 4- P Watzlawick, J Helmick Beeaven, Don D. Jackson: Une logique de la communication, éd seuil, 1972, p 47 5- انظرِC Levi-strauss: Anthropologie structurale, éd Plon 1958 p 71 et suiv 6- Bateson, Birdwhistell, Goffman, Hall, Jackson, Scheflen, Sigman, Watzlawick: La nouvelle communication, textes receuillis et présentés par Yves Winkin p 15 وانظر أيضا Philippe Breton et Serge Proulx: L'explosion de la communication, La découverte /poche pp 89 - 90 - 91 -92 7- نفسه ص 15 8- Bateson, Birdwhistell, Goffman, Hall, Jackson, Scheflen, Sigman, Watzlawick: La nouvelle communication, textes receuillis et présentés par Yves Winkin p 16 9- نفسه ص 16 10- Philippe Breton et Serge Proulx: L'explosion de la communication, La découverte /poche p 93 11- La nouvelle communication, p18 12- نفسه ص 18 13- نفسه ص 19 14- انظر Roman Jakobson: Essais de linguistique générale, les fondements du langage, éd Minuit, 1963, p 214 15- نفسه ص 220 16- La nouvelle communication, p 26 ويجب أن نشير هنا إلى أن السياق الذي نتحدث عنه هنا هو سياق فرنسي يربط كلمة communication بالكلمة اللاتينية communicare الدالة على الجمع والعلاقة بما فيها توحد الأجساد 17- نفسه ص 24 18- نذكر منها 1959: Le langage silencieux La danse du temps 1983, la dimension cachée1966, Au dela de la culture 1976 19- Edward T. Hall: La dimension cachée, éd Seuil, 1971 , p p 13 - 15 20- Le langage silencieux, pp 209 - 210 21- نفسه ص 18 22- La Danse du temps; temps culturel et temps vecu, éd seuil , 1984 23- Edward T. Hall: La danse de la vie, temps culturel, temps vecu, éd sqeuil , 1984, p 11 24- انظر مقالنا نساؤهم ونساؤنا، مجلة علامات، العدد 12، 1999 25- David Le Breton: Des Visages, éd Métailié; 1992; p 141 26- انظر Edward T. Hall: La Dimension cachée, éd Seuil ,1971, p 15 27- ذكره هال: la dimension cachéé p 14 28 - Edward Sapir: Anthropologie, éd Minuit, Paris 1967, p 46 29- la dimension cachéé, p 15 30- نفسه ص 16 31- يتعلق الأمر بعناوين كتب هال، وقد أحلنا على بعضها في هذا المقال. 31- Ray. L. Birdwhistell: Un exercice de kinésique et de linguistique: La scène de la cigarette, in La nouvelle communication, op cit , p 163 32- نفسه ص 75 33- La nouvelle communication, op cit, p 67 34- نفسه ص 190. سعيد بنگراد - 2004 .

الثلاثاء، 26 أبريل، 2011

تقنيات التنشيط و التواصل

خوارزمية التواصل كبرى اهداف التواصل التعارف الجامع الاسس العامة او المبادئ السبع المخاطر او الحواجز السبع الاستراتيجية الخماسية سلم الكذب في التواصل مهمة الصمت في التواصل دور الشخصية او المؤسسة في عملية التواصل طبيعة الأسئلة ودورها منطق الاسئلة اهداف الاسئلة الابعاد الاربع

بــلاغة الـكــــذب

بــلاغة الـكــــذب كتبه أيمن أبو مصطفى : يمكن أن تستخدم البلاغة استخداما مخادعا ، وقد التفت إلى ذلك ابن الأثير في كتابه المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر تحت باب الاستدراج حيث يقول: "وهذا الباب أنا استخرجته من كتاب الله تعالى وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال والكلام فيه وإن تضمن بلاغة فليس الغرض ها هنا ذكر بلاغته فقط بل الغرض ذكر ما تضمنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم وإذا حقق النظر فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه لأنه انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة ولا المعاني اللطيفة الدقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها والكلام في مثل هذا ينبغي أن يكون قصيرا في خلابه لا قصيرا في خطابه فإذا لم يتصرف الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده وإلا فليس بكاتب ولا شبيه له إلا صاحب الجدل فكما أن ذاك يتصرف في المغالطات القياسية فكذلك هذا يتصرف في المغالطات الخطابية‏ ".‏وقد أشار ابن سينا إلى أن الاستعارة ينتفع بها على أنها وسيلة خادعة للتأثير على المتلقي الذي يسهل خداعه ، حيث يقول :".....وليعلم أن الاستعارة في الخطابة ليست على أنها أصل ، بل إنها غش ينتفع به في ترويج الشيء على من ينخدع وينغش ، ويؤكد عليه الإقناع بالتخييل ، كما تغش الأطعمة والأشربة بأن يخلط معها شيء غيرها لتطيب به، أو لتعلمل عملها فيروج أنها طيبة في أنفسها.. " وقد ناقش أمبرتو إكو الغاية المخادعة للبلاغة ، أو قل بلاغة الكذب فى عرضه لنظرية إنتاج العلامة ، مشيراً إلى استعمال الصور البلاغية التحسينية بغرض المخادعة ومنافاة الحقيقة ، إذ ينتج استعمال الصور البلاغية خطاباً أيديولوجيـاً مخادعاً تُصنف فيه أشكال الدعاية المخادعة التى تستهدف إقناع العامة ، ومن ثم وصمت البلاغة بسمعة سيئة فى القرنين الماضيين بسبب الطـريقتيـن اللتين كان يُنظر بهما إلى فكرة الصور البلاغية " ومن هذا أحجم القدماء عن النظر إلى القرآن من منظور البلاغة التي كانوا يعتمدون في تعريفها بعض ما نجده في تعريف الخطابة . فمن مفاهيم البلاغة عند الجاحظ على سبيل المثال مفهوم لاحظ حمادي صمود شدة اقترابه من مفهوم الخطابة اليونانية ، إذ رأى أن الجاحظ قد عرف البلاغة تعريفا يوافق الأغراض والحجج في الخطابة . فهي عنده – كما جاء في البيان والتبيين – " البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة وإظهار ما غمض من الحق وتصوير الحق في صورة الباطل" . وقد التفت إكو إلى سلوك شاذ يختلط بالغاية الاقناعية للبلاغة ويرتبط باستخدام الشفرات لإنتاج نص أيديولوجي ويصنف تحت هذا العنوان أشكال الدعاية المخادعة التي تستخدم في إقناع العامة , ويقصد بالنص الأيديولوجي "ذلك النوع من المحاورات التي تحاول أن تظهر بمظهر الجدل الحقيقي – من قبل المرسل – باستخدام الافتراضات المحتملة ولكنه يأخذ في اعتباره جزءا بسيطا من معطيات حقل الدلالة , وبذلك يخفى الطبيعة التناقضية للنظام الدلالي العام ، ويقدم وجهة نظره الخاصة كما لو كانت الناتج الوحيد الممكن – يعد هذا السلوك سلوكا شاذا – يستوي في ذلك أن يكون هذا الاتجاه متبنى من قبل المرسل عمدا وسخرية لكي يخدع مخاطبا ساذجا ، أو أن يكون المرسل نفسه ضحية نظرته ذات الاتجاه الواحد " إن مثل هذا النوع من الخطاب الإقناعي يرتبط بأسباب صراعية شبيهة بالحرب ، ولقد كان الدرس البلاغي القديم محكوما بنبضات صراعية تحتاج إلى الإقناع تحقيقا للفوز بالقضايا ، يلفت إلى ذلك ( ديكسون ) ثم يشير إلى أن البلاغة الجديدة " تذهب بعيدا عن هذا الاستغلال السيء للعوائق الموجودة في عملية الاتصال ، والبلاغيون الجدد لا ينظرون إلى البلاغة بوصفها سكينا حادا يستخدم في صراعات ، فمهمتهم الأساسية هي مقاربة المعنى ، وتأمل سلوك الكلمات في السياق ". هكذا يتجلى أنّ المعوّل عليه في البلاغة هو الصياغة اللغوية وقدرتها على الإيهام والتخييل إلى درجة الإقناع، وبلغة ثانية، المهارة اللغوية التي تمتلك القلوب وتستأثر بها، غير أننا نجد من نظر إلى نماذج المهارة اللغوية نظرة الريب؛ فالجاحظ يذكر أنّ البلاغة هي تصوير الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق . وهذا مؤدّاه مغالطة المتلقي ومخادعته واستدراجه في غيبة من رويته إلى ما يخالف عقله وعلمه. إن الحديث النبوى يحمل أبعاداً تنظيرية لا تختلف عن هذه الآراء والمقولات ، بل يضع الحديث النبوى أسساً نظرية لاصطناع الأنماط البلاغية فى الأسلوب ، وذلك ببيان مواضع الاستحسان ومواضع الاستهجان ، فليس كل استعمال بلاغي بمستحسن ، ومن هنا تأتى فكرة الدوافع التي تكون من وراء أنماط الأساليب إن كانت ترمى إلى الحقيقة ، أو كانت ترمى إلى المخادعة أو المبالغة فى سلوك لغوى يؤدى إلى قلب الحقائق ، يبين الحديث النبوى هذا النمط المخادع من الاستعمال البلاغي : فعن أم سلمة زوج النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضًا أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ، أَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا " ( البخاري ك الأحكام 6648 ) وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا التفاوت فى البيان بقوله : " فَلَعَلَّ بَعْضًا أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ " من هؤلاء الخصم الذين يأتونه ، فيأتي هذا البليغ القادر على البيان بحجج تشوه الحقيقة إلى حد تغيم معه الرؤية فى نظر الذي يقضى ، وفى هذا بيان لغاية غير أخلاقية قد تستعمل فيها البلاغة ، وفى ذلك يقول سهل بن هارون " سياسة البلاغة أشد من البلاغة ، كما أن التوقِّى على الدواء أشد من الدواء " وسياسة البلاغة أي السيطرة عليها وابتغاء الحقيقة فى استعمالها ، فإذا كانت البلاغة عسيرة لا تتوفر لكل إنسان ، فإن القدرة على توجيهها بحيث لا تستعمل إلا لكشف الحقيقة لاتتيسر لكل قادر عليها . ومن هنا أيضاً كان قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لسِحْرًا " ، وقد جاء فى تتمة الرواية أن المقصود بسحر البيان أن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق ، وبذلك يتصدى الحديث النبوي نظرياً لاستخدام القدرة البلاغية فى أمور مخالفة للحقيقة ، مع الإقرار بوقوع هذا السلوك من البشر فى مواقفهم وتعاملاتهم .( ) والواقع أنّ سحر الألفاظ وجمالها يخدم مبادئ متعارضة، فهو يؤيد الدعاية والاستمالة البعيدة، ومعنى سحر الألفاظ هو تأثير اللغة الجميلة في النفس، وأنّ لفظ السحر يعني إغراء الكلام أو القدرة غير العادية على أن يصرفك إليه دون أن يكون لذلك سبب واضح أو حجة مقنعة. ومن الأمثلة التي ضربها أرسطو لهذه الغاية كلمة " الشفاعة "و" التضرع " وهما داخلتان تحت جنس واحد ، وهو المسألة ، ولكن التضرع أخس من الشفاعة ؛ وذلك أن التضرع يكون ممن هو دون المسئول ، والشفاعة تكون من المساوي للمسئول، فإذا أراد المتكلم أن يحسن التضرع سماه شفاعة ، ومتى أراد أن يحقر الشفاعة سماها تضرعا . ومن أمثلة ذلك أيضا أن المتكلم إذا أراد أن يعظم أمر مَنْ سرق قال إنه أغار ، وإذا أراد تحقيره قال إنه خان ، وذلك أن هذه الأفعال " سرق – أغار- خان" كلها داخلة تحت أخذ المال دون عوض ،وقد عرض الفائز في سباق البغال على الشاعر " سيمونيدس" أن يمدح بغاله الفائزة في السباق بقصيدة من شعره لقاء مكافأة ضئيلة ، أحجم إذ رأى أنه لا يليق به أن يكتب عن بنات الحمير ، لكنه لما أجزل له المكافأة نظم قصيدة قال فيها :" سلام عليك يا بنات الجياد اللواتي ينتعلن الريح" . من هذا المنظور، ينبغي التمييز بين نوعين من اللغة، أحدهما صادق حقيقي، والثاني خلاّب ومستحبّ، وقد يتجمع هذان النمطان في قول واحد، وقد يفترقان، وربما لا يكون للحق ميزات ظاهرة، وربما يجتمع للباطل أوجه استحسان باهرة وحسن البيان يرى الظلماء كالنور .وقد عبر ابن الرومي عن قدرة البلاغة على المخادعة والمغالطة بقوله : في زُخْرُفِ القولِ تزيينٌ لباطِلِهِ والحقُّ قَدْ يعتريه ســوءُ تعبيرِ. تقول هذا مجـاج النحل تمدحه وإن ذممت فقل قيء الزنابيــرِ. مدحا وذما وما جاوزت وصفهما حسن البيان يُرِي الظلماء كالنورِ. وهناك إشارة من القرآن الكريم تدلّ على المفارقة بين القول الذي يغري الإنسان بالاستماع إليه والحق البريء من الزينة. والقرآن الكريم يشير مرة أخرى بقوله: " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ " ويقول أيضا: " وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ ": ففي هذين المقامين ندرك ما يسمى بـ"الاستمالة"، وقد نظر إليها القرآن نظرة تحذير إذا كانت استمالة غير مشروعة. إنّ البلاغة العربية القديمة اتصفت بوجوه من الخداع والرياء المقبول وغير المقبول؛ ولذلك قال الجاحظ: "اللهم إننا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن" . "فالاحتفال والصنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم، والتخييلات التي تهز الممدوحين وتحركهم وتفعل فعلاً شبيهًا بما يقع في نفس الناظر إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش، حيث تروق وتؤنق وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن من قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة لا يذكر مكانه " والمقصود من وراء هذا هو الافتنان بالقول إلى الحد الذي يفقد الإنسان معه صوابه، فيعجز عندئذ عن التمييز بين خيره وشرّه، وجيّده ورديئه؛ ولهذا إذا وقفنا عند قدرة الْحَجّاج البيانية، نجد الناس ينتقدون قسوته وعنفه وحزمه في معالجة الأمور؛ فقد قال مالك بن دينار: "ربما سمعت الحجاج يخطب ويذكر ما صنع به أهل العراق، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه، وأنه صادق لبيانه وحسن تخلصه بالحجاج ". ويتضح في ضوء هذه الاعتبارات أنّ المقاصد ذات شأن كبير في البلاغة الموروثة، إنها تسود غيرها من الوظائف اللغوية، أو تصرفها حسبما شاءت ؛ فالوظيفة الإفهامية من اللغة، والوظيفة الخطابية، والوظيفة الشعرية، غايتها هي التأثير في السامع وإقناعه. وبتعبير آخر، كانت وظيفة البلاغة الموروثة هي وصف الطرق الخاصة في استعمال اللغة وتصنيف الأساليب بحسب تمكنها في التعبير عن الغرض يتجاوز الإبداع إلى التأثير في السامع أو إقناعه بما نقول أو إشراكه فيما نحس به، وغايتها مد المستعمل بما تعتبره أنجع طريقة في بلوغ المقاصد . ويحسن بنا -هنا- أن نتذكر أنّ اللغة في بدايتها وظيفة اجتماعية، يمارسها الإنسان ليؤكد بها ذاته، وليستشعر عن طريقها وجوده متفاعلاً مع غيره ممن يشاركه هذه الوظيفة . وعلى العموم، إنّ للغة وظيفتين جوهريتين هما: التعبير والتوصيل، إلاّ أنّ المقاصد ذات شأن كبير في التراث البلاغي، وكيفما كان الأمر، فقد كانت اللغة في هذا الإطار تستعمل لغايات أخرى، مثل التشريع، أو خدمة أغراض علم الكلام، أو إذكاء العصبية، أو التجمل الواجب لكل من يتصدى لمنصب من مناصب الحكم أو الرياسة . انطلاقًا من هذا، انطبعت محاولة الجاحظ بطابع نفعي واضح، يمكن أن يعدّ بدون مبالغة أكمل محاولة في التراث اللغوي العربي لتأسيس ما يسمى بنفعية الخطاب La pragmatique du discours؛ فمما يلاحظ أنه من أبرز مقومات طريقته في تناول الخطاب اللغوي، أنه يتناوله من زاوية كونه عملية تواصل Communication، وهذه العملية تستوجب حدًّا أدنى من الأطراف لا يقلّ عن ثلاثة: المتكلم والسامع والكلام، والرابط بين الأطراف هي الوظائف الثلاثة: الوظيفة الإفهامية، والوظيفة الخطابية، والوظيفة الشعرية، غير أنّ الأولى تقوم من القيمة مقام الأصل؛ إذ لا يتصور الجاحظ خطابًا لغويًّا مهمًّا مهما كان مستواه، لا يكون الفهم والإفهام قاعدته، وغاية هذه الوظائف جميعًا هي السامع . لقد كان تصور الجاحظ الجمالي على هذا النحو، وبالتالي كان الجمال عنده ينبع من النافع، واستقى جانبًا من دستوره الأخلاقي؛ فالخير ليس في الكلمة الجميلة، بقدر ما هو في الكلمة الناجحة التي تعمل في النفس عمل الغيث في التراب، كما يقول . وينبغي أن نتذكر أنّ الجاحظ من كبار المعتزلة الذين أعطوا مسائل البيان اهتمامًا كبيرًا، حيث تحدّث عن الألفاظ وملاءمتها للمعاني، وعن الإيجاز والإطناب، ويشير في كتابه البيان والتبيين إلى السجع والازدواج والاقتباس والكناية والاستعارة وغيرها، كما يشير في كتابه الحيـوان إلى الحقيقة والمجاز، وينبغي أيضًا أن نأخذ في الحسبان أنّ موقف الجاحظ كان من موقع العربي المدافع عن الفصاحة لأسباب لغوية لعلها مشوبة بموقف سياسي، يدافع عن سيادة العِرق العربي، أو من المتكلم المناظر المؤمن بأنّ القول ترتيب ورياضة . وجملة الأمر، كان الجاحظ ينتمي إلى نحلة تعد اللغة سلاحها الأساسي للظهور على الخصوم والإقناع بالمذهب إبّان المناظرات والمجادلات. وهذا مؤداه أنّ نظرة البلاغيين القدماء إلى اللغة كانت من زاوية نجاعتها في المجادلة وقدرتها على التأثير في المتلقي وإقناعه. من هنا كان الحجّاج البلاغي يعتبر إجراء خطابيًّا استراتيجيًّا إذا ما رام المتكلم التأثير في السامع واستمالته لأخذ قرار ما، أو اتخاذ موقف معيّن، أو القيام بعمل ما؛ لذلك فالصور الأسلوبية والصور الاستعارية والبيانية من العناصر ذات الأهمية القصوى في عملية المحاجة والجدال . هكذا بالبلاغة ينتصر الشاعر لقضيته ويسوغها في النفوس ويتمّ تمكينها في الذات، "إنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة" ؛ وهذا ما جعل المتكلمين والمعتزلة يعتبرون تعلّم البلاغة غاية في حد ذاته؛ فهي تمكنهم من أداة ناجعة، يظهرون بها على خصومهم في المناظرات والمجادلات . وما يعنينا هو أنهم ركزوا على مقاصد البلاغة العقائدية ووظّفوها لغايات جدلية إقناعية، ومنه أصبحت اللغة خادمًا من أجل الوصول إلى نهائي أو موقف حاسم ؛ الأمر الذي جعلها تهدف إلى كسب تأييد المتلقي في شأن قضية أو فعل مرغوب فيه من جهة، ثم إقناع ذلك المتلقي عن طريق إشباع مشاعره وفكره معًا، حتى يتقبل ويوافق على القضية أو الفعل موضوع الخطاب؛ فالبلاغة -كما قلنا- توجّه بخصائصها للقلب والعقل معًا؛ إذ يجمع القول فيها بين المضمون العقلي للشاهد وصوره البيانية، أو بين التبرير العقلي والمحسنات البديعية . انطلاقًا من هذا اعتبرت البلاغة هي الطريقة والوسائل المتبعة في الكلام حتى تنفذ معانيه إلى عقل وقلب السامع وما يقتضيه ذلك من وضع محسنات بديعية وإبانة وإظهار وإقناع. ويعود هذا التصور إلى كون البلاغة العربية قد نشأت في أحضان الصراع بين العقائد؛ فقد وصف القرآن الكريم بعض الناس بأنّ لهم ألسنة حادة، ووصف طائفة أخرى بأنّ لهم القدرة على الجدل والخصومة، مما يدلّ على أنّ اللغة ظاهرة من مظاهر الصراع وليس السلام. ولقد رأى البعض أنّ الأبحاث البلاغية نشأت في عصور قوامها الاضطراب السياسي والاجتماعي، ومن الطبيعي أن يفقد المنطق العقلي وقاره في هذا النحو. http://www.jaawaher.com/vb/t1553.html

اللغة المخادعة في الخطاب والتواصل

السياسي والكذب اللغة المخادعة في الخطاب والتواصل أحمد العاقد تشكل قضايا الكذب مجالا خصبا لإثارة وتأمل إحدى الإشكالات الطريفة والمعقدة التي تتصل اتصالا وثيقا بالكائن البشري والحياة اليومية وترتبط ارتباطا عميقا بالتواصل الإنساني وتجلياته المختلفة. وقد أضحى موضوع الكذب، في العقود الأخيرة، محورا علميا وإشكالا فكريا يحتل موقعا متميزا في الدراسات الإنسانية والأبحاث الأكاديمية المعاصرة سواء على صعيد تنوع المقاربات الوصفية والتحليلية التي تلامسه أو على صعيد تعدد الحقول المعرفية التي تعنى به. وبما أنني لم أساهم في الملف المذكور في حينه، فقد قررت العودة إليه محاولة مني في رصد ومناقشة بعض المفاهيم والآليات التي سطرتها المقاربات الحديثة والمعاصرة واجتهدت في سبكها من أجل تحليل صيغ الكذب وكيفية تشييدها في الخطابات والسياقات اللغوية والتواصلية. 1. الكذب وأشكال المخادعة : يكاد يحضر فعل الكذب Lying بقوة في العديد من السياقات المجتمعية المرتبطة باحتمالات الصدق بدء من الحياة الزوجية وفضاء الأسرة مرورا بالمجالات المهنية وقطاع الخدمات ووصولا إلى السياسة الدولية وقضايا الانتخابات. ففي هذه الحالات التي نوردها على سبيل المثال لا الحصر، يجنح المرء إلى الاستعانة بمصادر متعددة للمعلومات قصد تقويم ما إذا كان الفرد صادقا في أقواله وأفعاله. وعليه، فإن تحفيز كل المعلومات المختزنة في الذاكرة يستهدف التأكد من مدى مصداقية مضمون عملية الإخبار في سياق وضعية تواصلية معينة؛ مما يعني إقامة الفوارق بين وضع المعلومات في خانة الصدق بوصفه إخبار عن الشيء على ما هو عليه أو في خانة الكذب باعتباره إخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه كما ورد في تعريفات الماوردي في كتابه "أدب الدنيا والدين". واستنادا إلى ذلك، يكون خرق شروط الصدق في صياغة الكلام وإنجاز عمليات التواصل محددا فاعلا وحاسما في توليد الكذب بمختلف تجلياته وتحققاته بغية بلوغ التضليل المقصود. غير أن الصدق ليس مفهوما مجردا ولا معطى جاهزا ينعزل عن الملابسات والظروف المصاحبة له، بل إنه تشييد معرفي مرتبط بمجال التصور الذي يتعلق بما نعتقده صادقا أو غير صادق. فما نعتقده صادقا في مجالات تصورية معينة قد لا يكون كذلك في مجالات تصورية أخرى لأن الأمر يقترن بعوامل متعددة من قبيل طبيعة الاستدلال ومعطيات المقام ونوعية القصد. ولذلك، ذهب إيكمان (1997) Ekman إلى وجود صعوبات تحول دون إيجاد تعريف دقيق خصوصا حينما يعمد الإنسان إلى الاعتقاد بأن الخاطئ صحيح وبأن الزائف صادق ؛ فما كان منه إلا أن توجه إلى مقاربة الكذب من خلال تمييزه عن عدم الإفشاء بالأسرار واعتماد مختلف الحيل والمخادعة والمخاتلة والغش. وفي هذا الصدد، يمكن إيجاز المقاييس المعتمدة في التمييز بين الكذب وباقي أنواع المخادعة في مقياسين هامين : أولهما، يتمثل في قصد الكاذب الذي يتعمد تضليل المتلقي إذ قد يقول الكاذب الحقيقة فعلا عن غير قصد كما قد تصدر عن الإنسان الصادق معلومات خاطئة دون قصد أو تعمد ؛ وثانيهما، يتجلى في عدم المعرفة المسبقة بالمستهدف حيث يكون الهدف المقصود من التضليل غير معلوم مما يجعل على سبيل المثال من المحتال أو الدجال كاذبا على عكس الساحر أو الممثل. وعموما، يمكن القول – تبعا لبارنس (1994) Barnes الذي اهتم بسياقات الكذب في ثقافات وديانات وتقاليد أخلاقية متنوعة واعتنى بأدلته التداولية وبكيفية كشفه وبتجليات عواقبه – بأن الأكاذيب تعابير تهدف في مجملها إلى التضليل وأنها ضعف إنساني لا يتأسف عليه المرء إلا بعد بلوغ المقصود. وإذا كان الكذب يعتمد على التقنيتين الشائعتين المتمثلتين في الكتمان والتزييف، فإن إيكمان (1985) Ekman يطرح ثلاث تقنيات أخرى يدرجها في ما يلي : أولا، قول الصدق بطريقة مضللة إذ يعمد الكاذب إلى التكلم عن شيء صادق بشكل يعني ويفيد عكس ما يريد قوله ؛ ثانيا، قول نصف الحقيقة على أنها الحقيقة كاملة حيث لا يكتمل الصدق بمعلومات ناقصة ومجزأة ؛ ثالثا، المراوغة الاستدلالية الخاطئة التي تتم عن طريق تقديم معلومات عادية مع التكتم المقصود والسرية المبالغ فيها. وعلى هذا الأساس، تستبعد مجموعة من الأشكال التعبيرية عن دائرة الكذب من قبيل الانخداع حينما لا يدرك الإنسان أنه يخدع نفسه ولا يعرف دافعه الخاص لتضليل نفسه، والوعد المخلوف إن لم يحصل العلم به، والعجز عن التذكر، والاعتقاد بأن الخاطئ صحيح، والتعبير الخاطئ غير المقترن بالقصد المتعمد للتضليل. وقد جنحت بعض المقاربات المعتمدة في جملة من الأبحاث الأكاديمية والعلمية نحو إيجاز الدوافع إلى الكذب، فذهبت إلى أن الدافع قد يكون اجتناب العقاب أو توفير الحماية أو بلوغ المنفعة أو كتمان السر أو كسب الإعجاب أو تجاوز وضعية حرجة أو ممارسة السلطة على الآخرين عبر مراقبة المعلومات التي يتوفر عليها الهدف (إيكمان.1989. Ekman). غير أن هذه المقاربات استثنت من هذا النطاق أكاذيب التأدب lies of politeness إذ اعتبرت أنها ليست كذبا نتيجة إعمال القواعد الآدابية في بعض الوضعيات التخاطبية الخاصة من قبيل رفع الحرج عن أحد المتخاطبين أو الاحتفاظ بمفاجآت ما مثل مفاجأة حفلة عيد الميلاد أو غيرها. إجمالا، يمكن القول بأن الكذب يعتبر فعلا لفظيا يستلزم تحفيزا لا مشروعا للمعرفة والمعلومات في إطار التفاعل والتواصل بين أفراد المجتمع ؛ إنه ليس فعلا كلاميا بالمعنى التقليدي ما دام أنه لا يستجيب للشروط المناسبة المألوفة، فليست هناك أية شروط نسقية يجب أن تتوفر من أجل الكذب بشكل ملائم. وعلى العكس من ذلك تماما، يشكل فعل الكذب خرقا جليا لنقطتين أساسيتين : أولاهما، خرق الشروط التداولية النوعية التي تعتمد أثناء الإثبات المناسب والملائم ؛ وثانيهما، خرق المعايير الأخلاقية العامة للصدق التي هي أساس كل التفاعلات الإنسانية. غير أنه في بعض الحالات يسمح بالكذب من الناحية الأخلاقية خصوصا في بعض الوضعيات التواصلية التي يمثل فيها التكلم بصدق خرقا لمعايير وقيم أخرى من قبيل التأدب والتحفظ والتكتم المشروع وغيرها، مثل الكذب على العدو أثناء الاستنطاق. وبهذا المعنى، لا يكون الكذب مشروعا إذا كان يسيء لمصالح المتلقي أو يضر بمصالح الآخرين ؛ وبنفس المعنى الشامل للشرعية الاجتماعية والسياسية، تنتفي مشروعية الكاذب – سواء كان شخصا أو مؤسسة – كلما أكد هيمنته عبر التعسف وإساءة استعمال السلطة مثلا من خلال مراقبة وسائط التواصل والخطاب العمومي وبالتالي الولوج العمومي للمعرفة والمعلومات. ويتضح، ها هنا، بأن مختلف هذه الوضعيات يحتاج إلى تناول دقيق ومعالجة تداولية خاصة وفقا لطبيعة السياقات المؤطرة لها، وهو الأمر الذي سنتوقف عند بعض تفاصيله بعد أن نبرز أهمية صياغة البنيات اللغوية في الإنجازات الكاذبة باعتبارها بنيات أساسية تتضمن مجمل المؤشرات السياقية والإحالات المرجعية التواصلية. عن اللغة والكذب : إذا كان بالإمكان معرفة الشيء الكثير عن الأفراد وعن نمط تفكيرهم وطبيعة أحاسيسهم ومحفزاتهم من خلال النظر في الكلمات التي يوظفونها أثناء إنجازاتهم التواصلية، فإن تحليل الوحدات المعجمية الواردة في تعابير الكذب يمثل مسلكا مهما يقود نحو التنبؤ بالمخادعة وبطبيعتها ومقاصدها ونحو كشف الدلالات المخالفة للصدق. وينبني تحليل الكلمات الموظفة في الكذب على نوعية الانتقاءات المعجمية وكيفية تأليفها ضمن بنيات تركيبية دلالية وطريقة تشكيلها للأسلوب اللساني الذي يمنح، في نهاية المطاف، المؤشرات المتصلة بالمحصلات السلوكية والعاطفية الكفيلة بالقبض على الأكاذيب (نيومان وبينيبايكر وبيري وريشارد.2003. Newman, Pennebaker, Berry & Richards). غير أن تحليل تجليات الكذب لا يقتصر فقط على تجريد النظر في بنيات الكلمات وحدها ولا يقف عند الحدود الجملية الضيقة، بل يتجاوز ذلك لينظر بعمق في بنيات الخطاب ومستويات تشييده لأن الآراء والمواقف الكاذبة لا تنسج إلا ضمن بنيات لغوية متسلسة ومسار تواصلي متطور. وبناء على ما سلف، نذهب إلى القول بأن الكذب ليس مجرد كلمة أو كلمات غير صادقة، بل إنه نظام تعبيري يأخذ شكل خطاب لغوي تواصلي يرتبط بمجريات التخاطب وتفاعلات تعيين المقاصد وإبداء المواقف الفردية والجماعية. وعلى هذا المستوى، يكتسب خطاب الكذب أبعادا تداولية لا تتأسس فقط على البناء اللساني الذي يتشكل عبر التأليف اللفظي، وإنما ترتكز أيضا على التعابير اللسانية الموازية التي تفيد الأشكال التواصلية غير اللفظية من قبيل قسمات الوجه ونبرات الصوت وحركات الجسد وغيرها. ويكفي أن نشير، في هذا المقام، إلى أن جملة من المؤشرات السيميائية المتنوعة يمكنها أن تدعم الصيغة اللسانية الكاذبة بطريقة معبرة وبليغة مثل شكل الابتسامة التي ترتسم أثناء لحظات الكذب (إيكمان وفريزن وأوسيليفان.1988. Ekman, Friesen, & O’Sullivan.). من جهة أخرى، وفي إطار وجهة النظر المعرفية المقاربة للكذب، حاولت الأبحاث والدراسات المنجزة إيجاز مختلف الأبعاد التي تلتصق باللغة المقترنة بالمخادعة عموما، فخلصت إلى تركيزها في ثلاثة على الأقل : أولها، قلة الإحالات الذاتية، وثانيها كثرة الكلمات العاطفية السلبية، وثالثها قلة الواسمات ذات التعقد المعرفي. ومن ثمة، يتبين أن إنجازات الكذب لا تتحقق عبر تعبير لساني اعتباطي لأن المخادعة في أبعادها اللغوية المذكورة تقتضي إقامة علاقات تفاعلية بين الإدراك الذاتي للوقائع والاستجابة لمستلزمات التخاطب، أي بين أسلوب اللغة المستعملة ومضمون التواصل. وفي هذا الإطار، لا يتعلق قول الكذب بمخالفة الصدق وتزييف الحقائق والوقائع كما هي في العالم الواقعي، بل يستلزم أساسا بعدا سرديا يتمثل دائما في خلق قصة تتمحور حول تجربة شخصية أو أحداث لم تقع أو موقف غير موجود أصلا. واعتمادا عليه، يسعى الكاذب دائما إلى خلق قصة قابلة للتصديق، فيحاول بذلك أن يكون واقعيا وأن يبتعد عن التجرد والصيغ التخييلية على الرغم من الحضور القوي للمعطيات الوجدانية كما أبرز ذلك نيومان وبينيبايكر وبيري وريشارد(2003) Newman, Pennebaker, Berry & Richards في تحليل المواقف من عمليات الإجهاض وإعمال البعد العاطفي في اللغة أثناء عملية خلق القصة الزائفة. وعلى العموم، يمكن اعتبار الاعتناء بتجليات الكذب اعتناء جوهريا بالصيغ النوعية للكلمات واللغة من حيث مساهمتها الفاعلة في توليد الآراء وتشكيل المواقف إن على مستوى تشييد الخطاب أو على مستوى إنجازات التواصل. وإذا ربطنا ذلك بأحد أهم الأنساق المجتمعية متمثلا في نسق التواصل السياسي، فإننا نذهب إلى أن التوظيف المخادع للغة في المناورات التعبيرية واستثمارها في بعض الاستراتيجيات التخاطبية قد يتجه نحو خرق الشروط التداولية والمعايير الأخلاقية للصدق ليؤدي بذلك إلى ما يمكن أن نسميه "الكذب السياسي". إنه كذب ينزل منزلة الفعل اللغوي والخطابي القائم على التحفيز اللامشروع للمواقف السياسية والمعرفة المجتمعية أثناء التفاعل مع المكونات السياسية والتواصل مع مختلف فئات المجتمع. وقد شكل هذا النمط الخاص من الكذب حقلا إنسانيا خصبا لإجراء مقاربات جدية وعميقة تتقاطع ضمنها معطيات العلوم المعرفية وعلم الاجتماع واللسانيات وتحليل الخطاب وأخرى غيرها كثير. فتحليل الكذب ضمن السياقات السياسية يستدعي زوايا نظر متعددة تسعف في فحص المسارات التواصلية المقترنة بالقصد السياسي ومدى ارتباط لغة الخطاب السياسي باستراتيجية الخداع المتعمد. الكذب والسياق السياسي: يحتل الكذب السياسي موقعا نوعيا في الممارسة السياسية إذ يتخذ أشكالا تداولية عديدة تتراوح بين التجلي عبر اللغة والتخفي في ثنايا الصيغ التواصلية، فتارة تبرز الأكاذيب السياسية دفعة واحدة قصد التهرب من تحمل المسؤولية السياسية اتجاه قضية شائكة أو نتيجة تسرع الفاعل السياسي وتراجعه في الآن نفسه، وأحيانا تظهر بشكل زمني تدريجي عبر الانفعالات السياسية اللفظية إذ تأتي في مراحل متأخرة بعد عدم تمكن الفاعل السياسي من الحفاظ على انسجام لغته السياسية وتماسك موقفه وخطابه. ويتمثل العنصر الحاسم لإظهار الأكاذيب السياسية أو إضمارها في مدى تمكن السياسي أثناء استعمال اللغة المخادعة من امتلاك تقنيات تعبيرية مراوغة نصفها تجاوزا بمهارات الكذب. فكلما كانت مهارات الفاعل السياسي قوية، كانت الأكاذيب السياسية خفية وغير معلنة على مستوى الموقف والخطاب؛ وكلما كانت المهارات ضعيفة، تطفو الأكاذيب السياسية على السطح ولا تجد سبيلا إلى التستر في ثنايا اللغة التواصلية السياسية. وتحدد قوة هذ المهارات أو ضعفها في قدرة الفاعل السياسي على التفاعل مع الملابسات والتحولات التي يشهدها حدث سياسي معين مما يجعلها مقترنة بالسياق السياسي ومؤشراته الخطابية والتواصلية. ها هنا وبصفة عامة، نذهب إلى أن بلورة نظرية للخطاب السياسي ذات كفاية وصفية وتحليلية متقدمة تستلزم استحضار المكون السياقي الذي يضمن المعالجة السليمة والشاملة لمختلف مستويات التفاعل الاجتماعي والتواصل السياسي. على أن الكشف عن أهمية السياق السياسي يقتضي إدراك الخلفيات المنهجية الكامنة خلف تبئير مفهوم السياق عموما ؛ كما أنه متى علمنا أن السياق السياسي فرع عن السياق الإنساني وأن الأصل أسبق عن الفرع، علمنا معه ضرورة بسط الحديث أولا عن مقولة السياق بشكل عام. وبناء عليه، نقول بأن الاهتمام المتزايد بتحليل السياق شكل استجابة علمية لضرورة توسيع دائرة الدراسات الخطابية ونتيجة حتمية للتطورات الجديدة في مجال دراسة الخطاب كمواجهة للخلفية الثاوية وراء المقاربة المتعددة الاختصاصات المتعلقة بتحليل النص والكلام في العلوم الإنسانية والاجتماعية. فقد اتضح عدم كفاية المعالجة المنحصرة في البنيات اللسانية للخطاب والبنيات التفاعلية للتخاطب ليتجه الاهتمام صوب استحضار وتحليل المحيط المعرفي والسياسي والثقافي والاجتماعي ومختلف المعطيات المتصلة بالكون الخطابي. وهكذا، قامت اللسانيات النسقية بتقديم مقاربة خاصة بتحليل السياق ونهض التحليل التخاطبي بتوسيع مجاله عبر دراسة الإطار المؤسساتي والتنظيمي للكلام في مختلف مجالات، بينما تكفلت اللسانيات الأنتربولوجية بدراسة المظاهر الثقافية للكلام والمظاهر الوضعية للتفاعل وجها لوجه واعتنت اللسانيات الاجتماعية التفاعلية بأبعاد الخطاب السياقية. كمااهتمت دراسات الخطاب النقدي بمقاربة الكلام والنص داخل السياق المجتمعي المرتبط بالسلطة والهيمنة واللامساواة الاجتماعية، وركزت دراسات الخطاب النسائي على التحليل النقدي للهيمنة النوعية وكيفية إعادة إنتاجها خطابيا. وعلاوة على ذلك، اعترفت المقاربات الشكلية في مجال دراسة الخطاب، وخاصة مقاربة الذكاء الاصطناعي، بأن إنتاج فهم اللغة الآلية لا يستقيم إلا بوجود نمذجة سياقية للتواصل. غير أن النظر إلى السياق باعتباره محيطا مفسرا للخطاب السياسي قد يؤدي إلى المجازفة في محاولة وضع نظرية عن كل شيء ما دامت البنية الخطابية مرتبطة بالأطر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمؤسساتية والثقافية. أما على المستوى التصوري، فإن السياقات لا تصاغ تصوريا على شكل وضعيات اجتماعية، وإنما على شكل تحديدات ذاتية من وجهة نظر المتواصلين للخصائص الملائمة للوضعيات الاجتماعية. فالسياقات، بهذا المعنى، نماذج ذهنية تمتلك فاعلية قصوى في مراقبة الخطاب إن على صعيد إنتاجه أو على صعيد تلقيه، وتشكل من الناحية المعرفية جهازا متضمنا لمجموع المعتقدات المشتركة المقبولة. وإذا كانت إشكالية الكذب ظاهرة معقدة تسترعي الاهتمام من وجهة النظر الفلسفية الأخلاقية والدلالية التداولية والنفسية الاجتماعية والسياسية الثقافية، فإن فان ديك (2005) van Dijk أفرد لها بابا خاصا في إطار التداوليات المؤسسة سياقيا من خلال البحث عن تحديد المعيار الأصلي للمشروعية. وقد شدد على أن الصدق خاصية للخطاب عن العالم وليس خاصية للمعتقدات، وأن المعرفة لا تتمثل في المعتقدات الصادقة والصحيحة المؤسسة على تبريرات معينة لأن شرطها الرئيسي لا يكمن في مدى المطابقة المجردة القائمة بين المعتقدات وبعض حالات الأوضاع في بعض العوالم، بل في مدى ترسيخ المعرفة الجماعية التي تفيد تقاسم المعتقدات بين أعضاء جماعة ما. وبهذا المعنى، يغدو الكذب فعلا تواصليا خاضعا لمراقبة وسيطرة نموذج سياقي محدد حيث يعرف الفاعل السياسي أن تعبيره لا يعكس الحدث، ومع ذلك تحصل له الرغبة في جعل المتلقي يعتقد أن تعبيره مطابق تماما للحدث. بتعبير آخر، يتحقق الكذب السياسي كلما امتلك السياسي نموذجا ذهنيا مختلفا عن نموذج المتلقي حول نفس الحدث المحال إليه في الوضعيات التواصلية. ومن هذا المنطلق، يتعين بالضرورة في وصف الكذب السياسي التوسل بالنماذج السياقية القادرة على تمثيل المتواصلين السياسيين وتمثيل معرفتهم وأهدافهم المختلفة. وتجدر الإشارة إلى أن فان ديك (2005) van Dijk قام بتحليل النقاش البرلماني الذي جرى في 18 مارس 2003 داخل البرلمان الإسباني حول التدخل العسكري في العراق والذي دار آنذاك بين الوزير الأول خوسي ماريا أثنارJosé María Aznar وزعيم المعارضة خوسي لويس رودريغيز ثاباتيرو José Luís Rodríguez Zapatero، وأكد أن النماذج السياقية عموما والجهاز المعرفي خصوصا شكلت عنصرا أساسيا في مراقبة مجريات النقاش، مشددا على البعد التداولي للأكاذيب حيث يبرز بأن اتهام أثنار بالكذب – كما الرئيس الأمريكي جورج بوش Bush George في سياقات أخرى – تأسس على معيار المعرفة المشتركة. وقد مكنت هذه المقاربة التداولية لظاهرة الكذب من تجاوز المقاربات الاصطلاحية التي وقفت عند إجراء معالجة دلالية قائمة فقط على إنتاج المعتقدات الخاطئة. وبالإضافة إلى ذلك، بلور فان ديك (2006) van Dijk أيضا مقاربة سياقية تناولت بالوصف والتحليل الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير Tony Blair حول العراق في مجلس العموم بتاريخ 18 مارس 2003، وذلك من أجل إبراز أهمية النماذج السياقية في مراقبة وتفسير عدد من الجوانب السياسية للتفاعل والتواصل التي تظل مغيبة في دراسات اللغة والكلام. ففي الحالة الإسبانية، لا يعتبر أثنار Aznar القضية الدولية المثارة آنذاك تدخلا عسكريا وإنما محاولة لتجريد النظام العراقي من السلاح إذ يحاول إضفاء المشروعية على المشاركة الإسبانية في التدخل الأمريكي في العراق كما نستشف ذلك من الاستلزامات السياسية المؤسسة على السياق السياسي والتي تعد بمثابة استدلالات سياسية تنهض على التقديم الإيجابي للذات أي الحزب الحاكم والتقديم السلبي للآخر أي أحزاب المعارضة (فان ديك. 2005. van Dijk). بينما يوجه ثاباتيرو Zapatero التهمة إلى رئيس الوزراء بأنه يخفي موقفه السياسي الحقيقي من التدخل العسكري في العراق ليكون في كل مرة أقل مصداقية. وإذا كان رئيس الوزراء متهما بالكذب، فمعناه أنه متهم بكونه كذب على الأمة خصوصا في حالة التدخل العسكري مما يعتبر خرقا للمعايير الأساسية للدولة الديموقراطية. وبعبارة أخرى، من خلال اتهامه غير المباشر لأثنار Aznar بالكذب السياسي، فإن زاباتيرو Zapatero يوجه إليه في نفس الوقت تهمة قيامه بالتضليل المتعمد واعتماده في الحكم على سوء التدبير السياسي. وهذه المقتضيات السياسية ليست مشتقة من معنى كلام زعيم المعارضة ولا من معنى التفاعل المتمثل في فعل الاتهام، ولكنها مستنبطة من بنيات النماذج السياقية للمشاركين السياسيين الذين يؤولون هذا التخاطب السياسي بوصفه تفاعلا بين رئيس الوزراء وزعيم المعارضة. ولذلك، فالنماذج السياقية، بوصفها نماذج ذهنية يشيدها المتواصلون عن الوضعيات التواصلية، تسم المكون المعرفي الذي يراقب استراتيجيات الكذب والاتهام بالكذب والدفاع عن النفس ضد هذا الاتهام ضمن مجال التفاعل السياسي. وهو ما يعني أن الكذب السياسي يصبح جزء من العناصر المشكلة لبنيات الخطاب السياسي واستراتيجياته. وفي الحالة البريطانية، وعبر تحليل الخطاب النقدي الذي يهتم أساسا بالقضايا السياسية الاجتماعية ودراسة تعسف السلطة والشطط في استعمالها، نرى – كما أسلفنا أعلاه – كيف حرك بلير Blair الرأي العام البريطاني ليكون قادرا على إضفاء الشرعية على المشاركة البريطانية في الحرب الأمريكية على العراق. وقد تمكنت المقاربة المعتمدة في الحالة البريطانية من كشف تواطؤ رئيس الوزراء و"كذبه" على الرأي العام البريطاني بناء على إعمال منهج تكاملي يقوم بدراسة المعرفة والإيديولوجيات والمعتقدات المشتركة اجتماعيا التي تسعف في وصف خصائص الخطاب ووظائفه الاجتماعية في علاقته بالمؤسسات والجماعات والسلطة والجوانب الأخرى المتصلة بالمجتمع والثقافة. إجمالا، نستطيع القول بأن الكذب السياسي بما هو إخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه تعبير يهدف إلى التضليل السياسي حيث يعتمد التحفيز اللامشروع للمعرفة السياسية في إطار التفاعل والتواصل المجتمعيين. إنه نظام خطابي تواصلي يتأسس على تفاعلات التخاطب السياسي وارتباطها بمواقف السياسيين ومقاصدهم الفردية والجماعية. ومن ثمة، يكون الكذب السياسي فعلا تواصليا يخضع بامتياز لمراقبة النماذج السياقية التي يشيدها الفاعلون السياسيون عن الأحداث المجتمعية ضمن وضعيات سياسية تواصلية محددة. إن فهم الكذب السياسي من هذا المنظور الذي تطرقنا إلى بعض ملامحه سيمكن من استيعاب جملة من الممارسات السياسية السلبية التي يحفل بها المجتمع السياسي المغربي والتي تستدعي من الباحثين المتخصصين إجراء مقاربة معرفية تحليلية تكشف عن الكذب السياسي كما يتجلى في سياقاتنا السياسية المحلية. ففي العديد من المقامات السياسية، بما فيها التصريحات الصحافية والحملات الانتخابية والمناقشات البرلمانية، تتشكل الأكاذيب السياسية حول قضايا تهم النخبة السياسية والفاعلين الحزبيين والرأي العام الوطني ويحاول الكاذبون السياسيون طمسها عبر اللغة المخادعة والتعابير التبريرية والمناورات التواصلية المختلفة. ويكفي أن نتأمل، في هذا الصدد، أمثلة كثيرة في المشهد السياسي المغربي من بينها تصريح أحد الزعماء المؤسسين للحركة الشعبية للقناة الثانية بكونه رهن ممتلكاته من أجل الحزب وصحافته، وتفاعلات تصريحات عمدة مدينة مكناس حول زيارته لإسرائيل، وتعامل القطاعات الحكومية مع تطورات قضية التشغيل "النجاة"، والمناقشات البرلمانية المتعلقة بإفادات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عن تفويت الأراضي التابعة لوزارته، وغيرها كثير. فعلاوة على ذلك، وبإنجاز هذا النوع من التحليل الذي بسطنا أهم عناصره، سنتجاوز التعابير اللفظية لبعض السياسيين المغاربة التي تحاول أن تقر بصدقهم وتدفع عنهم آفة الكذب السياسي، وسنقبض على النماذج السياقية التي يشيدونها بطريقة لاشعورية في خطاباتهم السياسية والتي تبرز من حيث لا يدرون أنهم محتالون سياسيون وأنهم لا يجيدون إلا إعمال مهارات الكذب السياسي. المراجع: - Barnes, J. A. 1994: “A Pack of Lies: Towards a Sociology of Lying” Cambridge University Press, Cambridge. - Ekman, P. 1985: “Telling Lies: Clues to Deceit in the Marketplace, Marriage and Politics” Norton, New York. - Ekman, P. 1997: “Lying and Deception” In Stein, N.L.; Ornstein, P.A.; Tversky, B. & Brainerd, C.: “Memory for Everyday and Emotional Events” Lawrence Erlbaum, New Jersey. - Ekman, P.; Friesen, W.V. & O’Sullivan, M. 1988: “Smiles when Lying” Journal of Personality and Social Psychology, 54, 414-420. - Newman, M.L.; Pennebaker, J.W.; Berry, D.S. & Richards, J.M. 2003 : “Lying Words: Predicting Deception from Linguistic Styles” Personality and Social Psychology Bulletin, 29/5, 665-675. - Steiner, J. 2004: “Deliberative Politics in Action : Analysing Parliamentary Discourse” Cambridge University Press, Cambridge. - Van Dijk, T.A. 2005 : “Contextualization in Parliamentary Discourse : Aznar, Iraq and the Pragmatics of Lying” Congreso Discurso Oral, 24-26 novembre, Almeria (www.discourse-in-society.org). - Van Dijk, T.A. 2005: “War Rhetoric of a Little Ally : Political Implicatures and Aznar’s Legitimatization of the War in Iraq” Journal of Language and Politics 4/1, 65-91. - Van Dijk, T.A. 2006: “Discourse, Context and Cognition” Discourse Studies, 8/1, 159-177. صدر للباحث: - كتاب "تحليل الخطاب الصحافي: من اللغة إلى السلطة" دار الثقافة، الدار البيضاء - 2003. - كتاب "المعرفة والتواصل: عن آليات النسق الاستعاري" دار أبي رقراق، الرباط - 2006. قيد الطبع: - كتاب "الشاعر ولغز الراهب: الافتراضي والمعرفي في التواصل الشعري". http://www.minculture.gov.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=249:dr-ahmed-el-3aqed&catid=51:etude-et-essais&Itemid=153

السبت، 23 أبريل، 2011

Linguistique 2e année

Sommaire 1 La diversité des langues 2 Les différentes branches de la phonétique 3 Sémantique 4 Lexicographie 5 Bibliographie La diversité des langues Un système d’expression et de communication doit être commun à un groupe social. -dialecte : variante régionale d’une langue -idiome : langue propre à une communauté (alsacien est un idiome germanique) -parler : moyen de communication linguistique (dialecte, patois...) propre à une région. -patois : Parler propre à une région rurale (le patois d’auvergne, savoyard). -pidgin : Parler rudimentaire né de la simplification de langues en contact et ne servant qu’à des besoins limités, notamment commerciaux. -sabir : toute langue composite née du contact de communautés linguistiques différentes pour permettre notamment les transactions commerciales. (à l’origine c’était un mélange d’arabe, d’esp, de français et d’italien utilisé dans les ports méditerranéens.) ex : me tarzan, you jane. -langage : code, système de communication non verbal Alsacien est un dialecte et aussi une langue (langue car il existe des dictionnaires etc) Langue à tons : chinois... Taxonomie des langues : regroupement des langues (Français appartient au groupe de langue romane et indo-européenne.) Les principaux groupes de langues sont : -langues amérindiennes -langues bantoues (Afrique du Sud) -langues nigéro-congolaises -langues chamito-sémitiques (principaux sont l’Hébreu et l’Arabe) -langues indo-européennes -l. sino thaïs (chinois...) -l. ouralo-altaïques (turques) -l. austronésiennes (Malgache...) -l. dravidiennes -l. papoues et australiennes la taxonomie dépend de l’histoire de la langue. La typologie dépend de la structure/ forme de la langue. Français est une langue latine au niveau taxonomie, mais est plus proche du russe au niveau typologie. Les différentes branches de la phonétique La linguistique a trois spécialités : la phonétique la lexicologie la syntaxe La phonétique a elle-même plusieurs branches : articulatoire perceptuelle acoustique (fréquences du son...) a) Les différentes branches de la phonétique : La communication verbale implique la production d’un énoncé par un énonciateur, la transmission de cet énoncé et sa réception la l’énonciateur. Chacune de ces étapes correspond à une branche de la phonétique. -1ère branche : La phonétique articulatoire initie la production du son par les organes de la parole. -2ème branche : la phonétique acoustique étudie la forme et les conditions de transmission des ondes sonores -3ème branche : la phonétique perceptuelle : étudie la réception des sons par les organes de l’audition. b) Le Système consonantique : La matrice phonologique. Ses différentes critères : 1. Voisement(voiced/voiceless/unvoiced) Sonore/ sourd Voisé / non voisé Toutes les consonnes de l’anglais et du français sont sourds ou sonores (soit les cordes vocales vibrent, soit non). SOURD / UNVOICEDSONORE / VOICED PB TD KG SZ FV ∫ (ch, sh) 2. Moded’articulation(mannerofarticulation) We need to know how the sound is made at various locations of the vocal tract. 4 phonetic possibilities are recognised: -1st: Plosives (occlusives en français) C’est un son où il y a un obstacle au passages. A complete closure is made at some point in the vocal tract with the soft pallet raised. Air pressure builds up behind the closure which is then released explosively. (ex: k; t; d; p; g and first element of : /∫ / and /dz/. -2nd: nasal: a complete closure is made at some point in the mouth with soft pallet lower, so that air escapes throuhg the nose, as in m, n, l, and /η/ =ing. Les trois phases des plosives sont : -fermeture -compression de l’air -relâchement Les consonnes qui sont produites avec une occlusion sont appelées les occlusives, en anglais « stops », les plosives sont donc aussi des occlusives. Mais les consonnes nasales /m/ et /n/ ne sont que des occlusives. /p/ /t/ /k/ = plosives (3 phases) /m/ /n/ /ŋ/ = occlusives (1 phase) -Les fricatives : (ou constructives) Contrairement aux plosives, les fricatives sont des consonnes continues : leur émission est prolongée. Pour une friction, il n’y a pas de fermeture complète, mais simplement un rétrécissement suffisant par que l’air s’échappant par un étroit passage produit une turbulence et un bruit de friction. -les nasales : Le voile du palais est abaissé, ce qui permet à l’air de passer par le nez. Les nasales sont produits avec une fermeture complète au niveau labiale ou buccale. 3 phases des explosives : -fermeture -compression de l’air -relâchement Les consonnes qui sont produites avec une occlusion sont appelées les occlusives (anglais= stops), les plosives sont donc aussi des occlusives. Mais les consonnes nasales /m/ et /ŋ / sont que des occlusives. /p/ /t/ /k/ = plosives (3 phases) /m/ /n/ /ŋ/ = occlusives (1 phase) Les fricatives (ou constructives) : Contrairement aux plosives, les fricatives sont des consonnes continues : leur émission est prolongeable. Pour une friction, il n’y a pas de fermeture complète, mais simplement un rétrécissement suffisant pour que l’air, s’échappant par un étroit passage, produise une turbulence et un bruit de friction. Les nasales : Le voile du palais est abaissé, ce qui permet l’air de passer par le nez. Les nasales sont produites avec une fermeture complète au niveau labial ou buccale. Occlusion bilabiale pour le /m/ Occlusion alvéolaire pour le /n/ Occlusion vélaire pour le /ŋ/ Comme l’air s’échappe librement et de manière continue par le nez, la pression intra buccale ne peut augmenter. Ainsi les nasales ne connaissent pas, malgré l’occlusion, le bruit des plosives. Les latérales : La consonne /l/ est latérale, ce qui veut dire qu’il y a une fermeture centrale (pinte de la langue en contact avec les alvéoles). Et que l’air s’échappe librement sur les côtés. L’occlusion n’est donc que partielle. Les approximatives : Ce sont des consonnes continues sans bruit de friction et en cela, elles se distinguent des fricatives. Les organes articulateurs sont rapprochées mais pas suffisamment pour causer une friction. Semi-voyelles : /j/ /w/ /Ч/ Ils représentent le même caractéristique que les voyelles : passage libre de l’air. Mais elles fonctionnent comme les consonnes. Bilabiales : Sont articulées avec les deux lèvres en contact Labio-dentales : Lèvre inférieure se rapprochent des incisives supérieures Dentales : La pointe de la langue se rapproche des dents Alvéolaires : La pointe de la langue est en contact avec les alvéolaires supérieures situées derrières les dents Post-alvéolaires : Articulées un peu plus en arrière que les alvéolaires Palatales : Articulées dans la région de voile du palais dur. Comme la voyelle /i/ long. Vélaires : /k/ /g/ Sont articulées dans la région de voile du palais mou. Uvulaire : Rapprochement de l’arrière de la langue et de la luette. Les voyelles Les voyelles sont tjr représentatives dans le trapèze vocalique, inventé par un anglais, Daniel Jones qui a étudié la cavité vocalique. La description de la voyelle : -les voyelles sont des sons voisés. -elles font partie des sonantes, c-a-d sans composant bruyant. -les voyelles peuvent être définies comme ayant les deux propriétés suivantes : 1. lors de leur articulation, l’air passe librement, ce qui exclus tout composant bruyant (plosive ou friction) 2. Elles sont toujours syllabiques, c-a-d elles sont nécessairement le sommet d’une syllabe et le phonème le plus sonore de cette syllabe, ce qu’on appelle le pique de sonorité. Le haut de trapèze : la zone la plus proche du palais, donc l’espace entre la langue et le palais (et le plus réduit) La petite base du trapèze : la zone d’ouverture, qu’on appelle aussi averture, maximum. Espace libre entre langue et palais est la plus grande possible : voyelles ouvertes. Dans une syllabe donnée, la voyelle représente toujours le noyau audible. Le premier point de différence : syllabes ouvertes ; syllabes fermées -syllabe ouverte se termine par une voyelle prononcée (non écrite) -syllabe fermée se termine par une consonne Phénomène de co-articulation : Plusieurs sons enchaînés, ou liés. -enchaînement consonantiques : un type de lien syntactique comme dans « grande amie » oùla consonne finale du mot « grande » va se trouver enchaînée au mot suivant. [grăd] [ami] > [gră/da/mi] -liaison : la liaison est le résultat de langue ancienne où toutes les consonnes étaient prononcées. Au 11ème et 12ème les consonnes finales ont commencées à ne plus se prononcer. Ce n’est que dans la mesure où elles se trouvent enchaîner à la voyelle du mot suivant à l’intérieur d’un groupe rythmique, qu’on les a conservées. Le résultat actuel : la consonne finale d’un mot encore écrit ne se prononce pas devant une consonne ou devant un h aspiré. Dans la conversation, la consonne de liaison s’enchaîne de la même manière que la consonne d’enchaînement à la voyelle qui la suit. Cependant il faut noter que les consonnes d’enchaînement ne changent jamais de nature, alors que dans la liaison, la graphique /d/ se prononce /t/, et la graphique /x/ et /s/ se prononcent /z /. -assimilation : lorsque 2 consonnes sont en contact, la plus forte assimile la plus faible. Si les 2 consonnes se trouvent dans la même syllabe, dans le même groupe. La sourde qui est toujours la plus forte dévoise la consonne sonore. Les 2 types principaux d’assimilation sont la sonorisation (ou voisement) et l’assourdissement (ou dévoisement). ex : très [tRє] , clef [kle] , anecdote [k] > [g] Sémantique Définitions (Voir polycopié) D’une manière générale, la sémantique est une branche de la linguistique qui étudie les signifiés. Le mot « sémantique » a été inventé à la fin du XIXème siècle par le linguiste français Michel Bréal, auteur du premier traité de sémantique. La sémantique possède plusieurs objets d’étude : ␣ La signification des mots composés ␣ Les rapports de sens entre les mots (relations d’homonymie, de synonymie, d’antonymie, de polysémie, d’hyperonymie, d’hyponymie, etc....) ␣ La distribution des actants au sein d’un énoncé ␣ L’analyse critique du discours Le champ sémantique est un ensemble structuré selon un axe linguistique particulier, d’unités lexicales. (Arbre / bois / forêt) Un signe est un mot considéré dans ses rapports avec d’autres mots. La valeur est une connotation sociale ou affective qu’on peut associer à tel ou tel mot. Un sème est un élément minimal de signification opérant comme trait distinctif dans la description du sens d'un mot Ex : les lexèmes "calculatrice" et "boulier" ont en commun le sème "objet destiné à calculer". Homonymie = qualifie un rapport d’identité phonétique (homophonie), graphique (homographie) ou les deux (homonymie parfaite) entre deux ou plusieurs mots d’une langue donnée et qui exclut l’identité sémantique. Homophonie : Mètre, mettre, maître Sot, saut, sceau, seau Vers, ver, verre, vert et vair Homographie : Le vent est à l’est Tu as trois as dans la main Les poules du couvent couvent. Homonymie parfaite : Le mousse a de la mousse sur les mains Une livre de pain, un livre de rhétorique. On peut dire que ces homonymes ne sont que « quasi-parfaits » car ils n’ont pas le même genre grammatical. Synonymie : rapport de proximité entre des mots d’une même langue. Hyponymie : désigne des lexèmes moins généraux Polysémie : c’est la propriété (d'un mot) de posséder plusieurs sens. (Multiplication de sens que peuvent avoir des lexèmes). Un idiome est un ensemble des moyens d'expression d'une communauté, correspondant à un mode de pensée spécifique comportant des particularités propre à une langue. = complexe sémantique avec beaucoup d’informations culturelles sémantiques, on ne peut pas prédire le sens d’un idiome. Le mot déictique est parfois employé comme synonyme d'embrayeur. Cependant, au sens strict, le déictique est un embrayeur particulier, réservé à l'usage oral, souvent accompagné d'un geste de monstration, et destiné par conséquent, à la seule localisation spatiale (les démonstratifs sont souvent employés comme déictiques : « ici », « ça », « ce livre-là »...). On trouve également le mot déictique pour désigner un embrayeur indifféremment spatial ou temporel. Les embrayeurs renvoient, soit aux actants, soit aux circonstants de l'énonciation. Référence déictique = tout dépend du contexte pour la compréhension Un doublet est une forme lexicale dupliquée comme ballon / balle ou hôpital / hôtel. Principe de Jabberwocky On peut comprendre le sens d’un mot sans comprendre la signification exact d’un terme. On comprend le sens des mots dans un contexte. Collocation : c’est un ensemble, des phrases constitués par deux lexèmes relativement différents (voir poly). Expression : locutions adverbiales (au fur et à mesure = fur n’existe pas sans l’expression) Lexicographie Il y a des points communs entre la lexicographie et la lexicologie : ␣ étude de la forme des mots : origine du mot (étymologie) ␣ étude de la formation des mots : fonds primitif (mots issus du latin, du gaulois (vocabulaire surtout agricole), du francique (notamment vocabulaire militaire)). ␣ étude des mots empruntés : on parle d'emprunt lorsque le mot est issu d'une langue parlée après la naissance du français. Exemple : ␣ poison, du latin potionem ␣ potion, emprunt au latin —> même sens jusqu'au XVIIème siècle, le mot va ensuite se spécialiser. Il en est de même pour confiance et confidence I)Lexicographie La lexicographie est une application de la lexicologie. C’est une technique rédactionnelle des dictionnaires et une analyse linguistique de cette technique. La fonction du lexicographe est de procéder à une description linguistique de l'ensemble d'une nomenclature, c'est-à-dire de la liste de mots. La lexicographie est la science qui traite de la description du lexique, ␣ Statistique lexicale Petit Robert : 60 000 entrées ou lexèmes (=le « mot » principal) Trésor de la langue française : 400 000 Sciences physiques : 500 000 Activement, on ne connait que 5000 mots. ␣ Lexique Le lexique est le total du nombre de mots dans un système. En linguistique, le lexique d'une langue constitue l'ensemble de ses lemmes ou, d'une manière plus courante mais moins précise, « l'ensemble de ses mots ». On utilise, toujours dans les usages courants, plus facilement « vocabulaire ». La taille d'un lexique est, par nature, impossible à définir avec précision car le seul moyen de se faire une idée de son étendue est le décompte des lemmes (ou entrées) d'un dictionnaire de cette langue, quand il existe. Loi de Zipf : Dans les années 30, un scientifique de l'université de Harvard, G.K. Zipf, a montré qu'en classant les mots d'un texte par fréquence décroissante, alors, on observe que la fréquence d'utilisation d'un mot est inversement proportionnel à son rang. La loi de Zipf stipule que la fréquence du second mot le plus fréquent est la moitié de celle du premier, la fréquence du troisième mot le plus fréquent, son tiers, etc. 100 mots = 60% 1000 mots = 85 % 4000 mots = 97,5 % d’un texte Au fil des années, de nouveaux mots sont inventés. (Comme « implémenter ») ␣ Vocabulaire / nomenclature Le vocabulaire est l’ensemble des mots dans un dictionnaire. = ensemble des mots d'une langue considérés comme les éléments constitutifs du code de cette langue. La nomenclature est le nombre total des mots qui sont traités dans un dictionnaire. = ensemble des mots qui constituent les entrées (d'un dictionnaire). Mot = unité lexicale du vocabulaire général composé de phonèmes. (Produit intérieur brut = 1 terme, 3 mots). On préférera alors au mot le lexème, le lemme ou la forme, qui, eux, possèdent une définition linguistique, ou bien encore le mot composé dans certains cas. Le mot est une entité fixée par les règles de l'orthographe. Cette entité est séparée graphiquement des autres entités du même type par un blanc typographique et elle est fixée oralement par les règles de la prononciation. Terme = jargon / unité désignant une notion de façon univoque à l’intérieur d’un domaine. (Caconyme =1 terme, 1 mot). •Utilité du dictionnaire o Il doit associer les commentaires de sens et les exemples qui les illustrent. Il vise l'exhaustivité : il inclut même les mots grammaticaux, même si sa vocation première est de regrouper les mots lexicaux. Le dictionnaire a pour objet de définir un mot sous une forme conceptuelle ou sous une forme concrète (par l'exemple). Il classe par ordre alphabétique les définitions des mots qui constituent le lexique d'une langue donnée. •Qu'est-ce qu'un dictionnaire ? ␣ Il a en charge de répondre à la science couramment appelée lexicographie (= classification et définition des mots ; la lexicologie, quant à elle, s'occupe de l'étude des mots en contexte).. II)Evolution du lexique (Voir Polycopié) III)Néologie de sens La néologie sémantique est un procédé qui consiste à instaurer un nouveau rapport signifiant- signifié. Autrement dit, il s’agit de la création d’un nouveau sens, inédit, par rapport aux sens recensés d’un terme donné. Il en est ainsi du mot souris, qui a acquis en français, depuis le début des années quatre-vingt, le sens nouveau (calqué sur l’anglais mouse), de « boîtier connecté à un ordinateur ». L’un des procédés discursifs les plus actifs à l’origine du néologisme sémantique est la métaphore, qui se fige et finit par passer en langue. ␣ Extension Souris = aussi la souris informatique (mais risque d’être éphémère avec les nouvelles technologies). ␣ Péjoration = maîtresse : ajout d'une nuance défavorable au sens d'un mot = spécialisation du sens (connotation) ␣ Interférence = réaliser : influence mutuelle des langues étrangères (calque de l’anglais) = cela se traduit par l'apparition de nouveaux mots (éventuellement adaptés à la prononciation spécifique à leur langue), de nouvelles tournures de phrase et/ou la traduction littérale d'expressions idiomatiques (calques). Le plus souvent, cela commence par une déformation progressive et très peu perceptible de la prononciation qui, pour certains phonèmes, va petit à petit s'assimiler à une prononciation étrangère assez proche. IV)Néologie de forme La néologie de forme (ou lexicale) est un processus qui consiste à introduire un nouveau mot dans la langue, soit par emprunt à une autre langue, soit par un processus de fabrication de nouvelles unités lexicales. ␣ Emprunt C’est un mot ou élément d'une langue pris à une autre langue. L’emprunt à une langue étrangère constitue l’un des processus les plus importants d’enrichissement lexical de la langue. Le français a, à toute époque, emprunté des termes à des langues étrangères. Si certains de ces termes constituent des effets de mode qui finissent par disparaître (par exemple le mot dancing, très à la mode dans les années soixante, supplanté aujourd’hui par boîte ou discothèque) d’autres finissent par s’intégrer (par exemple le mot alcool, emprunté à l’arabe, qui a donné naissance en français à de nombreux termes dérivés). = brunch/cappuccino ␣ Intégration = bifteck, colissimo ␣ Calque = coussin d’air ␣ Composition ␣ Dérivation ␣ Composés = années-lumière, onde de choc ␣ Amalgame = bureautique, smog ␣ Affixation = tablette, bobologue ; par exemple, vietnamiser, formé par l’adjonction du suffixe verbal -iser au nom Viêt Nam ; événementiel, formé par l’adjonction du suffixe adjectival -(i)el au nom événement. ␣ Préfixation = la formation de minijupe par l’ajout du préfixe mini- au nom jupe ; de survente, par l’ajout du préfixe sur- au nom vente ; micro-onde) ␣ Réduction ␣ Conversion = mangeable ␣ Re-catégorisation = en-cas, m’as-tu-vu ␣ Acronymes = O.N.U, sida, radar ␣ Sigles = la siglaison : procédé qui consiste à fabriquer des sigles à partir des premiers éléments des mots d’un syntagme ; c’est, par exemple, le cas d’OVNI (objet volant non identifié), ou SNCF. ␣ Troncations = procédé d’abrègement d’un mot par suppression d’une ou plusieurs de ses syllabes ; par exemple, auto pour automobile, vélo pour vélocipède, bus, dico, réglo, craignos. ␣ Reformulation = verlan Autres procédés : Outre ces différents procédés morphologiques, il existe d’autres moyens qui permettent la formation de nouvelles unités lexicales. Il peut s’agir de la fabrication d’un mot de toutes pièces : c’est le cas, par exemple, de Tergal. Mais l’un des moyens les plus utilisés consiste à transformer des noms propres en noms communs. Il en est ainsi, par exemple, de sandwich (du nom d’un des comtes de Sandwich), ou encore plus récemment de Kleenex (du nom de la marque qui fabrique le produit en question). Bibliographie Adamczewski, . Phonétique et phonologie de l'anglais, Armand Colin, 1973 Gimson, A.C.. Pronunciation of English, Arnold, 1972 Malmberg, B.. La phonétique, PUF, 1954 Watbled, J.PH.. La prononciation de l'anglais, Nathan Université, 1999 Viel, M.. La phonétique de l'anglais, PUF, 1986 Zemmour, David. Initiation à la linguistique, Ellipses, 2008 Lodge, Anthony. Le français. Histoire d'un dialecte devenu langue, Arthème Fayard, 1997 Gaudin, François. Initiation à la lexicologie française, DuCulot, 2000 Gledhill, Cristopher. Fundamentals of French Syntax, Lincom Europa, 2003

Le langage

Le langage

تأثيرات اللّغة الأم والمجتمع في تعلم اللغة العربية

تأثيرات اللّغة الأم والمجتمع في تعلم اللغة العربية د. شعيب مقنونيف - جامعة تلمسان تحاول هذا المداخلة تبيين ما للّغة الأم والمجتمع من تأثير في تعلّم واكتساب اللّغة العربية انطلاقاً من تلك الحقيقة العلمية، المُجمع عليها من لدن علماء اللّغة، والتي مؤدّاها، أنّ اللّغة القومية للدارس لها تأثير يذكر في تحديد مقدار الصعوبة التي تعترض سبيل الدارس للّغة الأجنبية. وفي الوقت نفسه تسعى، المداخلة، للإجابة عن تساؤلات، طالما شغلت بال الباحثين، وهي : هل توجد لغات صعبة ولغات سهلة ؟ وهل توجد لغة منطقية وأخرى غير منطقية ؟ وما مدى نسبية سهولة اللّغة أو صعوبتها ؟ وما هو تأثير اللّغة الأم في تعلم لغات أجنبية ؟ ولمّا كان للّغة القومية للمتعلّم أثرا كبيرا في تحديد مقدار الصعوبة التي تواجه الدارس للغة أجنبية، شاع، ومن باب التوهّم، مقولة القائلين : إنّ هناك لغات صعبة، ولغات أخرى سهلة زاعمين، على سبيل المثال، أنّ اللّغة الروسية أصعب من اللّغة الفرنسية. لأنّ إتقان لغة أجنبية أو سهولتها، أو على النقيض من ذلك صعوبتها، إنّما يتوقف على مدى تأثير لغة المتعلم القومية على اللّغة التي يتعلّمها ؛ ولذلك يبدو لنا أنّه في استطاعتنا تقرير، ومنذ البداية، وجود علاقة عكسية بين لغة المتعلم الأصلية، واللّغة الأجنبية التي تعلّمها. وعلى قدر مدى التقارب بين اللّغتين، يتحدد النظر إلى صعوبة، أو سهولة تعلّم اللّغة الثانية. فكلما كان هناك تقارب بين اللّغتين في أصواتهما وأنظمتهما، كان ذلك أدعى إلى سهولة تعلّم اللّغة لثانية، بمعنى أوضح أنّ اللّغات المتقاربة، أو التي تكون من أسرة واحدة، تكون بينهما علاقة في النظام الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي. 1 - هل توجد لغات صعبة ولغات سهلة ؟ لمّا كان للّغة القومية للدارس أثرا كبيرا في تحديد مقدار الصعوبة التي تواجه الدارس للغة أجنبية، شاع، ومن باب التوهّم، مقولة القائلين : إنّ هناك لغات صعبة، ولغات أخرى سهلة، زاعمين، على سبيل المثال، أنّ اللّغة الروسية أصعب من اللّغة الفرنسية. لأنّ إتقان لغة أجنبية أو سهولتها، أو على النقيض من ذلك صعوبتها، إنّما يتوقف على مدى تأثير لغة الطالب القومية على اللّغة التي يتعلّمها ؛ ولذلك يبدو لنا أنّه في استطاعتنا تقرير، ومنذ البداية، وجود علاقة عكسية بين لغة الطالب الأصلية، واللّغة الأجنبية التي تعلّمها. وعلى قدر مدى التقارب بين اللّغتين، يتحدد النظر إلى صعوبة، أو سهولة تعلّم اللّغة الثانية. فكلما كان هناك تقارب بين اللّغتين في أصواتهما وأنظمتهما، كان ذلك أدعى إلى سهولة تعلّم اللّغة لثانية، بمعنى أوضح أنّ اللّغات المتقاربة، أو التي تكون من أسرة واحدة، تكون بينهما علاقة في النظام الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي(1). فهذه الأنظمة الأربعة، قد تتقارب أو تتباعد بين لغة الدارس الأصلية، وبين اللّغة الثانية التي يرغب في دراستها. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فإنّ مسألة سهولة لغة، أو صعوبة تعلّمها، إنّما أمر نسبي. فالإسباني الذي يتعلّم الفرنسية مثلا، يجدها أسهل من اللّغة الصينية، في حين تكون هذه اللّغة الصينية نفسها أيسر تعلماً عند الكوري أو الياباني، لما بين اللّغتين من وجوه ائتلاف. أما أن يُدَّعى أنّ اللّغة الصينية صعبة، وأنّ الفرنسية لغة سهلة، فهذا زعم يفتقر إلى الدّقة العلمية. 2 - هل توجد لغة منطقية وأخرى غير منطقية ؟ من المتعارف عليه لدى اللسانيين أنّه لا توجد لغات سهلة منطقية، وأخرى صعبة غير منطقية. أجل إنّ أعضاء النطق عند الإنسان متشابهة لدى جميع البشر، وهي قادرة على أداء كافة الأصوات المستعملة في اللّغات. ولكن هذه الأعضاء تعتاد على نطق عدد محدد من الأصوات التي يستعملها الدّارس في لغته الأم، وعلى طريقة نظامها الصوتي. كما أنّ جميع اللّغات تشتمل على عناصر سماعية، وأخرى قياسية. وليس هناك منطق عام يحكم لغات البشر. ولذا يحسن بالدّارس ألا يفزع إلى لغته الأم، لمقابلتها ومقارنتها باللّغة الثانية التي يتعلّمها. فكل لغة لها منطقها الخاص بها. وتاريخ الدّراسات اللّغوية أصدق دليل على عدم صلاحية المنطق أساساً للدّراسة اللّغوية. فالمنطق لا يمكن أن يفسر لنا، لماذا كان تمييز الأعداد العربية من 3 إلى 10 جمعاً، بينما جموع الكثرة يأتي تمييزها مفرداً. فنحن نقول ثلاث مدارس، ومائة طالب(2). وكان المنطق يقتضي عكس ذلك تماماً. بمعنى أن يكون تمييز المائة والألف جمعاً، خلافاً لما هو قائم فعلا ًفي اللّغة العربية، ممّا يثير الدهشة لدى دارسي هذه اللّغة، بسبب هذا المسلك المعاكس للمنطق،كما يألفه كل البشر. وحتّى تتّضح الصورة لك، أيّها القارئ، نضرب لك مثالا آخر من شأنه التأكيد على أنّ اللغات لا تسير وفق منطق معين، وإلا اتّفقت اللغات جميعا في نظرتها إلى الموجودات. فبالنسبة إلى مسألة التذكير والتأنيث مثلاً، نجد اللّغة الفرنسية تؤنث بعض الكلمات التي تعد مُذكرة في اللّغة العربية، أو العكس. فالكلمات : la porte = الباب. و la maison = المنزل، و la rue = الشارع، و la mer = البحر، مؤنثة في الفرنسية، بينما هي مُذكرة في اللّغة العربية. وقد يكون العكس أيضاً. والأمر نفسه بالنسبة إلى اللّغة الألمانية، فهي تقسم الموجودات إلى ثلاثة أنواع: مؤنث ومُذكر ومحايد، خلافاً للفرنسية والعربية، حيث ينقسم الجنس فيهما إلى مؤنث ومذكر فقط. فمن الكلمات المذكرة في الألمانية : Der baum = الشجرة، و Der apfel = التفاحة، و Der park = الإذاعة. والملاحظة الأولى على هذه الكلمات أنّها كلمات مؤنثة في اللّغة العربية، ممّا يخالف ظنّ القارئ أنّ هناك منطقاً يحكم اللّغات. فما يراه الفرنسي مُذكراً تجده لدى الألماني مؤنثاً أو العكس من ذلك، بل إذا تأملت الألمانية نفسها، وجدت فيها أمراً عجباً ؛ فهي تُعدّ كثيرا من الكائنات الحية في قسم المحايد، أي الذي لا يتّصف بالتذكير أو التأنيث. فمن تلك الكلمات المحايدة : das màdchen = البنت، و das fràulein = الآنسة، و das kind = الطّفل. وعلى الرّغم من أنّ هذه الكلمات تدّل على أحياء يتميّز فيها الجنس، فإنّها عُدّت، من لدن الألمان، في مرتبة الجماد الذي لا يتّصف بالتأنيث، أو التذكير. شأنها في ذلك شأن الجمادات، كالذهب = das gold و الثلج = das eis، وdas glas = الزجاج، و das grab = القبر. ولا شّك أنّه سيزداد عجب القارئ، لهذا الاضطراب لما تعدّه الألمانية جنساً محايداً كسيارة الأجرة التي تعني das taxi ، بينما السيارة das autobus ، والعرَبة يقصد بها der staz ، إذ تعدهما اللّغة نفسها جنساً مذكراً(3). فلا يستطيع الإنسان مهما بلغ من الفطنة أن يدرك العلّة وراء هذه التفرقة بين هذه الكلمات التي تتشابه مدلولاتها، كسيارة الأجرة، والسيارة والعربة. بل لِتعلم أنّ الحصان = das pferd في الألمانية جنس محايد. بينما الحمار = der esel جنس مذكر. وغني عن البيان أنّه لا فرق بينهما من حيث الاختلاف في الجنس الطبيعي، فهما من فصيلة حيوانية واحدة. وعلى الّرغم من هذا التناقض والتعارض المنطقي، فإنّ هناك شواهد كثيرة على هذه الحقيقة في سائر اللّغات. لذا يذكر لنا "فندريس" شيئاً عن اللّغة الفرنسية في هذا الصدد فيقول : "لا يمكن لإنسان كائناًَ من كان أن يقول، لماذا كانت المائدة والمقعد كلمات مؤنثة، في حين مقعد المطبخ والأريكة، ألفاظ مذكرة"(4). أجل، إنّ تقسيم الموجودات إلى مذكر ومؤنث ومحايد، كما هو في الألمانية، شيء مقبول، يمكن إخضاعه للعقل والمنطق. بمعنى أن تقسم الكائنات الحية إلى مذكر ومؤنث، ثم بعد ذلك أن تكون الموجودات الأخرى كالجمادات والمعاني مثلاً، فمثل هذه يمكن أن تستقل بالجنس المحايد، حيث لا حياة فيها، ولا أثر للجنس على الإطلاق. وبهذا يكون التقسيم الثلاثي طبيعيا، ومنطقيا، كما هو الحال في الألمانية مثلاً. أمّا الشيء المعيب فيها والذي لا يخضع لمنطق ما هو أن نبعثر الموجودات كيفما اتّفق بين هذه الأقسام الثلاثة. فقد وضعوا مع الجمادات في القسم المحايد بعض الكائنات الحية. ثم نجد في قسم المؤنثات أو المذكرات بعض الجمادات. وليس هذا وحسب بل قد وصل الخلط والاضطراب والعشوائية في هذه التقسيمات، أنّك تجد الأشياء المتشابهة المتماثلة قد تفرقت جذذاً في مختلف هذه الأقسام الثلاثة. وما ذُكر لك من أمثلة في اللغة الألمانية يبيّن لك صحة ما ذهب البحث إليه، من أن اللغة لا تسير وفق منطق عقلي بالنسبة إلى هذه الظاهرة اللغوية. وليست اللغة العربية بدعاً في ذلك؛ ففيها أيضاً ما يدعم ما ذهبت إليه المحاضرة، إذ في لغة الضاد كلمات تكون مذكرة ومؤنثة في آن واحد. من دلك قول العرب إن "الحال" أنثى، ولكن أهل الحجاز يذكرونها، وربما أدخلوا فيها الهاء. قال شاعرهم : على حالة لو أن في القوم حاتم = = = على جوده لضن بالماء حاتم ومما لاشك فيه أن اللغة العربية تزخر بمثل هذه الألفاظ التي يجوز فيها التذكير والتأنيث. من أمثلة ذلك : السماء، والصاع، والمال، والنخل، والعنق، والقفا، والعاتق، والإبهام، والإبط، والعضد، والعجز، والنفس، والرحم، والطباع، وهكذا(5). وليس هنا مجال تحليل، أو تعليل سرّ هذا التعارض، حيث يجتمع للفظ الواحد الشيء وضدّه. وليس من العقل أو المنطق أن يجتمع التأنيث والتذكير معاً في شيء واحد على الإطلاق(6). 3 - نسبية سهولة اللغة أو صعوبتها : وبعد أن تعرفنا إلى بعض التراكيب وبعض المفردات في بعض اللغات، لعلّه تجلى لك، أيّها القارئ، أنه ليست هناك لغة منطقية محضة، وأخرى غير منطقية. وما السهولة أو الصعوبة التي نلمسها في بعض اللغات إلا ومردّها إلى قرب تلك اللغة الثانية، أو بُعْدِها من لغة الأم. فلا شك أن اللغات التي تنتمي إلى أسرة لغوية واحدة، تنطوي على خصائص صوتية وبنيوية ولفظية مشتركة. وهكذا يجد الإسباني أن اللغة البرتغالية أسهل من الألمانية، كما يجد الهولندي الألمانية أسهل من البرتغالية، فمسألة الصعوبة أو السهولة، إذن مسألة نسبية، ناتجة عن مدى تأثير لغة الأم سلباً أو إيجاباً على اللغة الأجنبية التي يدرسها المتعلم. أما الزعم بأن هناك لغات صعبة، وأخرى سهلة على الإطلاق، فذاك خطأ يساق. لذا يرفض اللسانيون المفاضلة بين اللغات من حيث حلاوة جرسها أو جمال تراكيبها، أو طلاوة تعبيرها. ويرون أن تفضيلنا الجمالي للغة من اللغات، إنما هو نتيجة لاعتيادنا على سماع أصواتها، وألفة تراكيبها، وفهم تعبيراتها. ولقد سفّه "ابن حزم الأندلسي" رأي "جالينوس" الطبيب اليوناني، الذي زعم أن "لغة اليونانيين أفضل اللغات، لأن سائر اللغات إنما تشبه إمّا نباح الكلاب أو نقيق الضفادع"(7). فقال ابن حزم : "وهذا جهل شديد، لأن كل سامع لغة ليست لغته، ولا يفهمها، فهي عنده في النصاب الذي ذكر "جالينوس" ولا فرق"(8). وفي مقابل كلام "جالينوس" هذا، نجد قول ابن فارس ونصه: "لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها"(9)، ويضيف قائلا: "فلما خُصَّ اللسان العربي بالبيان، علم أن سائر اللغات قاصرة عنه وواقعة دونه"(10). والواقع أن العلماء ينظرون إلى اللغات نظرة متساوية من حيث قدرتها على التعبير عن جميع الخبرات الحسّية وقدرتها على التطور. ولا يقرون وجود لغات صعبة وأخرى سهلة بشكل مطلق، كما سبقت الإشارة إليه آنفا.ً وعلى الرغم من تباين اللغات في بنيتها الصوتية وتراكيبها النحوية، فإن مزايا أي لغة، تعادلها مساوئها. كما أثبت ذلك علم اللغة الحديث, أن بنية اللغات التي تسمى بدائية، لا تقل تعقيداً عن بنية اللغات الحضارية الكبرى. وما يزعمه البعض من أن اللغة الإنجليزية سهلة، ولذا تيسر لها الانتشار، وأنها تخلو من تعقيدات اللغة الفرنسية، وصعوبتها(11). فقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن صعوبات اللغة الفرنسية تلك، لم تَحُلْ دون انتشارها، ولم تقعدها عن تبوء مكانة اللغة العالمية الأولى لفترة طويلة، امتدت حتى الثلث الأوّل من القرن المنصرم. يقول إدوارد سابير: "حقيقة إن من يتعلم الإنجليزية لا يواجه في البداية كثيراً من الصيغ الصرفية التي يجب عليه حفظه، وهذا يعطيه انطباعا بعدم صعوبة هذه اللغة، ولكن سرعان ما يكتشف بكل مرارة أن ذلك مجرد وهم. لأن سهولة اللغة الإنجليزية في جانبها الشكلي سهولة زائفة، أو صعوبة مقنعة، تتجلى في غموضها المحيّر"(12). 4 - أثر اللغة الأم في عملية تعلم لغات أجنبية : نخلص من كل هذا، إلى أن لغة الأم لها خطرها وأثرها الفعّال والدّائم على دارس اللغة العربية. فالملاحظ أن الأجنبي مهما تعلّم اللغة العربية، وتحدّث بها، فإنك لاشك واجد في لسانه لكنةً أعجمية، أو عثرات تكشف لك لأوّل وهلة أنه غريب عن اللغة. ولا يملك المرء، مهما وصل به بحثه ودراسته، ومعايشته للغة ثانية من إخفاء تأثير لغته الأصلية، لما تصبغه من صفات خاصة تتجلى في كلامه. ولعل أوضح مثال على ذلك هو هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في سبعينيات القرن الماضي، الذي أمضى أكثر من ربع قرن طالباً وأستاذاً في أرقى الجامعات الأمريكية، ما زال يتكلم الإنجليزية بلكنة ألمانية. ولو كانت اللغة تلقن دون تأثير من لغة الأم لاستطاع الأمريكيون تعليم "كيسنجر" اللغة الإنجليزية ونطقها كما ينطقها أهلها، مع ما هو مشهود له بذكائه واستعداده اللغوي. ولكن على الرغم من هذا كله، فلا مناص من تأثر لغة المرء بلغته الأصلية(13). ولهذا لا يسوغ أن تأخذ القارئ الدهشة لعجز طالب غيني عن نطق هذه الأصوات لعدم وجودها أصلا في لغته الأم، مما يحمله على النطق بتلك الأصوات الجديدة بصورة تبعد قليلا أو كثيرا عن النطق العربي. وما ذاك إلا بسبب تأثير لغته الأم عن نطق اللغة العربية كما ينبغي أن تكون. ونحو هذا يقال في سائر الأصوات العربية التي لا مثيل لها في اللغات الأخرى. فالطالب التركي مثلا، لا يعرف في لغته صوت العين، ومعلوم أنه صوت حلقي مجهور احتكاكي فموي، يتم نطقه باقتراب جذر اللسان من جدار الحلق، دون أن يلامسه. لكن هذا الوضع اللساني غير مألوف في غير اللغات السامية. ولسنا نجده في اللغات الهندو أوروبية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية. بينما يوجد هذا الصوت في العبرية والسريانية والعربية الجنوبية والأوجاريتية(14). لذا يكون من المألوف أن نلاحظ أن هذا الصوت، أحد الأصوات التي يشق نطقها علة دارس اللغة العربية. ومن أجل ذلك يتحايل أمثال هؤلاء الطلبة في نطق هذا الصوت، حتى إنه يُعنيهم ويشق عليهم، ولم يكن أمامهم بد من التماس بديل لهذا الصوت، وغالبا ما يكون الخلاص أو إن شئت قلت التخلص من هذا المأزق باللجوء إلى أقرب موضع مألوف لمخرج هذا الصوت، لاقتناص صوت مألوف من لغة الدارس الأم. وعادة ما يكون هذا الصوت البديل هو الهزة. فإذا شاء الطالب نطق كلمة "بائع" مثلا، فإنه يشق عليه إصدار هذا الصوت، وسرعان ما يجري على لسانه صوت الهمزة، لإلفها على لسانه وفي لغته، فتراه ينطق الكلمة "بائيء". وغير خاف أن هذا النطق يخرج الألفاظ عن دلالتها، ويفقد اللغة وظيفتها في الفهم والإفهام. وما مرد هذا كله إلا لأثر لغة الأم على تعلم اللغة العربية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش : 1 - د. أنيس فريحة : نظريات في اللغة..., ص 14. 2 - انظر الشيخ مصطفى الغلاييني : جامع الدروس العربية, ج3, ص 112 وما بعدها. 3 - رونالد هورث : مدخل إلى الألسنية الاجتماعية...، ص 49. 4 - فندريس (ج) : اللغة, ترجمة عبد الحميد الدواخلي..., ص 127. 5 - د. فاطمة محجوب, دراسات في علم اللغة..., ص 158. 6 - حسين يوسف موسى وعبد الفتّاح الصعيدي : الإفصاح في فقه اللغة، ج1، ففيه من المخلوقات ما شذّ عن ذلك، ص 409. 7/10 - جلال الدّين السيوطي : المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج1، ص 322- 324. 11 - .Katz, j. : Semantic theory. N.Y., Harper and Row 1972 12 - .Bolinger, D. : Aspects of language.., p. 202 13 - د. شوقي النجار: تأثير اللغة الأم في تعلم اللغات الأجنبية، ص 45. 14 - انظر د. شوقي النجار: الأبجدية العربية..., ص 166. من (حوليات التراث) مجلة دورية تصدرها كلية الآداب والفنون - جامعة مستغانم - العدد 05، مارس 2006