الجمعة، 1 يوليو، 2011

الأمازيغية : مقاربة أنثروبولوجية

اللغة الأمازيغية : مقاربة أنثروبولوجية ---------------------------------------------------------------------------------- توطئة: لم تتعرض أية لغة من لغات البحر الأبيض المتوسط لما تعرضت له اللغة الأمازيغية من التجاذب والنقاش بل والازدراء والتقريع أحيانا، والسبب في ذلك يرجع إلى عوامل تاريخية، لازمت المجتمع الأمازيغي منذ أن بدأ يتثاقف أو يخضع لمقتضيات الاحتلال والغزو من طرف الأمم الوافدة التي حملت معها ثقافتها، ولطالما وصفت هذه اللغة بأنها لغة بدائية سوف يتم اضمحلالها شيئا فشيئا كما اضمحلت اللغات البدائية الأفريقية الأخرى، وهناك من يصفها بأنها مجرد لهجة متخلفة لا تستطيع أن ترقى إلى درجة “اللغة” وأحرى أن ترقى إلى درجة اللغات التي تتعايش معها كالعربية والفرنسية، لأنها تحتاج إلى معيرة وتقعيد في كل جوانبها الصرفية والمعجمية والتركيبية، وهناك من سولت له نفسه بأن يتخذها لهجة أو فرعا من اللغات المتوسطية الأخرى كما يحلو لبعض دعاة العروبة حينما يعتقدون أنها تنتمي إلى اللغة العربية القديمة، وهذه التجاذبات التي لا تبني تصوراتها على أسس علمية لها ما يبررها عبر التاريخ، ولربما كانت الجزاء الدرامي لطيبوبة الشعب الأمازيغي وأريحيته وسعة صدره لأنه آوى بين ظهرانيه شعوبا أخرى سمح لها بأن ترضعه من ثقافتها، ويهون عليها أن تمنع عنه أن يرتضع ثدي أصالته.. ولكن بموازاة مع كل هذه الادعاءات البعيدة عن المنطق العلمي، نجد اللغة الأمازيغية تستمر في إثبات وجودها والتمتع بحياتها غير عابئة بما يحاك ضدها، ونجد ئمازيغن لا زالوا يتواصلون بلغة أجدادهم التي أثبتت الدراسات اللغوية أنها تعتبر من أقدم اللغات الأفريقية، وقد استطاعت في الآونة الأخيرة أن تخرج من عنق الزجاجة التي أوقعها فيه الإقصائيون الذين يسيطرون على مقاليد الحكم في بلاد الأمازيغ أو الشمال الأفريقي، فقد سبق لنا أن أشرنا إلى أن الغاية الكبرى التي سعى إليها المخزن في المغرب الأقصى على سبيل المثال بمجرد إعلان ما يسمى بالاستقلال، هي القضاء قضاء مبرما على ما سموه ب “اللهجات البربرية” وتعريب الحياة العامة للمغاربة، ومن أجل تحقيق هذه الغاية الشنيعة ما فتئت أقلام القوميين العرب ومن يدور في فلكهم من الأمازيغ المستلبين والمتشبثين بالفكر العربي، سواء بطابعهم الديني أو اليساري، يومئون إلى المغاربة في منابرهم بأنه لكي نرتقي سلم الحضارة فيجب تجاوز هذه المسألة بإقرار اللغة العربية اللغة الرسمية لهذا البلد، وتنميتها والقضاء على العوالق التي تحول دون تطورها، ومن بينها على كل حال العوالق اللغوية المحلية التي تكتنفها البدائية والتخلف، وخلال كل هذه الفترة التي تم فيها رفع شعار الإبادة والإهمال ضد اللغة الأمازيغية، ظل الأمازيغ متمسكين بأريحيتهم، التي تكاد تكون غباء وغفلة وذلا لا مبرر له، فقد كانوا هم الحماة الحقيقيون لللغة العربية والذائذون عنها في مواجهة اللغات الأوروبية، ولا أدل على ذلك من أن غالبية أساتذة اللغة العربية اليوم بأمهات الجامعات والمدارس المغربية أمازيغ أقحاح، ومن أن غالبية المدارس العلمية التقليدية التي تدرس اللغة العربية في المناطق التي تتحدث بالأمازيغية بطلاقة… هذا الوضع الذي سوف يتحول مع ظهور الحركة الأمازيغية التصحيحية إلى طرح السؤال العريض حول مستقبل لغة صامدة وحية في ضمير المغاربة، وإذا كان هذا السؤال قد طرح على المستوى السياسي والبيذاغوجي والثقافي، فإن طرحه الذي سوف يعري كل مسكوت عنه في فضاءات السياسة اللغوية بالمغرب هو الطرح الأنثروبولوجي، هذا الطرح الذي سينبني على الإجابة الواضحة على عدة أسئلة ذات طابع إثنوغرافي وإثنولوجي حول المسألة اللغوية ببلدنا بعيدا عن المزايدات الأيديولوجية، ومن هذه الأسئلة التي يتوجب على الطلبة تمحيص الأجوبة عنها : أ‌- ما هو مفهوم اللغة، وما الفرق بين هذه اللفظة وبين الألفاظ الأخرى الشبيهة كاللهجة مثلا، وما هي الحقول العلمية التي ترتبط بها؟ ب‌- ما هو نصيب اللغة الأمازيغية من الدراسات الأنثروبولوجية؟ ت‌- ما اللغة الأمازيغية وما هي خصائصها ؟ وما موقعها في السوق اللغوية الوظنية؟ ث‌- ما هي أهم الإشكاليات التي يعاني منها إدماج اللغة الأمازيغية؟ 1- تحديد بعض المفاهيم : 1-1: مفهوم اللغة : أ- ما هي اللغة ؟ إن ما يهمنا هنا الجانب الاصطلاحي لللغة، أما الجانب المعجمي اللغوي، فلن نناقشه بالنسبة لحصة الدراسات الأمازيغية، وقد عرف الكثير من الدارسين اللغة وأعطوا لها مفاهيم مختلفة ، ومن بين التعريفات التي أعطيت لها : + تعريف دائرة المعارف البريطانية الذي يقول : ” اللغة هي نظام من الرموز والوسائل الصوتية والمفردات والنحو وما إلى ذلك من القواعد التي تعد أداة للتعبير عن الأفكار والاحاسيس” + تعريف الأنثروبولوجي الأمريكي إدوارد سابير الذي يقول: “اللغة هي وسيلة للإنسانية تستعمل لتوصيل الأفكار والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي تصدر بطريقة إرادية، أي أننا نتكلم عندما نرغب أما عندما لا نرغب فلا نتكلم ” + تعريف ستيفن أولمان إذ يقول : “اللغة نظام من رموز صوتية مخزونة في أذهان أفراد جماعة لغوية، وهي نظام من الرموز الصوتية الاصطلاحية ” وهكذا نجد أن أغلب الذي عرّفوا اللغة يتفقون “أنها النظام الصوتي الذي يتم التواصل به داخل مجموعة بشرية” ، ونضيف لهذه التعريفات أنه لا بد أن يكون هذا النظام الصوتي ذا معيارية وقواعد من أجل تمييز اللغة الإنسانية عن لغة الحيوان، إذ أن لكل كائن حي لغته، التي يتواصل بها مع بني جنسه…. ب- ما طبيعة اللغة كممتلك رمزي للجماعة الإنسانية؟ لللغة أيا كانت مظهران : + مظهر طبيعي عضوي تبدو فيه أداة لتحريك الأعضاء الصوتية في جسم الإنسان كالشفتين واللسان واللهاة والفكين والرئتين والحنجرة، فحركة هذه الأجزاء هي التي تخلق الأصوات المختلفة، وهي التي تميز الإنسان كحيوان ناطق، رغم أنها التي تربط بينه وبين الحيوانات الأخرى، إذ أن لكل حيوان صوته الذي يميزه.. + مظهر وضعي ثقافي يظهرها كمجموعة رموز أو إشارات أو ألفاظ متفق على معانيها وقواعدها بين أفراد مجموعة بشرية للتعبير عن المشاعر والأفكار بحيث أن كل لفظ وكل عبارة يؤديان معناهما من أجل الحصول على التواصل دون لبس أو غموض.. ومما سبق أن اللغة كيفما كانت ما هي إلا وسيلة طبيعية وضعها الإنسان بشكل جماعي من أجل التواصل، وليست هنالك جماعة إنسانية بدون هذه الوسيلة، لأنها الحاملة للأفكار والمعبرة عن الأحاسيس، علاوة على أنها المحركة للجهاز الصوتي لدى الإنسان.. جـ- كيف نشأت اللغة ؟ السؤال المطروح هنا هو: هل نشأت اللغة منذ تواجد الإنسان على الأرض؟ أم أنها نشأت بعد توفر ظروف معينة؟ وكيف تم ذلك في الحالتين معا؟ يرى أفلاطون بأن اللغة هبة من الطبيعة والإنسان يتلقاها من الطبيعة ثم تطور فتلقاها من الله فسميت بالتوفيقية ، أما أريسطو فقد قال قولته المشهورة “اللغة من إنشاء المجتمع” ، أما الفلاسفة المسلمون فقد اختلفوا بعد أن اطلعوا على أفكار اليونانيين، فقال بعضهم كما قال أفلاطون بأنها توفيقية، مستدلين بالآية : ” وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ” ، ولكن ابن جني وءاخرين قالوا بأن الاستدلال بهذه الآية في غير محله لأن معنى “علم” هو “منح القدرة على تعلم الأسماء”، أي أن الأسماء كانت قلب ذلك، والراجح أن هذا الخلاف لا مبرر له طالما أن اللغة ذات طبيعة اجتماعية، إذ يمكن الجزم بأن اللغة بطبيعتها الوضعية الدلالية نشأت بنشوء المجتمع الإنساني، ولا يتصور نشوءها قبل ذلك، وربما بدأت أول ما بدأت بالإشارات التي نؤديها بالأيدي وقسمات الوجه، هذه الإيماءات التي لا نستطيع التحرر منها حتى بعد نشوء اللغة الصوتية، كما يمكن القول بأن الحاجة إلى التواصل بين الإنسان وأخيه هي التي عجلت بنشوء شكلها الصوتي، وبتطور المجتمع وتطور حاجياته سوف تتطور، وسوف تنشأ لها معني وقواعد جديدة، ولا يمكن إعطاء الدليل على نشوئها في زمن معين، لأن المستحثات الأثرية لن تجيب على هذا السؤال بطبيعة الحال، كما لا يمكن إعطاء الدليل على أن هذه اللغة أو تلك هي التي ظهرت لأول مرة من على سطح الأرض، ولكن العلماء واعتمادا منهم على وثائق قديمة، ربما توصلوا إلى وصف بعض اللغات بأنها لغات قديمة بالمقارنة مع لغات أخرى… 1-2: مفهوم علم الإنسان اللغوي : هناك العديد من المصطلحات القريبة من هذا المصطلح تم طرحها للتحديد، منها مصطلح، ع”علم اللغة” أو “علم اللغويات” أو “علم اللسنيات” أو “اللسانيات”، قد لا تكون هذا المصطلحات دقيقة حينما نريد معالجة اللغة من الناحية الأنثروبولوجية، لذا فإن المصطلح الذي يتعين علينا طرحه لتحديد مفهومه بعد أن تعرفنا على اللغة كظاهرة إنسانية طبيعية واجتماعية، هو “علم الإنسان اللغوي”، هذا العلم الذي ينتمي إلى الفرع الثقافي من الأنثروبولوجيا، وهو العلم الذي يهتم بوصف اللغة ومقارنتها باللغات الإنسانية الأخرى من حيث التاريخ والمكونات،وحري بنا أن نتحدث أولا عن نشأته ثم عن فروعه: 1-2-1: نشأته : يقال بأن العقيدة الدينية للهنود هي التي أدت إلى نشوء الاهتمام بعلم اللغة لأول مرة قبل سنة 2500 سنة قبل الميلاد، إذ حدث أن لاحظوا أن اللغة التي يستعملونها في شعائرهم تختلف عن تلك التي كتبت بها النصوص المقدسة، فأرادوا تصحيح هذا الوضع مما أدى إلى مناقشة كيفية تقنين القواعد النحوية لللغة السنسكريتية حتى يتمكنون من استعمالها في طقوسهم، أما في أوروبا فالأمر يعود إلى عهد أريسطو الإغريقي الذي اهتم بالعلاقة بين الأشياء والأفعال من جهة وأسمائها من جهة ثانية من أجل التعرف على القواعد التي تحكم اللغة ثم صاغ بعد ذلك مبادئ علم النحو، واهتم اليونانيون في القرن الثالث قبل الميلاد كذلك بالدرس البلاغي فقسموا مفردات اللغة إلى أسماء متعددة الصيغ، وأفعال تحدث في أزمنة مختلفة، ثم حددوا أشكال الخطاب، أما الرومان فقد التزموا بما تركه اليونانيون من القواعد النحوية لكنهم توسعوا في الشروح المميزة للأساليب اللغوية اللاتينية، وبحلول القرن الرابع الميلادي وضع اللغوي الروماني أليوس دوناتوس صيغ عامة لقواعد النحو اللاتيني، هذه القواعد التي شرحها بريسكيان وبقيت كذلك إلى الآن، ثم استخدمت كمعايير قياسية لللغات الأوروبية التي ظهرت فيما بعد، وقد كانت اللاتينية هي اللغة الأكثر انتشارا في أوروبا إلى نهاية القرن ال17 وبداية القرن 18 حيث بدأت اللغتان الفرنسية والإنجليزية تحتلان الصدارة وتتحولان إلى لغات عالمية بفضل اختراع الطباعة وبفضل الحروب والاكتشافات الجغرافية، وبعد ذلك أسس السير ويليام جونز William Jones علم اللسانيات المقارن في نهاية القرن الثامن عشر لدراسة وتحليل النصوص المكتوبة في لغات مختلفة لكنها ذات صلة، وأشار إلى وجود علاقة بين كل من اللغة اللاتينية، واليونانية، والسنسكريتية توحي بنشوئها من مصدر واحد نتيجة ما لاحظه من تشابه معاني بعض الألفاظ ومن ذلك على سبيل المثال كلمة frater اللاتينية، وكلمة phrater اليونانية، وكلمة bhratar في اللغة السنسكريتية التي تعني كلها “أخ” … واهتم علم اللسانيات بطريقة تشكل كلمات اللغات المختلفة للحصول على معان متشابهة الشيء الذي أدى بهم إلى تحديد العائلات اللغوية التي من أبرزها: شجرة اللغات الهندوروبية : وتضم السنسكريتية، واليونانية، واللاتينية، والإنجليزية، والألمانية، ولغات أوروبية وأسيوية أخرى…. شجرة لغات الجونكوين Algonquian: لغات سكان أمريكا الشمالية الأصليين . شجرة لغة البانتو: تضم اللغة السواحيلية، والهوسا، والزولو ولغات أفريقية أخرى . شجرة اللغات الأفرو أسيوية: كانت تسمى اللغات الحامية السامية وهي العائلة اللغوية الأساسية السائدة في الشمال الإفريقي والشرق الأوسط،،وتنقسم إلى خمس عائلات فرعية هي: السامية، والبربرية، والمصرية، والكوشية، والتشادية، ولكي يتعرف اللسانيون على تاريخ انفصال لغة ما عن عائلتها استعملوا طريقة الثوابت، أي الأسماء التي تبقى ثابتة في العائلة الواحدة ولا تتغير عبر مرور الأزمان… 1-2-2: فروع علم الإنسان اللغوي: أولا: علم اللغات الوصفي De–xx–ive Linguistics : وهو “العلم الذي يهتم بتحليل اللغة في زمن محدد وذلك بإبراز بنياتها الصرفية والصوتية والتركيبية والدلالية” ومن خلال هذا التعريف يتبين أن علم اللغة بمفهومه الحديث يدرس بنية اللغة من الجوانب التالية : 1- الأصوات Phonetics ، ويتعرض لقضية الأصوات وكتابتها ، وأعضاء النطق وعملية الكلام وتصنيف الأصوات اللغوية إلى صوامت وحركات ومخارج وهمس وجهر وإطباق كما يتعرض إلى المقاطع والنبر (stress) والتنغيم (intonation) ، وهذا ما تدرسونه في علم الفونيتيك أو الفونيماتية، الذي تتميز فيه كل لغة بمواصفات صوتية محددة تجعلها مستقلة عن غيرها أو مشابهة لها أو ضمن أسرتها … 2- بناء الكلمة Morphology ، ويعنى بوسائل تكوين الكلمات من الوحدات الصرفية المختلفة، ويختص بالوحدات الصرفية الاسمية أو الفعلية أو الحرفية والتغيرات التي تطرأ على البنية الصرفية لاعتبارات صوتية.. 3- بناء الجملة Syntax ويدرس كيفية تكوين الجمل من الكلمات المختلفة . وهو مجال النحاة في علم النحو والبلاغيين في البلاغة، 4- الدلالة Semantics ، وتُعدُّ قضيةُ الدلالةِ من أقدم قضايا الفكر في حضاراتٍ مختلفة ، إِذ أسهم فيها فلاسفةٌ ومناطقةٌ ولغويون وبلاغيون وأصوليون… ثانيا: علم أصول اللغات : وهو علم حديث عرف منذُ نشأتهِ في القرنِ التاسعِ عشر إلي اليوم عدةَ مناهجَ وفروع , وأهم هذه الفروع : أ- علم اللغةِ المقارن Comparative Linguistics وهو يقارن اللغات المنتمية إلى أسرةٍ لغويةٍ واحدةٍ ويهتم بالإستخدام الأقدم في هذه اللغات للوصول إلى اللغة التي خرجت عنها كل هذه اللغات ، ولذا فهذا العلم ذو هدف تحليلي….. ب-علم اللغةِ التاريخي Historical Linguistics ، ويبحث تغيرات اللغة الواحدة عبر القرون . ج- علم اللغةِ التقابلي Contrastive Linguistics ، وموضوعه المقابلة بين نظامين لغويين مختلفين ، هما النظام اللغوي للغة الأم ( التي نشأ عليها الفرد ) و النظام اللغوي للغة الثانية ( ويطلق عليها اللغة المنشودة أو الأجنبية ) د- علمُ اللغةِ العام، وهو ذو هدف تطبيقي وهو تطويرُ النظريةِ العامةِ للغةِ ووضع الوسائل الدقيقة لتحليل الأصواتِ و الكلماتِ والجمل والدلالات , كما يهتمُّ ببيانِ العلاقة بين اللغة والعلوم الإنسانية الأخرى… ومن خلال كل ما سبق نجد أن علم الإنسان اللغوي يهتم أساسا ب : أولا: بالمقارنة بين اللغات الإنسانية أثناء دراستها للجماعات البشرية بشكل مقارن، فتوصف لغة هذه الجماعة باللغة القديمة وتنعت لغة تلك الجماعة باللغة الحديثة مثلا وهكذا.. ثانيا : بوصف اللغات الإنسانية في كل جماعة بشرية خلال زمن معين.. ثالثا: بإجراء المقابلات بين الأنظمة الصوتية للجماعات المتقاربة جغرافيا.. رابعا : بالبحث في تطور لغة جماعة محددة وأوجه تثاقفها مع لغات الجماعات المجاورة وخلاصة القول أن علم الأنثروبولوجيا يستحضر دائما الجماعة البشرية أثناء تناوله للغة ما بالبحث والدراسة، ولطالما احتاجت لغتنا الأمازيغية إلى منهج البحث الأنثروبولوجي لكي نقيها من لفاظات الأبحاث اللغوية المجانية التي جنت عليها طوال عقود من الزمن…. 2- اللغة الأمازيغية في نظر الأنثروبولوجيين : إن اللغة الآمازيغية منقوشة في ذاكرة التاريخ القديم بشهادة أغلب المؤرخين والأنثروبولوجيين، ويقول العلامة ابن خلدون متحدثا عن الأمازيغ :” … ولغتهم من الرطانة الأعجمية متميزة بنوعها وهي التي اختصوا من أجلها بهذا الاسم ..”، أما الحسن الوزان الملقب ب “ليون الأفريقي” فقد قال في كتابه “تاريخ أفريقيا”: ” إن الشعوب الخمسة المنقسمة – يشير الى شعوب صنهاجا، مصمودا، زناتا، هوارا و غمارا في شمال إفريقيا أو مايسمى بالأفارقة البيض – الى مئات السلالات وآلاف المساكن، تستعمل لغة واحدة تطلق عليها إسم « أوال أمازيغ » أي الكلام النبيل، بينما يسميها العرب البربرية، وهي اللغة الإفريقية الاصيلة والممتازة والمختلفة عن غيرها من اللغات ” ولقد نالت اللغة الأمازيغية قسطا كبيرا من البحث والدراسة من طرف الباحث الأجنبي، وكان سالوست أول من تحدث عن لغة أهالي شمال أفريقيا في كتابه حول “التاريخ”، غير أن هذه اللفتة القديمة وأن كانت لها قيمة أنثروبولوجية ما، لا ترقى إلى الدراسات العلمية الدقيقة، وسوف ننتظر كثيرا إلى أن جاء العالم الفرنسي المستمزغ “أنضري باصي” ، لكي نحصل على دراسة وافية تحمل ذلك الطابع، ونقلا عن الأستاذ محمد شفيق في كتيبه القيم “33 قرنا من تاريخ الأمازيغيين”، نقتبس هذه الفقرة المنقولة عن هذا الباحث الفرنسي ” لقد كتب » الباحث المتمزغ « Andr é Basset » « في الموضوع ما يلي : ” ينتقل الباحث من لهجة إلى لهجة دون أن يحس بأنه ينتقل . ” كتب هذا سنة La langue berb è re, p. IX) 1929 ثم أضاف بعد عشرين عاما من مواصلة البحث، قائلا : ” إن بنية اللغة الأمازيغية وعناصرها وأشكالها الصرفية تتسم بالوحدة إلى درجة أنه إن كنت تعرف حق المعرفة لهجة واحدة منها استطعت في ظرف أسابيع أن تتعلم أية لهجة أخرى، تدلك على ذلك التجربة، إذ اللغة هي اللغة نفسها . ولقد عجبت لذلك ( « . Revue le Mond e .(…chr é tien, n ° 11 juillet-sept, 1949, p 10 et 11 ) ….. وفي مقال له حول أهم الدراسات التي تم رصدها بالنسبة لللغة الأمازيغية أورد الأستاذ نجيب رشيد ما يلي: “نظرا لما تحتضنه الأمازيغية من كنوز لغوية وذخائر لسنية ونفائس ثقافية, فقد لفتت منذ مدة طويلة أنظار المشتغلين في البحث اللسني وطنيا وعالميا, وإلى حدود منتصف القرن 19 ظهر في تاريخ علم اللسانيات تخصص جديد يدعى ” البحث في اللسانيات الأمازيغية “, وهو تخصص أعطى ثماره واضحة في هذا المجال ويعتمد إما البحث من داخل اللغة الأمازيغية وجذورها, وإما في منهج المقارنة بينها وبين اللغات الأخرى. ومن بين أهم رواد هذا التخصص الجديد نجد لسانيين فرنسيين أمثال أندري باصي André Basset الذي أصدر كتابا بعنوان La langue berbère سنة 1929, وإيميل لاووست Emil Laoust الذي ألف مجموعة من المؤلفات حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين ومنها Mots et choses berbères سنة 1920 وكتاب Cour de berbère marocain سنة 1939, وليونيل كالان Lionel Galand الذي أصدر كتابا بعنوان La langue et la culture berbères سنة 1979, وهناك أيضا الأستاذ بنطوليلا الذي يعمل محاضرا بجامعة السوربون ولا يزال إلى يومنا هذا يؤطر أبحاثا ودراسات حول اللسانيات الأمازيغية وكل ما يتعلق باللغة والثقافة الأمازيغيتين, ونجد أن من أهم مؤلفاته في هذا الإطار كتاب Les classes d’unités significatives en berbère الصادر سنة 1986 ، ومن هؤلاء الفرنسيين كذلك نجد الكابيتان “روبير أسبينيون” الذي أنجز كتابه “لنتعلم البربرية” “لهجة تاشلحييت” ” Apprenons le bérbère ” “le dialecte sheluh” … ومن الباحثين الإسبان نجد كلا من Ibânez و Sarrionanda و Figueras و Lafuente . ومن الباحثين الأمريكيين نجد كلا من Penchoen و Applegate و Harrien و Abdelmassih و Greenberg المزداد سنة 1915 والذي أصدر كتابا تطرق فيه على اللغة الأمازيغية بعنوان Languages of Africa وكان ذلك سنة 1955, وقد أعاد نشره بمراجعة وتنقيح سنة 1963 حيث صنف فيه اللغات الإفريقية إلى أربع مجموعات وسمى إحدى تلك المجموعات بالمجموعة الإفريقية الأسيوية واضعا اللغة الأمازيغية في خانتها. وهناك الباحث السويسري W.Vycichl الذي ألف كتابا بعنوان Contacts chamito-sémitiques : un seul groupe ou deux groupes distincts ? . وجدير بالذكر أن كل هؤلاء العلماء اللسانيين يستفيدون من إمكانيات البحث التي توفرها لهم جامعاتهم ومعاهدهم في الغرب حيث أن الأمازيغية تدرس في كل كبريات الجامعات الغربية وبالخصوص في أمريكا وأروبا واليابان وأستراليا وغيرها كثير … أما في مغربنا الكبير, فقد برز عدة باحثين لهم إسهامات متنوعة في مجال الدراسات اللسانية الأمازيغية كالجزائريين الدكتور مولود معمري ( 1917-1989 ) مؤلف كتاب Tajrrumt n tmazight والدكتور سالم شاكر في كتابه Textes en langue berbère وهو أستاذ كرسي اللغة الأمازيغية بالمعهد الوطني للغات والثقافات الشرقية المعروف اختصارا بإنالكو والموجود مقره بباريس. ومن المغاربة نجد الدكتور أحمد بوكوس في مجموعة من كتاباته ودراساته وأساسا منها أطروحته المعنونة ب Langage et culture populaire au Maroc المنشورة في السبعينيات, والمرحوم الدكتور قاضي قدور الذي أنجز رسالته لنيل الدكتوراه في موضوع Système verbal en tamazight سنة 1987. دون إغفال مختلف أعمال الأستاذ العميد محمد شفيق الذي أصدر مجموعة من الكتب التي تصب في مجال اللغة الأمازيغية, ومن أهم أعماله في هذا الإطار كتاب ” لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين” سنة 1989 والذي وصل الان الطبعة الرابعة وقد تبنته المندوبية السامية للأمازيغية بالجزائر وقامت بإعداد وإصدار طبعته الفرنسية, وهناك كذلك ” المعجم العربي الأمازيغي” الذي يقول عنه الأستاذ شفيق شخصيا ” أملي أن يكون هذا المعجم مدخلا يدخل منه ميدان تعلم الأمازيغية كل مغربي وكل عربي وكل مسلم يرغب في الاطلاع على جانب من المعرفة يمثل حيزا مهما من تراث الشعوب الإسلامية”. وهناك كتاب ” أربعة وأربعون درسا في اللغة الأمازيغية” الصادر سنة 1991 والذي يتضمن مجموعة من الدروس والقواعد المتعلقة بالنحو والصرف والتحويل والاشتقاق. وبكل هذه الأعمال والمصنفات الجريئة, ساهم الأستاذ محمد شفيق في إبراز عبقرية اللغة الأمازيغية التي تعتبر بدون منازع معلمة ثقافية كبرى ولسانا متكامل العناصر والمحتويات . ” (انتهى مقال الأستاذ نجيب رشيد) 3- ما هي اللغة الأمازيغية؟ اللغة الأمازيغية هي إحدى اللغات الأفرو- أسيوية القديمة، وهذه اللغات هي كما سبق لنا أن رأينا وهذه اللغات خمس لغات و هي : اللغة المصرية القديمة واللغة الكوشية واللغة السامية واللغة الأمازيغية واللغة التشادية… واللغة الأمازيغية هي ال نظام ال صوتي الذي ينتشر معجمه ومعياريته في ربوع شمال أفريقيا منذ عشرات الآلاف من السنين، ويتواصل به الناس حتى الآن في رقعة جغرافية مترامية الأطراف تمتد من واحة سيوى بمصر شرقا إلى جزر الكناري والمحيط الأطلسي غربا ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى مشارف الغابة الاستوائية جنوبا، ويتكون هذا النظام الصوتي الآن من عدد من اللهجات عدها أحد الباحثين بثلاثمائة لهجة، هذه اللهجات التي يمكن اختزالها في حوالي 11 فرعا كلها تنحدر من اللغة الأم وتختلف فقط في الجانب الصوتي وبعض الجوانب المعجمية، و أهمها : + فرع تاتواكَييت : (الطوارقية) وهي اللغة الزناتية ويتحدث بها الأمازيغ الطوارق بالصحراء الكبرى وتنتشر هذه اللهجة في شمال كل من مالي والنيجر وجنوب الجزائر وليبيا ومناطق من تشاد وبوركينافاسو .. + فرع تاسوسييت أو تاشلحييت : وهي لغة مصمودة ولمطة وجزولة وتنتشر في المغرب من خط دمنات – الصويرة شمالا إلى الصحراء جنوبا ومن المحيط الأطلسي غربا إلى منطقة وارزازات شرقا .. + فرع تاقبايلييت : و هي لغة كتامة المنتشرة في مناطق القبائل بالأطلس الساحلي الجزائري … + فرع تامازيغت : ويسميها بعض السوسيين ب “تابرابرييت”، وهي لغة صنهاجة وتنتشر في شرق الأطلس الكبير وفي الأطلس المتوسط ومناطق زمور و زايان بالمغرب .. + فرع تاريفييت : وهي لغة كَتامة المنتشرة في جبال الريف والهضاب التي تليها جنوبا وفي شرق المغرب … + فرع تانفوسييت : وهي لغة نفوسة وتنتشر في جبال نفوسة ب ليبيا وشرق – جنوب تونس .. + فرع تاغدامسييت وهي لغة منطقة غدامس الموجودة بالجنوب الغربي بليبيا + فرع تازواوييت وهي لغة واحة زواوة بالقرب من جبال نفوسة بليبيا + فرع تاسييوييت : وتنتشر في صحراء جنوب غرب مصر … + فرع تاشاوييت : وتنتشر في جبال الأوراس ب شمال شرق الجزائر + فرع تامزابيت : المنتشرة في وادي مزاب بالجبال الصحراوية الجزائر ية ومن المعلوم أن اللغة الأمازيغية قد اضمحلت في جزر الكناري بسبب الاستعمار الإسباني، رغم اعتزاز أهلها الأصليين “الغوانش” بأمازيغيتهم، وقد انتقلت الفروع الأمازيغية إلى مختلف بلاد العالم عن طريق الهجرة فنتج عن ذلك ظهور فئة عريضة من الأمازيغ يسمون اليوم ب “أمازيغ الشتات” ، كما أحدثت لدراس ا تها كراسي في معظم الجامعات الأوروبية والأمريكية ، ومما يلاحظ كذلك أن كل فرع من الفروع السالفة الذكر ينقسم بدوره إلى فروع وأصوات محلية يتعين على الطلبة الباحثين رصدها وإجلاء مميزاتها ولاسيما بالمحيط السوسيو ثقافي للجامعة…. 1-2: ما هي خصائصها العامة بالمقارنة مع اللغات المجاورة لها؟ تتميز اللغة الأمازيغية على العموم بعدة خصائص أهمها: الخاصية الأولى: أنها من بين اللغات القديمة جدا: والتي ولدت مع اللغات الأفرو – أسيوية منذ ما يزيد عن خمسة آلاف سنة، ومن المعلوم أن نقاشا ضافيا قد وقع بين الدارسين للغات البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا القدامى والمحدثين، حول الانتماء الحقيقي لللغة الأمازيغية، وهذا النقاش تحكمه غالبا نزعات أيديولوجية وحسبنا أن نستعرض بعض الآراء التي تم رصدها في هذا المجال : أ- ال رأي الذي يرى أن الأمازيغية تنتمي إلى الحزام الأفرو- أسيوي، الذي تشترك اللغات المنتمية إليه في حوالي ثلاثمائة كلمة، وهذا هو رأي غالبية الدارسين المحدثين الذي تدعمه الاكتشافات الأنثروبولوجية الأركيولوجية، ويدعم هذا الطرح ذاك ال ا كتشاف الهام في جنوب المغرب , حيث اكتشفت وبالصدفة مدينة أمازيغية في جنوب المغرب تعود إ لى خمسة عشر ألف سنة قبل الميلاد كما يرى البعض وعلى رأسهم أستاذ علم الأثار ” مصطفى أوعشي ” , في حين يرى البعض الآخر أنها تعود إ لى تسعة آلا ف سنة قبل الميلاد وقد ظهرت مع الإنسان القفصي على أقل التقديرات … ب- الرأي الذي يرى أنها عربية قديمة، وهذا هو رأي علي فهمي خشيم وهو رأي هزيل، فهذا الأستاذ يطالعنا دائما بنظرياته في الأصل العربي لكثير من لغات البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، ورأيه مردود بحكم الاختلافات الجوهرية بين اللغتين العربية والأمازيغية، خصوصا وأن اللغات السامية التي تنتمي إليها العربية لغات حديثة العهد إذ ظهرت فقط في الألفية الثالثة قبل الميلاد في حين أن الأمازيغية ظهرت قبل ذلك بكثير… ج- رأي أخير يرى أن لها علاقة ببعض اللغات الأوروبية كاللغة الباسكية، وربما كان هذا رأي بعض الأوروبيين الذين يبحثون عن روابط لغوية تجعل من الأمازيغ أوروبيي الأصل، للدفاع عن طروحاتهم الاستعمارية، ويسوق بعض هؤلاء دلائل تتعلق وحسب دراسات بيولوجية بارتباط الأمازيغ بسكان شبه الجزيرة الإبيرية بعلاقات جينية وبوجود توافق معجمي بين اللغتين الأمازيغية والباسكية، غير أن هؤلاء الباحثين لم يربطوا بين اللغتين لأنهما تنتميان إلى اللغات الهندو- أوروبية بل لأنهم وجدوا تباعدا بين اللغة الباسكية وهذه اللغات، أي أن الباسكية لها أصل أفرو-أسيوي، وبالتالي فإنه لا يستبعد أن يكون هذا الرأي قريبا من الصواب أي تكون الباسكية متفرعة عن الأمازيغية القديمة… الخاصية الثانية: أنها أكثر اللغات الأفريقية انتشارا فمساحة تواجدها تشمل الشمال الأفريقي والصحراء الكبرى وتضم بين ثناياها الآن أكثر من عشرة بلدان من دول المغرب الكبير والصحراء والساحل، ويضم بلدا المغرب والجزائر اليوم أضخم شريحة سكانية تتحدث بهذه اللغة…. الخاصية الثالثة: أن لها كتابتها الخاصة بها وهي أبجدية “تيفي ناغ”، التي تعني باللغة الطوارقية “حروفنا”، وقد ساق الأستاذ المحفوظ أسمهر الباحث في التاريخ القديم بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، في مداخلة له، عدة دلائل على أن هذه الأبجدية لها أصل محلي، أي أنها منبثقة من صميم الإبداع الأمازيغي ومن أهم هذه الدلائل: وجود كتابات أمازيغية على الصخور واللوحات الحجرية في كل ربوع بلاد تامزغا (تعتبر نقيشة عزيب نكيس بالأطلس الكبير أقدم نقيشة في المغرب)… تواجدها في مناطق لم يصل إليها التأثير الفينيقي ( الصحراء)…… تميز شكل حروف الكتابة الأمازيغية وطريقة كتاباتها عن الفينيقية التي يقال انها اشتقت منها، فلو تطورت منها لابد أن تحتفظ ببعض خصوصياتها…. توفر اللغة الأمازيغية على كلمات أصيلة لها علاقة بالكتابة وتعلمها ( فعل:” ara ” ومشتقاته، ولفظتي:” taguri ” و aåmmay ) ذكر هذه الحروف في نصوص تاريخية: وأول نص يرجع على مايبدو إلى القرن 6 م، وهو لكاتب يدعى: FULGENCE ، أشار فيه إلى أن اللغة الليبية تتكون من 23 حرفا….أما الثاني فيتعلق بما كتبه الحسن الوزان في كتابه “تاريخ أفريقيا، ففي معرض حديثه عن الأمازيغ ذكر فيه أن لهؤلاء كتابة خاصة بهم قبل ألف عام… ومما يستفاد من وثائق المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حول أبجدية تيفيناغ : + أن منطقة امتداد النقوش التي تتضمن أبجدية “تيفي ناغ” تتصادف مع مناطق انتشار اللغة الأمازيغية، والبعض منها عثر عليها مزدوجة ،إما أمازيغية – بونية أو أمازيغية-لاتينية، ولكن أغلبها جاءت أمازيغية قحة. + وتجدر الإشارة إلى أنه منذ سنة 1960 تم إبداع عدة تنويعات جديدة لأبجدية تيفيناغ، انطلاقا من تلك المنقوشات القديمة أو من تيفيناغ الطوارقية الحالية، وكان الهدف من هذه الإبداعات هو منح اللغة الأمازيغية نظاما أبجديا مقعدا وقابلا للاستعمال لدى الناطقين الحاليين بهذه اللغة… + وأن هناك مصطلحين مقتبسين من الأدب الأمازيغي عن هذه الكتابة هما : tifinav و libik ، وقد حدث أن استعملا كمترادفين، ولهذين المصطلحين بدائل أصيلة تتميز بعدد أحرفها وقيمها الصوتية المختلفة عن حروف أخرى، وبتوزعها الجغرافي، وهي : - البديل الأول الذي ينتشر في تونس ووشمال – غرب الجزائر - البديل الغربي المنتشر في المغرب وشرق الجزائر - البديل الصحراوي في جنوب الجزائر وليبيا وفي مالي والنيجر إن هذا المصطلح المتوارث tifinav أو libik إذن يبطن أبجدية لها نفس الخصوصيات من هذا الطرف إلى الطرف الآخر من أرض الأمازيغيين، هذه الأبجدية التي تتميز على وجه الخصوص بما يلي بأنها أبجدية تحظى فيها الصوامت بالأهمية أثناء الكلام وبأن حروفها مستقلة عن بعضها أثناء الكتابة… + وأنه على الرغم من أن الكتابة الأمازيغية القديمة لها تنويعات ثلاثة شرقية وغربية وجنوبية صحراوية، فإن هذه الأخيرة وحدها وبشكلها المتوارث هي التي بقيت مستمرة في الوجود إذ لا زالت كما أسلفنا مستعملة لدى الطوارق الذين سموها “تيفيناغ”، أما الأخريان فإنهما وبسبب عوامل تاريخية قد اضمحلتا في الاستعمال الكتابي وبقيت أثارهما ماثلة في فنون التزيين كما في الزرابي والوشم وزخارف الحلي..أما “تيفيناغ” الحديثة وخصوصا منها البديل عن الحرف المنمى من طرف الأكاديمية البربرية بالجزائر agraw imazivn في نهاية الستينات والتي انتشرت في المغرب وفي القبائل بالجزائر فهو يضم متغيرات أتت لكي تنمي أو تصحح النقائص التي زايلت الأبجديات المقتبسة من الصيغ القديمة في عقود ما بعد الستينات… + وأنه وانطلاقا من هذا الإرث القديم أو حتى الحديث والمخضرم لأبجدية “تيفيناغ”، استحدث مركز التهيئة اللغوية في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أبجدية حديثة سماها ب tifinagh ircam على أمل توحيد الخط ومعيرته وتنميطه، تأسيسا على تحليل علمي للمعطيات اللسنية للأمازيغية المغربية وباقي البدائل التي عرفتها المناطق التي انتشرت فيها الأمازيغية، وعلى العموم فإن وضع خط معياري لللغة الأمازيغية يقتضي الإستجابة لهدف مزدوج : - الهدف الأول تثبيث علاقة وطيدة بين مختلف البدائل المشار إليها سابقا وبين الكتابة المنتشرة لدى المثقفين الأمازيغيين المحدثين… - الهدف الثاني التوفيق بين الأبجدية الجديدة وبين قواعد الأمازيغية الموحدة التي تتطلب أحيانا إحداث بعض التغييرات الضرورية…. وهكذا فإن البدائل التي استعملت بحدة من أجل ترجمة أو نقل الأصوات الأمازيغية قد اعتمدت بدون تردد، وعلى عكس ذلك فإن غيرها من التي لا تستجيب للمبادئ والمعايير المعتمدة قد تم التصرف بها وتغييرها ، أما ابتكار الرموز الجديدة فقد تم تحاشيه إلا للضرورة القصوى ( انتهى الاستنتاج) الخاصية الرابعة: أنها لغة ساكنية : فهي كما أسلفنا تحظى فيها الصوامت بأهمية كبيرة وهذه ميزة مهمة تميزها عن اللغة العربية تدحض أية علاقة بينهما، فقد تتوالى السكنات في الكلمات والجمل والعبارات الأمازيغية دونما حرج كما في قول الشاعر بن زيدا : Ommrn tnt mddn ä in tnt ur av utnt على عكس اللغة العربية، كلغة حركية، يستحيل أن يلتقي فيها ساكنان، … الخاصية الخامسة: أن لها قواعدها النحوية والصرفية الخاصة بها مما يجعلها من أقدم اللغات المقعدة حسب الدراسات الأنثروبولوجية… الخاصية السادسة: أنها لغة حية في المجتمع: يتحدث بها في نطاق جغرافي واسع جدا على عكس اللغة العربية الفصيحة التي لا يتحدث بها إلا نخب من المثقفين، إذ أنها شبه ميتة في الشارع المغربي، وحتى أغلب اللهجات المسماة عربية قد لا تربطها بها سوى خاصية المعجم لا غير…. الخاصية السابعة: أنها لغة منفتحة متثاقفة أخذت من اللغات التي احتكت بها وجاورتها مدة طويلة وخصوصا اللغة العربية، كما أعطت الشيء الكثير ، فالسيوطي مثلا يعتقد بأن بعض ألفاظ القرآن آتية من اللغة الأمازيغية، ولا غرو في أن تؤثر هي الأخرى في معجم اللغة العربية الذي يضم العديد من الألفاظ ذات اللكنة الأمازيغية، ومثل هذا يمكن قوله عن باقي اللغات التي جاورتها، ومن هنا تتفوق على اللغات الأفريقية المنعزلة التي لم تستطع مجاراة الغزو القافي الأجنبي فتساقطت سقوط الأوراق عاى مر الزمن….. الخاصية الثامنة: أنها أبرز اللغات الأفرو-أسيوية صمودا في التاريخ رغم كل عوامل الغزو الثقافي ويعزي بعض الباحثين صمودها هذا إلى عدة عوامل أهمها : - العامل الديموغرافي : فتواجدها في أكثر المناطق كثافة في المغرب والجزائر كفيل بتمنيعها من عوامل التأثير الأجنبي، في حين أن المناطق التي توجد بها أقليات أمازيغية قد تعرضت لقولبة شاملة في أنظمتها الصوتية كما هو الحال بالنسبة لتونس وجزر الكناري مثلا.. - العامل الجغرافي الطبيعي: فهي متواجدة في مناطق جبلية يصعب على الغزاة بلوغه، وهذا ما يفسر انشغال القوميين العرب وإحساسهم بالخطر الذي يهدد لغتهم بعيد الاستقلال ومناداتهم بالتعريب المتزامن مع إبادة اللهجات الأمازيغية عن طريق التعليم والإعلام.. - العامل السياسي : ويتجلى هذا العامل في ظاهرتين: أ- أن أغلب المناطق التي انتشرت فيها اللغة الأمازيغية بكثافة تعتبر دائما مناطق مستعصية ومناوئة لمراكز الحكم والدولة، مما جعل الكثير من الدول التي حكمت المغرب تكتفي بالولاء المقنع من تلك القبائل الأمازيغية وتتركها تنظم شؤونها وفق أعرافها ونظمها… ب- أنه رغم وجود أنظمة سياسية تبدو غير أمازيغية في بعض الأحيان إلا أن النظام السياسي السائد في معظم الفترات أمازيغي قح كما في الدول البورغواطية والمرابطية والموحدية والسعدية أو أو أمازيغي مقنع كما في الدول الإدريسية والعلوية… 1-3: ما موقعها في السوق اللغوية المغربية؟ : يتحدث المغاربة الآن بثلاث لغات، اللغة الأمازيغية بفروعها الثلاثة، واللسان الدارج المغربي، إضافة إلى اللسان الحساني، ويشكل المتحدثون باللغة الأمازيغية أغلبية كبيرة بين المتحدثين بالدارجة والحسانية، أما اللغات الأخرى، العربية والفرنسية والإسبانية فإنها عندنا في المغرب لغات النخب الثقافية فقط، ولا وجود لها كلغة فصيحة داخل الأسرة أوفي الشارع، ولعل اللغة الأمازيغية هي التي تفرض وجودها أكثر بحكم أن اللسان الدارج المغربي وإن احتسبه بعض الدارسين كفرع من فروع اللغة العربية إلا أنه لا ينبغي أن نبالغ في هذا الربط، ذلك أن واقع الأمر يقول عكس ذلك، فرغم أنه يضم معجما عربيا ملموسا إلا أن جل قواعده وحمولاته الفكرية مأخوذة من اللغة الأمازيغية وذلك ما سوف يتضح لنا في الأمور الآتية: أولا: في الحمولة الفكرية للألفاظ والعبارات : أ- فالكثير من الألفاظ رغم أنها عربية في اشتقاقها إلا أنها تحمل معاني ودلالات ماخوذة عن اللغة الأمازيغية منها على سبيل المثال : + فعل ” ضْرْبْ ” ، الذي حمّله الفعل الأمازيغي ut معاني عديدة لا نجدها إلا في اللسان الدارج المغربي ك : ضربو لبرد ( أصابه البرد ) ، و : ضرب راسو معا لحيط ( صدم ) ، و : ضرب طريق ( قطع الطريق ) ، و”ضرب طاجين” (أتي على ما بداخل الطاجين) وغيرها … + فعل ” دار ” الذي يقابل فعل ” فعل ” العربي، هذا الفعل الذي حمله الفعل الأمازيغي skr العديد من المعاني كذلك، إلى درجة أن استعماله مع الاسم في العديد من التراكيب يتولد معه معنى جديد كما يتجلى في هذه النماذج : دار لعرس، ( تزوج )- دار فوق طبلة ( وضع ) ، دار لغدا ( طبخ )….. ب- كما تتجلى هذه الحمولة الفكرية الأمازيغية في عدد من العبارات الجاهزة منها على سبيل المثال : ( أنا داخل ف سوق راسي – جمعو بنص ..) وهي عبارات مترجمة حرفيا على كل حال من عبارت أخرى جاهزة في اللغة الأمازيغية …… ثانيا: في معظم القواعد النحوية المستعملة في اللسان الدارج المغربي أمازيغية منها على سبيل المثال : + قاعدة التنكير والتعريف : راجل ( معرفة ) ← واحد راجل ( نكرة ) argaz ← yan urgaz + قاعدة العدد: واحد راجل ← جوج رجال ← تلاتا درجال ← فاللسان الدارج المغربي لا وجود فيه للمثني: Yan urgaz ↔sin irgazn ↔kraä irgaz ……. + قاعدة صياغة اسم الحدث : نجر ← تانجّارت – خرز ← تاخرّازت …. + قاعدة انعدام إعراب آخر الكلمة : فالمعروف أن أهم القواعد النحوية التي استقلت بها اللغة العربية هي التغيرات الإعرابية التي تطال أواخر الكلمات، أو ما يسمى بقواعد علامات الإعراب، وهذه القواعد لا أثر لها في اللسان الدارج الذي اختار طريقة اللغة الأمازيغية في ترك آخر الكلمة على حالته كما لو كان مفردا: فمثلا نقول: شتّ رّاجل – عطيت ل رّاجل – جا رّاجل : فلفظة “رّاجل” جاءت ساكنة في الحالات الثلاث على نحو ما تعامل به نفس الكلمة في اللغة الأمازيغية : Çëix argaz – fkiv i urgaz – yuckad urgaz 1-4: هل من مميزات لللغة المنتشرة في المحيط السوسيو- ثقافي للجامعة؟ : كخلاصة عامة حول اللغة في محيط جامعة ابن زهر، نجد اللغة السوسية أو تاشلحييت ولغة “تامازيغت” هما السائدتان إلى جانب اللسانين الدارج والحساني، هاتان اللغتان اللتان تمتازان في أصواتهما بالوضوح، وقد دلت الدراسة ومحاولات التقعيد التي أجراها مركز التهيئة اللغوية بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أن هذين الفرعين من اللغة الأمازيغية : أ- هما الأكثر استجابة لمبادئ الاقتصاد والاستقلالية والوظيفية والامتداد الجغرافي أثناء المعيرة، حيث أن أغلب الأصوات التي تم استبعادها من اللغة المعيارية لا ينطق بها السوسيون كالذال والثاء والظاء مثلا، ب- أنهما منتشرتان في مناطق تمتاز بالكثافة السكانية بالمقارنة مع مناطق انتشار الفروع الأمازيغية الأخرى.. ج- وفوق ذلك يمكن القول بأن جل مناطق انتشار هذين الفرعين في الأطلسين الصغير والكبير هي الأكثر بعدا عن تأثير الثقافات الوافدة، فقد ثبت تاريخيا أن مناطق شاسعة من الأطلس الكبير الأوسط والغربي لم يدخل إليها أي من الغزاة الذين استعمروا المغرب منذ القديم، فقد كانت قبائل المصامدة هي التي استعصت على عقبة بن نافع، ولولا تدخل الصنهاجيين لفشلت حملته، مما جعل سكانها يحتفظون لللغة الأمازيغية برصانتها ومعجمها الثري بالمقارنة مع معاجم الفروع اللغوية الأمازيغية الأخرى التي تأثرت باللغات الشمالية والشرقية والجنوبية … د- أن اللغة السوسية وكما أشار الأستاذ مرزوق الورياشي في إحدى مداخلاته بالجامعة الصيفية (أعمال الجامعة الصيفية لسنة 1988) ذات سند اقتصادي بشري كبير أدى إلى انتشارها في مختلف المدن المغربية بفعل انخراط العامل والتاجر السوسي في قطاع الخدمات أكثر من إخوته الأمازيغيين المنتمين إلى المناطق الأخرى … وفي مجال البحث الميداني لا زالت هذان الفرعان في حاجة إلى مزيد من التمحيص والمقارنة بين فروعهما المصغرة، خصوصا وأن هنالك العديد من الآراء حول تمازج ما هو صنهاجي ومصمودي وجزولي ولمطي في أنظمتها الصوتية، وهذه هي مسؤولية الطلبة والأساتذة الباحثين، وبوسع الباحث وبشيء من الملاحظة الدقيقة أن يكتشف بأن لهما لهجات وتلاوين صوتية مجالية يتعين الوقوف عندها لاستقصاء تجلياتها و مسبباتها أو العوامل المؤثرة فيها، كما يتعين البحث في تأثيراتهما على كل من الدارجة والحسانية وباقي الألسن الأخرى المحتكة بهما محليا، ومن المعلوم أن بعض الباحثين الفرنسيين سبق أن قاموا بمحاولة لتقعيد اللغة السوسية وإبراز خصوصياتها، وكمثال على ذلك تلك المحاولة التي قام بها العقيد الفرنسي Robert Aspinion حول لغة actukn في كتابه Apprenons le bérbère ، وهي في الواقع من ضمن المحاولات ذات طبيعة استعمارية، كما وأن لغة الأطلس قد تمت دراستها من طرف باحثين ءاخرين، وقد آن الأوان لكي تنبثق من الشباب الأمازيغي فرق للبحث الجاد حول خصوصيات هذا الموروث الثقافي الأمازيغي …. 1-5: الإشكاليات الكبرى في معيرة اللغة الأمازيغية: ( تهيئة اللغة الأمازيغية ) إن أي لغة يراد إدماجها في الحياة الإدارية والتربوية للدولة يجب أن يتم تهيئتها لكي تكون مؤهلة للرسوخ في وضعيتها الجديدة، لذلك فإن الحركة الثقافية الأمازيغية بعد أن تمكنت من إقناع مراكز اتخاذ القرار في الدولة المغربية بضرورة إنصاف اللغة والثقافة الأمازيغيتين ما فتئت تعطي لهذه المسألة أهمية كبرى، وقد كان السؤال العريض الذي انطرح على بساط الدرس والتمحيص منذ إصدار ميثاق أكادير سنة 1991 هو : كيف سيتم إدماج اللغة الأمازيغية في المرافق الحيوية للمواطن المغربي؟ وما هي الخطوات العملية القمينة بإنجاح هذا الإدماج؟، فكان لا بد من الاسترشاد ببعض التجارب التي عاشتها قوميات مختلفة على الصعيد العالمي حينما وصلت إلى هذه اللحظة الحاسمة، لأن المسألة لا تستسيغ أي نوع من الارتجال، ولأن أي خطوة غير مستقيمة في هذا الصدد سوف تؤدي إلى الطريق المسدود، فالطرف الآخر الذي يتحين الفرصة لكي يضع الأمازيغيين أمام الأمر الواقع يجب أن لا تعطى له الفرصة ليوجه ماسورة بندقيته تجاه الإدماج المحتمل، لذا سارعت نخبة من المتخصصين منذ سنة 1992 إلى عقد أيام دراسية للحسم في الإشكاليات الكبرى التي سوف تأتي بعد الاعتراف الرسمي بالحقوق اللغوية والثقافية للأمازيغيين، كما أن المتخصصين في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وجلهم من الذين شاركوا في تلك الأيام الدراسية وضعوا نصب أعينهم منذ إنشاء هذه المؤسسة، الغوص في هذه المسألة الجوهرية، فسارعوا إلى تمحيص كل الإشكاليات التي سوف تعرقل مسيرة الإدماج ووضع الحلول العلمية الكفيلة بإنجاحه.. 1-5-1: لقاء المعمورة لسنة 1992 حول المعيرة والتقعيد: دعت إلى هذا اللقاء الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي إذ استقطبت للمشاركة في مناقشة المعضلات الكبرى جملة من المتخصصين اللسنيين والأساتذة الباحثين والأدباء للحسم فيما يمكن فعله لو أن الدولة المغربية قد حملت مسؤولية معيرة وتقعيد اللغة الأمازيغية للمجتمع المدني الأمازيغي، وقد طرحت أمام المجتمعين أربع إشكاليات هي إشكالية الكتابة الأمازيغية وإشكالية الأصوات الأمازيغية وإشكالية المعجم الأمازيغي…. أولا: معضلة الكتابة : كان من بين أهم من حضروا هذا اللقاء الأستاذ الباحث محمد شفيق، الذي سارع فور بدء أشغال اليوم الدراسي إلى طرح تصوره الشامل حول إشكالية الكتابة، هذا التصور الذي يهيب فيه بالمتخصصين إلى أن يضعوا أمامهم أربع اعتبارات قبل الحسم في أية كتابة سوف تدرس بها اللغة الأمازيغية : أ- الاعتبار الأول : هو الاعتبار المستقبلي الذي نجيب فيه على سؤال : ما هي الكتابة التي سوف تستطيع مواكبة عهد الحاسوب والتيكنولوجيا الحديثة؟، أفلا يمكن القول بأن الكتابة اللاتينية هي الأقرب إلى المنطق لأنها لا تحتاج إلى كثير من التنميط أثناء اختيار الأبجدية؟ ولأنها المستعملة اليوم في الأنظمة الإليكترونية على الصعيد العالمي…؟ ب- الاعتبارالثاني : هو الاعتبار التاريخي الذي نجيب فيه على سؤال : ما هي أهم الأبجديات التي كتبت بها الأمازيغية عبر التاريخ؟ وفي هذا الصدد سنجد أن اللغة الأمازيغية كتبت قديما بأبجدية تيفيناغ، ثم كتبت بعد ذلك بالحروف اللاتينية، وبعد مجيء الإسلام بدأ الأمازيغيون يكتبون بالأبجدية النبطية، فأي من هذه الأبجديات قد صمدت من الناحية التاريخية؟ إذ حينما بقيت أبجدية تيفيناغ صامدة لدى الطوارق، نجد البعض من الأمازيغيين فضلوا الكتابة بالأبجدية العربية وآخرين يكتبون بالأبجدية اللاتينية… ج- الاعتبار الثالث : الاعتبار الوجداني : الذي نجيب فيه على سؤال : أية أبجدية ترتاح لها النفسية الأمازيغية وتلبي نداء الهوية؟ أليست هي أبجدية تيفيناغ؟ ولكن ألا يوجد من بين الأمازيغيين من ينتصر وجدانيا للأبجديتين الأخريين لاعتبارات دينية وأيديولوجية؟ د- الاعتبار الرابع : الاعتبار الجمالي الذي نجيب فيه على سؤال : ما هي الكتابة التي ترتاح لها الأذواق وتمتاز بالجمالية والجاذبية لدى الكاتب والقارئ؟ هـ- الاعتبار الخامس : الاعتبار العلمي البيذاغوجي الذي نجيب فيه على سؤال : ما هي الكتابة التي سوف يسهل بها تعلم اللغة الأمازيغية لدى الطفل المغربي؟ وما هي المشاكل التي سوف تخلقها كل أبجدية أثناء التدريس سواء بالنسبة للمدرس أو المتعلم؟ وعلى ضوء هذا التصور وعلى إثر نقاش طويل حول أي من الاعتبارات السابقة ينضح بالقوة، اتفق الحاضرون على دعم أبجدية تيفيناغ وتنميتها لكي تتطور وتواكب الأبجديات الأخرى، كما تم تنميط الأبجديتين العربية واللاتينية وترك الحرية للمواطن المغربي لكي يكتب بأية أبجدية يشاء إلى أن يتم الحسم وبطرق علمية في هذه المعضلة.. وفيما يخص الحرف النبطي (العربي) تمت مناقشة بعض الرموز التي لها أصوات خاصة لدى الأمازيغيين ولا توجد عند العرب كأصوات مستقلة، كالحروف المفخمة والحروف المضمومة ضما مختلسا، وقد تم طرح عدة تجارب منها تجربة “ءاراتن” النشرة الأولى التي أصدرتها الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، كما قدم بعض الأساتذة من بينهم الأستاذ جبور عبد الكريم تصورهم حول تنميط بعض من تلك الرموز، كما تمت مناقشة الإشكاليات التي يطرحها الحرف النبطي ومنها إشكالية تحمله أو عدم تحمله لعدة علامات… أما فيما يخص الحرف اللاتيني فإن المجتمعين اتفقوا على اعتماد الحرف العالمي الذي تم تنميطه من لدن متخصصين دوليين من أجل قراءة وكتابة مختلف اللغات العالمية.. ثانيا : معضلة الأصوات : إن أهم اختلاف بين الفروع اللغوية للأمازيغية يتجلى في تباين الأصوات المستعملة في النطق بالعديد من الكلمات التي تتفق فيها تلك الفروع من حيث الشكل، ك “تافوكت” و”أكال” و” أركَاز” وغيرها، وقد تم الاتفاق على ترك كل شريحة أمازيغية في بلدنا تتحدث بأصواتها إلى أن يتم الحسم وبطرق علمية فيما هو أصلي ودخيل من الأصوات في اللغة الأمازيغية، فالظرفية آنذاك لا تسمح بطرح موضوع الأصوات الممكن معيرتها… ثالثا : معضلة المعجم الأمازيغي : كان الأستاذ محمد الشامي، أستاذ اللسنيات بجامعة محمد الأول بوجدة قد قام بمحاولة لرصد مناحي الاختلاف والائتلاف المعجمي بين أربعة من الفروع اللغوية الأمازيغية، وهي : تاقبايلييت – تاريفييت – تامازيغت – تاشلحييت، في مداخلة له بأشغال الجامعة الصيفية لسنة 1991، وقد اختار لذلك نص قصيدة “تاسكورت” التي غنّاها الفنان الجزائري “ئدر”، وقد توصل إلى أن عنصر الائتلاف التام في معاني وألفاظ النص بين الفروع الأربعة قد وصل إلى 60 % في حين وصل الاختلاف في العناصر الصوتية مع الائتلاف في المعاني إلى حوالي 22 % بين الألفاظ من الناحية الصوتية أما الاختلاف التام فيقتصر على حوالي 10 % من الألفاظ مع كون أغلبها مقترضة من اللغات الأخرى، لذا فإن معضلة المعجم تأتي في الدرجة الأخيرة بين المعضلات الكبرى في المعيرة، وفي هذه المرحلة كان الأستاذ محمد شفيق بصدد إعداد معجمه، كما صدرت محاولات لتقديم معجم مبسط للقراء الأمازيغ من لدن عدد من الباحثين والجمعيات المهتمة باللغة الأمازيغية، وحينما طرح هذا الموضوع للنقاش في لقاء معمورة توصل الحاضرون إلى أن الأمر يجب أن يعالج عن طريق لجنة علمية متخصصة تقوم : + أولا بإعداد معاجم جهوية وقطاعية يقوم به متخصصون وباحثون ميدانيون + ثانيا بصياغة المعجم العام الشامل الذي يحتاج إليه الباحث والطالب والأستاذ، ينجزه فريق من اللغويين …. وفي آخر أشغال هذا الملتقى، ونظرا لخطورة البث في هذه المعضلات بكيفية ارتجالية لم يتوان الباحثون في ختام مناقشاتهم عن اتخاذ موقف ثابت من المعيرة يتلخص في : أ- أن هذه المعضلات لا يمكن البث في حلولها في فترة ضيقة وغلاف زمني قصير، بل يتعلق الأمر بتمحيص قد يحتاج معه المتخصصون إلى وقت طويل وبحث معمق، لأن الأمر يتعلق بإعداد لغة لكي تدمج في القطاعات الحيوية التربوية والإدارية والتنموية… ب- أن الحركة الثقافية الأمازيغية بإمكانياتها المادية واللوجيستيكية الهزيلة لا لايمكن لها أن تبث في معضلات من هذا النوع، وهي معضلات تحتاج إلى مدد وغلاف مالي لمواجهة نفقات التأطير والبحث الإثنوغرافي الميداني، وهذه المسؤولية لن تتحملها إلا الدولة… 1-5-2: الدولة المغربية ومعضلات معيرة اللغة الأمازيغية : يتعلق الأمر هنا بشقين من التهيئة اللغوية، شق ذي طابع سياسي محض وشق ذي طابع رسمي تربوي تعليمي، أما الشق الأول فقد تجلى في الخطاب الرسمي للدولة المغربية والذي تمثل أولا في الخطب الملكية والتصريحات الوزارية ومقالات الصحافة الحزبية التقليدية، أما الشق الثاني فقد حمله ولأول مرة الميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض الذي جاء لأجرأته، واتفاقية الشراكة بين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وبين وزارة التربية الوطنية، 1-5-2-1: النصوص الرسمية الأولى : كانت بواكير الاهتمام بإدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية منبثقة مما ينم به الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث نص البند 115 من هذا الميثاق على ما يلي: ” يمكن للسلطات التربوية الجهوية اختيار استعمال الأمازيغية أو أية لهجة محلية للاستئناس وتسهيل الشروع في تعلم اللغة الرسمية في التعليم الأولي أو في السلك الأول من التعليم الابتدائي، وستضع سلطات التربية والتكوين رهن إشارة الجهات بالتدريج وحسب الإمكان الدعم اللازم من المربين والمدرسين والوسائل الديداكتيكية” ثم تلاه البند 116 فنص على : ” تحدث في بعض الجامعات ابتداء من السنة الدراسية 2000/2001 مراكز تعني بالبحث والتطوير اللغوي والثقافي الأمازيغي وتكوين المكونين وإعداد البرامج والمناهج الدراسية المرتبطة بها…”، وفور صدور الميثاق انكبت لجان عديدة على إعداد الكتاب الأبيض في المنهاج الدراسي، وقد تم إرسال وثيقة مشروع الكتاب الأبيض إلى جل مراكز التكوين من أجل إغنائها وإبداء ملاحظات الأساتذة المكونين والعاملين بالأقسام وطواقم المراقبة التربوية بشأنها ، وحينما صدرت النسخة النهائية من هذا الكتاب حملت أول تصور لكيفية إدماج اللغة الأمازيغية في التعليمين الأولي والابتدائي هذه النسخة التي حصرت محتوى منهاج تدريس الأمازيغية في : - كلمات معبرة عن مواقف معينة - قصص صغيرة معززة برسوم وصور - أناشيد وطنية ودينية - حوارات بين المتعلمين حول مفاهيم معروفة - خلق مواقف مختلفة لحفز المتعلمين على التعبير بالأمازيغية وقد تم حصر الحصة الزمنية لتدريس اللغة الأمازيغية فيما بين : 59 ساعة سنويا في التعليم الأولي و68 في السنة الأولى ابتدائي، و34 ساعة في السنة الثانية من التعليم الابتدائي.. وخلاصة القول أن هذه النصوص الرسمية الأولى لم تشر ولو إشارة بسيطة إلى كيفية التصرف مع المعضلات الكبرى التي يتعين المرور عبرها من أجل الإدماج الحقيقي، وهذا شيء بديهي جدا، لأن المشاركين في صياغة هذين النصين ليسوا متخصصين أو حتى مهتمين بالحقل اللغوي الثقافي الأمازيغي، بل إن أغلبهم لا زال يراوده الحذر من أي مبادرة إدماجية من هذا النوع، ومن الطبيعي أن ينظروا إلى المسألة نظرة اعتباطية سطحية، ولربما كان الاعتقاد السائد لدى بعض هؤلاء أن اللغة الأمازيغية قد تم إعدادها وتهيئتها للإدماج من طرف المهتمين بها.. 1-5-2-2: جهود مركز التهيئة اللغوية بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية : لقد وجدت وزارة التربية الوطنية نفسها فيما يخص مسألة إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية أمام مأزق كبير، وخصوصا أنها خصصت حيزا زمنيا لتدريس هذه اللغة دون أن تفكر في الجانب الإجرائي الذي يتطلبه هذا الإدماج، لذلك سارعت فور إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى التقرب من هذه المؤسسة علها تستعين بالأطر المتخصصة التي ستلتحق بها من أجل الخروج من هذا المأزق، وكان من نتائج هذا التقرب عقد اتفاقية شراكة بينها وبين المعهد حول الطريقة هذه الاتفاقية التي يتعين عن طريقها إدماج اللغة الأمازيغية، والغريب أن هذه الاتفاقية نفسها لم تشر إلى ما يتطلبه الشروع في الإدماج من إزاحة المعضلات الكبرى السالفة الذكر، بل اقتصرت على وضع خطاطة زمنية لمراحل الإدماج النهائي، تاركة مسؤولية التهيئة الحقيقية على عاتق المؤسسة الجديدة، لذا فإن مركز التهيئة اللغوية بالمعهد الملكي وجد نفسه أمام تحديين : التحدي الأول : يتمثل في ضرورة المرور عبر إزاحة المعضلات الكبرى في المعيرة، والتي تخص الكتابة والإملاء والمعجم والقواعد النحوية، وهو تحد لا يمكن المرور فوقه إلى أية مرحلة مقبلة، لأنه يمثل القنطرة اللازمة لتهيئة اللغة الأمازيغية لكي تدمج في المدرسة المغربية.. التحدي الثاني : يتمثل في إعداد المنهاج الدراسي والوسائل الديداكتيكية وتكوين المكلفين بالتأطير والتكوين الأساسي في هذه المادة، ويمثل هذا التحدي الثقل الكبير الذي أزيح على كاهل وزارة التربية الوطنية، التي لم يبق لها سوى إصدار المذكرات التنظيمية والتربوية الخاصة بالمادة الجديدة وتكوين الأطر العاملة بالأقسام.. ووراء هذه التحديات يجب أن لا ننسى أن الشحنة اللازمة للدفع بإدماج اللغة الأمازيغية في الحياة الإدارية والتربوية تتمثل في الدعم والتمكين القانوني لهذه اللغة أولا : في مواجهة معضلات التقعيد والمعيرة : 1- معضلة الكتابة : كان أصل هذه المعضلة الاستجابة لمطلب أساسي ينحصر في أية أبجدية ملائمة أثناء تدريس اللغة الأمازيغية للطفل المغربي، ولكن الأمر لم يلبث أن تحول إلى مقاربة سياسية وقع فيها نقاش عنيف خصوصا بين الطرفين العلماني والإسلامي، الأول يرى أن تدريس اللغة الأمازيغية يتعين أن يكون بالأبجدية اللاتينية إسوة بالدولة العلمانية في تركيا مثلا التي اختارت الحرف اللاتيني لتدريس اللغة التركية اختيارها للنهج العلماني، أما الطرف الآخر فيرى أن الأبجدية العربية هي التي سوف تسهّل تعلم اللغة الأمازيغية، بحكم أن أبناء المغاربة تربطهم بهذا الحرف أواصر الدين والتاريخ الطويل، وفيما بين الطرفين نجد طرفا ثالثا يرى أن اللغة التي تحتاج إلى استعارة أبجدية للتدريس هي اللغة التي لا تتوفر على تلك الأبجدية، وأن هذا هو السبب الذي جعل بعض الأنظمة السياسية تختار الحرف اللاتيني لأن لغاتها ليست لديها أصول ترجع إليها في هذا الصدد، لذا فإن اللغة الأمازيغية وبحكم أن لها أبجديتها العريقة لا يجوز أن تستعير أية أبجدية، ولأن تعليم اللغة الأمازيغية لا يخص فقط أطفال هذه الفئة أو تلك من المغاربة، فإن اختيار الأبجدية التي سوف تدرس بها مسؤولية وطنية يجب أن يدلي فيها كل طرف بدلوه، وكان موئل هذا الاختيار هو المجلس الإداري للمعهد الملكي الذي تمثلت فيها تأثيرات مختلف الرؤى والتيارات، والذي عجز عن اتخاذ القرار النهائي فيما يخص الأبجدية التي سوف تدرس بها اللغة الأمازيغية، الشيء الذي مكن المتشبعين بالاختيار المبني على أسس علمية هم الذين انتصروا في الأخير، هذا الاختيار الذي انبنى أساسا على أي من الأبجديات الثلاث هي الأسلم من الناحية البيذاغوجية والأكثر قابلية للاعتبارات الخمس السالفة الذكر : 1-1: فموقع القوة لدى الأبجدية العربية النبطية هو أنها أبجدية كتبت بها الكثير من النصوص الأمازيغية تاريخيا، وأن الأمازيغ يحترمونها بحكم أنهم مسلمون، ولكن الدفاع عنها كأبجدية صالحة للعملية التعليمية التعلمية يصطدم بعدة معيقات سوف تربك الطفل المتعلم ومن هذه المعيقات : أ- أنها لا تحتوي على جميع الأصوات الأمازيغية، ومن هذه الأصوات : الكاف المعقوفة (كَ) والمفخمات من الزاي والجيم والمشفهات من الكاف والغين والكَاف، مما سيؤدي إلى ضرورة استحداث رموز جديدة .. ب- أن استحداث رمز يحمل صوتا جديدا يتطلب إثقال الرمز المعتمد عليه بعلامة جديدة، وقد انطرحت أثناء تنميط بعض الأحرف لكي تؤدي تلك الأصوات الجديدة مسألة تواجد أكثر من علامة على نفس الرمز فمثلا لو أن الصوت (كَ) أريد تنميطه لكي يحتمل علامتين إضافيتين وهما علامة التضعيف وعلامة التشفيه بالإضافة إلى علامته لوقعنا في مشكلة مكان وضع كل هذه العلامات الثلاث فهل نبنيها فوق بعضها البعض (كَُّ) أم نمدد الحرف ( كَــُــّ)، ج- وبالنسبة للحركات كان قد تم اختيار الألف لتطابق الفتحة والياء لتطابق الكسرة والواو لتطابق الضمة، ولكن الواو والياء خلقتا مشكلا، لأنهما صائتان وصامتان في نفس الوقت ، وتبرز المشكلة خصوصا حينما يتوالى هذان الحرفان وأحدهما صامت والآخر صائت كما في الكلمة : أغيول، فهناك من سينطق بها : أَغِوْ لْ بدل : أَغْـيُل … د- أن الرموز النبطية لا يوجد ضمنها الرمز المحايد الذي سنحتاج إليه أثناء توالي ثلاثة رموز متشابهة… 1-2: أما موقع القوة لدى الأبجدية اللاتينية فهو أنها أبجدية تساير عهد التيكنولوجيا لأنها المستعملة في عالم الحاسوب والاتصال اليوم، ولكنها مع ذلك من الناحية العلمية وفيما يخص تنميطها لكي تؤدي دور أبجدية صالحة لكتابة الأمازيغية سوف تعجز عن مواجهة بعض المتطلبات البيذاغوجية أثناء تعليم الأطفال : أ- فهي كما في الأبجدية النبطية لا تتوفر على بعض الأصوات كالخاء والضاد والطاء والصاد، مما سيؤدي إلى ضرورة استحداث أصوات جديدة اعتمادا على رموز مقاربة لها، الشيء الذي سيوقع الطفل في نوع من الخلط.. ب- أن بعض الرموز التي سيتم اختيارها لأداء الصوت الجديد لها أصوات مختلفة في اللغة الفرنسية والإنجليزية التي سيتعين على الطفل الأمازيغي تعلمها بعد ذلك أو بموازاة من تعلم اللغة الأمازيغية مما سيخلق له تشوشا، فالرمزان c و x سوف يحملان الصوتين( ش- خ) في الأمازيغية وهما صوتان مخالفان تماما للصوتين ( ك – كس) الذين يحملانهما في اللغة الفرنسية مثلا، وهذا فيه إيقاع للطفل في اللبس.. 1-3: لذا لم يبق إلا أن نستسلم للأبجدية الأمازيغية “تيفيناغ”، التي تجد قوتها بأنها المعبرة عن الذات الأمازيغية، ولها من القوة الوجدانية ما ليس لغيرها، زيادة على : أ- أنها يمكن تنميطها بسهولة لكي تؤدي المطلوب منها بيذاغوجيا ب- أنها يمكن أن تجاري المسار التيكنولوجي نظرا لبساطة رموزها ج- أنها سوف تنصاع لذوق المتعلم وقد سبق أن تم استثمارها في التزيين والجماليات في الفضاءات الأمازيغية الفنية. لذلك تقدم مركز التهيئة اللغوية بطلبه الأخير والذي لا رجعة فيه لكي يتم اعتماد هذه الأبجدية كأداة لتدريس اللغة الأمازيغية، وقد سبق لنا أن رأينا كيف تم استثمار البدائل القديمة من أجل الخروج بالرموز الحالية التي سميت برموز “تيفيناغ ئركام” نسبة إلى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وقد تم احترام جملة من المبادئ التقنية أثناء معيرة الكتابة أو الأبجدية الأمازيغية وهي: + مبدأ الاقتصاد الذي اعتمد للوصول إلى مقولة : “صوت واحد لرمز واحد” أدى إلى الخروج بعملية تعلم الأصوات الأمازيغية من طرف الطفل، من دائرة الإضناء والارتباك الموجودة في الأبجديات الأخرى، وفي هذا الصدد تم الاحتفاظ بنفس الرموز القديمة مع إضافة أقل عدد من الرموز الجديدة ( y ï ) أو التصرف في رموز قديمة وقريبة وتنميطها لكي تتم إزالة الالتباسات ( l-æ-å-^ç-ë-ã ) ، ويتجلى الاقتصاد كذلك في أن المقعدين لهذه الرموز استبعدوا بعض الأصوات التي اعتبرت مستحدثة بفعل التثاقف أو غير أصيلة فلم يعطوا لها أي رمز يذكر.. + ومبدأ البساطة الذي أدى إلى اختيار رموز غير معقدة ومن السهولة رسمها عند الصغار والكبار على السواء، وتتجلى هذه البساطة في هندسة هذه الرموز التي ترتبط بأشكال دائرية ( a-u-r-s-ë-ã-e-b-h- ) أو مقوسة ( c-z-ç ) أو زوايا قائمة ( q-k-æ-m-w-j-ï-o-v-t ) أو انكسارية ( y-g-x-d-p-i ) أو خطية ( n-l ) ، وهي أشكال هندسية سهلة ومألوفة على الحواس.. + ومبدأ التاريخية يتمكن من ربط المتعلم بماض سحيق من تاريخ بلده تتمثل من خلاله أصالة هذا البلد وتجذره في التاريخ، وربما سمح للطفل لكي يفسر سر تواجد رموز تيفيناغ على بعض المعالم الفنية المغربية المألوفة كالزرابي والآثار العمرانية والوشم والتزيين.. + أما مبدأ الملاءمة فإنه سمح بجمع أصوات متقاربة في مخارجها الصوتية في أشكال متقاربة في هندستها، مما يسمح للطفل المتعلم بتعلمها بسهولة، مثلا: ( k-æ- ) – ( g-å ) – ( r-ë ) ( s-ã ) … 2- معضلة الأصوات : يتعلق الأمر هنا بالاختلافات الناتجة عن تعدد الفروع اللغوية الأمازيغية، هذه الاختلافات التي نجمت عن مؤثرين تاريخيين كبيرين وهما: + التثاقف الذي حدث بين الأصوات الأمازيغية وأصوات اللغات الأخرى الوافدة على البلاد الأمازيغية من الجهات الثلاث، الشمالية والشرقية والجنوبية، فقد أدى ذلك إلى اقتحام أصوات تلك اللغات المجال الصوتي الأمازيغي، كما نجد في انتقال أصوات الحروف المعجمة ذ،ث،ظ من اللغة العربية إلى الأمازيغية مثلا عند قبائل كتامة وصنهاجة التي احتكت كثيرا بالعرب.. + تشتيت البلاد الأمازيغية إلى مناطق ودويلات منعزلة بعضها عن بعض مما أدى مع مرور الزمن إلى استقلالية كل منطقة بأصوات خاصة بها، والذي قد يكون ناجما عن مؤثرات مناخية أو ثقافية أو بيولوجية، كما نجد في: - استقلال الطوارق الزناتيين المنعزلين في الصحراء الكبرى بوضع صوت الهاء غالبا محل صوت الزاي مثلا، - استقلال الكتاميين الريف بوضع الراء محل اللام ووضع الدال والجيم محل اللام المشددة، - استقلال صنهاجة بوضع النون المشددة محل الميم والتاء ووضع اللام المشددة محل اللام والنون… - استقلال بعض قبائل مصمودة بوضع السين محل التاء أو وضع الحاء محل الغين أو الخاء.. لذلك فإن اللجنة العلمية المتخصصة أعطت أهمية خاصة لرصد الأصوات والفصل بين الأصيلة والدخيلة منها لكي يتم اعتماد ما هو أصيل ودرء ما هو دخيل أو ناجم عن مؤثرات بيئية أو مناخية، وبعد تمحيص تم الاتفاق على الاستفادة من معيارين مهمين سبق أن تم اعتمادها من طرف دول أخرى أرادت تنميط أصوات لغاتها، وهما: أولا: معيار الامتداد الجغرافي للصوت : فقد تم اعتماد الأصوات المنتشرة في البلاد الأمازيغية، أو المتفق عليها من طرف جميع الأمازيغيين أو جلهم بدون تردد، وهي ( a-u-i-b-d-f-g-å-k-æ-l-m-n-q-s-ã-r-ë-c-y-w-h-p-o-v-z^-ç-t-ï-ä-x-j-p ) ، وتم استبعاد (الثاء – الذال – الظاء) و(الراء التي أصلها راء والسين التي أصلها تاء، والدال والجيم التي أصلها لام مشددة والتاء والشين التي أصلها لام وتاء) لأنها لا تستعمل إلاّ في جيوب أمازيغية محددة.. ثانيا : معيار وظيفية الصوت : أي أنه تم اعتماد الأصوات التي يتم توظيفها كثيرا وتم تهميش الأصوات التي لها محدودية وظيفية كالجيم والشين المفخمتين.. كما تم دعم هذين المعيارين بمعيارين آخرين سبقت الإشارة إليهما أثناء تنميط الرموز الصوتية وهما معيار استقلالية الرمز بصوته ومعيار حيادية الرمز في التنوع الخطي اللسني… 3- معضلة الفصل والوصل والإدغام أي المعضلة الإملائية : وهي معضلات تتعلق بالكتابة والنطق أساسا، وتتأسس على ثلاث إشكاليات كبرى هي: - إشكالية البياض الطوبوغرافي - إشكالية مطابقة المنطوق للمكتوب - إشكالية تراتبية الألفاظ في الكلام وبعد استقصاء بعض التجارب العالمية في تقعيد قواعد الإملاء تم الاتفاق على : 3-1: في إشكالية البياض الطوبوغرافي: أ- أن الكلمة الأمازيغية تكتب على شكل متتالية من الرموز منفصلة بعضها عن بعض بفراغ بسيط تتجه من اليسار إلى اليمين، وبذلك تكون اللغة الأمازيغية مختلفة عن اللغة العربية ، فهي لا تعرف أحرفها الانفصال إلا نادرا، وعن اللغة الفرنسية التي تكتب أحرفها في الكلمة إما منفصلة أو متصلة.. ب- أن القاعدة العامة في كتابة الاسم والفعل والحرف والأدوات الأخرى أثناء تركيبها في الجملة هي الفصل بين هذه الكلمات ببياض طوبوغرافي، ولو كانت الكلمة تتكون من حرف واحد على عكس ما هو مألوف في اللغة العربية التي لا يمكن أن تنفصل فيها الكلمة وحيدة الحرف عما تتعلق به قبلا أو بعدا، ولا يتم اللجوء إلى الوصل بين الكلمات في اللغة الأمازيغية إلا في حالات خاصة منها: - وصل الاسم الدال على القرابة مع ضميره : babas - وصل الفعل مع الضمير الدال على الفاعل ومع أدوات التوجه: çëiv -tçëit - وصل الحرف مع الضمير المفعولي أو ضمير التعدية : gis- vurk - وصل أداة الوصف مع الاسم إذا كانت منحوثة معه: butgra - وصل أداة التكميم مع الضمير: kullutn 3-2: في إشكالية مطابقة المنطوق للمكتوب: لقد حدث نقاش حول إثبات المدغمات أثناء الكتابة أم تركها كما كانت قبل الإدغام المنطوق به، وقد تم الاتفاق على أن هذه الحالة هي الحالة الوحيدة التي لا يطابق فيها المنطوق المكتوب في اللغة الأمازيغية، إذ يجب كتابة الكلام كما هو في الأصل مع النطق به إدغاما أثناء الكلام كما يتضح في الأمثلة التالية : D + t = tt → asli d tslit → asli ttslit T + d = dd → qqimnt da → qqimndda N + w = ww → yan n wass → ya wwass R + l = ll → idda vr lbpr → idda vllbpr N + m = mm → afus n mpnd → afus mmpmd N + t = nn → tamdint → tamdinn L + t = tc → tavyult → tavyutc L + n = ll → iqbiln → iqbill 3-3: أما في مسألة تراتبية الكلمات في الجملة فقد تم رصد بعض الاختلافات بين الفروع اللغوية للأمازيغية قد تشكل عائقا كبيرا سواء أثناء المعيرة أو في العمل الديداكتيكي، وقد تم الاتفاق على ترك اللغة الأمازيغية على الشكل والترتيب الذي تنطق به لدى الأغلبية من المناطق مع تهميش الاختلافات التي نجدها في جيوب ضيقة بكيفية تدريجية للخروج بتراتبية منطقية معيارية، إن الريفيين مثلا يقولون : S tazivt ad nsiwl ولكن الترتيب الذي نجده في معظم المناطق هو : Ad nsawal s tmazivt فأين الخطأ من الصواب؟ وكيف كان التراتب في الأمازيغية القديمة؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة يقتضي الرجوع إلى الأمازيغية المنتشرة في المناطق البعيدة عن التثاقف اللغوي، وربما كانت قمم الأطلس الكبير والصغير والمناطق الصحراوية النائية هي التي سوف تعطينا الأجوبة الشافية، والبحث عن هذه الأجوبة الآن جار في مركز التهيئة اللغوية بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وربما كذلك بالجامعات التي أقدمت على إدماج المكون الأمازيغي في مسالكها… 4- معضلة المعجم : ومن مظاهر هذه المعضلة : أ‌- انعدام وجود معجم جامع تتوفر فيه الشروط اللغوية التي يحتاج إليها الباحث والطالب والأستاذ.. ب‌- اختلاف الفروع اللغوية في دلالة بعض الكلمات إلى حد التنافر والتقريع أحيانا ت‌- الفراغ المعجمي والاصطلاحي في عديد من المجالات العلمية وهذه المعضلة لا زالت قائمة إلى الآن، وقد اعتمد مركز التهيئة اللغوية بالمعهد الملكي للثافة الأمازيغية خطة من أجل سد الفراغ المعجمي ومن أجل وضع معجم لغوي وعلمي جامع يستجيب لضروريات البحث والتعلم، وتتألف هذه الخطة من ديناميتين اثنتين : 4-1: دينامية أفقية تحدد المصادر التي سيتم اللجوء إليها بحثا عن المصطلح هذه المصادر التي رتبت على الشكل التالي: أ – اعتماد كل ما هو مشترك بين جميع الفروع اللغوية الأمازيغية من القوالب والبنيات المعجمية (الألفاظ والمصطلحات والمعاني والدلالات) ب – اعتماد فرع لغوي أمازيغي حينما تنعدم القوالب المعجمية في فرع أو فروع أخرى.. ج- اعتماد اللسان الدارج المعمول به في المناطق الأمازيغية والذي يحمل في طياته قوالب معجمية أمازيغية لم تعد موجودة في فروعها الأمازيغية الأصلية.. 4-2: دينامية الإحداث والإبداع : وهي دينامية تحتاج إلى لسنيين متخصصين، وقد حدد مركز التهيئة اللغوية ثلاث قواعد أساسية لإبداع المصطلح المراد وهي: أ- قاعدة التأصيل الثقافي : وتعني أخذ كلمة قديمة وإحياؤها مع إعطائها أبعادا ومعاني جديدة تفي بالغرض والهدف المتوخى، مثال: اللفظة التي اختارها مركز التهيئة اللغوية لكي تدل على المدرسة : tinml ، ب – قاعدة ترجمة المفهوم : أي اعتماد مفهوم في لغة ما وترجمته إلى ما يقابله في الأمازيغية فحينما أراد مركز التهيئة اللغوية أن يصوغ مفهوم “التواصل” في اللغة الأمازيغية رجع إلى مقابله في اللغة العربية المأخوذ من فعل “وصل” واعتمد فعل ” yiwä ” الذي يقابل فعل “وصل” وأخذ منه المقابل ل “تواصَل” وهو “imsiwä” للوصول إلى اسم الحدث: amsawaä ، رغم إمكانية استعمال لفظة anyilkm التي لا زالت تستعمل في سوس بهذا المعنى. ج- قاعدة الاقتراض المعجمي: ويتم هذا الاقتراض من اللغات الحية كاقتراض لفظة: tadimuqëaïiyt من اللغة الفرنسية مثلما فعلته اللغات الأخرى . … وعلى هذا الدرب سار واضعوا بعض المصطلحات البيذاغوجية والديداكتيكية التي يحتاج إليها مدرس اللغة الأمازيغية في أجرأة دروسه وضمنوها الكتاب المدرسي للأستاذ والتلميذ.. 4- معضلة التقعديد الصرفي والنحوي والتراكيبي : وهي أم هذه المعضلات جميعها، إذ يتعلق الأمر أولا بتمحيص ما تنطق به اللغة الأمازيغية المستعملة في مختلف المناطق من القوالب اللغوية المعتبرة بمثابة قواعد قارة وجامعة، وثانيا بالفصل بين ما هو قياسي من هذه القوالب يتحتم النسج على منواله وما هو سماعي منها يتم ضبطه وضبط مدى انتشاره، وقد نشأت في بداية معالجة هذه الإشكالية لإشكالية أخرى إجرائية تتمحور حول أي اتجاه يمكن سلوكه في وضع قواعد اللغة الأمازيغية، فهل نسير على هدى التقسيم المتعارف عليه لدى علماء اللغة الذين قعدوا اللغة العربية، باعتبار اللغة الأمازيغية تنتمي إلى الأسرة الأفرو-أسيوية التي تنتمي إليها اللغات السامية ومنها اللغة العربية أم أننا يجب أن ننحو نحو الباحثين اللغويين في أوروبا والعالم الغربي، وقد ظهرت هذه الإشكالية مثلا في عدد من مجالات التقعيد منها: أ- تقسيم الكلمة من الناحية النحوية : فهل نقسمها كما في العربية إلى اسم وفعل واعتبار ما وراء ذلك حرفا، أم أن الاسم والفعل تنضاف إليهما، ويظهر أن مقعدي اللغة في المعهد الملكي وكذلك في الجامعات قد ساروا وفق التقسيم المعمول به في اللغات الأوروبية فعزلوا الاسم عن الصفات والظروف وأدوات الاستفهام وأسماء الموصول بل وحتى مع الضمائر واكتفوا بحالته الظاهرة، في حين أنهم تحدثوا عن أصناف عديدة من الحروف.. ب- تصريف الفعل : يصرف الفعل في اللغة العربية حسب صيغتين، إحداهما هي صيغة الأمر التي تكون خارج الزمن، أما الثانية فهي مرتبطة بزمن الماضي أو الحاضر، وفي اللغة الفرنسية يأتي الصرف جد معقد لأنه يصرف حسب العديد من الصيغ الصرفية، أما في الأمازيغية فإن متخصصي مركز التهيئة اللغوية حاولوا تبسيط صيغ تصريف الفعل، وقسموها إلى ثلاث صيغ : صيغة الحدث المبهم l’aoriste وصيغة الحدث التام l’accomplit وصيغة الحدث الغير التام l’inaccomplit ، وكل هذه الصيغ قد ترتبط بزمن معين، ةيلاحظ هنا أن اللغة الأمازيغية جد متميزة ، ولكن قواعد التصريف ما زالت غير ناضجة لحد الآن، إذ لا زال النقاش ساري المفعول في الحالات التي يكون فيها الحدث مبهما، هذه الحالات التي عدد فيها واضعو هذه الصيغ ثلاثا وهي : الحالة التي يكون فيها الحدث غير منصرف فيما يسمى في اللغة الفرنسية ب l’impératif skr والحالة التي يكون فيها مقترنا باللازمة ad skrv ، والحالة يكون فيها مستعملا في المفرد المخاطب في الأمر skr ، وزادوا مؤخرا حالة مجيء الفعل في الأسلوب السردي … ج- الأقيسة في المشتقات : وخصوصا في صياغة اسم الحدث ، أو ما يسمى بالمصدر في اللغة العربية، فلحد الآن ليس هنالك من رصد أقيسة هذه الأسماء، فهل يمكن القول بأن الأمازيغية كغيرها من اللغات تعتمد الصيغ السماعية أكثر من القياس، ثم ألا يمكن القول بأن مقعدي هذه المشتقات يمكن لهم أن يضعوا أقيسة خاصة بكل صيغة من صيغ الفعل المستعملة لدى الأمازيغيين…؟ 5- معضلة التمكين القانوني : وهي من بين المعيقات الأساسية التي أدت إلى عرقلة إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية، فنحن نعرف أن الاعتراف السياسي الذي يعتبر لبنة مهمة في مسيرة تمكين اللغة والثقافة الأمازيغيتين من الحياة الكريمة، كان قد اتخذ مسارا جادا منذ سنة 1994 ، ومرورا بسنة 2001 ، ولكن خللا ما لا زال يكتنف هذا التمكين، ومرده إلى غياب القوانين التي تعبر حقيقة عن إرادة الدولة، ومن مظاهر هذه الإشكالية : أ- أن الدستور المغربي لا زال خاليا من أية إشارة إلى البعد الأمازيغي لهوية الشعب المغربي المتعددة الأبعاد، ورغم أن هذا الدستور قد تغاضى لحد آخر نسخة منه عن وصف المغرب بأه دولة عربية، واكتفى بوصفه بالدولة الإسلامية، إلا أن الخطاب الرسمي الداخلي والخارجي يظهران المغرب كبلد عربي… ب- أنه ولحد الآن لم يصدر أي نص قانوني يصرح بوجوب إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية، ولا زال العمل فقط بمذكرات وزارية غير مؤسسة إلا على نص ظهير تأسيس المعهد الملكي لا غير… لهذا السبب فإن معضلة التمكين القانوني لللغة الأمازيغية، لا في المجال التربوي فقط، ولكن في مجالات الإعلام والقضاء والإدارة كذلك، سوف تبقى العائق الأكبر، لأن بقاء الحال على هذا الشكل يعبر عن سوء نية مبيت تجاه هذه اللغة، والغريب أن وزارة التربية الوطنية انتقلت إلى إدماج اللغة الأمازيغية قبل الحسم وبكيفية نهائية في معضلة التمكين هذه، خصوصا وأن العديد ممن كلفوا بتسريع الإدماج يؤسسون رفضهم أو تقاعسهم بغياب قانون يجبرهم على ذلك، ويواجهونك مباشرة بأن اللغة التي اعترف بها الدستور هي التي تستحق منهم الاهتمام… ثانيا : المعهد الملكي مواجهة الإدماج : حدث نقاش حول لفظة الإدماج هذه، هل هي اللفظة التي نريدها حينما نريد إتاحة الفرصة لللغة لكي تأخذ مكانها في النظام التربوي، وكان الأستاذ محمد الشامي هو أول من أثار هذا النقاش في اليومين الدراسيين الذين نظمتهما أكاديمية جهة سوس ماسة درعة حول “إدماج الأمازيغية في التعليم : حصيلة وآفاق” بأكادير سنة 2006 ، وكان قد رفض تسمية ما قامت به الوزارة إدماجا، بل هو مجرد إدراج فقط بدعوى أن الأمازيغية مدمجة فعلا في الحياة العامة للشعب المغربي، وكيفما كان الأمر، وأيا كان المصطلح الذي تم اختياره فإن وزارة التربية الوطنية، لم تستطع وحدها أن تقوم بأية خطوة إلى الأمام من أجل تحويل حلمها في إضافة اللغة الأمازيغية إلى دروس المدرسة الابتدائية إلى واقع إلا حينما عقدت اتفاقية شراكة مع المعهد الملكي، الذي يعود الفضل للباحثين المتخصصين الذين ينتمون إلى مركزيه : مركز التهيئة اللغوية، ومركز البحث البيذاغوجي والديداكتيكي، في تخطي حاجز الصمت الذي استبد بالوزارة منذ الإعلان عن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وكان أهم ما تمخضت عنه تلك الاتفاقية : أ- تجاوز مقولة الاستئناس والتمهيد لتدريس لغة أخرى المنصوص عليها في الميثاق الوطني، والحديث عن إدماج لللغة الأمازيغية كلغة مستقلة إلى جانب اللغتين العربية والفرنسية. ب- تعميم الأمازيغية على جميع المراحل الدراسية من التعليم الأولي إلى التعليم التأهيلي بدل اقتصارها على التعليمين الأولي والسلك الأول من التعليم الابتدائي .. ج- تعميم الأمازيغية على جميع المدارس المغربية كمادة إجبارية ووضع رزنامة زمنية لهذا التعميم، بدل الحديث عن الإمكان حسب ما جاء في الميثاق الوطني… وقد بذل المتخصصون في المركزين السالفي الذكر جهودا مضنية من أجل إعداد الكتاب المدرسي للأستاذ والتلميذ، كما ساهموا بالقسط الأوفر في عمليات التكوين وإعداد الأطر، ولكن تشكيلة الإدارة التربوية المكلفة بأجرأة عمليات الإدماج أدت إلى فشل ذريع في هذه العملية، وكان الخطأ الكبير الذي وقع فيه منظمو عملية الإدماج هو القذف ببرنامج تدريس اللغة الأمازيغية إلى المدارس المقررة بدون إعداد أطر التدريس، وبدون جداول حصص قابلة للتنفيذ، مما أدى إلى ارتباك وتقاعس، ورغم أن الوزارة أصدرت مذكرات متتالية لتصحيح هذا الوضع فقد ظلت المعضلة كما هي بسبب تقاعس الأكاديميات فيما يخص التكوينات التي تقررت في تلك المذكرات الوزارية… لحسن أمقران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق