الخميس، 14 يوليو، 2011

اللسانيات والإستعمار..قراءة في المشروع اللغوي

اللسانيات والإستعمار..قراءة في المشروع اللغوي لبوجمعة هباز تمهيد:يندرج العمل اللساني لبوجمعة هباز ضمن ما يسمى بنقد وتحليل أنظمة الفكر، ذلك أنه يتعرض لموضوع شائك وهو الإمبريالية والثقافة –خاصة اللغة- إذ على امتداد تاريخ الإستعمار البشري يسعى المستعْمِر في البداية إلى القضاء على لغة المستعمر، فيجعل ذلك الهدف ضمن أولويات برنامجه الإستعماري تلتقي الدول الإستعمارية بالدول المركزية الغير الديمقراطية في كون كل منها يؤسس نظاما خاصا من التمثلات والأفكار "والحقائق" حول الذات وحول الآخر ويعمل من خلال هذه التمثلات على الحفاظ على بقائه كنظام لهذا يعتبر المساس بهذا النسق من الحقائق والأفكار مسا بأمن الدولة واستقرارها، وعلى أساس هذا الفهم فقد أخل بوجمعة هباز بنظام الدولة وأمنها عندما خلخل تمثلاتها حول السوق اللغوية بالمغرب وهدم نسق الأوهام والأساطير المؤسسة للتصور اللساني عند ايديولجيي الدولة المركزية والإمبراطورية الفرنسية ـ أفضل استعمال مفهوم الامبراطورية للدلالة على معنى التوسع ـ نفس الشيء قام به على صدقي أزايكو في حقل التاريخ لأنه كثيرة هي الأفكار التي رفعت إلى مستوى أوهام مؤسسة لا يجب المساس بها والتي تخدم بالفعل بنى اجتماعية وسياسية محددة. لاشك أن قارئ رسالة بوجمعة هباز في شقها النظري والتطبيقي سيلمس تقاربا والتقاء بينه وبين فلاسفة كبار أمثال نيتشه، فرويد، ماركس، وميشل فوكو. فهؤلاء جميعا يجمعون على ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر من الأفكار والعلامات والرموز فهي خبيثة وهي أدوات لحجب الحقيقة وسترها أكثر مما هي وسائل وآليات للكشف عنها والبوح بها. لهذا يتعين تأويلها قصد إزالة أقنعتها وسبر أغوارها وتبيان جانبها الباطني وجوهرها المستور. كما سيلمس القارئ كذلك نفسا انتروبولوجيا ستراوسيا فيما قام به بوجمعة من خلال دفاعه المستميت وتعاطفه القوي مع الثقافات المسماة "بدائية"، إلى جانب كل هذا بلور هباز نظرية في الإبتلاع الثقافي بالتركيز على البعد اللغوي في الثقافة وأقر بأهمية النشاط الرمزي في الإنسان لأن الرأس المال الرمزي في المجتمعات التقليدية يحل مكان الرأسمال الإقتصادي في الدول الرأسمالية. انكب بوجمعة على نقد الإيديولوجية الإمبريالية في الجانب اللساني وهي لا تعني عنده "الايديولوجية" وعيا زائفا ومشوها ومقلوبا كما تصورها التصور الماركسي التقليدي بل هي تبرير فكري علموي لعلاقات الاستغلال السائدة في المجتمع. فكيف اشتغلت الايديولوجية الاستعمارية في حقل اللغويات؟ I ـ بوجمعة هباز والإستمزاغ الغربي والعربي: 1 ـ بوجمعة هباز والإستمزاغ الغربي: انطلق بوجمعة هباز في أطروحته اللسانية من مسلمة يمكن اعتبارها الخلاصة والزبدة التي رام الوصول إليها وهي اعتقاده الراسخ في أن الوظيفة الإجتماعية للسانيات تغلب على وظيفتها المعرفية مستشهدا بما قاله "كالفي" في كتابه "اللسانيات والإستعمار" يقول: "وظيفة الإيديولجيا هي قبل كل شيء وظيفة اجتماعية وجدت للدفاع عن طبقة أو عن مجموعة معينة في حين أن العلم الخالص (إن كان له وجود) له وظيفة معرفية قبل كل شيء. أما اللسانيات في علاقتها بهذه الثنائية فهي تتموضع في وضعية خاطئة وظيفتها إجتماعية أكثر مما هي معرفية"[1] وتتأسس هذه المسلمة على قناعة مفادها أن اللغة ظاهرة إجتماعية يتداخل فيها الإجتماعي والمعرفي بل أكثر من ذلك، "إن منظومة لغوية ما (الشيء الذي يعني ليس فقط مفرداتها بل نحوها وتراكيبها) تؤثر في طريقة رؤية أهلها للعام وفي كيفية مفصلتهم له وبالتالي في طريقة تفكيرهم"[2]. الشيء الذي يجعلني أقول أن اللغة هي الدين الأول لكل إنسان، أي أنها النسق الميتافيزيقي الأول الذي يلتقي به الإنسان وهو طفل صغير. وقد أكد "جون بياجيه" أن الطفل يرى العالم الخارجي امتدادا لجسمه إلى غاية أن يتعلم اللغة فتحدث القطيعة ويبدأ الوعي بالعالم بما هو موضوع خارجي فيخضع لتقسيمات اللغة وتمفصلها. لهذا كان بوجمعة ضد التصور الإختزالي الذي يحصر اللغة في وظيفة التواصل. فاللغة فيها كثير من السياسة وكثير من الإقتصاد وكثير من الايديولوجيا. لقد حشد هباز كل طاقته المعرفية من أجل التصدي للمشروع الإستعماري الشامل في جبهة من أخطر الجبهات وهي الجبهة المعرفية وبشكل أدق في علم اللسانيات، حيث سعى هباز إلى نقد العقل العلمي الغربي عبر الكشف عما كان يضمره الواصف الإستعماري وكذا عبر فك رموز إيديولوجيته فدافع على لسانيات داخلية ينتجها باحثون أهليون مقابل لسانيات خارجية ينتجها الواصف الإستعماري. وتمكن هباز من التأكد على أن الميتا خطاب الذي يبنيه المستمزغون، سواء أكانوا غربيين أو عربا، هو ميتا خطاب سياسي، وتأكد له كذلك على أن العلم اللساني لم يحقق استقلاليته وقطعيته الابيستمولوجية عن الوظيفة الإجتماعية للواصف الذي هو ضابط في الجيش الإستعماري أو موظف إداري تابع للإقامة العامة أو مبشر للكنسية الكاثوليكية. فكانت النمذجات والتنميطات التي أسسوا لها خاطئة ومبنية على ميولات سياسية وإيديولوجية أكثر مما هي علمية، بعبارة أخرى حاول هباز الوقوف عند حدود كل من العلم والإيديولوجيا في ما أنجزه المستمزغون الأجانب من بحوث في اللسانيات، وانتهى إلى تبعية الوصف اللساني للإرادة الاستعمارية من أجل ضبط السكان وتقسيمهم إلى كنفدراليات ومداشير ومناطق جيولسانية واقتصادية، فكان الإستمزاغ، بما هو مجموع الدراسات والأبحاث التي قام بها باحثون غربيون أو عرب حول الأمازيغية كلغة وثقافة وحضارة...، مشروعا " فكريا " " علميا " يهدف إلى إعطاء شرعية علمية للإستعمار أي إعطاء شرعية للسياسة الإستعمارية في شكل يجعل العلم يوافق السياسة. يقول "بوجمعة": "يريد المستعمر أن يوهمنا أن هيمنته من محض الصدفة وأن هذه الهيمنة "طبيعية" وأنها حتمية ولا يمكن تجاوزها تاريخيا وثقافيا" [3]. وقد كان "رينان": "على علم بأن دراسة التطور اللغوي تضيء الأصول الحضارية مثلها كمثل دراسة التطور الديني"[4] . وتوجت الأبحاث اللغوية "لرينان" بما كان مرسوما لها سلفا من قبل الإمبراطورية الفرنسية حيث خلص في مقارنته للغات الهند وأوربية بالسامية إلى اعتبار الثانية مفككة العضوية وعليه فإن اللغات السامية مظهر من مظاهر التطور الذي لم يتجاوز نفسه فتناسى أن دراسة أية ظاهرة كيفما كان نوعها تقتضي النظر إليها بمعزل عن إضفاء وجهة نظر دارسها، بل يجب أن تؤخذ مجردة ولا يتحكم بمنطقها وخط سيرها سوى منطق علاقاتها الداخلية وحسب هباز فالغرب أسس لعلاقات فكرية غير متكافئة مع الشرق هذه العلاقات قائمة على التفوق وتكفر بالإختلاف وقد حاول هباز أن يعيد التوازن إلى هذه العلاقات في جانب من أخطر الجوانب المعرفية في العلوم الإنسانية وهو اللسانيات يقول "بوجمعة": "أسس الفكر الغربي لعلاقة مع الآخر بتحويله لعلاقات الإختلاف إلى علاقات التفوق... وهؤلاء المستعمرون ينتمون إلى الطبقات المسيطرة في أوربا ويجيزون لأنفسهم حق التفوق على العالم الثالث وعلى الشعوب اللامتحضرة"[5]. إعادة التوازن المختل في جانب اللسانيات هو ما يشكل عند هباز مهمة الباحث الأهلي الذي يجب عليه أن يتحمل مسؤولية وواجب إعادة التفكير في النظريات اللسانية وإزاحتها عن المركز وقلب هذه النظريات وخلفياتها الإيديولوجية، وذلك من أجل الإسهام فيما يسميه "بوجمعة" "التحرر الوطني الثقافي والإيديولوجي للجماهير" وهي مهمة بدون شك صعبة أن الباحث أحادي الجبهة في النضال وهي الجبهة الثقافية في حين: "أن النضال التحرري نضال شامل، لأن الهجوم الاستعماري هجوم شامل غير أن هذا الشمول يتضمن مستويات بنيوية مختلفة بالضرورة، النضال التحرري على جبهات مختلفة تضمها وحدة الحركة التاريخية، وجبهة الثقافة الوطنية في معركتنا التحررية الشاملة جبهة رئيسية"[6] ويكون النضال عبر هجوم معاكس يستهدف تحرير الفكر من سيطرة الإيديولوجية الإستعمارية. لا يكتفي هباز بالقول بتهافت النظرية اللغوية للمركز الأوربي على الهامش بل يتجاوز ذلك إلى التمثيل لهذا التهافت والإنزلاق عند مفكرين لغويين يمثلون في مجال اللغويات كأصنام للعبادة والتقديس فمثلا أصر الفكر اللغوي الغربي على تبني معايير ونمذجات غير علمية من مثل اتهام اللغات الغير الهند وأوربية بالضعف والقصور الماهوي كما تم حصر وظيفة هذه اللغات في الوظيفة الإجتماعية التواصلية وسحبوا عليها إمكانية أن تكون حاملة للأفكار والمعارف. والخطير في هذا الحكم هو أنه لا يكتفي بإلصاق القصور والضعف للغة بل يتعداها إلى أهل اللغة ومتكلميها "فشاطوبريان" ومعه "كوبينو": مثلا يرون أن الرطانة تتحول إلى لغة والشعوب المستعمرة المتوحشة البدائية ليست لها لغة بل لهم رطانة لأنهم لم يتقدموا برطانتهم لتصبح لغة، فالرطانة إذن حسب هذين الباحثين مرحلة ما قبل لغوية ومنه استنتجوا أن متكلمي هذه الرطانة هم في مرحلة ما قبل إنسانية. أما شليجل: فيقسم اللغات تقسيما معياريا قيميا إلى ثلاثة أنواع اللغات المعزولة واللغات الداغمة ثم اللغات الإعرابية وهي أرقى الأنواع وأكثرها تطورا وتندرج ضمنها اللغات الهندوأوربية فقط. في حين فإن باقي اللغات متأخرة ومتخلفة وبالتالي فهي مندرجة ضمن الصنفين الأولين وحسب "شليجل" فإن كل اللغات كانت عازلة ثم تطورت إلى داغمة والأكثر تطورا تحولت إلى لغات إعرابية. وما ذهب إليه خاطئ لكن "الأفكار تخدم المصالح وانتصارها لا يتوقف على صحتها بل على امتلاكها السلطة" [7] كما قال "ماركس" "بأنه من الآن فصاعدا لم تعد صحة هذا المبدأ أو ذلك مهمة، بل ما إذا كان صداه حسن أو سيئ، سار أم لا بالنسبة للبوليس" مفيد أم ضار لرأس المال"[8]. هذا فيما يخص "شليجل" و "كوبينو" و "شاطوبريان" أما "آندري باصي" الذي رأت لجنة المناقشة التي أدارها "ليونيل كالان" في الأطروحة إساءة إليه وهو من أحد كبار المستمزغين على الإطلاق. فهذا الأخير "باصي" دافع وبإستماتة على أن الأهالي لا يملكون لغات بل يملكون لهجات أو معطيات لهجية. وهذا انزلاق معرفي خطير تصدى له "بوجمعة" بزاد يجمع بين المعرفة العلمية والدراية السياسية حيث رفض اللغويون الغربيون إسناد صفة اللغة للأنساق التواصلية للشعوب المستعمرة وللغة الأمازيغية على الخصوص أمثلة: لوبنياك: دراسة حول اللهجة الأمازيغية زايان وأيت سكوكو باريس 1924، روبيز أبنيون: "لنتعلم الأمازيغية" مدخل إلى لهجات الشلوح الرباط 1983، روني باصي: دراسة حول الزناتية بوراسنيس 1895 باريس. ثم دراسة حول اللهجة الأمازيغية ل باستوا باريس 1912... وغيرها كثير من الدراسات. ودافع هباز على أن الفرق بين اللهجة واللغة فرق غير لساني أي ليس من طبيعة لسانية مستشهدا بما قاله "سوسير": في أن اللغة "في حالة إهمالها، تبقى عبارة عن لهجات كل واحدة منفصلة عن الأخرى، ومن ثمة تصبح مهددة بانقسام لا محدود"[9] فمثل هذا التمييز بين اللغة واللهجة هو تمييز غير لساني بل سياسي، اللغة: بحسب منطق هذا التحليل هي: "لهجة تتبناها أمة بأكملها... اللغة لهجة سيطرت سياسيا على اللهجات الأخرى. هذا يعني أن اللغة واللهجة لا فرق بينها من ناحية بنيتهما اللغوية الداخلية"[10] . كما استشهد "بوجمعة" بالتعريف الرصين "لجان دوبوا" عندما يقول: "اللهجة التي تستعمل عادة كمرادف للهجة الجهوية مقابل "اللغة" هي نسق من العلامات والقواعد التي تتساوى في أصلها مع أي نسق آخر يقدم على أنه لغة، لكنها لم تكتسب الوضعية الثقافية والإجتماعية التي تتوفر عليها اللغة التي تتطور اللهجة في استقلالية عنها"[11]. الفرق إذن بين اللغة واللهجة شبيه بالفرق بين الثقافة والفلكلور، فالأولى مدعمة سياسيا عكس الثاني فهو مهمش. وقد اعترف باصي بمحدودية عمله لكن ذلك لم يمنعه من إصدار أحكام قيمة عنصرية واستعمارية على الأمازيغية حيث قال معترفا بهذا القصور: "ومعلوماتنا في الحقيقة تعتبر بشكل غير متكافئ غير متكاملة بل أحيانا كثيرة تنحصر في بعض الكلمات. كما أن البحوث الميدانية تتباين في قيمتها" [12]. كثيرة هي المنزلقات والسقطات التي وقع ضحيتها البحث اللغوي الأوربي حيث كانت اللسانيات موجهة من قبل مواقع اجتماعية ولم تتحكم في سيرورة تطورها أسباب معرفية محضة، والأمر يتعلق بلسانيات إمبريالية وطبقية لأن "الإنتاج الفكري شأنه شأن الإنتاج المادي من فعل الطبقة المسيطرة"[13]. أي الإيديولوجية وهذه الأخيرة تجسدت بشكل جلي في العصور الحديثة بما هي سلاح نظري للطبقات وفي ذلك تكمن وظيفتها الإجتماعية. 2 ـ بوجمعة هباز والإستمزاغ العربي: لقد كانت الجامعة وقت النبوغ الفكري لبوجمعة هباز مسخرة لخدمة الدولة البورجوازية على مستويين إثنين الأول: هو إنتاج ثقافة غير وطنية تخدم مصالح الدولة، والثاني كان ينظر فيها إلى الجامعة بما هي مركز لإنتاج موظفين للدولة سواء في التعليم أو في الدوائر الحكومية الأخرى الأمر الذي رفضه بوجمعة هباز حيث رفض أن يتحول إلى آلة لإنتاج الفكر الإستيلابي فأنتج بدله ثقافة وطنية داخل جامعة غير وطنية كلفت بإنتاج الثقافة الرسمية، كما رفض كذلك أن يتحول إلى رقم تأجير تافه أو إلى رصيد بنكي يزداد ارتفاعا وتضخما كلما ساهم في نشر ثقافة الخضوع والإستسلام والهزيمة. لقد توج المسار المعرفي التعليمي لبوجمعة باكتشاف أحابيل وسموم الإيديولوجية المهيمنة متجَسِّدة في العلم، فأدرك : "أن طابع المعرفة الجامعية ليس علميا بل ايديولوجيا ويشتد ضغط الايديولوجيا البورجوازية الإستعمارية على الفكر الجامعي خاصة في فروع الآداب والعلوم الإنسانية، وتخف وطأته نسبيا في كلية العلوم." [14] وأكد "لوكاتش" على أن الإيديولوجيا ذات محتوى مشوه والتشويه يشمل العلوم الإجتماعية ولا تسلم منه حتى العلوم الطبيعية بمعنى أن الإيديولوجيا تقف حاجزا أو عائقا أمام التحقق الحقيقي للعلمية وإذا كانت العلوم الطبيعية قد تمكنت من تجاوز هذا العائق فإن العلوم الإنسانية: "نظرا لكون موضوع الدراسة فيها والدارس واحد هو الإنسان، فإنها لم تتجاوز هذا العائق المعرفي"[15]. ولم تحقق بعد قطعيتها الابيستمولوجية. بعد أن أبان بوجمعة بشكل واضح على النوايا المبيتة للبحث اللغوي الأوربي وهدم نسق القيم التي بنيت على هذه البحوث الضالة عن الحقيقة والموضوعية، حيث رأت في الأوربي كل قيم النبل والكمال وكل القيم الإيجابية بينما رأت في الآخر المخالف الضعف والتشتت والتوحش وغيرها من القيم السلبية، وتمكن هباز من رد أباطيل وأكاذيب المستمزغين. انتقل هباز إلى الوضع اللغوي المغاربي والمغربي خصوصا وسجل حوله ملاحظات دقيقة حيث لاحظ المفارقة الكبيرة بين السوق اللغوية المغربية كما هي متجسدة في الواقع وبين التراتبية السياسية لهذا الواقع ورأى أن العربية الكلاسيكية والحديثة والوسيطة وكذا الدارجة مدعمة بسلطة رمزية من قبل الدولة بينما تنعث باقي الأنساق اللغوية، أي الأمازيغية، بأنها بدائية بل تتعرض للعنة الإيديولوجيين المشهورين، واتضح لهباز أن الأمازيغية توجد في وضع دوني بل أكثر من ذلك تتعرض لمسلسل الإستيعاب والابتلاع اللغوي la glottophagie ، وعوض أن يتحقق التعايش العربي/الأمازيغي فإن هذا المسلسل حسب هباز أدى في الحقيقة إلى ذوبان مكون حاسم من مكونات الهوية الوطنية والتراث الشعبي يقول "علال الفاسي: "إذا كان لي ما ألخص به نجاح حركة التعريب طيلة ربع القرن الأخير من حياة المغرب المعاصر، فبهذه الكلمة القصيرة: إن ما حققته المملكة المغربية بعد عودة محمد الخامس من منفاه، يفوق ما حققه المغرب عبر أحقابه التاريخية الطويلة منذ أن فتحها عقبة بن نافع" [16]. إنها مواقف صريحة تعلن وباستخفاف قل نظيره، عن عدائها للوجود الأمازيغي في عقر داره وينحو الجابري نفس المنحى قائلا: "إن عملية التعريب الشاملة، يجب أن تستهدف ليس فقط تصفية اللغة الفرنسية كلغة حضارة وثقافة وتخاطب وتعامل بل أيضا ـ وهذا من الأهمية بمكان ـ العمل على إماتة اللهجات المحلية البربرية"[17]. لقد سعت الدولة إلى حشد الأتباع والأنصار بالدعوة إلى الأسطورة وقامت بتجاهل الواقع لكن الحركة الأمازيغية قلب لهذه الدعوة أي هي دعوة إلى صرف النظر عن الأسطورة والتوجه إلى الواقع وقد تأكد عبر مر التاريخ أن الأسطورة لا تعيش مطولا إلا في أدهان خالقيها. وإذا كان الإستمزاغ الأوربي قد استهدف ابتلاع الأمازيغية والعربية على السواء فإنه مع الإستقلال الشكلي للمغرب ستكون الأمازيغية عرضة للإبتلاع من قبل العربية عبر ما سمي بمشروع التعريب ولن ينجح المخزن في سياسة التعريب إلا إذا حطم ودمر الأسس المادية للأمازيغية أي إلا عبر خطة مدروسة تمثلت أهم خطواتها فيما يلي: 1 ـ كرس تشكل الأمة على أساس مركزية اللغة العربية كلغة رسمية وهي نفسها معرضة لمنافسة شديدة من قبل اللغة الفرنسية على مستوى التعليم والإدارة والإعلام، دونية اللغة الأمازيغية. 2 ـ تأثير مختلف الأجهزة الإيديولوجية العمومية والخاصة معا الذي الأمازيغية في وضعية دونية. حيث تروم الدولة من خلال أجهزتها التي وضح فيها كثيرا كل من "كارل مانهايم" و "التوسير"، دولنة المجتمع كما يقول "كرامشي" أو ما يسميه "بورديو" بالإخضاع الإيديولوجي: 3 ـ تدمير الإقتصاد التقليدي بشكل مخطط له أدى إلى الهجرة القروية وإلى الهجرة المؤقتة والنهائية لفئات واسعة من الفلاحين الأمازيغ. 4 ـ الشفوية واللهجنة اللتان تطبعان الأمازيغية جعلتا منها لغة محصورة محليا وقد حاولت الإيديولجية العروبية دائما الإبقاء على اللغة الأمازيغية شفوية وهي التي كانت وراء اختيار كتابتها بحرف "تيفيناغ" قصد تعقيد عملية نهوضها كلغة تداولية على المستوى الوطني والمغاربي وكذا الدولي: فاختيار "تيفناغ" عودة بالأمازيغية إلى القرن 12 قبل الميلاد. بعد استجماع بوجمعة لهذه المعطيات رأى في تعليم الأمازيغية في البلدان المعنية حلا يشكل بكل تأكيد عنصرا حاسما في الإدماج الثقافي والإجتماعي لفئات واسعة استمر تهميشها إلى الآن. فأين وصل "ورش" تعليم الأمازيغية في المدرسة العمومية؟؟؟؟ II ـ دلالات المشروع اللغوي عند بوجمعة هباز: بعد قراءاتي المتكررة لكتاب الصحافي سعيد باجي عن بوجمعة هباز وكمهتم باللغة والآداب خرجت بمجموعة من التخريجات سميتها دلالات وأهمها: 1 ـ الدلالة الشمولية: حيث تبين لي أن بوجمعة تجاوز البحث اللساني الفج إلى طرح قضايا أنتربولوجية عند حديثه مثلا عن ثقافات الشفوية وثقافات الكتابة، ودافع على حق الأولي في الوجود كثقافة وكذا على أحقيتها في الإستفراد بمعاييرها الخاصة بعيدا عن أنماط العنف الذي تمارسه عليها ثقافات الكتابة وكذا ضرورة الكف عن النظر إليها كثقافات بدائية متوحشة يتعين عليها الإلتحاق والتماهي مع ثقافات الكتابة. يقول بوجمعة: "إن انتزاع الحق في الاختلاف معناه الطموح إلى التحرر، أما التماهي فهو فرض قيم لا يعرفها المستعمر وهو كذلك رغبة في استغلال الإنسان للإنسان إن الحضارات غير المكتوبة ليست دونية مقارنة مع الحضارات المكتوبة، إن غياب الكتابة لا يعني أبدا عدم الوجود المادي للحضارة"[18] حيث تتكلف الذاكرة بحفظ الحضارة فيها. كما أنه لم يناقش ظاهرة الإبتلاع بما هو سيطرة لغة على لغة أخرى في هذا الجانب الأحادي الجزئي. إن الإبتلاع عند بوجمعة ابتلاع ثقافي، حضاري يلم أجزاء الثقافة بمعناه الاجتماعي الأنتربولوجي العام وكل مظاهرها لهذا حرص بوجمعة عند حديثه عن الإبتلاع على أن يثبت وراء مفهوم الإبتلاع مفهوم البنية الفوقية التي تعني الكل الثقافي وليس اللغة فقط. وليست الأنتربولوجية العلم الوحيد الذي يظهر في أطروحة بوجمعة بل تظهر معه علوم أخرى كالإبستمولوجيا من خلال كون هدف البحث الأسمى هو الوقوف عند نهاية العلم وبداية الايديولوجية في اللسانيات. نلمس كذلك شمولية البحث اللساني عند بوجمعة في كونه أسس نظرية في الابتلاع فالرجل لم يتحدث عن الإبتلاع في مكان محدد بل ناقش المفهوم في عمومية فأوضح أن الإبتلاع يقع داخل المركز نفسه والمركز في علاقته بالهامش كما يقع كذلك داخل الهامش نفسه، أكثر من ذلك يمثل بوجمعة بنماذج في العالم من خلال حضور (الصين، والفيتنان، السودان...) فالرجل على اطلاع كبير بالنزعات اللغوية ذات الإرتباط الإجتماعي الطبقي. 2 ـ الدلالة العلمية: ليس بوجمعة من الذين يخوضون في كل مجالات المعرفة من غير علم ودراية فقد شهد للرجل بأنه كان قليل الكلام وإذا تكلم قال ما ينم على أن الرجل متمكن من مجال اشتغاله، ليس بوجمعة من اللذين يخوضون في اللغة بالميتنافيزيقا فهو رجل تحصلت لديه معرفة بتطور علم اللسانيات في شقها النظري والتطبيقي كما يبين ذلك عمله. كما أن بوجمعة استرشد في بحثه بالمنهج الجدلي. ليس هباز من أولئك الذين يرددون مقولات ماركسية مبتورة من سياقها التاريخي، فقد فهم الماركسية فهما حديثا متشابها لفهم عبد الله العروي الذي قال عنها بأنها "علم العلوم أو مجموع شروط العلمية". لقد فهم من الماركسية ما فهمته جوليا كريستيف من أنها علم الايديولوجيات. 3 ـ الدلالة الوطنية: إذا كان أغلب الباحثين في مقاربتهم للوضع اللغوي المغربي قد سلكوا مذهب الإرث الإستعماري الأوربي والعربي فإن هباز شذ عن هذا الطريق وأسس للبحث اللساني الوطني أي البحث الذي ينطلق من صميم الواقع اللغوي الحي للناس ويهدف إلى تخليص البحث اللغوي من إملاءات واسقاطات الاستعمار القديم والجديد. حيث يرى بوجمعة أن لكل مجتمع لسانياته ومن حق الشعوب المستعمرة أن تكف عن أن تكون موضوعا للواصف الإستعماري وتنتج لسانيات خاصة بها وتلك هي مهمة الباحث الأهلي (المنتمي إلى دولة مستعمرة بفتح العين). 4 ـ الدلالة التاريخانية: اهتم بوجمعة بالتاريخ، ولعل ذلك يكون تأثرا بما قاله ماركس "لا علم إلا التاريخ" اهتماما خاصا حيث نلاحظ امتلاء أطروحته بالسنوات وغيرها من الإشارات الدالة على الزمن والتاريخ (التعاقب، التزامن، القرن 18، القرن19، مرحلة الاستعمار النشيط، مرحلة ما قبل الاستعمار...) وقد كان التاريخ والإهتمام بالتاريخ من سمات البحث العلمي، وهو ما سعت البنيوية التي يتحفظ منها بوجمعة إلى قتله وتجاوزه عبر الحديث عن البنية والتزامن، والعلاقات الداخلية... إلى غير ذلك مما يؤثث المنهج البنيوي من ميكانيزمات التحليل. وخلاصة الأمر فقد كان بوجمعة هباز يريد أن يغير الواقع وكان سبيله إلى هذا التغيير سبيل المفكرين الكبار وليس سبيل الإنتهازي والسياسي الديماغوجي، لأن من بين الفروق الموجودة بين رجل السياسة ورجل الفكر والثقافة أن الأول (رجل السياسة) ينشغل بالقضايا الجزئية المرتبطة بالحاضر بينما ينصرف اهتمام المثقف والمفكر إلى القضايا الكبرى ومسؤوليته إزاء المجتمع أكبر بكثير من مسؤولية الأول. ناهيك عن كون المثقف لا يتساهل في التحليل عكس السياسي الذي يكون تفكيره حول مجتمعه مرحليا ومرتبطا بمصلحة ما. أخيرا إن ما نقوم به اليوم من إعادة إحياء التراث اللغوي لبوجمعة هباز وغيره من الباحثين الوطنيين، قام به كذلك المستمزغون الجدد لأعمال الاستمزاغ القديم حيث عادوا إليها فأمعنوا النظر فيها والدراسة وعمقوا بصددها البحوث لأن السياسة الأوربية الآن ما زالت تشتغل على مادة الإستمزاغ القديم والحديث. لحسن زروال http://www.amazighworld.org/arabic/human_rights/index_show.php?id=990 [1] - مقتطف بدون عنوان، سعيد باجي منشورات إيدجل طبعة 1 ص 90. [2] - آدم شاف نقلا عن الجابري، خصوصية العلاقة بين الفكر واللغة في الثقافة العربية مجلة دراسات عربية العدد 6 السنة 18 أبريل 1982 ص 21. [3] - سعيد باجي نفسه ص 113. [4] - محمود شريح، الحركة الاستشراقية، مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 8 حزيران 1980، ص 73. [5] - سعيد باجي نفسه ص 96. [6] - السياسة التعليمية في لبنان مهدي عامل دار الفارابي بيروت لبنان الطبعة 1، 1991، ص 26. [7] - مفهوم الايديولوجيا عبد الله العروي. المركز الثقافي العربي الطبعة 4، 1982، ص 21. [8] - رأس المال، كارل ماركس، الجزء I دار التقدم موسكو 1975 ص 20-30. [9] - سعيد باجي، نفسه ص 108. [10] - سعيد باجي، نفسه، ص 108. [11] - نفسه، ص 109. [12] - نفسه، ص 107. [13] - التربية والايديولوجية، شبل بدران منشورات ج.ج. تانسيفت البيضاء ص 11. [14] - مهدي عامل، نفسه ص 37. [15] - التراث والهوية، عبد السلام بنعبد العاليـ، دار توبقال للنشر الطبعة 1 سلسلة المعرفة الفلسفية ص 67. [16] - أرضية الخيار الأمازيغي ص 5. [17] - نفسه؟، ص 4-5. [18] - باجي سعيد، المرجع نفسه، ص 123.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق