الأربعاء، 4 مايو، 2011

تحليل اللغة بين النموذجين: الدلالي الوصفي والاستعمالي

تحليل اللغة بين النموذجين: الدلالي الوصفي والاستعمالي - كتبهـا : الحسين اخدوش ------------------------------------------------------------------------------------------- منذ أن فرق دي سوسير بين اللغة و الكلام ككيانين بدأ الحديث عن مبدأ نسقية اللغة ينتشر بين الدراسات اللغوية واللسانيات حتى انه بات من الشائع لدى جل هذه الدراسات أن تفرق بين اللغة كنظام من العلامات التي يرثها الفرد عن بقية أفراد مجتمعه اللغوي وبين الكلام كأقوال منطوقة بها[1]. ولما تحددت اللغة مع دي سوسير على أنها الجانب الاجتماعي من الكلام وان الكلام هو ما يمثل الجانب الفردي مما يقال على الألفاظ اللغوية[2] بدأ علم اللغة يحدد معالم موضوعه الذي يدرسه على نوعين: العلامات والشرائح الصوتية؛ ثم بدأ النظر إلى الكلام من خلال ثلاث علوم: علم الصوت و علم الفونمكس و علم الصوت التاريخي ، و كلها تصب في ما حدده دي سوسير على انه العلامات، وهي المادة الأولية للدارسات اللغوية ؛ فالكلمات والجمل كلها علامات ودوال مرتبط بالمدلولات3 . وتحددت وظيفة اللغة الأساسية على ضوء هذا النموذج في نقل المعلومة 4. ثم أصبح مفهوم التواصل يفهم على انه نقل للمعلومات إلى الملتقي، وأصبح الإخبار وظيفة الفعل اللغوي الأساسية واللغة مجرد شفرة و نسق من الرموز اللغوية. وقد اختصت بهذه النظرة إلى اللغة مجموعة من النظريات الدلالية خاصة الوصفية منها والبنائية5. غير أن هذا التصور سيتعرض إلى انتقادات كثيرة من طرف رواد التداوليات التي تختص بوصف العلاقات التي تجمع بين الدوال الطبيعية و مدلولاتها وبين الدالين بها؛ ذلك أن وظائف اللغة حسب هذا الاتجاه تتجاوز نقل الخبر، فلم تعد تقتصر على التواصل المجرد بل تعدت ذلك إلى مستوى قصدية التواصل.6 ولعل ما تمتاز به نظرية قصدية التواصل هذه كونها تأخد بعين الاعتبار الكلام في أغراضه و مقاصده و قواعده في إطار تصور دلالي يتسع لمختلف أبعاد السلوك اللغوي7 . وفي إطار ذلك سجل رواد اللغة الطبيعية أن العبارات اللغوية الطبيعية المستعملة في الخطاب الفلسفي تلعب دورا كبيرا في أداء المعنى الفلسفي. و قد أجابت هذه الدعوى عن إحدى المقارنات التي أقامها دو سوسير حول حقيقة الكلمة و ضروب استعمالها النحوي . وكشف الاستعمال اللغوي للكلمات عن منشأين أو مبدأين يعود إليهما السبب في التمييز بين نوعين من التحليل للعبارات: التحليل غير التداولي والتحليل التداولي8. 1 - التحليل اللساني غير التداولي : يعتبر دو سوسير في هذا الإطار أن استبدال عدد قطع الخشب على سبيل المثال بعدد مماثل من قطع العاج ، لا يصبح تغييرا بالنسبة للنسق اللغوي .غير أن حصول نقص في عدد القطع الأولى مقارنة بعدد النوع الثاني المعبر عنه، يحدث خلال نحويا في نسق اللغة. وهذا ضرب من ضروب العيوب التي تطال نسقية اللغة. 2 - التحليل اللساني التداولي : و من خلاله يعتبر "فيتغنشتاين" أن مفهوم اللغة لا يمكن اعتباره محددا بمحدودية اللسان . فرغم ما يطال نسقية اللغة التركيبي من عيوب وأخطاء ، فقد تتبع قواعد دلالية أخرى في الاستعمال العادي للغة غير تلك التي تطالها الأخطاء النحوية المعروفة9. يرتبط الحكم الدلالي إذن من خلال التحليل غير التداولي بالتصور التمثيلي للغة الذي يقضي بان الكلمات لا تمتلك معناها إلا من خلال ارتباطها بنسق اللغة ككل . ولهذا اعتبر" دوسوسير" انه لا مكانة للمعطيات الطبيعية في اللسانيات العامة 10. ففي نسق اللغة تأخذ العبارات اللغوية معناها او تفقده في إطار تغيرها العام11 . غير أن التحليل الدلالي الذي يتوسل به رواد النزعة الطبيعية في فلسفة اللغة "فيتغنشتاين" و "اوستين" و "ج رايل" يكشف اللثام عن مجموعة من الخلاصات التي أصبحت منطلقا لمناصري التصور الذي يزعم أن لغة الفلسفة لغة طبيعية ك "ستراوسن" و "طه عبد الرحمان" وغيرهم، وهي12 : 1/لا يوجد هناك أي نوع او مستوى للجمل التي يمكن أن نقول عنها: ‌أ. غير قابلة للتصحيح . ‌ب. تشكل قاعدة لجمل أخرى. ‌ج. يجب أن تكون موضع برهان حتى يصح القول بأنها قابلة للتعديل . 2/ليس صحيحا القول بان الجمل لا تقال على الموضوعات التجريبية إلا وفقا للشروط التالية: ‌أ. قابليتها للإثبات او التكذيب امتثالا لشروط الصدق الصورية. ‌ب. قابليتها للتعديل والتصحيح . ‌ج. يجب أن تكون موضع برهان حتى يصح القول بأنها قابلة للتعديل. و يشكل هذا الرفض لمبدأ برهانية الجمل و الصيغ اللغوية ردا مباشرا على دعوى رواد النزعة الوضعية الداعية إلى جعل لغة الفلسفة هي لغة العلم والبرهان باعتبارها اللغة الوحيدة الجديرة بان تكون لغة القول الفلسفية. وينطلق هاؤلا ء من مسلمات النموذج الدلالي الوصفي للغة ليجعلوا منه الخلفية الفلسفية والمنطقية لتبرير قولهم ببرهانية اللغة الفلسفية وهي : مسلمات النموذج الدلالي الوصفي: 1/مسلمة تعارض المعطيات المادية مع المعطيات الشعورية. ومقتضاها أن هناك تعارضا بين الصيغ المعبر بها عن الموضوعات المادية مع تلك العبر بها عن الإحساسات الشعورية13. 2/مسلمة الالتباس.14و مقتضاها أن الالتباس يطال التلفظات المعبر بواسطتها عن الشعور. ولذلك لا يمكن أن تفي بالشروط التي تفي بها التلفظات المعبر بها عن الموضوعات المادية والتجريبية . 3/مسلمة حجة الوصف15 : ومقتضاها أن وصف الموضوعات المادية ، و من ثم التعبير عنها لا يتشارك مع كيفية التعبير، وان أمكن وصف الشعور الداخلي . وأن الوصف الذي تختص به العبارات الخبرية اقدر على تمثل المعطيات الشعورية. ويعتبر "A. J. AYER " المنطقي الانجليزي احد رواد هذه الدعوى في كتابه " TRUTH AND LOGIC" حيت قام بالتمييز بين المحمولات المنطقية التجريبية كالقضية التجريبية ( "قام زيد"-"يتمدد الحديد بالحرارة") و المحمولات الشعورية والأخلاقية مثل ("ما أجمل هده الوردة"-يستحسن فعل كذا"..) . فإذا كانت المحمولات التجريبية قابلة للمعالجة الماصدقية الصارمة (كذب/صدق)فان محمولات القضايا الأخلاقية والجمالية غير قابلة للمعالجة المنطقية الصارمة وذلك لان المحمولات الوجدانية و الأخلاقية ليست نهائية و لا تصلح لتحديد او تعريف باقي المحمولات الأخرى . لهذا عمل هذا الأخير على وضع حدود لمظاهر الموضوعية التي قد تتبدى في مثيلاتها، و من ثم لا يعتبر المحمول الأخلاقي ولا الجمالي حكما موضوعيا ولا حتى اختيارا موضوعيا، لأنه يدخل في باب الأحكام القيمية. ولذلك تجاهلAYER العلاقة الرابطة بين الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي 16. فقولنا مثلا : " من الأحسن أن يستحم المرء قبل أن ينام " يفيد دلاليا أسلوب الاستحسان والتفضيل، إلا انه لا يحيل على أية وظيفة منطقية غير تلك التي نجدها في بعض الأساليب الإنشائية الأخرى مثل: الأمر و الرجاء و النداء...ففي أسلوب الأمر نجد صيغة: "استحم قبل أن تنام" تفيد القيام بفعل الاستحمام قبل النوم. ويرى "AYER " أن مثل هذه الجمل لا تستوفي شرط الموضوعية لتكون جديرة بالتعرف ، وذلك لأننا لا نجزم بصحتها أو كذبها . ومن ثم فان الاستعمال اللغوي لمثل هذه الصيغ لا يفيد في شيء معرفتنا ، بقدر ما يفيد إصدار الحكم القيمي . فليس للمرء أن يعتقد أن صيغة أو عبارة لغوية كتلك قد تكون متسقة منطقيا .ولهذا عمد إلى تصنيف قضايا وصيغ اللغة الشعورية و الأخلاقية إلى أربعة أصناف لا يحقق أي منها الاتساق المنطقي17: ü ـالقضايا التي تحدد المصطلحات الأخلاقية و الجمالية. ü ـالقضايا التي تعبر عن التجربة الأخلاقية أو الجمالية . ü ـالقضايا التي تحض أو تشجع على الفضيلة الخلقية. ü ـالقضايا التي تعبر عن الأحكام الأخلاقية :كالوجوب ،الاستحسان... أما الصنف الأول فيختص به الفكر الأخلاقي ، بينما تختص بالصنف الثاني علوم النفس.أما الصنف الثالث و الرابع فيندرجان ضمن العبارات الأخلاقية التي تخص كيفيات تربية الذات وتعويدها على الأخلاق الحسنة. وقد كشف "AYER" النقاب عن عجز العبارات و الصيغ اللغوية الطبيعية (الأخلاقية /الجمالية) عن تأسيس علاقات منطقية يتم من خلالها الحكم على قضاياها بالصحة أو الكذب، كتلك التي تنطبق القضايا التجريبية التي يمكن التحقق منها . ولئن كان هذا التصور ناجحا بالنسبة للغة العلمية الدقيقة(الفيزياء و الرياضيات )،فإنه لن يكون كذلك ناجعا بالنسبة للغة الفلسفية حتى و إن كانت الدعوى التي أطلقها "كارناب" تستهدف تأسيس برنامجا لذلك. إن اللغة الفلسفية أساسا لغة طبيعية تداولية ،فلا فلسفة بدون تواصل، ولا تواصل فلسفي بدون لغة طبيعية. ولهذا يمكن أن نورد جملة من الاعتراضات على النموذج الدلالي الوصفي ، تمثل كل واحدة منها نقضا لمسلمة من مسلماتها. نقض مسلمات النموذج الدلالي الوصفي: 1) بطلان مسلمة تعارض المعطيات المادية مع المعطيات الشعورية. لما كان لمفهوم "الادراك الحسي" دورا كبيرا في إطار نظرية المعرفة الحسية أخد نظار اللغة الصورية يصورون اللغة على أنها مطابقة للواقع الخارجي . ذلك أنها تصوير للمعطيات المادية ،وقد كان وراء هذا التصور كل من : "راسل" و "كارناب" و "اير" ... غير أن وقوف "اوستين" عند مفهوم الإدراك الشعوري باعتباره مفهوما أساسيا في تمثل اللغة للواقع و موضوعاته . كشف عن مجموعة من الخلاصات كلها تبطل مسلمة تعارض المعطيات الشعورية مع المعطيات المادية، وهي18 : v ـ ليس إدراك الواقع الموضوعي إدراكا مباشرا، وذلك لأن فعل "الإدراك" إنما يتم على مستوى الشعور بطريقة حسية. v ـ إن الموضوعات المادية تتشارك في كيفية التعبير عنها مع المعطيات الحسية وذلك لأنهما يتمان على مستوى الشعور الوجداني. v ـ ليس هناك مجموعة نهائية ومحددة من التلفظات التي يتلفظ بها بشكل شعوري ولا تتشارك مع كيفية تلفظ الموضوعات المادية . وجدير بالذكر أن "اوستين" عمد إلى التمييز منهجيا بين فعل الإحساس ،وهو شعورنا بالأشياء والموضوعات المادية،وبين المعطيات الشعورية باعتبارها محتوى فعل الإحساس19. 2) بطلان مسلمة الالتباس: لئن كانت المعطيات الشعورية مرتبطة أساسا بالإدراك الوجداني للواقع، وهي منفتحة على قرارات الوجدان وكل ما ينطبع فيهما من الخارج جراء اثر الحواس؛ فإنه على عكس ما قد يعتقد وراء مسلمة الالتباس الذي يطال التعبير الوجدانية، يرى "اوستين" أن ألإدراك غير المباشر الناجم عن المعطيات الشعورية له دور كبير في تشكيل المعنى أثناء تمثل الشعور للواقع عن طريق اللغة الطبيعية20. ولفهم واستيعاب طريقة الإدراك المباشر التي اختصت بها المعطيات المادية ،وجب تعرف كل الإمكانات المتنوعة للمعرفة غير المباشرة التي يختص بها الشعور الداخلي المعبر عنه في الألفاظ والصيغ اللغوية العادية.21 فليس ضروريا أن تكون اللغة الطبيعية خاضعة لدقة وصرامة الحكم المنطقي. بل على العكس من ذلك تفتح المجال واسعا أمام كل الإمكانات اللغوية والأسلوبية :البلاغية والشعرية والإشارية؛ وليس القول الفلسفي سوى طبقات من هذه الإشارات .فكيف يمكن رده إلى لغة صارمة لا مكان فيها للكثرة الأسلوبية ومن ثم الغنى الإشاري للقول والمفهوم الفلسفيين.فالعبارة التالية مثلا :" نعيب زماننا والعيب فينا " تفيد عدم الرضا عما صارت إليه أحوالنا، ومن ثم تحيل على الواقع بطريقة شعرية إشارية. 3) بطلان مسلمة حجة الوصف: يرى رواد النزعة الطبيعية أن العبارة: "إنها زرقاء زرقة بيضة الكناري" ليست متسقة كلية وإن ظهر لمناصري النموذج الدلالي الوصفي أنها كذلك . فلا يمكن تحديد درجة زرقة هذا الشيء الموصوف بزرقة بيضة الكناري، لأن الوصف في مثل هذه العبارات ليس دقيقا؛ وذلك لانعدام شرط التطابق التام مع الشيء الموصوف بواسطته22. و قد يتم وصف سطح منزل؛ فينعت بعدة أوصاف تخص شكله ومستوى ارتفاعه ومواد بنائه، إلا أن الوصف يبقى غير تاما نظرا لاختلاف اضرب استعمال لفظة "سطح". وهذا ما يجعلنا نشك في كفاية حجة الوصف؛ ذلك أن الإمكانات المتعددة لعملية الوصف نفسها قد توقعنا في الالتباس ولهذا فالوصف الذي يلصق به الوضعيون الدور في العبرات الخبرية يمكن الشك بصدده من عدة وجوه23: ü إنه تقريبي فقط. ü إنه قد يكون زائفا. ü وقد يكون غامضا بحيث لا يحدد أي وجها للشيء الموصوف. ü وقد يكون فضفاضا وعاما. ü وقد يكون ناقصا ومبتورا من عدة وجوه. يتضح من خلال هذه النسبية بطلان حجة الوصف ، ومن ثم كل الدعاوي القائمة على هذه المسلمة خصوصا تلك التي أشهرها الوضعيون في وجه الفلسفة. وببطلان هذه المسلمات نخلص إلى مايلي: أ/ لا يمكن لأي كلمة أو عبارة أو جملة أن تكون برهانية في جميع السياقات و المقامات. ب/ لا يصح دائما اعتبار اللغة الفلسفية لغة برهانية . لأن دقة عباراتها وصيغها ليس مرتبط فقط بالشروط الصورية للحكم المنطقي؛ بل أيضا باستخدامنا لها حسب السياق والمقام. وعليه نخلص إلى القول بأن اللغة الطبيعية لا تطالها مسلمات النموذج الدلالي الوصفي؛ وذلك لأنها ليست لغة العلم الدقيقة . بل هي مجرد لغة تواصل تصلح لأن تكون لغة الفلسفة مادامت تخاطب مخاطبا كونيا . خــاتمة: بسقوط الدعاوي المنطقية للنموذج الدلالي الوصفي ، نستطيع القول بأن تحليل اللغة لا ينحصر فقط في مقتضيات هذا النموذج، بل يتعداه إلى كيفية توظيفها ومقتضيات استعمالها. المراجع : 1. أنظر : F de saussure : cours de linguistique générale .P :118 2. علم اللغة الحديث : ترجمة يوئيل يوسف عزيز في الموسوعة الصغيرة -242.ص:68 3. المرجع نفسه، ص:13 4. اللسان والميزان: طه عبد الرحمان، ص:257 5. سلطة الكلام والكلمات: أبوبكر العزاوي ،أنظر مجلة المناهل العدد :62-63،ص:133 6. اللسان والميزان: طه عبد الرحمان،ص:259 7. المرجع نفسه، ص: 259 8. أنظر: R.ELEURD : la pragmatique linguistique ,p :15 9. المرجع نفسه ،ص: 16 10. أنظر: F. DE SAUSSURE :cours de linguistique générale.P :116 11. المرجع نفسه،ص: 116 12. أنظر : J.L.AUSTIN :le langage de la pércetion. P :148 13. المرجع نفسه، ص :150 14. المرجع نفسه،ص:149 15. المرجع نفسه،ص:150 16. أنظر :FRANCIS JACQUES : l’analyse des énoncées moureaux avant austin in P.AMSELEK :théorie des actes de langage.puf/198g.p62 17. المرجع نفسه،ص:64 18. أنظر :AUSTIN : le langage de la pércétion :p27-30 19. المرجع نفسه،ص:30 20. المرجع نفسه،ص:85 21. المرجع نفسه، ص:85 22. المرجع نفسه،ص:149 23. المرجع نفسه،ص:150 ----------------------------------------------------------------------------------- http://www.elaphblog.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق