الاثنين، 16 مايو، 2011

الأفق التداولي: نظرية المعنى والسياق

الأفق التداولي: نظرية المعنى والسياق
تأليف: الدكتور إدريس مقبول عرض: عبد الأمير خليل مراد ------------------------------------------------------------------------------------ تأتي التداولية كمنهج نقدي جديد يتناول النصوص الإبداعية، بوصفها حقيقة متعددة الوجوه، ولها آفاق زمانية ومكانية تعبر عن الخطاب بين المتكلم والمخاطب، أو ما يكشف عن سؤال المرئي في التواصل داخل نصوص اللغة والأدب، كما تجتهد التداولية في رسم دائرة الدلالة، وتأكيد الممارسة التراثية في مجال اللسان والنص، والتعبير عن انفتاح القارئ والمتلقي والمؤول والحامل على النص المكتوب. وفي كتابه (الأفق التداولي: نظرية المعنى والسياق في الممارسة التراثية العربية ) يدرس الدكتور إدريس مقبول في المبحث الأول (آلية التأويل عند الطاهر بن عاشور) حيث يشير إلى ندرة الدراسات التداولية في الثقافة العربية، مبينا أنواع هذه التداوليات، تداولية تلفظية، تداولية تخاطبية، تداولية تحاورية، كما يكشف عن عناصر التحليل التداولي الذي يعنى بتقليب أساليب الخطاب وصلتها بمقاصد الخطاب والمتخاطبين، ثم يقف عند مستويات الدلالة وأطراف التخاطب عند الشيخ ابن عاشور، وأهميتها في دلالة التمثيل والإيجاز والتلميح والمبالغة والاستطراد، فالبنى الاضمارية تولي عناية كبيرة بالمتكلم والمخاطب، انطلاقا من الاعتقاد بان الخطاب يتوجه ( من والى )، كما يقارن الباحث بين ابن عاشور والتداوليين المعاصرين وكيفية اهتمام بعضهم بالعلاقة بين الأشكال النحوية والأشكال المنطقية ودورها في تعدد المعنى. ويوضح الباحث مفهوم التناسب بين الدلالة والتداول، إذ يبين إن التناسب – تداوليا – هو طلب الانسجام من خلال النظر في النصوص، ولا ينبغي وقوع التعارض بينها، بل إن الأصل أن يفسر بعضها بعضا. وان أهل العربية يشترطون القصد في الدلالة، وان الغاية من عملية التأويل هي إدراك القصد الحقيقي من الخطاب ، وليس الاكتفاء فقط بحل شفرته أو سننه، والتأويل يختلف عن التفسير في إصابة أعماق النص والإفصاح عن طاقاته، والمعنى موجود في طبقات الخطاب، وان ترسباته ليس سوى القصد والغرض الذي وجدت من اجله اللغات. ويرى الشيخ الطاهر بن عاشور أن معرفة المقصد هو النظر في ألفاظ القرآن الكريم لا غير، وهناك اتصال بين القصدية واللفظية، فاللفظ عمل قولي أما النية والقصد فهما عمل قلبي . كما يوضح د. إدريس مقبول ( القراءة الحاجبة والقراءة التفاعلية ) ، فالقراءة التاريخية كثيرا ما تتحول إلى حاجز أمام تجدد القراءات واستمرارها وحياتها ، حيث يقترح ابن عاشور المسالة التأويلية كبديل تداولي يعيش فيه القارئ لحظاته الخاصة مع النص. ولعل القراءتين (الحاجبة والتفاعلية) لا ترتقيان إلى مصاف القراءات التداولية لافتقادها شرط الراهنية والمباشرة. فالتداوليات التلفظية، تعني الإطار العام للقول الذي يشمل زمان الخطاب ومكانه وهوية المرسل وهوية المستقبل أو المتلقي وعلاقتهما بعضهما ببعض. وفي المبحث الثاني (السياق في تداوليات أبي إسحاق الشاطبي) يشير إلى أهمية السياق في دراسة وتحليل القول الطبيعي، ودوره في توجيه المعنى وإضاءة مجاهيل النص ورفع غموضه، حيث يستعرض وجهات النظر لدى الدلاليين في تاريخ ثقافتنا الإسلامية ممن مثلوا البنيوية المعلقة ذات المرجع الظاهري، إذ يوضح أهمية تداوليات الشاطبي وعنايته بعملية التأويل وبيان أدوات الباحث لتوقي الشرود في إصابة الدلالة والمعنى. كما عد الباحث الشاطبي مؤسسا لعلم المقاصد من خلال وعيه بقيمة المعطيات التداولية، واستعماله المنهجية الوسطية في التفسير، واعتبرها المخرج الستراتيجي لتجاوز إشكالات الإفراط والتفريط اللذين طبعا كثيرا من النتاج التراثي في مجال التأويل والتفسير. كما عنيت تداوليات الشاطبي بأوجه التسييق النصي برد النصوص بعضها على بعض واعتبار القرآن كله نصا واحدا وقطعة واحدة، وإلحاحها على المعاني التركيبية لا الافرادية، ذلك أن الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم والتمسك بالمرجع الوظيفي الذي نادى به فيز جنشتاين في مقولته الشهيرة ( لا تسألني عن المعنى واسألني عن الاستعمال) فالاستعمال هو المحدد النوعي للمعاني التركيبية. ويرى الشاطبي أن القران الكريم في المنهاج التأويلي التداولي هو كلام واحد وبنية واحدة منسجمة ومتراصة، أو وحدة بنيوية تمثل سر إعجازه، وان وحدة النص الجملية في مجال الدلالة وتكاملية الملفوظية في مجال التداولية تعبر عن النسق المنهاجي في مشروع الشاطبي المتمثل في بسط الأفق العقائدي المتناغم مع وحدة الكون في تعدده التركيبي على وحدة المصدر المكون. ويقف الباحث عند النظرة النصفية أو الجزئية والتي لا تحفل بالسياق، حيث تقتصر على الاجتزاء وعدم اكتمال المعنى، فاللوحة الزيتية مثلا تتحول إلى منظر بشع عندما نغطي نصفها أو نحجب قسما منها عن النظر. إن تأويل النصوص مرهون باكتمال سياقها اللغوي وبيان مقصدها المفضي إلى تقعيد المعنى التداولي، وهذا يأتي كما يرى الدكتور مقبول من وعي الشاطبي بقضية تدخل العناصر التداولية واستحضارها في تطويق المعنى والتقاط مقاصده. فالمنهج التاويلي يتأسس على خطوات يخرج بها المستدل – المؤول من النص إلى مقتضياته ولوازمه وإطاره الخارجي، ثم يعود إليه في حركة جدلية يكون النص فيها مركز الجذب والطرد في آن واحد. وفي المبحث الثالث ( العوتبي والدرس الدلالي ) تناول فيه البحث الدلالي عند العوتبي ومكانته العلمية والاتجاهات المهمة التي انطلق منها في دراسة النسق اللغوي، وعنايته بالصوت اللغوي وفق منهج تحليلي ووصفي يعكس اطلاعا واسعا على علمي القراءة والتجويد وأصول الصرف ، وبين القضايا الدلالية التي تعرض لها العوتبي والمتعلقة باللسان، حيث شرح فيها ا. الدلالة والمعجم. ب. الدلالة والتركيب . ج. الدلالة والاشتراك. د. الدلالة بين المجاز والحقيقة. هـ. التحليل الدلالي. وخلص الباحث إلى أن الرؤية الدلالية قائمة على تحليلات متعددة، وهي تتجسد في لغتنا بمنظور وصفي وتفسيري شمولي يعبر عن مستوياتها اللسانية التحليلية والموجودة في المفردات المعجمية وأصواتها وما تثيره قضايا الاشتراك والترادف إلى الجملة والخطاب، حيث نتلمس البعد التداولي الموسع الذي يفتش في الدلالة من ناحية السياق والاستعمال ومقاصد المتخاطبين. وفي المبحث الرابع ( تداولية الفعل الإنشائي عند ابن عربي ) يدرس المؤلف القول الإشاري وانفلات المعنى وكيفية الكشف عن أسرار التعبير الصوفي وترميزاته، مشيرا إلى معرفة لسانيات الإشراق والتوصل إلى مبادئ هذا القول عن طريق استبطان اللغة الصوفية والتي أجملها الفيلسوف طه عبد الرحمن في ثلاثة : ا. مبدأ المجاز. ب. مبدأ الاشتباه. ج. مبدأ الإضمار. واستعرض المعارف الكونية في كتاب محيي الدين بن عربي ( الفتوحات المكية ) وما فيه من أقوال وإشارات تكاد تكون مغلقة حتى على المتخصصين، وكأن لهذه النصوص سلطة خفية. وأشار الباحث إلى ( ضروب التواصل بين اللاهوت والناسوت عند ابن عربي ) وهما نوعان جمالي وجلالي. أما اللغة فهي سر الوجود والأصل الإنشائي السابق لكل موجود في انطولوجيا الخلق، ولعل الفعل الإنشائي ( كن ) بحسب المتكلم عند ابن عربي على ثلاثة أقسام…إلهي ورباني ورحماني. فالمتأمل في نص الفتوحات المكية يجد أن ابن عربي يشبه أمر الكلام وتولد المعنى الناشئ من تفاعل المتكلم والمخاطب بعملية الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة . ويرى الباحث أن مدارج التكوين بين اللغة والوجود انبثقت من الإنشاء الإيقاعي الذي بموجبه انشأ البارئ سبحانه وتعالى الكون، ويتضح أن إطار التكوين له مدارج يرجع تقسيمها إلى قسمين: تواصل جلالي وتواصل جمالي، وهي تتأسس على مرتبتين الأولى: التكوين الفوري، وهو تكوين يأتي دفعة واحدة ليس بينه وبين إنشائه الخطابي مسافة. والمرتبة الثانية: التكوين التدرجي، وهو تكوين يأتي على سنن التدرج في الإيجاد بين الفعل الإنشائي والإيجاد ذاته. وفي المبحث الخامس ( السنة النبوية والتمام السياقي ) يشير الدكتور إدريس مقبول إلى دلالات السياق في المدونة التراثية وجهود المحدثين في العناية بسياقية الحديث النبوي الشريف، والتوقف عند السياق في المصنفات التاريخية ، وبين أن هذه الدراسات هي دراسات تداولية بامتياز، ولها نماذج ملموسة في استعمالات المحدثين وهي : ا. الدلالة اللغوية العامة. ب. الدلالة المقاصدية. ج.الدلالة البيئية. د. الدلالة المقالية الخاصة. هـ. الدلالة النحوية التركيبية. و. سياق النص. كما يتناول الباحث ( القصة في المنظور التداولي ) واندراجها في سياق التداوليات اللسانية ضمن إجراءات التسييق العامة، وهي عملية مشتقة من السياق ويعني ربط الكلام ( الملفوظات ) بسياقاتها النصية واللسانية السابقة واللاحقة ويخلص المؤلف إلى نتائج عدة، منها ما هو نتائج جزئية، أو نتائج تفصيلية خاصة، وقد أجملها الباحث بثماني قرائن تفصل القول في حيثيات التداولية ومراميها في توجيه القراءة النقدية لأي عمل إبداعي. يشار إلى أن الكتاب من الكتب الجادة والمهمة في تقصيها للممارسة التداولية، وهو صادر عن دار عالم الكتب الحديث ويقع في مئتي صفحة من القطع المتوسط .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق