الأربعاء، 11 مايو، 2011

ملامح التفكير التداولي البياني عند الأصوليين

ملامح التفكير التداولي البياني عند الأصوليين د.نعمان بوقرة ------------------------------------------------------------------------------------ بسم الله الرحمن الرحيم لعل أهم سؤال مبدئي يتبادر إلى الأذهان، قبل الخوض في الأبعاد التداولية في التراث العربي الإسلامي من زاوية لغوية أصولية، يتعلقُ بمفهوم بالتداولية، وعلاقتها بعلم اللسان، وأهم القضايا المعرفية والمنهجية واللغوية التي تطرحها على بساط البحث حديثاً، ثم موقع هذه الرؤية التداولية من اللغة وسيلة التواصل والتخاطب البشري في مسار تطور المعرفة اللغوية قديماً وحديثاً، وأصول هذا التوجه في دراسات القدماء بعامة والعرب منهم بخاصة. إن هذه الأسئلة المشروعة وغيرها يمكن أن تكون مدخلاً نظرياً وتأسيسياً، بهدف الكشف عن أبعاد النظر التداولي في المسألة اللغوية، مع إمكان إبراز مجمل المقولات التي تتأسس عليها التداولية في الفكر الحديث، ومحلها من النظرية البيانية العربية القديمة، بخاصة عند البلاغيين والمفسرين والأصوليين الذين استوت في تصوراتهم الأسس التداولية لتحليل الخطاب القرآني، مفضية إلى معالم نظرية عربية في الأفعال الكلامية، يمكن أن يستفاد منها في تطوير النظرية في صورتها الراهنة. وربما أمكننا هذا الجهد من وضع الإطار المعرفي للسانيات تداولية عربية تدرس الاستعمال اللغوي وأغراضه، متجاوزة وصف البنية والشكل النحوي، فاتحة أفقاً أرحب للدراسة النصية المتكاملة، ومن وجهة نظر تداولية. وفي هذا السياق يمكن التنويه بمحاولات طه عبدالرحمن -الفيلسوف المغربي- في إعادة تفكيك الموروث التراثي من خلال جملة من الأبحاث الرائدة، لعل أهمها كتابه: "في أصول الحوار وتجديد علم الكلام". لم لا وحضارة العرب والمسلمين -في أصلها- حضارة نصية بيانية، تقوم على مقاصد الخطاب ومغزاه في عملية الفهم والإفهام، ثم محاولة استثمار هذه الأطر النظرية بمفاتيحها الإجرائية في قراءة النص الإبداعي العربي وتحليله بشكل عام، في ضوء استحضار منظومة القيم الثقافية والإسلامية، التي شادها مفكرو الإسلام من خلال وعيهم العميق بسياقات إنتاج الدلالة، واستقطار المعنى المركزي، والمعاني الحافة بالنص.إن تحليل الخطاب تحليلاً تداولياً، يقتضي تحديد شروط التداول اللغوي المتمثل في: النطقية، والاجتماعية، والإقناعية، والاعتقادية، منظوراً إليه من حيث كونه على ثلاثة مراتب أساسية هي: الحوار، والمحاورة، والتحاور، وجميعها فعاليات خطابية. وعليه فإن هذا البحث التوصيفي لجهود علماء أصول الفقه، سيتولى تحديد مفهوم التداولية في الفكر اللغوي الحديث، وبيان مسارات التفكير التداولي البياني في التراث العربي، وتوضيح الأفعال الكلامية عند الأصوليين. أولاً: تحديد عام لمفهوم التداولية في الفكر اللغوي الحديث التداولية اتجاه فلسفي ولغوي يعنى بدراسة استعمال اللغة في الخطاب، شاهدة في ذلك على مقدرتها الخطابية. فهي بذلك تهتم بالمعنى كالدلالية وبعض الأشكال اللسانية التي لا يتحدد معناها إلا من خلال استعمالها، وعدها "فرانسيس جاك "F.jak" -وهو أحد المؤسسين لها في الفكر اللساني الغربي الحديث- متطرقة إلى اللغة الخطابية والتواصلية والاجتماعية معاً، فاللغة استعمال بين شخصين للعلامات، استناداً إلى قواعد موزعة تخضع لشروط إمكانية الخطاب. وفي الدرس النقدي العربي، يعترضنا تعريف صلاح فضل لها من أنها ذلك الفرع العلمي المتكون من مجموعة العلوم اللغوية، التي تختص بتحليل عمليات الكلام بصفة خاصة، ووظائف الأقوال اللغوية وخصائصها خلال إجراءات التواصل بشكل عام، فاللسانيات التداولية تخصص لساني يدرس العلاقة بين مستخدمي الأدلة اللغوية (المرسِل، المرسَل إليه)، وعلاقات التأثر والتأثير بينهما، في ضوء ما ينتجانه من تحاور متصل، ما يعنى كونها علمً تلفيقياً أو موسوعياً يجمع بين اختصاصات متعددة، فليست التداولية بهذه المفاهيم المتعددة علماً لسانياً صرفاً يقف عند البنية الظاهرة للغة، بل هي -على ما يؤكده جاك موشلار (J.Mochlar)- علم جديد للتواصل يسنح بـ (وصف وتحليل وبناء) استراتيجيات التخاطب اليومي والمتخصص بين المتكلمين في ظروف مختلفة، وربما تمكنا هنا من اختزال أهم الموضوعات الشائكة التي تعنى التداولية ببحثها وهي ماثلة في: دراسة بنية الخطاب لغوياً في ضوء قواعد التخاطب العامة والخاصة، ووصف علاقة النظام اللغوي بالاستعمال وتحليله وكيفيات التحقق، والعمليات الذهنية ومستويات الإنتاج والفهم اللغويين، وفهم مقاصد الخطاب، وأدوار المتلقي في التفسير والتأويل، والاستدلالات اللغوية، والافتراضات المسبقة، ودراسة تحول القول إلى فعل كلامي إنجازي في ضوء نظرية أفعال الكلام لأوستن وسيريل. إن اعتماد المنهج التداولي في تحليل نصوص المعارف والعلوم المختلفة، يجد تسويغاً له أنه منهج مجاوز لتلك التحليلات البنيوية والشكلية، التي تقف عند حدود الوصف الظاهري لعناصر الملفوظ، غير آبهة بدلالاته السياقية وأغراضه التواصلية التي لأجلها أنشئ. إن المنهج التداولي بصورته الحديثة، وشكله التراثي، ينظر إلى اللغة بوصفها كلاماً حياً، منجزاً في سياق معين يتلقاه المتلقي بإدراكه وشعوره، محاولاً فهم رموزها وإشاراتها، وتصريحها وتلميحها، من خلال ما ينتجه الخطاب من آثار سلوكية تنقل الملفوظ من الوجود النطقي إلى الوجود الفعلي، ويتحول فيه المجرد إلى محسوس، وبهذه الرؤية تتوطد دلالات الكلام بقرائن اللغة وأحوال المقام من: حركات جسمية، وتنغيمات، صوتية وثقافة سائدة تؤطر الفعل المنجز، وجهه لغايات نفعية معينة يرتضيها المنجز، ويتقبلها المتلقي. وتتلخص الفلسفة التداولية الحديثة في حقيقة تداولية كبرى، وهي أن لا كلام إلا بين اثنين، حتى ولو كان الكلام حادثاً بين المتكلم وذاته، وفي هذه الحال ستكون علاقة المتكلم بالمستمع ضمن علاقة العرض للفكرة والمعترض عليها، ولا يكون الاعتراض إلا بدليل، ولا معترض إلا لطلب الصواب، ولا طلب للصواب إلا بجملة من القواعد. ثانياً: مسارات التفكير التداولي البياني في التراث العربي تقف هذه الدراسة عند ثلاثة مسارات مهمة تؤطر البحث في الأبعاد التداولية في مباحث البيان، والحقيقة أن الفهم الأمثل لا يتحقق إلا بعرض مجمل ما قدم من رؤى عند: اللغويين، والمفسرين، وعلماء القراءات والحديث، والأصوليين مجتمعة، لقيام جهودهم على الأسس النظرية نفسها، وإن اختلفت مناهجهم وأهدافهم في الوصول إلى بنية النص وخصائصه البيانية المعجزة. 1. المسار اللغوي البياني: يمثل البيان المحور الرئيس للنظرية البلاغية؛ إذ استقطب اهتمامه الفكري، وأضحى المعادل الموضوعي لعلاقة اللغة بالمتكلمين في السياقات المعينة، والبيان -عند الجاحظ- اسم جامع لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير حتّى يفضي السّامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائناً من كان ذلك البيان ومن أي جنس كان الدّليل؛ لأنّ مدار الأمر، والغاية التي إليها يجري القائل والسّامع، إنّما هو الفهم والإفهام، فبأيّ شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع... وترتبط قضية الفهم، والإفهام بوظيفة المتكلّم الساعي إلى إظهار الخفيّ، وتوضيحه للسامع، بالاستعانة بكلّ الوسائل اللسانية والإشارية لتحقيق الفهم. وعليه ستكون الخاصية الأساسية للبيان كونه تعليمياً عملياً، تحقيق التواصل الفعال والإفادة بين المخاطِب والمخاطَب، وربما قارب هذا المفهوم في بعده التبليغي الغرض التداولي للخطاب التواصلي في المقامات المختلفة من وجهة نظر حديثة. وفي هذا السياق يذهب الجاحظ إلى ضرورة التركيز على مقصد أدبي مهم، يتمعن في إفهام المخاطب وإبلاغه محتوى الرّسالة الأدبيّة من لدن المرسل، الذي تتعاظم وظائفه الإبلاغية لتحقيق المقصد الأسنى المتمثل في البيان، ولعله الغرض الأساس الذي تحرص التداولية المعاصرة على تحقيقه في الخطابات المنجزة. ولما كان من المستحيل أن يقتنع المتلقي بما هو غامض وغير مفهوم في الخطابات المنجزة والمبلغة، وسعياً إلى إبراز خطر الوظيفة الإقناعية، ازدادت عناية الجاحظ بالبيان الذي أطّر أهم المباحث اللغوية، بل أضحى الموجه المعرفي لمسألة الوجود من خلال المقولة الشهيرة، التي أحسن الجاحظ صياغتها والمتمثلة في قوله: العالم الصغير (اللغة) سليل العالم الكبير (الكون). ويتوزع البيان في النظرية الجاحظية على مستويين هما: المستوى التداولي الإقناعي، والمستوى المعرفي. ويرى الجاحظ أن البلاغة في اللفظ، والمستوى المعرفي الذي يختص بالمعاني بصفة عامة؛ ومن ثمّ فإنه عمل على حصر البيان في اللفظ، وربط الإقناع بالتداول. وقد توصل إلى هذا المستوى البلاغي في البيان انطلاقاً من الوظيفة التواصلية؛ إذ ينقل في هذا الصدد نصاً عظيم الفائدة من حيث قيمتة المعرفية بالنسبة إلى جوهر التصور التداولي، فهو يقول: "... المعاني القائمة في صدور الناس، المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه، وخلطه، ولا معنى شريكه، والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره، وإنما يحي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها، وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجلّيها للعقل، وتجعل الخفي منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا، وهي التي تخلص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيدا، والقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا، والغفل موسوما، والموسوم معلوما، وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل يكون إظهار المعنى، وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كان أنفع وأنجع والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان." يحيل هذا النص إلى أسس العملية التواصلية بشتى وظائفها في إطار علم اللغة المعاصر، فالمعاني المستورة والخفية لا يتم التعرف عليها إلا بالاستعمال؛ أي (بالألفاظ)، وكذلك بالإخبار عنها؛ أي الإبانة أو البيان الذي أشار إليه في قوله، ويساير هذا التصور مفهوم الإبلاغ الذي تعنى به التداولية، التي (تصف) و(تفسر) حركية الخطاب بين مستعملي اللغة في علاقة الكلام المنجز بالسياق العام والخاص، ومدى تأثيره، من حيث هو سلسلة من الأفعال في المتلقي في مستوى الفهم والفائدة، وهذا ما ذهب إليه الجاحظ عندما عدّ الإخبار والاستعمال المسئولين والمتحكمين في تفعيل المعاني، وإعطائها وظائف لسانية وبلاغية وإقناعية معينة. كما تجلت ملامح التداولية بشكل أكبر عند السكاكي من خلال توصيف عناصر العملية التواصلية، وربطها بمقتضى الحال؛ لأنّ وضعية المتلقي وأحواله، تساهم مساهمة فعّالة في فهم المقصد فهما جيّداً، وتحدّد أيضا نوعية الكلام المرسل من المتكلّم، فالملتقى سيكون خالي الذهن، أو متردّداً في الحكم، أو منكراً له، وقد يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فيجعل غير السائل -وهو خالي الذهن- كالسائل، وقد يجعل غير المنكر كالمنكر، وقد يجعل المنكر كغير المنكر. إن قراءة موازية لنص السكاكي تكشف عن أوضاع غير لسانية، تِؤطر الفعل التبليغي، وعملية التلقي، وهي أوضاع نفسية وذهنية في مبدئها، وهذا تنبيه على ضرورة مراعاة مقتضى الحال. وفي المقالة التالية تمعين للعلاقة الوثيقة بين المتلقي والمقام ووجوب الالتفات إلى تغاير أغراض الخطاب، يقول: "فمقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار، وكلّ ذلك معلوم لكلّ لبيب، وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكلّ ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر،" فالكلام الموجّه إلى الذكي ليس نفسه الكلام الموجّه إلى الغبي، وبتغيّر حال المتلقي يتغيّر قصد المتكلّم، وتتعين حينها مقصدية الإفهام واستجابة المتلقي.كما تتمركز نظرية الأفعال الكلامية في بؤرة اهتمامه بالأساليب الإنشائية من حيث: البنية، والدلالة، والغرض. ولأنّ بلاغته تجمع بين النحو، والمنطق، والشعر، عدّ السكاكي أنموذجاً عربياً متميزاً يمكن أن تكون آراؤه أساساً نظرياً للسانيات تداولية عربية بعامة، ولنظرية الأفعال الكلامية بخاصة، كما عني بشكل خاص بالأفعال الطلبية التي جاوزت معناها المباشر إلى المعنى المقامي، في سياق الإشارة إلى إمكان مخالفة ظاهر اللفظ لمراد المتكلم، فالاستفهام -مثلاً- يتحول لوجود جملة من القرائن المقالية والمقامية يختارها المتكلم لتحقيق قصد معين، كالعرض في قولنا: ألا تحب أن تنزل فتأخذ شيئا، وانصرافه إلى الإنكار في قولنا: أمثلك يفعل هذا ؟! لمن تراه يفعل فعلاً مشيناً، وهكذا تتعدد وظائف الاستفهام بحسب المقام الذي يستعمل فيه. ولم يحصر السكاكي ارتباط تعدد الوظيفة التداولية للأفعال الطلبية في الاستفهام، فقد درس الأمر والنهي والتمني والنداء،كما نتلمس ملامح الفعل الكلامي، وارتباط الوضع بالقصد في أسلوب الحكيم والسائل بغير ما يطلب، ومن أمثلته في الذكر الحكيم قوله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ؛ (البقرة:189) إذ سألوا عن شيء فأجيبوا عن آخر. أما ابن خلدون فقد صاغت رؤيته البيانية -فيما نزعم- آراء سابقيه، ولعله يكون الأنموذج المغربي الأمثل لدراسة التصور التداولي العربي، فقد نظر إلى الغاية من دراسة الأدب، واكتساب الملكة اللسانيّة بشكل شمولي؛ إذ يعد الأدب حفظا لأشعار العرب، وأخبارها، والأخذ من كلّ علم بطرف، مقرراً أن المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته؛ وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، ومن الرؤية الشمولية ذاتها يرى أنّ امتلاك اللغة يجب أن يكون لغاية الإبانة والإفهام، وهو هدف التداولية الغربية، يقول: "اعلم أنّ اللغات كلّها ملكات شبيهة بالصناعة؛ إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني، وجودتها، وقصورها، بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنّما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حصلت الملكة التامّة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة، ومراعاة التأليف الذي يطبّق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلّم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع، وهذا هو معنى البلاغة." أما عن أهم ما ورد في هذا النص الخلدوني من مقولات تداولية، فيمكن صياغته في المفردات التالية: الملكة اللغوية، والجودة، والقصور، والتعبير عن المعاني المقصودة، ومراعاة التأليف، ومقتضى الحال، والتبليغ، والغاية من إفادة المقصود، والسامع، والبلاغة، وربما اختزلت هذه القيم التداولية بمفهومات معاصرة ممثلة في: الأداء، الكفاءة، القصد، التركيب، السياق، المتلقي،الإبلاغية، وغيرها. كما ظهرت بعض جوانب التفكير التداولي الخلدوني في قوله: "نجد كثيراً من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علماً بتلك القوانين (يقصد قوانين النحو)، إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه، أو ذي مودّة، أو شكوى ظلامة، أو قصد من قصوده، أخطأ فيها عن الصواب، وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيرا ممّن يحسن هذه الملكة، ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئا من قوانين صناعة العربية." وربما جاز لنا أن نخلص إلى أنّ الملكة في التأدية، فالملكة لا تحصل إلاّ بالمران، والمعاناة، والتكرار، حتى تعود صفة راسخة في المتكلّم، أمّا التأدية فحال متغيّرة، وهي أيضا ضرورية لكلّ علم من علوم اللسان، فلا فائدة من النحو مثلاً معزولاً عن الإجادة في الكلام والفصاحة؛ إذ العبرة بالفائدة، والقدرة على الإبلاغ والإفهام بشكل جيّد وفعّال، وهو أعلى مراتب التداولية الحديثة. ويتسق هذا التصور مع نظريته في الإعجاز؛ إذ يقول: "إنّ ثمرة هذا الفن إنّما هي في فهم الإعجاز من القرآن، لأنّ إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة، وهي أعلى مراتب الكلام مع الكمال." إنّ هذا الغرض التداولي لا ينفض يديه من غاية نفعية، فللأدب ثمرة، وللغة هدف، وللنحو غاية، وللبيان قصد على حد قول ابن خلدون، وهكذا. أما حازم القرطاجني، فنتلمس تصوره التداولي من خلال ثلة من النصوص لعل أهمها قوله: "لماّ كَانَ الكَلامُ أَوْلىَ الأَشْيَاءِ بِأَنْ يجُعْلَ َدَلِيلاً عَلَى المَعَانيِ التي احْتَاجَ النَّاسُ إلى تَفَهُّمِهَا بحِسبِ احْتِيَاجِهِمْ إِلىَ مُعَاوَنَةِِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلىَ تحَصْيِل ِالمعَانيِ، وَإِزَاحَةِ المَضَارِّ؛" إذ يشير إلى البعد النفعي الذي ترمي إليه العملية الإبلاغية بصورة شاملة، والعملية الإبداعية ممثلة في المنجز الشعري بصورة خاصة، والذي يقوم بشكل خاص على عنصر التأثر والتأثير، وهذا ما تركز عليه اللسانيات التداولية في تحليل الخطاب، ملمحاً في السياق ذاته إلى ضرورة احترام مقاصد المتكلم، المتحكمة بدورها في الأثر الذي يسلطه النص على المتلقي، ويبدو من ناحية ثانية أن هذه المقاصد ذات صبغة حالية تقرأ قراءة سياقية، وهي من ثَمَّ جزء لا يتجزأ من المقام الذي يحتل في التصور التداولي الحازمي مكانة متميزة. 2. مسار المفسرين وعلماء الدراسات القرآنية والنبوية: إن الفهم الأدق لمعاني التنزيل الحكيم، مبني -أساساً- على استحضار جميع مكونات الخطاب اللغوية والسياقية في عملية التفسير، فتجاهل أي عامل من العوامل المشكلة للمعنى القرآني مدعاة إلى الوقوع في سوء الفهم والتقدير، ولهذا ألح العلماء المسلمون على ضرورة استيفاء جملة من الشروط لمن يتصدى لتفسير القرآن وتأويله، لا يتهاون بشأنها أبداً تعظيماً وتقديساً للخطاب القرآني. إن تلقي القرآن الكريم بوصفه مستوى أرقى من مستويات الإنجاز الكلامي الذي تحدي به العرب في فصاحتهم وبيانهم، يقتضي العناية بالجوانب الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والمعجمية، والأسلوبية، التي تمثل اختيارات منشئه، ومقاصده الموجهة للفعل اللغوي نحو عموم الناس، وهذا ما عظّم لدى المهتمين بقضية التفسير دور السياق بنوعيه: اللغوي، والحالي، في تحديد المعنى النصي، والأغراض التداولية للخطاب، فتحوّلت هذه الملفوظات المشكلة للنص إلى أفعال كلامية في شكل طلبيات (أفعال الأمر والنهي)، وسلوكيات (الأخلاق)، وإخباريات (القصص)، وحكميات (أحكام الجزاء والعقاب)، وتعهديات (الترغيب والترهيب). إن كلّ سورة تنهض على ملفوظات وأفعال قولية تحقق بدورها أفعالا كلامية لها بُعد تأثيري على المتلقي، توجه أفعاله، وتعدل في سلوكه، وقيمه، ومعتقداته. فتلقّي آيات الرحمة، والعذاب، والأحكام الشرعية، والإخبار بالغيب، والدعوة إلى فعل الخيرات، وتجنب المحرمات، كلها موضوعات تدور في فلك الفعل الإنجازي الطلبي الكلي بشتى أغراضه وسياقاته وشروط تحققه، والتي توجهنا إليها تداوليات الخطاب القرآني، ومقاصده الكبرى. إن تلقي القرآن في ضوء العلم بقواعد التفسير، يضمن الحد الأدنى من الفهم الموضوعي لآياته وأغراضه، بعيداً عن الاختلاف في جزئيات المعاني التي تتحكمها اختلافات في المعرفة الخلفية للمفسر أو المتلقي. بيد أن هذا الإطار، لا يجب أن يلهي عن ضرورة الاسترفاد من واقع البنية اللغوية في تعلقها بثقافة العصر التي نزل في سياقها القرآن محاولاً تغييرها، وهذا من شأنه أن يكبح جماح توقعات المفسر التي تشدّه قناعاته الشخصية، وانتماءاته المذهبية، وثقافة عصره بالأساس، فيلقي برؤيته الذاتية لباساً على النص ليحمله مالا يطيق، متستراً بعباءة اسمها: صلاحية القرآن لكل زمان ومكان!. ففي التاريخ الثقافي العربي تفاسير كثيرة عرج بها أصحابها على مذاهبهم، فخرجوا عن جادة الفهم السليم الذي يفرضه البيان العربي ونظام اللغة، فتلقي القرآن الكريم وفهمه، والوصول إلى مقاصده، لا يمكن أن يتحقق في غياب تلك الشروط سالفة الذكر، التي هي في الحقيقة قواعد لتداوليات الخطاب القرآني إنتاجاً وفهماً. وتتحقق الرؤية التداولية عند المهتمين بالقراءات القرآنية، في ارتباطها بالعملية التفسيرية، في ضوء تأكيدهم تمثل ضوابط القراءة الجيدة، والترتيل المأثور عن قراءة صاحب الرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، التي تراعي قواعد الإدغام، والقلب، والإخفاء، والتفخيم، والترقيق، والإمالة، والإشمام، إلخ، وما إلى ذلك من صور الأداء وهيئته العملية التي تترك أثرا متعدد الأبعاد في السامع الذي تتيح له إمكاناته اللسانية والجمالية والذوقية التفاعل مع معاني النص، وأغراضه التواصلية، علما أن ذلك التفاعل لا يتحقق مع القراءة العادية والسريعة. ولا نغادر هذا المسار، حتى نشير إلى أهمية تلك الشروط التي صاغها علماء الحديث في طرق الأخذ، والتحمل، ونقل الحديث الأصلية والفرعية منها، للتدليل على تلك الدقة التي تكشف تلقي الحديث، فتميزه من حيث الصحة والضعف، وما ذاك إلا إعلاء لمكانة القائل الأول، وسمو بالحديث المنقول. ومما يستشف من هذه التصورات، أن عملية التلقي قائمة على أهم ركائز التداولية في اللسانيات الحديثة، من خلال التعامل مع المنقول، بوصفه خطاباً بين مخاطِب ومخاطَب، لا تتحقق أغراضه إلا إذا اكتملت شروط الصحة والسلامة والأهلية. ولعل عناية نقلة الحديث بمقتضيات الحديث ومستلزماته، دليل آخر على الاحتفاء بالبعد التداولي للخطاب النبوي، ومن ذلك -مثلا- العناية بنقل الإشارات والحركات الجسمية المصاحبة لآراء الحديث وفعل القول النبوي ووصفها، والحرص على وصف التنغيمات المصاحبة، حفاظاً على مقاصد صاحب النص الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمثلة ذلك كثيرة، كقولهم: جلس وقد كان متكئا، وأحمرَّ وجهه، وأشاح بوجهه أو شبك أصابعه، أو أشار بأصبعيه، إلخ، وفي هذا السياق يمكن الاستئناس بما أورده علماء الخطاب في عصرنا، حول دور الإشارات الجسدية والتغيم في مثل قولنا: إني في الحقيقة أرغب في ذلك، فهذه الجملة يمكن أن تنطق بصوت دافئ منتعش فتدل على القبول، ويمكن أن تنطق من شخص معرض مقطبة أساريره بصوت أغن، فتدل على فعل الرفض. 3. التداولية والبيان في المسار الأصولي: يرى كثير من المعاصرين أن موضوع السياق أو المقام كما عرفه العرب القدماء يمثل بؤرة علم الدلالة اللسانية، وأوجه استعمال اللغة في التداول اليومي؛ لأنه يعبر-باختصار- عن الجانب الاجتماعي للمعنى، والوظيفة النفعية للغة في حياة الإنسان، وفي هذين الجانبين تظهر الأحداث والعلاقات والقرائن التي تسود ساعة أداء المقال، والحقيقة أن الجهل بهذه الظروف لا يمكن من الوصول إلى المعنى على الإطلاق، لذلك قرر ستيفن أولمان (S.Aulman) بأنه لا يمكن الاستمرار في بحث تاريخ الكلمات منعزلا عن تاريخ الحضارة. وما تاريخ الحضارة إلا أحداث اجتماعية ربطت مقالات معينة ببعضها، وأنزلتها في مسار الأحداث المتصلة، وتتنزل قيمة السياق في دراسة المعنى ضمن تحديد المعاني المتعاورة على اللفظ الواحد، بسبب الاشتراك أو تغير دلالة الكلمة عبر الزمن. ويعتمد السياق رأسا اللغة، بخاصة عند الشكليين، بما هي علاقات بين عناصر منتظمة، مما يحقق مناسبة أو مفارقة في المعنى، كما يعتمد على الظروف الحسية والنفسية المحيطة بالنص، وكذا المحيط الاجتماعي بما فيه من عادات وتقاليد، مما يؤكد على ضرورة المعرفة التامة بأسباب النزول، وأخبار العرب وحياتهم العقلية والروحية والاجتماعية بصفة عامة. وهكذا، تمتد قرينة السياق على مساحة واسعة من الركائز تبدأ باللغة، وتنتهي بهذه القرائن المتعددة. ويمثل باب البيان -عند علماء الشريعة- موضوعاً بالغ الأهمية في تفسير النصوص وتأويلها؛ إذ فيه تتحقق مقصدية صاحب الخطاب، وعرفية الاستعمال اللغوي، كما يمثل مجالاً شاسعاً لدراسة معاني الألفاظ، ودلالات التراكيب في النصوص. ولهذا اغتنت كتابات الأصوليين بالبحث في ماهية البيان، وأركانه، وأقسامه، وحدوده اللغوية والبرهانية بتأثير من علمي الكلام والأصول، وعلوم النقل الإسلامية، ويقصد في المتعارف عليه إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله الكشف والظهور، فهو اسم لكل ما كشف عن معنى الكلام وأظهره، وسوّى التهانوي بينه وبين الفصاحة؛ إذ يقال: فلان ذو بيان أي فصيح، وهذا أبين من فلان أي أفصح وأوضح كلاماً... والبيان أيضا الكشف والتوضيح... وهو مصدر بان، وهو لازم ومعناه الظهور... وقد يكون متعدياً بمعنى الإظهار، كما يرادف الإظهار قال تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ. (آل عمران: 138) والمراد إظهار الحق بالقرآن وهنا يتجلى جيداً الفعل الكلامي الإنجازي الممثل في وظيفة النبوة المرسلة بالتعاليم الإلهية إلى المخاطبين، ويعضده قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. (النحل: 44) فلو كان البيان -كما ذهب البعض- بمعنى الظهور، لما كان محمد صلى الله عليه وسلم مؤدياً لواجب الرسالة في حق كل الناس. والبيان عند الأصوليين -في الأصل- هو مادة الدليل الموصل إلى الحكم الشرعي، وقد نهجوا في تحديده منهجاً عقلياً دقيقاً، مستهدفين من وراء ذلك تحديد الدلالة النصية، ولعل اجتهادهم في تحديد أنواعه أبرز دليل على عنايتهم به، وسنكتفي بذكر هذه الأنواع التي تحيل إلى أغراض الخطاب، من حيث هو بنية لسانية مؤسسة على عرف لغوي خاص وقصدية معينة تحققها جملة من الأساليب الإنشائية الطلبية، كالأمر والنهي، وما يحيلان عليه من دلالات دون الإيغال في تحليلها، حتى لا نخرج عن الخط الذي رسمناه لأنفسنا بعدم إغفال النقطة الجوهرية في الموضوع، وهي التركيز على محل هذه الآراء في نظرية الأفعال الكلامية،كما ذكروا في هذا المقام أركاناً للبيان يقوم عليها، وهي المبيِّنُ (الله عز وجل) أو الرسول صلى الله عليه وسلم، والبيان، ويمثل الدليل الموصل إلى معرفة الحكم، أما اللفظ الذي تتضح دلالته بحيث يعرف المراد منه، فهو المُبيَّنُ، في حين يمثل المُبَيَّنُ إليه المتلقي أو المكلف بالأحكام الشرعية. إن هذا التصور -كما هو واضح- يبين إدراكاً عميقاً لحقيقة العملية التبليغية من خلال نموذج متميز هو القرآن، ذلك أن كامل عناية الأصوليين كانت منصبة على إبراز خصوصيات الإعجاز النصي، وكيفية تلقي المكلفين للآيات القرآنية، بوصفها جملة من الأفعال القابلة للإنجاز والعمل، وهم بذلك يجيبون عن السؤال الذي أثار المحدثين حول كيفية تحويل القول اللساني إلى فعل منجز حقيقة. وفي سياق تعاضد الخطابات، أو ما يمكن أن يعد نصوصاً موازية تسهم في التلقي المنتج، بوصفها سياقات معرفية ولغوية، يشير ابن حزم إلى ضرورة التوقف مع مصادر التشريع جملة واحدة، لفهم أغراض الخطاب الديني القرآني ومقاصده؛ فالقرآن مصدر المصادر كلها في نظرية الفقه والاستنباط، وما من أصل شرعي إلا كان اشتقاقه منه، وهو الذي ثبتت به الرسالة المحمدية، بوصفه المعجزة الإلهية المؤيدة للنبوة، كما أن الأصول الأخرى المدعِّمة للقرآن ترجع في طبيعتها إلى النص، ثم المعنى المأخوذ منه، يقول ابن حزم: "لا سبيل إلى معرفة شيء من أحكام الديانة أبداً، إلا من هذه الوجوه الأربعة (السُّنة، والإجماع، والدليل، والقرآن أولها)، وكلها راجعة إلى النص والنص معلوم وجوبه، ومفهوم معناه بالعقل على التدريج الذي ذكرنا." وفي سياق التأكيد على ضرورة إدراك المقام لفهم خصوصيات المقال، نسوق النص التالي توضيحا لذلك، يقول ابن حزم: "… والبيان يختلف في الوضوح، فيكون بعضه جلياً، وبعضه خفياً، فيختلف الناس في فهمه، فيفهمه بعضهم، ويتأخر بعضهم عن فهمه كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلا أن يؤتي الله رجلاً فهماً في دينه، وكما تعذر على عمر رضي الله عنه -وهو الغاية في العلم بنص النبي صّلى الله عليه وسلم على ذلك فيه- فَهْمُ آية الكلالة، فمات وهو يُقرّ أنه لم يفهمها، وفهمها غيره من الصحابة، وانتهره عليه السلام وأخبره أنها بينة، وكما عرض لِعَدِي في توهمه بأن الخيط الأبيض والأسود من خيوط الناس، حتى زاده الله بيانا في أن ذلك من الفجر، وقد اكتفى غير عَدِي بالآية نفسها، وعلم أن المراد الفجر، وكما توهم ابن أم مكتوم أنه ملوم في تأخره عن الغزو، فزاده الله بيانا باستثناء أولي الضرر، وقد اكتفى غير ابن مكتوم بسائر النصوص الواردة في رفع الحرج، وأن لا حرج على مريض، ولا أعمى، وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها." وخلاصة هذا الكلام، أنه يمكن استغلاق آي في فهمها على طالبها، وفي ذاتها بينة، فيدركها من دونه آخر فهماً وإدراكاً. فالنص الذي سقناه بحذافيره، يبين ضرورة العناية بالسياق العام للخطاب، وتتجلى عناية المقاربة الأصولية بقصد المخاطب في مباحث البيان، من خلال التمييز بين الاستثناء والتخصيص؛ فالاستثناء بيان وتخصيص في الآن معاً، ذلك أنه تكلم بالباقي بعد أداة الاستثناء، كما يتضمن في ذاته نفياً أو إثباتاً لما بعدها أو قبلها (الأداة)، أما إذا تكلم بالباقي بعد الاستثناء كما يقول علماء اللغة، فهو ليس من التخصيص؛ لأن التخصيص معناه أن يكون اللفظ في ذاته عاماً ثم يقترن بدليل مستقل يخصّصه، كما يعدّ التخصيص بياناً؛ لأن معناه يقتضي بيان العام الذي لا يراد به ما يدل عليه اللفظ، بل يراد به أول الأمر الخاص، فلا يكون التخصيص من هذا المنطلق، دخول الأفراد في مقتضى العموم، ثم خروجهم بالتخصيص، بل المقصود أن اللفظ العام أريد به بعض أفراده من أول الأمر. أما الكناية بالإشارة، فإن الإشارة تعود على أبعد مذكور، إذا كانت ألفاظاً مخصوصة يحددها النحاة بذلك، وتلك، وهو، أولئك، وهم، وهي، وهما. أما إذا كانت بألفاظ كهذا وهذه، فإنها (الإشارة) راجعة إلى أقرب مذكور. وثمرة هذا الوصف النحوي هو تفسير لفظة القرء في الآية بالطهر، رغم التسليم بتوارد معنى آخر هو الحيض في اللغة على اللفظة، ويظهر في هذا السياق حديث الرسول صّلى الله عليه وسلّم لابن عمر رضي الله عنه لما طلق زوجته في الحيض: "مُرْه فليراجعها حتى تطهُرَ ثم تحيضُ ثم تطهُرَ، فتلك العدّةُ التي أمر الله تعالى أن تطلّقَ لها النساءُ،" فالإشارة بتلك تقتضي الدلالة على البعيد من حيث الذكر في الجملة. ويبدو أن إضافة اللام لاسم الإشارة له علاقة بدلالتي القرب والبعد على ما يقرره النحاة. وفي هذا السياق يمكن الاستئناس بحديث أَبي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن أَبي أُسَامَةَ عن عُبَيْد اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وهَكَذَا، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاثِينَ، فهذه الإشارات الحركية المصاحبة للكلام تجعل من القول فعلا. ولعل أهم الموضوعات المتعلقة بكيفية استعمال اللغة وتداولها وفهمها، والتي عرض لها الغزالي في المباحث المتصلة بعلم الدلالة اللسانية مبحث السياق؛ إذ صار هذا المبحث مجالاً خصباً لعملية استنباط الأحكام، فيما يمكن الاصطلاح عليه اليوم بعلم النص القرآني، وهو قائم في نظره على فكرة مفادها أن فهم غير المنطوق به من المنطوق ذاته، دليل صريح على الاحتكام إلى سلطة النص من حيث هو بنية متعلقة بالسياق. وبناء على ذلك لا يمكن لاستكشاف البنى العميقة للنصوص، والتعرف على البنى الكبرى فيها، الاكتفاء بالدلالات المعجمية للألفاظ، بل لابد من محاولة الغوص في النص، في إطار ما تتيحه اللغة من إمكانات: أسلوبية، وبيانية، وتركيبية، وما يظهره النص ذاته من قرائن لفظية أو عقلية، بل وما يمارسه أفق انتظار المتلقي للخطاب، بالاعتماد على مرجعيات علوم السنة، وعلوم أسباب، النـزول وترتيب التلاوة، وسائر العلوم النقلية والعقلية.وليست القرائن في الحقيقة إلا مقاماً يدرس فيه النص، والذين غفلوا عن دراسته وقعوا في مزلات لعزلهم اللفظة عن التركيب، والتركيب عن النص، والنص عن سياقه وواقعه، فاتحين أبواب القول بالرأي والتأويل الخاطئ؛ مما أدى إلى ظهور الفرق الإسلامية. وإن كان هذا العرض مقتضباً، فإنه يفتح للدارسين باب البحث في نظرية السياق عند الأصوليين، التي يمكن أن تستخرج أمثلتها من أبواب: الاستثناء، والشرط، والغموض، والوضوح، والحقيقة، والمجاز، والتخصيص، والأمر، والنهي، والمطلق، والمقيد، وآيات الأحكام، وسائر آليات العام والخاص، مما نحسبه دليلاً أكيداً على فائدة السياق اللغوي والحالي في تحديد الدلالة العامة للنصوص.ومن صور العناية بالسياق في تأويل النصوص الدينية، تمسك ابن حزم بما يسميه بـ: علم النفس وبديهيات العقول؛ إذ أنكر على أحمد بن حابط المعتزلي، الذي وسع دائرة الرسالة لتشمل سائر المخلوقات، مستشهداً بقوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ، (الأنعام: 38) وقوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ، (فاطر:24) محتجاً بنعمة العقل التي منحها الإنسان، والمخصوص من جهة ثانية بمنحه النطق الذي هو سبيل التصرف في العلوم والصناعات. والله لا يخاطب بالشريعة إلا عاقلها، والعارف بمرادها ومن له قدرة على ذلك. ولا ريب في أن الحيوان يعدم هذه الخصائص، وبالتالي فهو غير معني بالشريعة والتكليف. في حين تضحى كلمة "أمة" لفظة دالة على أنواع الأمثال، لا غير. وفرق بين أمة النحل والطير والإنسان بمعنى النوع، أمم الناس بمعنى قبائلهم وطوائفهم وحاضرهم وغائبهم. وفي رد ابن حزم على مزاعم ابن النغريلة اليهودي، دليل آخر على فهم المقام الذي يتنـزل فيه النص، فهذا المدعي رأى في قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ (النساء: 78) تناقضاً لما ذكر في آخر هذه الآية في قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. (النساء: 79) ويسعى ابن حزم إلى رد هذا الادعاء انطلاقاً من كون الآية مكتفية بظاهرها عن تكلف تأويل، مستغنية ببادئ ألفاظها. ونزول هذه الآية جاء رداً على من نسب لحاق السيئات به في الدنيا لمحمد صلى الله عليه وسلم، بأن الإنسان يجني ما كسبت يداه من تقصير أو أداء للواجبات، وكلٌ من عند الله جملة. فإذا نظر الإنسان إلى الآية الموجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذته الدهشة وطرح سؤالاً خلاصته، هل يمكن أن يظهر التقصير من النبي صلّى الله عليه وسلّم مع عصمته؟ والحقيقة أن المقصود هنا هو تأدية شكر الله وجميع حقوقه على عباده، وهذا لا يستوفيه نبي ولا ملك، وقد جاءت إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة لأصحابه في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه؛ إذ قال الرسول صلى لله عليه وسلم: "ما منكم من أحد ينجيه عمله، فقال له رجل: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ولكن سددوا." والظاهر أن الجهل بهذه المعاني المقامية، هو الذي جعل اليهودي لا يفرق بين ما أخبر به تعالى من أن كل ما أصابنا به فهو من عند أنفسنا، قول الكفار الذين يتطيرون بالرسول صّلى الله عليه وسلم وصحبه. وفي السياق ذاته، يرد عليه قوله في تناقض الآيتين اللتين يقول فيهما تعالى: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، (المرسلات: 35-36) وقوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا؛ (النحل: 111) إذ يبدو أنه يقف على خصوص قوله تعالى في سورة المرسلات. فالمنع من النطق، إنما هو في بعض مواقف يوم القيامة، أما الجدال فله مواضعه أيضا. يقول ابن حزم، موضحاً في إطار السياق اللغوي المعنى المقصود الذي توضحه الآيات التي يؤخذ بعضها برقاب بعض "إذ يقول تعالى: انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ* انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ* لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ* إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ* كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، (المرسلات: 29-36) أي ولا يؤذن لهم فيه بعذر، وهكذا نصُّ الآيات متتابعات لا فصل بينها، فيصح أن اليوم الذي لا ينطقون فيه بعذر إنما هو يوم إدخالهم النار، وهو أول اليوم التالي ليوم القيامة الذي هو يوم الحساب، وهو أيضا يوم جدال كل نفس عن نفسها. إن هذه النصوص تسمح بأن تكون أداة تأكيد على وظيفة القرائن الحالية، التي عبر عنها ابن حزم بعلم النفس وبديهيات العقل في تخصيص الدلالة العامة، وتحديد معاني الوحدات الكلامية المنتجة نصوصاً، فقوله تعالى: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (آل عمران: 173) لا يمكن أن يحمل على معناه الحرفي؛ إذ حال المخاطبين لا تحتمل أن يجمع لهم كل الناس على سبيل الحقيقة، إنما بعضهم، والدليل على ذلك القرينة العقلية. ويمكن حصر القرائن الحالية في القرينة العقلية (بديهيات العقل)، ووظيفتها منع حمل دلالة الجملة على المعنى الحرفي كقوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا؛ (يوسف:82) إذ المقصود مساءلة سكان القرية، أما قرينة الحس فالمقصود بها ما يشبه الواقع أو ينفيه مما يذكره النص أو ينفيه، ووظيفة هذه القرينة تصديقية برهانية، ومثال ذلك قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، (النمل: 23) فقد علم بالحس أنها لم تؤت ما أوتي سليمان، وتظل فكرة القرائن بعد ذلك أساساً مهماً في التحليل النصي عند ابن حزم. ويمكن القول بأن آراءه في سياق النظرية الظاهرية، قد تصلح حجر أساس في بناء نظرية سياقية كاملة، لها تقنينها وتمثلاتها التطبيقية. ولعل مباحث العموم والخصوص عنده، وتكامل النصوص، ومراتب الدلالة التركيبية، من حيث الوضوح والغموض، صورٌ لهذا الجانب. ولنا أن نتوقف مع مفهوم مميز ظهر عند الأصوليين هو مفهوم الاقتضاء، والمقصود به دلالة اللفظ على المسكوت عنه؛ إذ يتوقف صدق الكلام عليه، أو يمتنع وجود صدق الكلام عليه، أو يستحيل فهمه إلا به، ويعد هذا المفهوم من أهم مفاهيم التداولية المعاصرة، التي ترى فيه تعبيراً عن قدرة المتكلم على أن يفهم أكثر مما يعلن عنه بالمعنى الحقيقي للألفاظ المستعملة، ويفسر كثيراً من النصوص التي تبدو في غاية التفاوت والتباعد. وبما أن الأصوليين عنوا بدراسة اللغة في سياقها التواصلي، فقد أفادوا من مجمل التصورات اللسانية والبيانية التي صاغها النحاة وعلماء البيان والمعاني، وفي ميدان الخبر والإنشاء تحديداً تجلت قدراتهم التحليلية المتميزة في الربط بين المقال، ومكوناته بالمقام التخاطبي، في ضوء مسألتين مركزيتين في التفكير الأصولي لا تكاد تحيد عنها كتاباتهم التأسيسية للعلم؛ وتتعلق أولاهما بمباحث الدلالة اللفظية، وقضايا الدليل والاستدلال؛ إذ جاءت رؤيتهم للعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والنص والظاهر، ولحن الخطاب ومفهوم المخالفة، أكثر ثراء وغنى من طرح سائر اللغويين لها، وأما ثانيهما فجملة من المسائل النحوية المتصلة بالدلالة التركيبية، وما يمكن عده نحواً للمعاني. لقد أثمر التصور التداولي عند الأصوليين نظرية متكاملة في الخبر والإنشاء، تتجاوز في كثير من طروحاتها التحديد المنطقي لنظرية أفعال الكلام الغربية المعاصرة، بعد تجاوز التصورات الشكلية في عمومها التي قدمتها نظرية النحو العربي التراثية، فالمعنى -بحسب الأصوليين- متعدد بتعدد السياقات، وطرق الإنجاز، وأشكال الصياغة، وكيفية التقبل عند السامع الذي يكون منه إدراك المقاصد والغايات التي قد يظهرها الخطاب بشكل مباشر أو غير مباشر. ولنا أن نتوقّف -مثلا- عند رؤيتهم للخبر في بعده السياقي؛ إذ يتحول من الدلالة التقريرية الوصفية، التي هي أصل له من الناحية الوضعية، إلى فعل كلامي مضبوط بالسياق، يقول الإمام شهاب الدين القرافي: "الشهادة خبر، والرواية خبر، والدعوى خبر، والإقرار خبر، والمقدمة خبر، والنتيجة خبر... فما الفرق بين هذه الأخبار؟" ونود التنبيه في هذا السياق إلى أن الرواية فيما قرره القرافي متصلة بعموم المخبَر عنه، بينما تكون الشهادة في الخاص منه، ومن جهة السياق الاجتماعي يمكن ربط الرواية بالمقام غير الرسمي، في حين تناط الشهادة بالمقام الخاص المتمثل في القضاء، وشهادة الشهود التي يشترط لها شروط صحة هي: الحرية والذكورة والعدد، لافتاً إلى إمكان التأليف بين فعلي الرواية والشهادة في فعل كلامي مركب، يمثل له برؤية الهلال في رمضان، فهو شهادة ورواية في الآن نفسه في سياق الفعل الإخباري الكلي، ويوجّه القرافي في فعل الشهادة إلى إمكان تحوله إلى فعل إنشائي صريح على صيغة: أشهد أن كذا وكذا قد حصل، وهذا بخلاف البيع فإن القائل إذا قال: أبيعك، لم يكن إنشاءً للبيع بل إخباراً به، أو وعداً به في المستقبل، ولو قال: بعتك كان بيعا محققا، فالإنشاء في الشهادة بصيغة المضارع، وفي العقود بالماضي، مما يعني ضرورة إدراج فعل الشهادة تحت صنف الفعل الإيقاعي. كما يجنح الآمدي في إحكامه إلى معياري: الواقع والقصدية، اللذين استندت إليهما اللسانيات التداولية في تمييز الفعل الوصفي والفعل غير الوصفي، لكي ينضبط الخبر من حيث الأنواع التي يمكن إجمالهما في الخبر الصادق المطابق للواقع وضده الكذب، وما يعلم صدقه أو كذبه، وما لا يعلم صدقه وكذبه، وخبرا التواتر والآحاد. ولعل من صور الاحتفاء بقوة الفعل في الإنجاز اللغوي، تركيزهم على عدم الأخذ بالشاذ والنادر من أقوال العرب في الاستدلال الشرعي، ويظهر ذلك جلياً في الرد على من قرر اختصاص "من" الشرطية بالذكر دون الأنثى، متمسكاً بذلك في عدم قتل المرتدة في حديث: "من بدل دينه فاقتلوه." وفي هذا السياق احتج الطرف الأول بقول ضعيف حكاه سيبويه من تقسيم العرب لـ (من) بحسب المذكر والمؤنث، فإنهم قالوا في المذكر: من ومنان ومنون، وفي المؤنث: منة ومنتان ومنات، وذهب سيبويه إلى أنه بعيد لا تتكلم به العرب، ولا يستعمله إلا نفر قليل منهم، بينما ذهب جمهور الأصوليين إلى نقد هذا الموقف، لشذوذه، وعدم اطراد استعمال صورته في التداول اليومي للغة العربية.كما لفتوا الأنظار أيضا إلى البعد التداولي للإنشاء في ضوء محاولتهم التأسيس لقواعد فهم النصوص، واستنباط الأحكام منها؛ ففي مبحثي الأمر والنهي على سبيل المثال تم تمييزهم للأفعال الإنجازية الطلبية، من منطلق كون الأمر في العموم استدعاء للفعل بالقول ممن هو دون الآمر، ويكون النهي بخلافه استدعاء بالقول ممن هو دون الناهي على سبيل الوجود، وفي ساق ذلك فرقوا بين أفعال الإذن والإباحة والمنع، مما يعني وجود التفريق بين الأوامر المتفاوتة في درجة الأمر، فالضرورات أكثر تأكيداً من الحاجيات، وهذه أكثر تأكيدا من التحسينات، وهو تصور قريب لمبدأ قوة الفعل في نظرية سيريل للأفعال الكلامية، وفي سياق عرض الأفعال الكلامية بين المباشرة وعدمها، يميز الشاطبي بين الأمر الصريح وغير الصريح، فالصريح نوعان: أولهما مجرد من العلة مثل قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، (البقرة: 43) وثانيها مؤسس على العلة والقصدية بالاستقراء، مثل قوله تعالى: فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ. (الجمعة: 9) فالمقصود إقامة الجمعة لا الأمر بالسعي لها فحسب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق