السبت، 14 مايو، 2011

الوضع اللغوي بالمغرب في أفق العولمة

------------------------------------------------------------------------------------ الوضع اللغوي بالمغرب في أفق العولمة نحو إيكولوجيا لغوية(*) مبارك حنون ------------------------------------------------------------------------------------ لقد حاولنا أن نبسط، بنوع من الجرأة الفكرية، موقفا عن الوضع اللغوي بالمغرب وعن موقعة اللغات بالمغرب. وكنا نخص بالذكر اللغتين الوطنيتين: العربية والأمازيغية ولهجاتهما عملا على إدخال المواطن في قلب هموم العصر وهمومه بوسيلة تواصله الروحية، ولا نعتقد أن مثل هذا الموقف يناهض أي لغة من اللغات الأجنبية المستعملة في المغرب، وإنما يخصها بموقعها الثقافي والحضاري الذي ينبغي أن يخدم اللغتين المحليتين لا أن يحاربهما في عقر دارهما. فقد ولى زمن الاستيطان اللغوي. تمهيـد: تعرف الساحة الثقافية والفكرية، منذ التسعينات على وجه الخصوص، نقاشات ساخنة وحادة بخصوص موضوع الوضع اللساني (الثقافي) بالمغرب ومكانة اللغتين العربية والأمازيغية فيه من جهة، ووضع اللغة الفرنسية واللغات الأجنبية الأخرى بالبلاد، من جهة أخرى. وقد تشعبت مختلف هذه الآراء بين موقف مناهض للغة العربية والعروبة ومطالب بتعويض العربية بالأمازيغية، وموقف يطالب بمساواة بين اللغتين باعتبارهما لغتين وطنيتين، وموقف رافض للأمازيغية باعتبار أن التاريخ لم يسعفها على الانتقال إلى مصاف اللغات المكتوبة. أما بخصوص اللغة الفرنسية، فكلما ارتفعت أصوات مطالبة بإحلال العربية محل الفرنسية في الكثير من القطاعات إلا وأقامت الفرنكوفونية القيامة وجيشت الأقلام والعواطف والمعاول للنيل من العربية أساسا، وهو نيل من الأمازيغية أيضا وإلحاق للضرر بالفرنسية. وقد توزعت الكتابات عن العربية والأمازيغية بين كتابات ذات طابع أكاديمي بارز، وكتابات ذات طابع سياسي محض(1)، فيما غلب على الكتابات المدافعة عن موقع متميز للفرنسية طابع إيديولوجي سياسي تؤطره الفرنكوفونية. وقد غلب على هذا الجدل والجدال الطابع السجالي الحماسي الذي لا يعرف معه النقاش النضج المطلوب، والطابع العدائي الذي يسد كل أبواب الحوار والأخذ والعطاء قصد بلورة موقف واحد وموحد. وفي سياق تطهير هذا السجال وإنضاج النقاش على طريق صياغة موقف عقلاني وواقعي تندرج هذه المساهمة. ولمحاولة تقريب ما نرمي إليه من الأذهان نتناول هذا الموضوع ضمن إطار ما صار يعرف بالعولمة كنظام فكري وثقافي وما يطرحه علينا من تحديات ومن مهام علمية وفكرية وثقافية حمائية. وتتحكم في رقاب هذا الموضوع أسئلة عديدة من قبيل: بأي وضع لغوي نستقبل ما يسمى بعصر العولمة؟ وبأي وعي لساني نلج هذا العصر؟ أهو وضع (ووعي) لغوي متأخر أم متقدم؟ وهل يسمح أولا يسمح بالتحديث؟ وما دور اللغة(ات) في التحديث؟ وبأية لغة(ات) ننجز هذا التحديث؟ وكيف حال اللغة(ات) التي يراد لها أن تحدثنا؟ وهل عمل كل ذلك التراكم اللساني العربي والمغربي (أو حول العربيات والأمازيغيات) على بدء لبنات التحديث؟ هذه هي الأسئلة الموجهة التي تتناسل في ثنايا هذا العمل. تنقسم هذه الدراسة إلى قسم أول نطرح فيه الإطار الذي يحكم أفق تصورنا للمسألتين الثقافية واللغوية، ويتعلق الأمر بالعولمة ودواعي معاودة النظر في البعض من مفاهيمنا (القسم 1)؛ ونردف هذا القسم بقسم ثان نخصصه لآثار العولمة على الثقافة واللغة، ومن ثمة نطرح تصورنا لمفهوم المواطنة (القسم 2)؛ فيما نفرد القسم 3 للحديث عن الجهة ومكانتها في زمن العولمة مع تناول بعض سمات وضعنا اللغوي. ونتناول في القسم الرابع تحديدا وتدقيقا مفهومي الوحدة والاختلاف. أما القسم الخامس فنعرض فيه بعض الأفكار الأولية عما يسمى باقتصاد التعددية اللغوية. فيما نعرض في القسم السادس للعلاقة بين العربية والأمازيغية. ثم نخصص القسم السابع لذكر بعض سمات التنوع الثقافي واللغوي ومستويات التفاوت بين الثقافات واللغات المستعملة في المغرب؛ ونساهم في القسم الثامن في بلورة ملامح أولية للحل الحداثي الممكن للمسألتين الثقافية واللغوية في بلدنا، ونحن لا نقوم إلا برسم المعالم الأولى للوصول إلى مجتمع الحداثة. ونختم هذا المبحث بخلاصة. 1 ـ في العولمة والسياسة: تحدد العولمة باعتبارها مجتمعا إعلاميا شاملا وشموليا، ومجتمعا تنتشر فيه المعرفة والعلم واللغة(ات) ويتم تعميمها بحرية منقطعة النظير، أي مجتمعا تنسج فيه علاقات رمزية اتصالية. وإذا كانت هذه هي الخاصية الأولى للعولمة، فإن الخاصية الثانية تتمثل في اختراقها للحدود. ومؤدى هذه الخاصية أن مجموعة من الهويات والخصوصيات ستتعرض لمخاطر التذويب وأن ترويج ثقافات سيكون على حساب ثقافات أخرى خاصة إذا علمنا أن الثقافة الأمريكية ثقافة متنوعة، بل إن الكيانات الصغيرة وحتى المتوسطة لن تعرف سوى التفتت لينفتح المجال أمام التكتلات الكبرى (الصناعية والثقافية واللغوية)(2)، مثلما ستعرف المجتمعات المغلقة انفتاحا قيصريا أو غزوا لها. هكذا، يبدو أن العولمة لا ولن تقتصر على المستويين السياسي والاقتصادي، وإنما يتعدى تأثيرها ذلك فتشمل الأبعاد الفكرية والثقافية واللغوية. وقد تتبدل، تبعا لذلك، الكثير من المفاهيم المتداولة، اليوم، في ثقافتنا وفكرنا. إلا أن رد فعل الدول والشعوب المستضعفة والمثقفين ورجال السياسة الحالي –دفاعا عن الهوية الثقافية واللغوية ودفاعا عن الموقع السياسي والاقتصادي- يؤشر إلى أن بعض المفاهيم سيطول عمرها ومفعولها فينا، بل إنها قد تعيش مرحلة ازدهار وانتعاش وستشكل رمزا كبيرا في سوقنا الرمزية لأنه سيتوسع ليشمل ما لم يكن يشمله في السابق. وفي ضوء ذلك، أتصور أن الكثير من إشكالياتنا السياسية والفكرية والثقافية واللغوية ينبغي أن تعاد صياغتها أخذا بعين الاعتبار لنظام العولمة ومستجداته. 2 ـ العولمة والثقافة واللغة: ومما ينبغي إبرازه أن الثقافة واللغة(3)، في عصر العولمة ووفق منطقها، تخضع للتعميم والانتشار بنفس الطريقة التي يسري بها التعميم والانتشار على البضائع التجارية. وإذا كانت البضائع الصناعية والتجارية تعرف الرواج بفضل المؤسسات الإشهارية، فإن المعارف واللغات (اللغة الإنجليزية) تعرف نفس الوتيرة في الرواج ولها مؤسسات إشهارية توظف أساليب جديدة في التسويق. ومعنى ذلك، أن العولمة تتخذ لها منحيين اثنين متكاملين: أحدهما اقتصادي وتجاري، والثاني ثقافي ولغوي. ومثلما عملت المؤسسات الإيديولوجية للعولمة على تحبيب النمط الاقتصادي والاجتماعي في عديد من الدول والبلدان، فهي تعمل على تحبيب النمط المعرفي والعلمي والثقافي واللغوي عند عدد من الشعوب والأمم ومثقفيها. وتسند هذا التوجه صناعة ثقافية وفكرية ومعرفية ولسانية راقية. وتبعا لذلك فنحن نشهد تحولا خطيرا لا في المشهد الاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل أساسا وأيضا في المشهد الثقافي واللغوي، بحيث إننا نشهد تنميطا ثقافيا ورمزيا ولغويا من شأنه أن يدمر رموزنا الثقافية ولغاتنا أو أن يحتويها احتواء يذيبها بالتدريج أو يضعفها إلى أقصى درجات الإضعاف. إننا نعرف ازدهار نموذج سياسي واقتصادي واجتماعي ومعرفي وثقافي ولغوي. ذلك أن العولمة طريقة في انتعاش السياسة والثقافة والفكر واللغة. ومن الجدير بالذكر القول بأن العولمة، كما أشار إلى ذلك مالكولم واترز، ما هي إلا النتيجة المباشرة لانتشار الثقافة الأوروبية عبر كوكبنا من خلال الاستيطان والاستعمار والمحاكاة الثقافية (4)، إنها، من هذه الزاوية، هيمنة على السوق الدولية للأفكار وتأثير في طرائق العيش وفي التفكير والتصور واللغة وكل الأبعاد الثقافية. هكذا تكون الثقافة عبارة عن الترتيبات الاجتماعية لإنتاج الرموز وتبادلها والتعبير عنها، تلك الرموز التي تمثل الوقائع والعواطف والمعاني والمعتقدات والمفضلات والأذواق والقيم (5). ويعني ذلك التبادل الرمزي بواسطة التواصل الشفوي والنشر والإنجاز والتعليم وفن الخطاب والطقوس والتسلية والدعاية والإعلان والاستعراض العمومي ومراكمة المعطيات ونقلها والعروض (6). ومن ثمة، فإن المشهدين الثقافي واللغوي يشهدان تحولا عميقا تغطيه وتخدمه الإنجازات العلمية والمعرفية الكبرى: ويتعلق الأمر بقطبين: قطب ثقافة ولغة عالميتين، وقطب ثقافة ولغة محليتين. إلا أن هاتين الهويتين المختلفتين في الظاهر قد لا تكونان مختلفتين في العمق، ذلك أن العولمة مثلما تعمل على إنتاج مؤسسات عابرة للحدود القومية تعمل على إنتاج هويات عابرة للحدود القومية. إن العولمة لن تعمل على خلق عالم موحد، وإنما هي تخلق كما قال ميشال كلوغ (1997) نظاما متشابكا من "عوامل متصلة" (7). وإذا كان نفس الكاتب قد قال بأن العولمة الثقافية لا تنتج ثقافة عالمية وإنما تنتج كوكبا تختلط فيه الثقافات وتتعايش وتتصارع (8)، فإننا نبادر إلى القول، على غرار ذلك، بأن العولمة اللغوية أيضا لا تنتج لغة عالمية (لا ترفع لغة إلى مستوى العالمية)، وإنما تنتج كوكبا تختلف فيه اللغات وتتعايش وتتصارع. ومن نتائج عولمة السوق التجارية والرمزية ظهور ما يمكن تسميته بكوسموبوليتانية أو مواطنة عالمية. ذلك فنحن نذهب إلى أن دولنا القائمة –إذا ما انتقلت إلى الحداثة- توفر لنا هويتنا الأكثر رسوخا(9). وهذا يعني أن من المفاهيم التي لن تذهب بذهاب عصر ما قبل العولمة مفهوم المواطنة الذي لا يبدو أنه سيشكل مستقبلا هذا الزخم الذي يشكله الآن لأن للعولمة مواطنتها الخاصة التي تتجلى في مرجعيتها الفكرية الشمولية. وأعتقد أن مفهوم المواطنة، كما ألفناه في فكرنا السياسي، لن يتيسر له البقاء ما لم نجدد مضمونه اعتمادا على خطة استراتيجية مواجهة لنظام القطب الواحد. لقد اعتدنا على ألا نرى في مفهوم المواطنة إلا جانبها السياسي لأنه ظل مقترنا بالحقل السياسي لا غير ليحيل على المساواة بين كل أعضاء المجتمع في الحقوق والواجبات، وليشير إلى المشاركة أو التعاقد السياسي بين أفراد المجتمع والدولة. بينما بقيت الثقافات واللغات لاحقة بالسياسي ولا ينظر إليها إلا من بوتقته. وأعتقد أن السياسي ليس سوى مظهر مكثف لأبعاد أخرى منها البعدان الثقافي واللغوي، بل أكاد أقول بأن الثقافة تعد مرتكزا أساسيا للعمل السياسي وعمودا من أعمدته وركنا جوهريا من أركانه. إن الثقافة، في تعارضها مع الطبيعة واحتوائها لها، هي المؤسسة للنظام وللدلائل والرموز والقيم… إنها المؤسسة للحاجة إلى الفعل السياسي والمؤسسات السياسية. فهي لا تنحصر في التعليم الممأسس، لأنها هي الممارسات الفكرية والاجتماعية والطقوسية وجميع أصناف السلوكات اللفظية وغير اللفظية.. أما اللغة فهي بمثابة بيت الكائن البشري، فيها ينظم أمور معاشه ويخزن رموزه وثرواته، إنها تأويه وتحفظ أسراره ومنها يرى العالم ويدركه. وقد ذهب المفكر الفرنسي ألبير كامي (10) إلى حد اعتبارها وطنه حينما قال ذات يوم: "نعم، لي وطن: إنه اللغة الفرنسية". وبناء على ذلك، فالمواطنة ثقافية ولغوية، وتوازي في ذلك، على الأقل، المواطنة السياسية. وأقصد بالمواطنة الثقافية واللغوية التوزيع الثقافي واللغوي لأفراد المجتمع على قاعدة الاعتراف بالمساواة في الحقوق والواجبات وعلى أساس تعاقد ثقافي-لغوي بين الدولة والمواطن. وبهذا المعنى يكون السياسي عبارة عن تجل للثقافي واللغوي، أي أن المواطن مواطن ثقافي ولغوي أولا ثم تتأسس، بعد ذلك، المواطنة السياسية التي تأخذ بعين الاعتبار هذين البعدين. 3 ـ في العولمة والجهة: وبالنظر إلى خصوصيات تطور واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الموسوم بما قبل الحداثة على مستوى الواقع لا الأذهان، لا يبدو أن مصير مفهوم الجهة إلى زوال. ذلك أنه سيبقى مفهوما منتجا في ثقافتنا السياسية وسياستنا الثقافية واللغوية، باعتبار أن بناء الوطن بناء متفاوت على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية واللغوية، وأن مسألة تماسك الوطن وتوازن مناطقه وتكامل موارده تبدو ذات أهمية قصوى في مجال اتخاذ موقع على مستوى الاقتصاد والثقافة واللغة والسياسة والفكر في العالم في عصر العولمة. وإذا جاز لي أن أركب بين هذين المفهومين: مفهوم المواطنة الثقافية واللغوية ومفهوم الجهة، فإني سأقول: إننا سنصبح، مع نظام العولمة، جهة من الجهات ستخضع لنظام سياسي واحد، ونظام اقتصادي واحد، ونظام معرفي-ثقافي واحد، ولغة واحدة. وبقدر ما في هذا الأمر من تكثيف بقدر ما فيه من اختزال وتفقير. إن المهدد، في الجوهر، هو الثقافة واللغة، أي الهوية: التنوع والتعدد. فاللغة التي ستهيمن لن تكون سوى لغة المعرفة والعلم والاتصال، أي اللغة الإنجليزية. وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن اللغة الإنجليزية، في زمن العولمة، لم تعد، فيما يرى الكثير من الباحثين، لغة أجنبية، بل أضحت لغة مشتركة، لغة "القرية الصغيرة". ومع ذلك، فإن القول بأن اللغة الإنجليزية هي لغة العولمة قول ليس دقيقا إلى حد كبير، فهي ليست اللغة التكنولوجية الوحيدة. فمن المعروف أن اليابان قد حققت تقدما هائلا بواسطة لغتها القومية، وقد تحقق بلدان أخرى تقدمها بواسطة لغاتها القومية. وإذا كانت العولمة تهدد فهي لا تهدد إلا الضعفاء. ولذلك بات علينا أن نكون أقوياء لنتقدم ولنواجه سلبيات العولمة. وحتى إذا قبلنا أن تكون الإنجليزية لغة مشتركة، فإن ذلك لا يعني الإقصاء التدريجي للغتينا مهما كانت الحجة. إننا نعتقد أن هيمنة لغة العولمة ستبقى محدودة، لأن ما تنقله لن يصل إلى ساكنة لا تعرف هذه اللغة. فتكون العولمة، بذلك، وبالا علينا تضر ولا تنفع… وبطبيعة الحال، فالأمر يفرض، في سياق الاستفادة من حسنات العولمة ودرء سيئاتها، نهضة لغوية أو لنقل سياسة لغوية جريئة تواكب وتعزز نهضة فكرية وسياسية. ومن دلالات ذلك تقوية نفوذ ثقافاتنا ولغاتنا. ولأننا لا نقبل أن تكون مواطنتنا الثقافية واللغوية معدومة، فإنه لا يعقل أن نرضى لأنفسنا، اليوم، بتعددية ثقافية ولغوية مسخ تخدم السياسي ولا يخدمها السياسي. إن التعددية المفروض قبولها هي تلك التعددية التي تؤهلنا لمواجهة نظام العولمة – على المستوى الثقافي واللغوي. إن الأمر يتطلب إعادة النظر في الخريطة الثقافية واللغوية التي ينبغي صنعها اعتمادا على الواقع اللغوي وواقع التعددية اللغوية. إننا نستقبل عصر العولمة في وضع لغوي يتسم بالفوضى واللاعقلانية ويشكل حجر عثرة في أية محاولة للتقدم نحو الحداثة. وتتجلى هذه الفوضى في وجود مشهد لساني متنافر يميزه التوزيع غير المتكافئ للوظائف على اللغات العاملة في الوطن. إن بلدنا، على المستوى اللساني، لا يتوفر على أي تشريع لغوي. وقد عمل هذا الغياب على انتشار الفوضى والتلوث اللغوي والارتجال والتشنج والارتزاق. وقد يظن، الآن، أن طريق الانتقال نحو الحداثة التي نسلكها هي طريق نفوذ القانون والحرية والنظام والعلم(11). لقد آن الأوان لإيجاد نصوص قانونية تنظم الممارسات اللغوية وتنظم الوظائف وذلك اعتمادا على ثوابت تقوم على صيانة اللغات المحلية وتطويرها وإحلالها المحل الرمزي المناسب. إن على الدولة أن تعمل على الدفاع عن اللغة العربية واللغة الأمازيغية أمام التنافس غير المتكافئ للغات الأجنبية، تنافس لغات عزلاء من وسائل الحداثة ولغات مدججة بحراب الحداثة، إنه تنافس من أجل السلطة الرمزية، وإذا انهزمت السلطة الرمزية انهزمت الهوية وباتت اللغة مهددة بالانقراض. إننا نحتاج إلى صناعة لغوية رصينة وقوية وسياسة لغوية تحمي بضائعنا اللغوية، مثلما نحتاج إلى الحفاظ على لغاتنا وصيانتها بدل العمل على استئصالها و/أو إضعافها. إن سياسة إيكولوجية لغوية أصبحت الآن مطلوبة، إننا بحاجة إلى تهيئة لسانية. ولن يصوغها اللساني وحده أو السياسي وحده، إنها مسألة وطن بكل ناسه وكفاءاته ومؤسساته وتاريخه ومستقبله. من البديهي أن الجهة تحيل على أمرين اثنين: إنها تحيل على الوطن ككل، على المركز، على الحاوي والشامل، على الإطار الموحد، على الثوابت والأركان والمقومات…، ومن جهة أخرى، تحيل الجهة على رقعة من الكل/ على جزء، لنراه عن قرب، على المحتوى والمشمول، على الموحد، على المتغيرات والمتنوعات. وبهذا المعنى، تعني الجهة بعثا وإحياء لثقافة الاختلاف ولغة الاختلاف، وتركيزا عليها، بل إنها الاختلاف والكشف عنه وإبرازه والعناية به: اختلاف في الموارد البشرية والطبيعية، واختلاف في البنيات الاقتصادية، واختلاف في الثقافة، واختلاف في اللغة. إن الجهوية هي الاستنساخ الجغرافي للديمقراطية السياسية، للديمقراطية الثقافية، وللديمقراطية اللغوية أي إمكان تطبيق سياسة لسانية محلية تنسج مع باقي السياسات اللسانية المحلية سياسة لسانية وطنية. 4 ـ في الوحدة والاختلاف: الوحدة، في أساسها، اختلاف وجمع بين متناقضات. إنها خصوصيات ثقافية ولغوية، إنها تمايزات على مستوى المخزون الثقافي والتجديد الثقافي وتمايزات على مستوى اللغة بنية واستعمالا. ونشير بهذا الأمر إلى الثقافات المتخالفة والمتغايرة والمتعددة المنابع والمتصارعة والمتساكنة، كما نشير إلى اللغات المختلفة المتفاوتة في الوضع والتطور والاستعمال. لكننا نشير بذلك، في ذات الوقت، إلى أن الوحدة تكمن في هذا التنوع بالذات. وهو تنوع انصهر في أمر واحد، لكن هذا الانصهار لا يعدم ذلك التمايز والتفرد، بل أغناه وشرعنه. إن التعدد شرط للوجود وشرط لوحدتنا وللضمير الجمعي والفردي على حد سواء، وهو منبع صلابة المعرفة وثرائها ومصدر لثراء الرموز والدلائل وصناعتها. إنه الرقعة التي تجمع فسيفساء (بالمعنى الجميل للكلمة) من الثقافات وتعددية من اللغات وتنوعا من صيغ التفكير. وبذات الوقت، تعتبر الوحدة شرطا للوجود ولتعددنا ولتمايزنا. إن التنوع يتضافر من أجل رص الوحدة. والوحدة لا تعني الانصهار أو الصهر. وهي لا تلغي التنوع، ولا تعني التضحية بالاختلاف وإقصاءه وضرب التعدد. إننا حينما نقول: 1 + 1 = 2، فإن 2 ليست إلغاء لـ: 1 + 1. لكن الاختلاف لا يعني التطاحن والتباعد، لا يعني الضد، لا يعني الانعزال، لا يلغي الاتفاق، ولا يذهب بالوحدة، بل ينميها وتنميه. إننا حينما نقول: إن 2 هي 1 + 1، فهذا لا يعني التنكر لـ 2 الجامعة بين هويتين مختلفتين. وبطبيعة الحال، فالهوية لا يخلقها الانعزال ولا يرسم معالمها إلا الاحتكاك والمعاشرة والاتحاد. غير أن الاختلاف لا ينفي التشابه إذ لا يتغاير إلا ما يتشابه. بل إن التشابه هو أس الاختلاف، هو أرضيته، إنه قبل الاختلاف. فقد أصبح من باب البديهي القول بأن ما يتشابه هو الاختلافات، وبأن ما يتشابه هو الذي يتغاير ويختلف وبأن الواحد ليس سوى درجة من الآخر على حد تعبير دوركهايم(12). وإذا صح ذلك صح معه أن الثقافات واللغات تخفي تشابهها. فلنبحث عن المتشابه في اختلافنا. التشابه الممتنع عن الرؤية والإدراك إلا إذا ما أسعفنا الاختلاف، والاختلاف الذي لا نفهمه إلا بالتشابه. فالتشابه هو الاختلاف، والاختلاف هو التشابه. إننا نقول بـ حتمية التشابه والتغاير بين الناس لأنه هو السائد بيننا ولأنه خاصية كلية مهمة عند الإنسان. وهذا يعني أمرا واحدا مفاده أن يتعامل المتشابهان والمتغايران على قاعدة التمايزات بالنسبة للأولين، وعلى قاعدة القواسم المشتركة بالنسبة للثانيين. إن التشابه لا يعني التطابق، مثلما لا يعني الاختلاف التضاد. وإذا كان الاختلاف ينبغي أن يولد الاجتهاد، فكذلك الأمر بالنسبة للتشابه الذي لا ينبغي أن يولد التقاعس وتكلس الفكر. وإذا قبلنا الاجتهاد قبلنا، في ذات الوقت، الاختلاف والتنوع. وهذا يعني أن هناك عدة دوائر انتمائية في هذا المجتمع أو ذاك وذلك ضمن الهوية الواحدة. وإن أي فكر لا يقبل الاختلاف ويحاربه لن يشيع سوى توسيع دائرة الاختلاف، مثلما أن أي فكر لا يقبل حتمية التشابه ويناهضه لن يعمل سوى على تغذية النزعات العدمية والانشقاقية. 5 ـ اقتصاد التعدد اللغوي: إننا نتصور أن الوطن وطن هويات وأن السياسة تدبير لمختلف هذه الهويات، تدبير للتعدد. ومن البديهي أن للتعدد اللغوي تأثير على النمو الاقصادي، وأن للعوامل الاقتصادية علاقة بالاختيار الاجتماعي والفردي واستعمال اللغة… ولذا فتدبير اللغات (التعدد اللغوي) قد ينظر إليه باعتباره من أعوص ما يمكن تدبيره. وهذا يعني أن موضوع التعدد اللغوي موضوع سياسي وموضوع لساني وموضوع اقتصادي. وكان ماكي قد أشار إلى أن القيام بسياسة لغوية ليس مسألة أكاديمية صرف، فهي في أغلب الأحيان جواب عملي عن ضغوط اجتماعية واقتصادية وسياسية(13). وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هناك مقاربة للتعددية اللغوية في نطاق الاقتصاد. فقد دأب بعض اللسانيين الغربيين على معالجة هذا الموضوع بمنطق العلاقات بين اللسانيات والمتغيرات الاقتصادية، بما يعنيه ذلك من كلفة وفائدة. لا شك أن للتعددية اللغوية كلفة وثمنا، إلا أن استحضارها لا يعني تغييب طرفها الآخر وهو الفائدة. وأعتقد أنه من الخطإ تبني النزعة الاقتصادوية في أمور الثقافة واللغات، فلا تحق الدعوة إلى التقليل من النفقات أو ربح الوقت، فكم من تقشف كان استهتارا بالمصالح الحيوية وكم من ربح للوقت كانمضيعة لما هو أهم من الوقت، وأقصد الكيان والهوية(14). ومؤدى هذا الكلام البحث عن فحص التوازن بين الكلفة والفائدة وإقامته. ولا يعني أن لهذا التصور صلة بالمال، بل المقصود هو توضيح البدائل والمقارنة بينها للتوصل إلى أي فعل سينتج الفوائد الكبرى بأقل كلفة، والتفكير في النتائج الممكنة للمخطط والتفكير في الكلفة والفائدة معا والعلاقة بينهما، والنظر في ما إذا كانت الفوائد تبرر الكلفة (15). وحتى إذا كان ينظر إلى الكلفة بمنطق المال، فإن الكلفة أهون من التمزق والتشتت وأهون من العنف اللغوي. ومن البين أن للتعدد اللغوي فوائد فردية واجتماعية واقتصادية، فضلا عن الفوائد الثقافية واللغوية نفسها. إننا لا نعتقد أن التعدد، الذي هو واقع لا يرتفع، منبع متاعب وأصل نزاعات، وأنه فتنة وتشتت وتدمير كما توحي بذلك أسطورة بابل (16)، ولا هو مدعاة إلى إضعاف لغة لفائدة أخرى، ولا هو بالتعدد السالب. إن التعدد لا مفر منه ومرغوب فيه. إلا أن مسألة تدبير هذا الثراء مسألة حيوية وتحتاج إلى الاجتهاد، غير أن التدبير ذو أهمية قصوى إذ به يتم تدبير تنازع القوى وتدبير روح الهيمنة وتفادي الاصطدام. وهذا الأمر هو الذي يدعو إلى إيجاد تخطيط ليتحكم في واقع التعددية ويعمل على حفظ التوازنات بين اللغات. إلا أننا نعي أن للتخطيط اللغوي حدوده. ومنها الكلفة. لذا فإن التحليل القائم على الكلفة والفائدة يمكنه أن يساعد في تقويم المخطط المقترح، وإن كانت الكلفة والفائدة لا تقومان بالضرورة بمنطق المال كما أشرنا إلى ذلك أعلاه. 6 ـ عن اللغة العربية والأمازيغية: من هذا المنظور المسطر أعلاه، نعتقد بأن الثقافتين واللغتين العربية والأمازيغية قد شكلتا ما يمكن أن ننعته برباط رمزي صهره الدين والتاريخ وزادت من لحمه وحدة المصير ووحدة الأهداف. وهو رباط لا ينبغي أن ينقطع بل تجب صيانته، وليس في هذا القول ما هو سياسي فقط، بل فيه ما هو ثقافي ولغوي… لقد عمل العرب والأمازيغ معا على تكوين الهوية الوطنية بمختلف أبعادها، وساهموا جميعا في تطوير الفصحى وإحلالها المكانة التي احتلها. وقد تولت إشباع هذه الهوية المتعددة-الموحدة اللغة العربية التي استخدمها الجميع باعتبارها أداة في سبيل النهوض والتقدم والتحرر والسيادة. وقد ظلت الأمازيغية، مع ذلك صنوا للغة العربية في التعبير عن الروح الإسلامية وعن الهوية الثقافية. ولم يلاحظ، نتيجة هذا التلاحم، أي وجود لشرعيات مختلفة نظرا لتعقيد الوضع الرمزي في البلاد، ولا لاحظنا صراع شرعيات مختلفة. ومن الملاحظ أن التاريخ لم يشهد، فيما أعلم، تعارضا بينهما أو صراعا، بل عززا بعضهما البعض ضد خطر التوحيد اللساني الذي قادته اللغة الفرنسية، ونرجو أن يستمرا في نهج نفس الاختيار ضد خطر التوحيد اللساني الذي تقوده العولمة. إننا نتصور أن مصير اللغة العربية مقترن بمصير الأمازيغية، مثلما أن مصير الأمازيغية مقترن بمصير اللغة العربية، فهما معلمتان وطنيتان. إن اللغات، حتى وإن كانت متساوية لسانيا، قد تكون ضحية عوامل تاريخية وحضارية، وهذا هو ما فوت على الأمازيغية نهضتها واحتلالها للموقع الذي كان بإمكانها أن تحتله، فأسندت السياسة وغيرها إليها وإلى اللغة العربية وظائف متنوعة ومتفاوتة ووزعت عليهما أدوارا غير متكافئة. وبطبيعة الحال، فهذا التوزيع الوظيفي غير أزلي، وهذه الوظائف غير خالدة. إلا أن العربية اليوم قد صارت لغة المركز في هذا المحيط المتعدد الألسن(17). فشكلنا بذلك ومع ذلك ونريد أن نشكل، على الدوام، مجموعا حضاريا متجانسا. 7 ـ في التنوع الثقافي واللغوي ومستويات التفاوت: وإذا كنا نركز على التنوع الجهوي وعلى تفرد الجهة، فلأننا ندرك أن هناك تفاوتا في النمو على كافة المستويات ومنها المستويان الثقافي واللغوي. ويجدر بالذكر أن نبرز، هنا، أن للثقافة الشعبية الفضل في التعبير عن اختلاف مقوماتنا وتغاير أبعادنا التي شكلت وحدتنا وهويتنا. ويتجلى هذا التفاوت، على المستوى الثقافي، في ما يلي: 1 ـ إهمال الثقافة الشعبية الشفوية اللفظية وغير اللفظية أو تسييح الكثير من جوانبها بل وتهريبها. والحال أن هذه الثقافة تعكس فكرا وإبداعا وترمز إلى هوية (أو هويات لا تختلف إلا لتتوحد، ولا تتوحد إلا لتختلف). 2 ـ عدم توظيف ثقافتنا الشفوية والبصرية الشعبية باعتبارها أهدافا للمعرفة والإبداع والخلق. 3 ـ استغلال سياسي للثقافة الشفوية 4 ـ الاحتفال بالمكتوب والرسمي. كما يتجلى هذا التفاوت، على المستوى اللغوي، في ما يلي: 1 ـ الازدواجية بين العربية المكتوبة والعربية المنطوقة. وخلق مناطق نفوذ حياتية وتواصلية لكل منهما، وإدامة علاقات الانفصام والتصارع بينهما وتهميش الدارجة المغربية عن مجالات الفصحى وتغريب اللغة العربية الفصحى (غربتها) عن قطاع التواصل بالدارجة وعن قطاع التواصل باللغة الفرنسية. ومن المعلوم أن العربية الفصحى تشكل الإطار المرجعي للدارجة المغربية. لقد أريد للعربية الفصحى أن تبتعد عن الاستعمال اليومي وعن الاقتصاد والتكنولوجيا- وباختصار عن القطاعات الحيوية التي تفرض على الدولة والباحثين والمستعملين تطويرها وتطويعها لسنن التقدم والمواكبة حتى لا تنخرط في سيرورة تطويرها وتطويعها وحتى يصعب تمثلها لوسائل الاتصال ومواكبة مستجدات العلوم والتكنولوجيا. وهذا يعني أن اللغة الفرنسية ليست أبدا لغة الانفتاح على الغير، إنها ليست لغة تواصل وإخبار فقط، إنها تحتل مواقع حساسة في المعمار المعرفي والثقافي والسياسي والاقتصادي لبلدنا، وهي مواقع لا ينبغي أن تشغلها بأي حال من الأحوال، وبذلك، فهي تعرقل أي تقدم للعربية والأمازيغية أو نهوض بهما. بل إن الأدهى من ذلك هو ألا تكون للعربية السيادة على كافة المرافق التواصلية وأن تكون للغة الفرنسية. والغريب أن ينظر إلى اللغة الفرنسية مثلما ينظر إلى اللغة العربية. فالفرنسية قد اكتسبت شرعية ثقافية وأصبحت تلعب دورا تكميليا للغة العربية. بل إننا نعمل، على المستوى الرسمي وغير الرسمي، على "تجنيسها اللساني"(18). ومن البديهي ألا يكون هذا الأمر صحيحا. وذلك: 1) لأن اللغتين تتصارعان النفوذ؛ 2) لأن الفصل بينهما فصل غير وظيفي. أليس من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم السيادة السياسية التي لا تأخذ بعين الاعتبار السيادة اللسانية والأمن اللساني؟ وفي حقيقة الأمر، فإن ما نعيشه يتجاوز الازدواجية. فهناك العربية الوسطى التي خلقها وعززها التمدرس، وهي توظف في ما لا توظف فيه العامية، ولعلها تقلل من الحيز الذي كان مخصصا للغة العربية الفصحى. إلا أننا نستدرك قائلين بأننا لا نقول بأن تصبح الفصحى لغة التواصل اليومي فذلك أمر ليس في المتناول تفسره أسباب بنيوية وتاريخية. فقد نشأت الفصحى باعتبارها لغة الكتابة، وقد كانت تستمد من العامية(ات) ما تحتاج إليه من زاد معجمي أساسا، ولم تزاحم قط اللهجات في ما كانت تؤديه من وظائف. ولا نعتقد أن العلاقة بينهما كانت –ولا هي الآن كذلك- علاقة تصارع ونزاع أو تطاول، ولم يفكر، فيما نعلم، أي لغوي قديم أو حديث في أن تحل الفصحى محل الدارجة في التواصل اليومي. ولا يبدو أن التاريخ قد سجل مثل هذا النزاع(19). ولا شك أن مثل هذا الوضع بين هذه العربيات الثلاث يستوجب، على المستوى البيداغوجي، بلورة بيداغوجيا الانتقال من اللهجة أو العربية الوسطى إلى الفصحى. إلا أن هذا العمل البيداغوجي لا يتأتى له النجاح ما لم تسنده دراسات لسانية مقارنة بين الفصحى واللهجة المغربية والعربية الوسطى قصد قياس الفروق بين هذه اللغات وتفسير الانتقال من الدارجة إلى الفصحى وتيسير خطواته وعقلنتها (20). 2) الثنائية اللغوية: سيادة الفرنسية في قطاعات حيوية بالبلاد باعتبار الزعم القائل بأن الفرنسية لغة الانفتاح والتوسط بيننا وبين المعارف، والحال أن اللغة الفرنسية نفسها تعاني مما تعاني منه العربية. إذ صارت الفرنسية تابعة للغة الإنجليزية. وقد أثار هذا الأمر المثقفون الفرنسيون منذ زمان (21). وأسمح لنفسي بأن أستعير من هنري كوبار قوله عن الفرنسية والإنجليزية: "إذا كانت اللغة الفرنسية قد رغبت، باسم الكونية الثقافية، في أن تقصي اللغة البروطونية، واللغة الأوكسيطانية، واللغة الفلامانية، واللغة الألزاسية، واللغة الباسكية أو اللغة الكورسيكية، إذن فباسم كونية أكثر كونية سيكون من حق اللغة الإنجليزية أن تقصي اللغة الفرنسية مثلما يمكنها أن تقصي كل اللغات التي ما تزال حية" (22). إنها اللغة النافعة، فيما ما تزال لغتنا لغة غير نافعة. ومن البديهي ألا تؤهلنا هذه الوضعية لخوض غمار عصر العولمة ولن تيسر على لغتنا العربية سبل الاقتراب من أشد وسائل التكنولوجيا اتصالا بحياة الناس. ومما لا شك فيه أن في سيادة اللغة الفرنسية مسا بالسيادة اللغوية. بل إن الأمر تجاوز الثنائية ليصبح تعددية (الإسبانية، الإنجليزية…) بل إن الفرنسية قد وطنها الكثيرون منا. ومن البديهي، نظرا للمكانة التي صارت للغة الإنجليزية –فهي الآن لغة العلم ومواكبته- أن نعمل على تكريس اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة عملية أولى. 3) تهميش الأمازيغية(ات) بحسب فضاء السوق اللسانية (الحقل العائلي)، والحفاظ على توزيعها إلى أمازيغيات، والإبقاء على حصر وظائفها في التواصل الشفوي. إن الأمازيغية ليست لغة تفرقة، كما أن العربية ليست لغة توحيد لأن للتوحيد لغتين، فكان –ويجب أن يكون- توحيدنا تعدديا. 4) ونضيف إلى هذا الواقع المزج اللغوي (مزج العربيات الثلاث، أو مزج العربيات باللغات الأجنبية)، أو الانتقال من لغة إلى أخرى. نكاد ننتهي مما أوردناه أعلاه إلى تشخيص الواقع الثقافي واللغوي السائد ببلدنا، والذي يمكن القول عنه بأنه يشكل حالة صراع مرضية أو حالة حرب خفية تجند لها كل الوسائل غير اللائقة وغير الحضارية. ذلك أن هذا التعدد الثقافي واللغوي لا يخدم الاندماج والهوية، مثلما لا يخدم هاته اللغات ذاتها، بل إن التخطيط اللغوي المتبع لن ينعكس إلا سلبا على الأرصدة التراثية الثقافية واللغوية التي تتشكل منها الهوية الثقافية الوطنية لأن العلاقات بين هذه الثقافات واللغات علاقات تراتبية لا علاقات مساواة وتكافؤ. ويفضي بنا ذلك إلى القول بأن هذا التعدد الثقافي واللغوي غير متوازن. ومن شأن هذا اللاتوازن أن يفكك المجتمع ويعمل على تنافره وتنمية الانعزال والتمزق داخله. ومن جهة أخرى، لا يتيح مثل هذا التعدد، على المستوى الثقافي واللغوي، إمكان فرز منطق متسق للتواصل. بل على النقيض من ذلك، فإن هذا التعدد يفرز منطقا غريبا للتواصل يلحق الضرر برصيد كل ثقافة ورصيد كل لغة بحيث إنه يفقرها لأنه لا يتيح لها إمكان خلق دلائلها ورموزها ما دامت لغة أخرى تعايشها وتزاحمها توفر ذلك. إننا نستبدل ثقافة بأخرى ولغة بأخرى من مقام إلى مقام مثلما نستبدل أحذيتنا مع ما قد يلحقه بنا ذلك من تمزق نفسي وثقافي ولغوي مريع. إن ما يتم إنتاجه وما تتم ممارسته هجين ومبغول وخطير على هويتنا. 8 ـ في أفق حل حداثي للمسألتين الثقافية واللغوية: سيكون هذا التعدد وهذا التنوع غير ذي جدوى ما لم نستطع التمكن منه بنوع من الواقعية والعقلانية، فذلك هو السبيل الأوحد إلى التمكن من الثروة الثقافية القادرة على إشباع حاجياتنا وتنويعها بما يخدم التقدم والنمو. إن التعدد الذي لا يقوم على ما سماه عبد الكبير الخطيبي بـ السلم اللغوي(23) –وأضيف إليه السلم الثقافي- بين كل اللغات المستعملة (بين كل الثقافات) في المغرب وأساسا العربية والأمازيغية تعدد سطحي. وهذا السلم اللغوي نعتقد أنه يجب أن يقوم على تحديد دور اللغات في محيطنا الذي يتطلب منا، أولا، إعادة الاعتبار للغة العربية باعتبارها تتماهى مع مرجعية تاريخية وثقافية وأن الدعوة إليها ليست مطلبا إثنيا أو قوميا (24). وبناء على ذلك، فقد يكون من المنطقي والمعقول أن ننادي بتعدد لغوي وثقافي حقيقي لا تتصارع فيه اللغات وتقصي فيه إحداهما الأخرى، بل تعدد لغوي تتشارك فيه اللغات وتتعاون وتسند كل منها الأخرى، تعدد لغوي تتولى إشباعه(25) اللغة العربية باعتبارها لغة معرفة واتصال وإدماج. وبذلك نحقق متطلبا رئيسيا في حياة مجتمعنا أي أن تكون قاعدته التجانس اللساني والثقافي. وهذا لعمري هو الميثاق الذي ينبغي توقيعه. في هذا المحيط نريد للأمازيغيات أن تتطور وتبلور أمازيغية واحدة، وفي هذا الكنف الوجداني المشترك نريد للأمازيغية أن تستفيد من العربية في ما يتصل بكتابتها. وفي هذا الجو نريد للفصحى أن تسترد مكانتها ودورها في الإدارة والاقتصاد والتجارة والمقالات وأن تندمج مع التكنولوجيا، فتخلق بذلك علاقة ثقافية قوامها الاحترام مع اللغة الفرنسية، لأن الفرنسية الآن هي أكثر من لغة انفتاح ثقافي، بل هي لغة تحل محل العربية في مجالها الحيوي الذي يفتح أمامها إمكانات التطور والحداثة. في هذا الجو، نريد للدارجة وللفصحى أن تنسجا في ما بينهما علاقات أخذ وعطاء، علاقات تكامل. إن بلدا ليس فيه تشريع وتخطيط لغويان بلد لا يمكن إلا أن يفرط في حقوقه اللغوية. إن بلدا لا تكاد مؤسساته الرسمية وغير الرسمية (وزارة التربية الوطنية، وزارة التعليم العالي، وزارة الثقافة، مؤسسات التعريب…الخ) تهتم بوضع اللغات بالمغرب وبتصحيح هذا الوضع، وبإصلاح اللغات وصيانتها وتحديثها لهو بلد يهدر طاقاته… إن بلدا يصلح سياسته، ويصلح اقتصاده، ويصلح تعليمه، ويصلح تجارته، ويصلح سياسته ولا يفكر في إصلاح أوضاعه اللغوية وترشيد لغاته لهو بلد قد عرض هويته للاضمحلال. إن إصلاح التعليم الذي يفكر فيه اليوم رجال السياسة إصلاح ناقص ما لم يسبقه أو يواكبه إصلاح لساني، لأننا نتصور أن أي إصلاح لساني سابق على أي إصلاح تربوي، وأن أي مشروع لساني منسجم ومتماسك سابق على أي مشروع إصلاح تربوي. إن في قلب إصلاح التعليم إصلاح الوضع اللغوي الفاسد. لا توافق مع التلفيق اللغوي، ولا حداثة مع تأخر لغوي. إن التوافق الحداثي هو القادر وحده على البحث عن حل واقعي وحداثي للوضع اللغوي، أي الاتفاق حول أولويات لغوية. وفي هذا السياق، فإننا نؤكد أمر إدخال الفصحى في القطاعات التي تهيمن عليها اللغة الفرنسية، بما في ذلك قطاعات فرعية في التعليم، وقطاعا الاقتصاد والإدارة. لأن اللغة لن تستعيد حيويتها ولن تتغلب على صعابها إلا باستعمالها للوقوف، لحظتها، على ما قد يعتريها من نقص فنتمكن بذلك من خلق أدوات تحديثها وإنعاشها. إن لغة خارج المدار الفعلي للحياة اليومية والعملية لغة محكوم عليها بألا تتطور وبهذا تبقى كل الإصلاحات التي قد يجريها عليها مثقفوها وعلماؤها إصلاحات فوقية وذهنية لا تجد المجال لتطبيقها وتجريبها. وفي هذا السياق، وجب العمل على نشر أسماء الأشياء بالعربية على نطاق واسع في مختلف مناحي الحياة والحقول المعرفية، إذ إننا لا نستطيع التداول بالعربية في موضوعات ما لم تسعفنا الفرنسية بألفاظها، ويعني ذلك البدء في تعريب الحياة العامة واتخاذها وسيلة لتوصيل المعرفة والتكنولوجيا. مثلما وجب إفساح المجال للأمازيغية لتطور نفسها وتكتسب أهليتها العلمية والميدانية (الخط والمعيرة والتحديث..) إلى جانب العربية لصيانة الميثاق الروحي الذي جمع بينهما في التواصل والمعرفة وللاتحاد ضد سلبيات العولمة وضد إحلال لغاتها محل اللغات المحلية.. هذا التحديث مسؤولية وطنية أخلاقية يتولى القيام به أولا القطاع العمومي باعتباره شأنا عاما، لكن ذلك لا يعفي القطاع الخاص من البدء بالاعتناء به. مثلما يرجى البحث عن حل وضع الفرنسية بما لا يضر بالفئات المستعملة لها (مرحلة انتقالية). إن على اللغات الأجنبية أن تخدم اللغات المحلية لا أن تحل محلها. لكننا نعلم أن تعدد اللغات يعد عائقا أمام التبادل وحركية العمل، والتكنولوجيا والإعلام. ذلك أن تعدد اللغات قد يعمل على تأخير التحديث. 9 ـ خاتمة: لقد حاولنا أن نبسط، بنوع من الجرأة الفكرية، موقفا عن الوضع اللغوي بالمغرب وعن موقعة اللغات بالمغرب. وكنا نخص بالذكر اللغتين الوطنيتين: العربية والأمازيغية ولهجاتهما عملا على إدخال المواطن في قلب هموم العصر وهمومه بوسيلة تواصله الروحية، ولا نعتقد أن مثل هذا الموقف يناهض أي لغة من اللغات الأجنبية المستعملة في المغرب، وإنما يخصها بموقعها الثقافي والحضاري الذي ينبغي أن يخدم اللغتين المحليتين لا أن يحاربهما في عقر دارهما. فقد ولى زمن الاستيطان اللغويn المراجع: - حنون مبارك (قيد الإعداد): العولمة واللسانيات. - الخطيبي ع.، المغرب العربي وقضايا الحداثة، ترجمة مجموعة من الأساتذة، منشورات، عكاظ، 1991، الرباط. - دنييل دريزنر، (يا عولميي العالم اتحدوا)، ترجمة عبد السلام رضوان، الثقافة العالمية، 1998، العدد85. - الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، الطبعة الأولى، 1993. - الفاسي الفهري ع.، المقارنة والتخطيط في البحث اللساني العربي، دار توبقال للنشر 1998، الدار البيضاء. - الفاسي الفهري ع.، حوار بجريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 5434، 1998. - العروي ع.، ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، 1983، الدار البيضاء. - العروي ع.، حوار بجريدة السياسة الجديدة، العدد 231، 1998. - العلمي الخمار، (أفق الهوية)، دفاتر الشمال، شتاء 1998، العدد الثالث. باللغات الأجنبية: - Boukous A., (1995) Soci é t é , Langue et culture, Publications de la facult é des lettres : Etudes et S é ries, Rabat. - Bounfour A., (1997) Le Noeud de la langue, Edisud Aix – en provence. - Cadi, K., (1982) (La culture populaire : La Tamazight (langue ou dialecte en arabe)), Actes de la premi è re rencontre de l ’ universit é d ’é t é d ’ Agadir du 18 au 31 Ao û t 1980. - Cadi, K., (1983) (Vers une dialectologie compar é e du Maghreb : Le statut Epist é mique de la langue Tamazight) Tafsut 1, Etudes et d é bats, Aix – en provence. - Cadi K., (1991) (De la langue à la langue unit é et diversit é de Tamazight), Actes du colloque international de Ghardaya. - Fasold, Ralph (1984) The linguistics in Society, Blackwell. - Hanoun, M., (1982) L ’ Arabe Ecrit et l ’ arabe parl é au Maroc. Etude phonologique contrastive. Th è se de 3 è me cycle, Sorbone, nouvelle, Paris III. - Himmich, B., (1997) Au pays de nos crises. Essai sur le mal marocain. Afrique Orient. - Gobard H., L ’ Ali é nation linguistique. Analyse t é traglossique. Flammarion Paris, (1976). - Mackey William F., (1993) (Language policy literacy and culture, Contexts, contents and constraints). - In : UNESCO, 1993, Language policy, literacy and culture, Report on the Round table of the international conference on Education, Geneva, 18 september 1992, Paris UNESCO. - Smili H., (1998) (Encore une fois la question linguistique au Maroc), In : Temps Pr é sent, n ° 49. - Walters M., (1995) Globalization … Routledge London and New York. (*) نشر قسم من هذه الدراسة في صيغة مغايرة بمجلةالشعب العربي اللندنية، العدد 49، 27 أبريل 1998 وألقي هذا الموضوع بهذه الصيغة في ملتقى الفكر والسياسة الذي نظمه الحزب الاشتراكي الديمقراطي ببوزنيقة أيام 30-31 أكتوبر و1 نونبر 1998. (1) انظر على وجه الخصوص: بوكوس، أ. 1995، 1997 وبنفور، ع. 1997 وقاضي، ق. 1982، 1983، 1985. (2) لا نرمي من خلال هذا إلى التهويل وبث الرعب في الناس كما يفعل الكثير من مثقفينا الذين صاروا يوظفون العولمة كشعار مخيف يواجهون به أية محاولة للنقاش الحر وتعدد الآراء، حتى صارت العولمة رافعة تستعمل لقمع حرية التعبير وحقوق الإنسان. (3) انظر حنون مبارك (قيد الإعداد)، العولمة واللسانيات. (4) 1995، ص3. (5) نفسه، ص8. (6) نفسه، نفس الصفحة. (7) نفسه، ص56. (8) نفسه، ص57. (9) دانييل دريزنر، 1998، ص51. (10) (11) هذه الكلمات لعبد الله العروي، 1998، انظر الحوار الذي أجرته معه السياسة الجديدة، العدد 231. (12) نقلا عن العلمي الخمار، 1998، ص31. (13) انظر: Mackey William، ص13. (14) انظر عبد الله العروي، 1983، ص216 وانظر الحوار الذي أجرتهالاتحاد الاشتراكي مع الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري، العدد 5434. ( 15) انظر: Ralph Rasold1984، ص254-255. (16) انظر أسطورة برج بابل في الكتاب المقدس، ص12. (17) انظر الفاسي الفهري، 1998، ص153. (18) انظر كوبار، هـ. 1976، ص51. (19) انظر حسن الصميلي 1998: ( Encore une fois la question linguistique au Maroc) المنشور بـ: Temps présent، العدد49. (20) كنا قد حاولنا في أطروحتنا لنيل دكتوراه السلك الثالث 1982، القيام بدراسة فونولوجية تباينية بين الفصحى واللهجة لقياس الفروق بينهما، ونعتقد أننا قد انتهينا إلى خلاصات سليمة في جوهرها نرجو أن نعمل لاحقا على تدقيقها وتنقيحها ووضعها بيد القارئ. (21) انظر على سبيل المثال كوبار، هـ.، مرجع سبق ذكره. (22) نفسه، ص128. (23) 1991، ص23. (24) بنسالم حميش، 1997، ص163. (25) التعبير للأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري، الاتحاد الاشتراكي، العدد 5434.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق