الجمعة، 6 مايو، 2011

التلفظ بين اللسانيات و السيميائيات

التلفظ بين اللسانيات و السيميائيات ------------------------------------------------------------------------------- مسكين دايري الجمعة، 30 أكتوبر 2009 -------------------------------------------------------------------------------- 1. التلفظ بين اللسانيات و السيميائيات: ليس للتلفظ مفهوم ثابت ، و متفق عليه بين أوساط اللسانيين و السيميائيين ، و إنما يبدو هذا المفهوم منفتحا على فضاءات بحث عديدة، و لم يقتصر على الميدان السيميائي فقط ، ولذلك نجد مفهوما لسانيا للتلفظ وآخر سيميائيا، وإذا انتقلنا إلى علم النفس، وجدنا مفهوما مختلفا تماما عن سابقيه على الرغم من الاصطلاح الواحدة . و الظاهر أن هناك عدة إمكانات لمقاربة هذه المسألة ، بحيث نجد بعض البحوث تركز على شروط إنتاج الملفوظات ، و هي شروط ذات تنظيم اجتماعي أو اقتصادي أو تاريخي أو نفسي أو عقائدي ، إلخ . و بإمكانها أن تقدم تفسيرا أو تسهم في إنشاء تأويل مقنع للنصـــوص ، بمعنى آخر . قد يكون الارتداد إلى خارج الخطاب المدروس و سياقاته المختلفة ، خطوة ذات نفعية كبيرة من أجل تحديد أسباب وجود الخطاب و مبررات إنتاجه . و في هذا المعنى يقدم لنا جوزيف كورتاس(1) تمثيلا يوضح فيه مزية هذا النوع من المقاربة التلفظية الذي يعتمد على إدراج السياق ، بحيث يرى أن قرار حقوق الإنسـان و المواطن المعلن 1789 كان ثمرة نقاشات حادة ، و تبدو مقاربته من خلال وضعه في إطاره التاريخي ، إجراء مهما في تحقيق الفهم الشامل . أمست بعض النظريات اللسانية و السميائية تهتم و لو جزئيا بالسياق النفسي و الاجتماعي ، و قد تدرج بعض المواقف خارج لسانية exta-linguistique من أجل التعرف على البعد الواقع بين" القول و فعل القول" . فأين تكمن الدلالة بالتحديد : في إطار حدود الملفوظ /النص، أم خارجه الملفوظ. 1.1 مستويات الدلالة: ليست علوم اللغة الوحيدة ، من بين العلوم الإنسانية التي تناولت قضية الدلالة ؛ فالتاريخ ، و علم الاجتمــاع ، و التحليل النفسي ، و عـلم النفس ، و الاتنولوجيا إلخ، تسعى كلها إلى تقديم تأويلات و نظريات من أجل إظهار الدلالة و تحديد المعنى،و لذلك أمسى من اللازم التمييز بين ما يسميه كورتاس(1) بالدلالة الأولى و الدلالة الثانوية. أ - الدلالة الأولى: و هي الدلالة التي ينتهي إليها أي مستمع لحكي، أو أي قارئ لقصة ، و هي الدلالة التي يتقاسمها أكبر عدد ممكن من القراء ، و تعتبر محل اهتمام التحليل السيميائي الذي ينطلق من افتراض وجود قارئ عادي normal ) (، توصل إلى إنشاء فهم ممتد standard و هذا الإدراك المتوسط هو الذي تسعى السيميائيات(2) إلى إعادة بنائه بواسطة إجراءاتها الخاصة. ب - الدلالة الثانوية: والدلالة الثانوية تتمثل في المعلومات الموسوعية التي بإمكانها إدراج تأويلات إضافية ، أكثر تركيبا و تعقيدا ؛ فعالم الاجتماع و عالم النفس و المحلل النفسي ، و المؤرخ ...إلخ، يدرجون دلالات حسب اختصاصاتهم ، و هذا ما يسمى بالدلالة الثانوية ، و من اللازم أن نشير - كما يقول كورتاس إلى أن هاتين الدلالتين ، رغم تميزهما ، و اختلافهما ، ليستا متقابلتيـن أو متناقضتين ، و لكنهما متكاملتان ؛ فكثيرا ما نجد المقاربات السيميائية تدرج هذه الدلالات(3) بغية التعريف بالموضوع المدروس أو تحديد أبعاده المعرفية. 2.1 التلفظ في اللسانيات: لقد جاء في القاموس اللساني لـ: "دي بوا" أن ((التلفظ هو الفعل الفردي لاستعمال اللسان ، بينما الملفوظ هو نتاج هذا الفعل ،إنه فعل من خلق المتكلم))(1) ،و هذا يعني،كما يقـول "دي بوا" أن التلفظ مكوّن من مجموعة الشروط و الأفعال التي تؤدي إلى إنتاج ملفوظ ما، وفي هذا المعنى ،تتجلى حقيقة إشكالية التلفظ في اللسانيات ،بحيث إنها تبدو كخروج عن حدود الملفوظ ، مع العلم أن المنطلق اللساني ، منذ سوسير ، كان يستهدف وصف اللسان"في ذاته و من أجل ذاته"، بمعنى عزل كل العوامل التي تتعدى مجال الدوال اللفظية. لكن أضحى اكتشاف قوانين التلفظ، وآلياته ،وآثاره، انطلاقا من الملفوظ المتحقق أمرا ملحا. فكيف يتم الجمع بين دراسة فعل إنتاج الملفوظ ومبدأ المحايثة؟ إنه من اللازم الفصل بين موضوعين اثنين، الملفوظ كنِتَاج فعل تلفظيّ ، و التلفظ كفعل إنتاج هذا الملفوظ .و إذا كانت اللسانيات قد اهتمت - وفق منهج بنيويّ ، و رؤية علميــة ،و طريقة وصفية - بدراسة اللسان و أنساقه . فإن فعل استعمال اللسان أضحى موضوعا رئيسا في فضاء الدراسات اللسانيات و السيميائيات و غيرهما .بحيث أمسى لازما على اللساني إيجاد المفاهيم الخاصة و الرؤية العلمية و المقاربة الموضوعية لهذه الإشكالية التي تبدو محاطة بمسائل عدة و منفتحة على فضاءات فلسفية ، كمسألة المرجـع و الحقيقة و الواقع و الذاتية. يُعد بنفنست من أوائل الذين أثاروا مسألة الذاتية في مقال عنوانــه: "الذاتية في اللغة "(2) و ذلك من خلال توجيه اهتمامه من اللسان إلى الخطاب ، بحيث يـرى أن (( التلفظ هو توظيف اللسان بواسطة الفعل الفردي المستعمِل )) (3)؛ فمن قبل التلفظ ((لم يكن اللسان سوى إمكانية (للسان)، و بعد التلفظ، تحوّل اللسان (و تحقق) في مقطوعة من الخطاب)) (4)، و تتجلى لنا من خلال هذا التعريف مسألة صعبة و قليلا ما اهتم بها الدارسون ، و هي كيف يتشكل المعنى في كلمات ، و هذه المسألة كما يزعم بنفنست (1) هي في حقيقتها فاتحة إشكالية حول جوهر المعنـــى ، و كيفية تشكله و مراحل انتقاله، كما تبدو مسألة الذاتية في اللغة ، هي المميزة للغة بشكل عميق(2) ، بحيث لا يمكننا أن نتصور لغة من دون الفاعل المتكلم الذي يتجلّى مثلا في الأشكال اللسانية التي تشير إليه ( أنا /أنت...)، كما تبدو هذه المسألة من أهـم مميزات اللغة دون اللسان .لكن ثمة ملاحظة لابد من التركيز عليها من أجل منع أي خروج إلى رحاب التأويلات الفلسفية ، و تتمثل في اعتبار أن الفعل اللغويّ يترك آثارا في الملفوظ ؛ آثار يسعى اللساني إلى استخراجها و تنظيمها ، و هذا يعني أن اللغة ليست ناقلا ينمحي وراء أشياء العالم ؛ بحيث تتجلى كمرآة عاكسة ، و إنما هناك وجود لفعل القول ( للتلفظ) إلى جانب ما قيل ( الملفوظ) ، و مركز المقاربة التلفظية لا يتموقع إلا في حدود الملفوظ ، ففي إطاره تنعكس بنيته. ومن آثاره الماثلة في الملفوظ ، و التي تحيل إليه ( التلفظ) ، توظيف الضمير "أنا" الذي يحيل إلى الشخص المتكلم ، و الضمير "أنت" الذي يمثل الشخص المخاطب ، وكذلك ظروف المكان ، و ظروف الزمان ، و أسماء الإشارة التي تتعلق بموضوع التلفظ ، و أشكال أزمنة الفعل التي تعتبر من آثار التلفظ المهمة؛ بحيث توصل من خلالها بنفنست إلى التمييز بين الخطاب، و السرد التاريخي بحيث يقول : (( إنه من خلال اختيار أزمنة الفعل ، يتميز بوضوح الخطاب عن السرد التاريخي ، فالخطاب يوظف بحرية كل أشكال الفعل الشخصي personnelles ،و يوظف كذلك الضمير أنا/أنت أكثر من هو)) (3)، على خلاف السرد القصصي الذي يبدو فيه هذا الضمير(هو) أكثر وجودا ، كما يتجلى توظيف أزمنة الفعل : الحاضر - المستقبل * في السرد القصصي بشكل أقل(4) ، بينما يكثر توظيفها في إطار الخطاب. يتبيّن لنا من خلال هذا كلّه انحصار التلفظ في اللسانيات في إطار الملفوظ ، فاللسانيات تتخذ منهجا مخالفا للعلوم الأخرى، كعلم الاجتماع، و علم النفس، فيما يخص فاعل التلفظ؛ بحيث لا تعتبر اللسانيات الفاعل معطى بسيكولوجيّ مثلا و تنطلق منه ، وإنما تعتبره بناء و تتجه إليه ، فتضحي بذلك مسألة الذاتية منحصرة في إطار الملفوظ فقط. 3.1 التداولية و مسألة التلفظ: سبق و أن أشرنا إلى أن مسألة التلفظ كانت محط اهتمام الكثير من الدارسين ، و تناولتها بالدرس مباحث عديدة ، فعلاقة الملفوظ بالتلفظ ، و الجمل بسياقاتها و مسائل الذاتيــــة ، و المرجع ، لم تنحصر في المجال اللساني فقط ، و إنما لها وجود في الاتجاه التداولي و بالخصوص في تلك المنتمية إلى فلاسفة أكسفورد (oxford ) و التي تهتم بتعميق أفكار أوستين Austin و سارل searle ، لكن كيف طرحت التداولية مسألة التلفظ؟ اهتمت التداولية بالشروط المؤسسة لفعل اللغة acte de langage ، و هذا يعني معرفة كل العوامل اللازمة لتحقيق فعل اللغة ، و كذلك محاولة تفسير العمليات التي تنتج اللغة من خلالها آثارها ؛ ذلك أن أفعال اللغة ليست عبارة عن جمل بسيطة ، و إنما هي كذلك في إطار العبارات اللسانية ، ملفوظات متموقعة في سياق محدد، فالعبارات اللسانية تكتسب معناها مــنخلال استعمالاتها و في إطار هذا المعنى يقول سيرل: (( إن سبب التركيز على دراسة فعل الكلام ، هو ببساطة أن كل تواصل لساني يدرج فعل الكلام ، و وحدة التواصل اللساني ليست فقط ، كما كنا نعتقدها ، الرمز أو الكلمــة ، أو أثر الرمز أو أثر الكلمة أو الجملة ، و إنما هو إنتاج أو بثّ (émission) للرمز و للكلمة و للجملة خلال سيرورة الكلام .أي أن اتخاذ العلامة رسالة يعني اعتبارها كإنتـاج أو كموضوع مبثوث ، بمعنى آخر ، إن إنتاج أو تشكيل جملة في حالات معينة هو عبارة عن فعل للكلام [..] ، و أفعال الكلام هي وحدات قاعدية ، أو وحدات صغرى للتواصل اللساني))(1)وهذا يعني انفتاح دراسة فعل الكلام وإنتاجه على مجالات تتعدّى الملفوظ. إن مركز الإشكالية التلفظية لدى التداولية يتحدد في هذا المفهوم المتشعب ، مفهوم " فعل الكلام " ، بحيث لا تعتبر اللغة وسيلة تمثيل الواقع أو الفكر ، و إنما تسمح كذلك بتحقيق أفعال لا تتواجد إلاّ في إطار هذه المنظومة : " اللغة " بحيث إذا كان القول كان الفعل . * أمست التداولية تهتم اليوم بمسائل مختلفة و متعددة في الوقت نفسه ؛ بحيث نجدها ، و هي تتناول مسألة التلفظ ، تحاول دراسة علاقة الملفوظ بالتلفظ ، و الجمل بسياقـاتها ، و تحاول كذلك تقديم إجابات حول الذاتية و السياق ، و المرجع ، إلخ، و تكون بذلك قد طرحت هذه الإشكالية ( التلفظ) ، كمسألة لسانية و فلسفية.(1) وهذا ما يجعلها تختلف عن المقاربة اللسانية لكننا ، بعد عرض مسألة التلفظ في اللسانيات و التداولية ، نتساءل عن أي الاتجاهين أكثر تأثيرا في المقاربة السيميائية للتلفظ ؟ إنّ السيميائيات تعدّ الملفوظ موضوع درسها الرئيس ، و تختار في مقاربتها مسألة التلفظ عدم الخروج عن إطار الملفوظ ، و هذا ما يجعلها تخالف وجهة النظر التداولية ، بينما تلتقي في التصور مع اللسانيات بحيث يرى كورتاس (( أننا نختار عدم الخروج عن النص المدروس ، و نمنع منهجيا البحث في خارج ( الملفوظ) عما يمكن أن يكون المصدر الأصل )) (2)، وهنا يكمن مبدأ المحايثة والموضوعية. 4.1 التلفظ في السيميائيات: فتح اهتمام السيميائيين بالخطاب إشكالات عدّة حول الذاتية والواقع والمرجع، يقول فونتانيل : (( إن السيميائيات تحولت إلى سيميائيات الخطاب عندما أعطت مكانا لفعل التلفظ ، و العمليات التلفظية ، و لم تقتصر فقط على تمثيل شخص التلفظ ( السارد، الملاحظ،...) في النصّ )) (3). لكن ما مفهوم التلفظ في السيميائيات ؟ لقد جاء في القاموس السيميائي لغريماس و كورتاس أن (( التلفظ محدد بوصفه ذلك المقطع الوسيط الذي يضمن افتراضات تحقق تصورات اللسان في ملفوظ -خطــاب )) (1)، و هذا يعني أنه لا وجود لأيّ مضامين أنتولوجية، أو نفسية تخص فاعل التلفظ، أو السياقات ، و يتجلّى لنا بوضوح مفهوم التلفظ من خلال ملخص لفلاديمير كريسينسكي(2) حول أهم محاور التلفظ عند غريماس و يحصيها في : 1 – ((إن التلفظ ليس شكلا أو عبارة لغوية خاصة متعلقة بالنص. 2 - إن التلفظ لا يتطابق مع تواصل خاص ، له مميزات تجعله فصيلة مستقلة عن الملفوظ. 3 - الفاعل الذي يفترضه التلفظ هو فاعل منطقي و ليس فاعلا أنتولوجيا أو فلسفيا. 4 - إن التلفظ يحيل ضمنيا إلى بنية تتجلّى فيها مختلف الوظائف العاملية . 5 - إن علاقة التلفظ بالملفوظ هي من نوع hypotaxique . 6 - إن فاعل التلفظ ينقل المعرفة ، و هو لا يصنع رسائل. 7 - إن التلفظ يمتلك بنية الملفوظ ،والعامـل الوحيد المتمظهر فيه هو العامل –الموضوع))(3). فالتلفظ مقطوعة منطقية مفترضة بواسطة ملفوظ معيّن(4) ، وتصور عوامل خارجة عن الملفوظ ، و تتحكم فيه وتسيّره، هو تصور غير سيميائي ؛ فالمتلفظ هو العامل المنتج لهذا الملفوظ ، و يتم التوصل إلى بنائه من خلال الملفوظ نفسه ، و كذلك الأمر بالنسبة للمتلفـــظ له ، الذي يُبنى هو الآخر من خلال موضوع الملفوظ و معناه. 2. التلفظ عند جوزيف كورتاس: في مواجهة المقاربات العديدة التي تناولت مسألة التلفظ ، اتخذت المقاربة السيميائية عند كورتاس موقف اللااعتراض و اللاإقصاء ، على الرغم من الاختلاف البيّن في التصــورات و المنهج، و ذلك لأن كل وجهات النظر قد تسهم في عملية استجلاء الموضوع و تحديده بدقة. و التلفظ كما عرفه كورتاس هو مقطع لساني خالص ، أو بمعنى أسع ، مقطع سيميائي مفترض منطقيا بواسطة ملفوظ ، بحيث تكون الآثار (آثار التلفظ ) ماثلة في الخطابات المفحوصة )(1). و هذا يعني أن الإستراتيجية السيميائية و اللسانية ، تتفقان في عدم الخروج عن حدود الملفوظ المدروس ، بينما تبدو وجهة النظر هذه غير مناسبة للمقاربة النفسية عند "فرويد" ، الذي يرى أنه ليس بالإمكان فهم التلفظ من خلال الملفوظ وحده، و من أجل وصف التلفظ وصفا كاملا، لا يكفي وصف أوضاع فعل الكلام الآنية، و إنما الواجب إعادة بناء قصة التلفظ ، ذلك أن الاعتماد على الملفوظ وحده شبيه، حسب المقاربة النفسية للتلفظ ، بمن اكتفى بالجانب المشاهد من الجبل الثلجي العائم (2). و يبين كورتاس (3) بساطة مقترحه السيميائي ، بحيث يرى أن أي حكي ( (récit يمثل على مستوى التمظهر النصيّ ملمحين متكاملين: أ - من جهة القصة المروية ، و يطلق عليها اسم:ملفوظ الملفوظ l énoncé énonce . ب - من جهة أخرى ، الطريقة الخاصة التي قدمت بها هذه القصة ، و يطلق عليها اسم تلفظ الملفوظ énonciation énoncée . و استنادا على هذا الافتراض الذي لا يدرج أي اعتبارات تتصل بحياة الكـاتب أو ظروفه النفسية و الاجتماعية يبدو المستهدف منحصرا في الملفوظ فقط ، و يمكننا من خلاله التمييز بين ملفوظ الملفوظ أو المسرود (le narré ) كما يسميه جيرار جينات ( G. Genette ). و تلفظ الملفوظ . و زيادة في التوضيح يقدم كورتاس مثلا (2) يميز من خلاله بين مكوني الملفوظ ، فمقطوعة من فيلم مثلا ، تظهر لنا شخصين يتعاركان ، هي وفق نظرة سيميائية ، تمثل المشهد المشاهد من خلال الشاشة ، و من جهة أخرى هناك وجود لوجهة نظر حيال هذا الحــــــدث و التي تتجلّى آثارها من خلال طريقة التأطير المستعملة : بحيث بإمكان القصة نفسها أن تقدّم لنا عن قرب أو عن بعد ، و ممكن للتصوير أن يكون جانبيا أو أماميا . و يمكن كذلك استعمال تكبير الصور أو تصغيرها ، فمواقع الكاميرات ، وتحركاتها ، بالإمكان التعرف إليها و إعادة بنائها انطلاقا من الملفوظ المصور المقدم للمشاهد ، وهذا يدل على أن أي مشهد مصور يقدم وجهة نظر ، و أن كل ملفوظ ، كما يقول كورتاس ، يحيل حتما إلى تلفظ خاص و مطابق. يمكن إخضاع ملفوظ الملفوظ أو المسرود ، كما يسمه "جينات" ، و تلفظ الملفوظ لتحليل تركيبي و دلالي مماثل ، ((إنهما يتميزان فقط من خلال موقعهما التراتبي المختلف ، فملفوظ الملفوظ ، يبقى تابعا لتلفظ الملفوظ)) (1) وهذا ما يؤكد التزام المقاربة السيميائية بعدم الخروج إلى أي سياق خارجي. 1.2 عامل التلفظ و عامل الملفوظ يمكننا ، في حدود الجملة ، أن نميز بين عاملين اثنين : أ - عامل الملفوظ - الجملة : هو فاعل نحوي ، و قد يكون ممثلا في شخــص أو شيء أو حدث ،إلخ . ب - عامل التلفظ: و هو المنتج للملفوظ ، وهو لا يظهر في الملفوظ مباشرة ؛ فالمتلفــظ و المتلفظ له (( لا يظهران مباشرة في إطار الملفوظ و أدوارهما مفترضة منطقيا ))(2). فإذا قلنا مثلا : يقدم محمد جائزة . تبين لنا من خلال هذه الجملة فاعل الملفوظ و هو عامل نحوي (محمد) و أما فاعل التلفظ فهو منتج الجملة و هو عامل مفترض منطقيا. أمّا إذا انتقلنا إلى مستوى ما بعد الجملة وإلى مستوى الخطاب و السرد ، وجدنا أن العامل السردي يتمثل من خلال القصة المروية في الشخصين المتعاركين ، بينما العامل التلفظي يتمثل في المتلفظ ، و المتلفظ له ، و الملفوظ . و انطلاقا من اعتبار التلفظ "فعل" (acte ) ، و تجربة ، فإنه يضحي شبيها ، كما يقول كورتاس (1) ، ببرنامج سردي محـدد ، و يمكننا تمثيله في الخطاطة التالية : و {ف1 ( ف2 ∩ م ) } تلفظ متلفظ متلفظ له ملفوظ . فعامـــل التلفظ ، كما سبقت الإشارة إليه ، لا يتمظهر مباشرة في الملفوظ كعامل ملفوظ الملفوظ ، لأن أدواره مفترضة منطقيا ، لكننا نعثر في ملفوظ الملفوظ على ما يدل عليه ، بحيث يتجلّى المتلفظ في مشهد العراك بوصفه لحظة instance تلفظية ، يمكن إعادة بنائها انطلاقا من التأطير المختار ، و زاوية النظر المتخذة في التصوير ، كما يبدو التلفظ مشابها لملفوظ الملفوظ في احتوائه منظومة سردية ، كما أشرنا ، ذلك أن اعتبار التلفظ فعلا تواصليا يمتلك تركيبة عاملية و صيغية ، يجعله يمثل كقصة تسير وفق بنية صراعية تحتية ، تماما كملفوظ الملفوظ ، و قابلة لأن تتمفصل تركيبيا في برنامج سردي ، و في هذا المعنى يقول كورتاس : ) يصبو التلفظ إلى تحقيق /فعل معرفة/ : و من وجهة النظر هذه ، يمكننا أن نقول إن موضوع /المعرفة/ محوّل من فاعل فعل ، و هو المتلفظ ، إلى فاعل حالة مستفيد ، و هو المتلفظ له (2)(.لكن هل هذا يعني أن التلفظ ما هو إلاّ عملية تواصلية تستهدف الحصول على/معرفة/ على غرار النظريات التواصلية؟ يظهر "كورتاس"(1) أن التلفظ هو ظاهرة أكثر تعقيدا من أن تكون منحصرة في فعل حصول على /معرفة/؛ ذلك أن هدف التلفظ يشمل على /فعل معرفة/، و كذلك /فعل إقناع/ (faire croire ) ((فعـلاقة المتلفـظ /المتلفظ لـه متعلقة بالتحريك manipulation) ) )) (2) و بمعنى آخر ، إنّ دراسة تلفظ الملفوظ هي دراسـة للتركيب العامـلي و الجهاتي في إطار مسار سردي(3) . و في هذا المعنى ، يقدم لنا كورتاس مثالا(4) يوضح فيه عملية التحريك التي يستعملها المتلفظ من أجل إقناع المتلفظ له . فحادث طلاق مثلا بين عاملي ملفوظ الملفوظ تبدو انفصالا سعيدا ، بحيث اتفـــق الزوجان على الانفصال عــن تراضٍ ، فالقصة على مستوى ملفوظ الملفوظ تظهر القبول و الاتفاق ، لكن على مستوى التلفظ يمكنا أن نتصور ما إذا كان المتلفظ موافقا أو معارضا لوجهة نظر العاملين السرديين، و ذلك من خلال استعمال الكلمات و العبارات المختارة لتحديد الموقف التلفظي، و هذا ما يجعل المتلفظ له يواجه تحريك المتلفظ ، لكن إذا كان بالإمكان إخضاع تلفظ الملفوظ (تماما كملفوظ الملفوظ ) إلى تحاليل تركيبية و دلالية . أين يمكن تحديد تمييز أحدهما عن الآخر ؟ يجيب كورتاس عن هذا التساؤل قائلا : (( يتميز (تلفظ الملفوظ عن ملفوظ الملفوظ ) من خلال موقعهما التراتبي المختلف فقط، فملفوظ الملفوظ يبقى خاضعا لتلفظ الملفوظ)) (5) .وخلاصة القول إنه لا يجب فهم المقاربة السيميائية للتلفظ على أنها إجراء يكتفي بتحديد متلفظ مفترض انطلاقا من الآثار و الرموز الموجودة في الملفوظ - الخطاب ، بل إنّ التلفظ يمتلك بنية الملفوظ بحيث تتحكم فيه بنيات تركيبية عاملية و صيغية متمفصلة من خلال برنامج سردي تماما كملفوظ الملفوظ . الدايري مسكين- جامعة وهران الهوامش (1) – J. Courtes, Analyse sémiotique du discours : de l'énoncé à l'énonciation, Paris, éd. Hachette, 1991, p. 246. (1) - J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 246. (2) - Ibid., P.61. (3) - Ibid., p. 61. (1) – J. Dubois, Dictionnaire de linguistique, France, éd. Larousse, 1973, p. 192. (2) – E. Benveniste, Problèmes de linguistique générale, paris, éd. Gallimard, 1966. (3) –Ibid., p.77. (4) - Ibid., p.78. (1) - E. Benveniste, Problèmes de linguistique générale, 1966, p. 78. (2) - Ibid., p.161. (3) - Ibid., p. 242. * يقيم بنفنست مقاربته بين الخطاب و السرد التاريخي في إطار اللغة الفرنسية و نحوها (4) - Ibid., p. 243. (1) – J. R. Searl, Speech acts, Cambridge, 1969, p. 16. * و هذه العبارة هي ترجمة لعبارة أوستين: « How to do things with words. » (1) – V. Fillol, Vers une sémiotique de l énonciation, du lieu commun comme stratégie et des formes et/ou formation discursives comme lieu communs de l énonciation. (Dans la presse féminine), thèse de doctorat nouveau régime, université de Toulouse _le_ Mirail, 1998, p. 67. (2) – J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p . 246. (3) – J. Fontanille, Sémiotique et littérature,éd. PUF, 1999, p. 2. (1) - A.J.Greimas et J.Courtés, Sémiotique Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, 1979, p.126 (2) - W. Krysinski, L énonciation et la question du récit, in semiotique en jeu : à partir et autour de l’œuvre d.A.Greimas,Paris, éd. Hadés-benjamins, 1986. (3) - Ibid., p.179 (4) - J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 246. (1) - J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 246. (2) – T. Todorov, Théorie du symbole, Paris, éd. Seuil, 1997, p. 361. (3) – J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 247. (1) - J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 247. (2) - Ibid., P. 247. (1) – J. Courtes, Sémantique de l énoncé : application pratique, Paris, éd. Hachette, 1989, p. 80. (2) – J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 248. (1) J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 248. (2) - Ibid., p. 249. (1) J. Courtes, Analyse sémiotique du discours, p. 250. (2) – J. Courtes, Sémiotique de l énoncé, p. 79. (3) –A.J.Greimas et J.Courtes, Sémiotique , Dictionnaire raisonné de la théorie du langage,1986, p.77. (4) – J. Courtes, Sémantique de l énoncé : application pratique, p. 80. (5) - Ibid., P.8

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق