الجمعة، 13 مايو، 2011

التداولية مفهومها وتعريفها

التداولية مفهومها وتعريفها ------------------------------------------------------------------------------------ لكل مدونة نقطة انطلاقة يدلف من خلالها إلى ثباتها، وقد رأينا أن تتكون نقطة الانطلاق تقديم تعريف لغوي للتداولية، لنبيين الأصل الذي نبعت منه هذه التسمية، وذلك لما له من الأهمية التي توضح بعض الغموض تعريفها: لغة: جاء في لسان العرب لابن منظور: الأول: تداولنا الأمر: أخذناه بالدُّل، وقالوا: دواليك أي مداولة على الأمر؛ قال سيبويه: وإن شئت حملته على أنه وقع في هذه الحال،ودالت الأيام أي دارت، والله يداولها بين الناس، وتداولية الأيدي: أخذته هذه مرة وهذه مرة، وتداولنا العمل والأمر بيننا بمعنى تعاورناه فعمل هذا مرة وهذا مرة ( [1]) . وجاء في مختار الصحاح للرازي(ت666هـ) "دول: الدولة في الحرب أن تدال أحدى الفئتين على الأخرى يقال كانت لنا عليهم الدولة والجمع الدِّول بكسر الدال، والدُّولة بالضم في المال يقال صار الفيء دولة بينهم يكون مرة لهذا ومرة لهذا والجمع دُولات و دُول، وقال أبوا عبيد: الدُّولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول به بعينه والدَّولة بالفتح الفعل. وقال بعضم هما لغتان بمعنى واحد، وقال أبو عمر بن العلاء: الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب، قال عيسى بن عمر: كلتاهما تكون في المال والحرب سواء، والإدالة الغلبة يقال اللهم أدلني على فلان وانصرني عليه، ودالت الأيام أي دارت والله يداولها بين الناس وتداولته الأيدي أخذته هذه مرة وهذه مرة" ( [2]) . وفي أساس البلاغة للزمخشري(ت538هـ) دول:دالت له الدولة،ودالت الأيام كذلك، والدال الله بيني فلان من عدوهم: جعل العكرة لهم عليه، وعن الحجاج: إن الأرض ستدال منا كما أدلنا منها، وفي المثل:يدال من القاع كما يدال من الرجال، وأديل المِِؤمنون على المشركي ن يوم بدر، وأديل المركون على المسلمين يوم أحد، استدلت من فلان لأدل منه واستدل الأيام: استعطفها." ( [3]) . تكاد هذه الإحالات اللغوية للمفاهيم التداولية في مبادئها العامة تسجيل حضورها في ثناياها ، فالإحالة على أن في(الدولة) تناوبا على المال ونزاعا عليه، ووقوعه في يد تارة وفي ثانية أخرى، تأسيس لوجود طرفي التداول(المرسل والمتلقي) حتى وإن لم تكون هناك نية في تصيره أي المال هنا ، وفي يد الأخرى ولكن مبدأ التنقل حاصل لزوما، أي تنقل المال من جهة إلى أخرى. اصطلاحا: يجري تعريف التداولية (*) بأنها ذلك المصطلح العربي الموافق لـ( pragmatics )الأجنبية، وليس ترجمة لمصطلح( pragmatisme ) الفرنسي، الذي يعني الفلسفة النفعية الذرائعية (**) ويعود الاستعمال الحديث والحالي للتداولية( pragmatics ) للفيلسوف الأمريكي شال موريس( Charles mourris ) عام(1938) في كتبه(أسس نظرية العلامات)، ففي تعريفه للتداولية يقول:"التداولية جزء من السيميائية التي تعالج العلاقة بين العلامات ومستعملي هذه العلامات" وهذا تعريف واسع يتعدى مجال اللساني إلى السميائي، والمجال الإنساني إلى الحيواني والآلي ( [4]) . ويعرفها آن ماري ديير( Anne Marie ) وفرانسوا ريكانتي( François Récanti ) كالآتي:"التداولية هي دراسة استعمال اللغة في الخطاب، شاهدة في ذلك على مقدرتها الخطابية" ( [5]) . نستنتج من هذا التعريف أن التداولية تدرس معنى العبارات من خلال العلاقة مع سياق التعبير ( [6]) ، كعلم الدلالة وبعض الأشكال اللسانية التي لا تتحدد مضامينها إلا من خلال صياغتها التع بيرية. أما فرانسيس جاك( Francis Jaque ) فقد عرفها بقوله:"تتطرق التداولية إلى اللغة كظاهرة خطابية، وتواصلية واجتماعية معا" ( [7]) . وهو قول يمكن تجسيده في المخطط كالآتي: خطاب مخاطب القصد(متواضع عليه) متكلم إجتماعي تواصلي الشكل(1):التداولية واللغة. من خلال هذا المخطط نستخلص أن: 1- التداولية تهتم بالخطاب الذي يوظف اللغة كأداة تواصلية في سياق تعبيري معين من قبل المتكلم. 2- ; على المخاطب استحضار كل شروط وإنتاج الخطاب المحيطة به لفهم المعنى الذي يقصده المتكلم. ومن الباحثين الذين تطرقوا لتعريف التداولية، نجد الدكتور صلاح فضل الذي يقول:" التداولية هي الفرع العلمي من مجموعة العلوم اللغوية التي تخصص بتحليل عمليات الكلام بصفة خاصة، ووظائف الأقوال اللغوية وخصائصها خلال إجراءات التواصل بشكل عام" ( [8]) . فالتداولية عنده علم لغوي يهتم بدراسة الاستعمال العلمي للكلام، ووظائف الأقوال اللغوية أثناء التواصل. نصل من خلال هذه التعريفات إلى أن التداولية كمبحث في قمة ازدهاره، لم يتحدد بعد في الحقيقة، ولم يتم الاتفاق بعد بين الباحثين فيما يخص تحديد افتراضاتها واصطلاحاتها، فهي تقع في مفترق الطرق، حيث تلتقي بعلوم معرفية عدة أهمها ( [9]) : اللسانيات، النطق، السيميائية، الفلسفة، علم النفس، علم الاجتماع. وهي تحاول الإجابة عن الأسئلة التالية ( [10]) : ماذا نصنع حين نتكلم؟ وماذا نقول بالضبط حين نتكلم؟ لماذا نطلب من جارنا حول المائدة أن يمدنا بكذا، بينما يظهر واضحا أن في إمكانه ذلك؟ من يتكلم إذن؟ وإلى من نتكلم؟ من يتكلم ومع من؟ من يتكلم ولأجل من؟... وغيرها من الأسئلة التي تهتم بها وتبحث عن إجابات لها. بـ- نشأتها: تتناسب نشأت هذا العلم مع نشأة العلوم المعرفية وبدأت إرهاصاتها الأولى على يد سقراط ثم تبعه أرسطو والرواقيون بعد ذلك ( [11]) ، لكنها لم تظهر إلى الوجود كنظرية في الفلسفة، إلا على يد باركلي( Parcly )، فقد كشف عنها بطريقة لم يسبقه فيها فيلسوف آخر ( [12]) . هذا فيما يخص بداياتها الأولى عند القدامى. أما عند المحدثين فبالإمكان إرجاع بدايتها الأولى إلى الخمسينات من القرن العشرين بالتحديد سنة(1956)، وإلى أولى مقالات شومسكي( (Chomisk وميلر( (Meiller ، نيوال( (Newall< /FONT> ، وسيمون( (Simon ،ومينيسكي( Minsky )، وماك كولك( M Culloch ).أو إلى سنة(1955) عندما ألقى جون أوستين( J.Austine [ )محاضراته في جامعة هارفريد ( [13]) محاضرات وليام جيمس( William James )، على أنها لم تصبح مجالا يعتد به في الدرس اللغوي المعاصر إلا في العقد السابع من نفس القرن-القرن العشرين-ذلك بعد تطويرها من قبل فلاسفة اللغة المنتمين إلى التراث الفلسفي لجامعة لوكسفورد وهم: ( [14]) سيرل( Searle )، وجريس( Grice )، واوستن( Austin ). من هنا فإن بدايتها كانت غير تخصصية ، تغذيها جملة من العلوم أهمها:الفلسفة؛وقد أدى هذا إلى وجود صعوبات تعرقل اللسانيين الذين راموا تطبيق التداولية على خطابات حية ولو جزئيا، ولعل السبب في ذلك هو أن الفلاسفة اهتموا بالتداولية من خلال اهتمامهم فقط بالطرائق التي تعبر بها اللغة الإنسانية عن المعاني ، مما يخولهم فهم طبيعة الفكر والنطق والخطاب ( [15]) . كذلك الليسانيات، والأنتروبولوجيا وعلم النفس، وعلم الاجتماع كانوا على صلة بالتداولية، وهذا أمر طبيعي في كل العلوم فهو في بداياته يكون مقترنا بجملة من المعارف والأجناس، وبعد أن ينضج ويصبح جزءا مستقلا بذاته ( [16]) . وحتى عندما أصبحت –التداولية- جانبا مهما عند اللسانيين فقد كانت المعلومات عنها تقدم في أعمال الفلاسفة أساسا وخاصة الفلاسفة السابق ذكرهم: سيرل، اوستين، جريس، مع العلم أن مصطلح التداولية لم يظهر في أي عمل من أعمالهم، وقد كانوا القوة الموحية لها أثناء تطورها في السبعينات من القرن العشرين ( [17]) . - [1] ابن منظرو، لسان العرب، دار صادر، لبنان،ط1، 1990، مادة دول، م11 ، ص 252. - [2] الرازي، مختار ا لصحاح، ترتيب، محمود خاطر، حمزة فتح الله ، دار البصائر، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1987، مادة دولن ص216. - [3] الزمخشري، أساس البلاغة، تحقيق ، محمد باسل عيون السودن دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1.1998، ج1، ص303. (*) يترجم بعض المشتغلين بالدرس اللساني الحديث( (Pragmatics بمصطلحات عديدة منها، علم المقاصد، المقاميات، استخدام اللغة، لغة التخاطب اليومية...الخ. (**) مدرسة فلسفية معروفة باسم( Pragmatics ) يختلف هدفها عن الأولى (التداولية)فهي تلح على المكون العملي والفاعل للإنسان بلوغ المعرفة، فهي نظرية تهتم بالفائدة العملية لفكرة كمعيار بصدقها - [4] نعمان بوقرة، محاضرات في المدارس الليسانية المعاصرة ، منشورات باجي مختار، عنابة، 2006، ص176. - [5] نعمان بوقرة، محاضرات في المدارس الليسانية المعاصرة، ص174. - [6] منذر عياشي، الليسانيات والدلالة، دراسات لغوية، مركز النماء الحضاري، سوريا، ط1، 1 996، ص71. - [7] نعمان بوقرة، محاضرات في المدارس الليسانية المعاصرة، ص174. - [8] نعمان بوقرة، محاضرات في المدارس الليسانية المعاصرة،ص174. - [9] علي آيت ارشان، السياقوالنص الشعري، من البنية إلى القراءة، طبعة النجاح الجديدة، الدار البضاء، المغرب، ط1، 2000، ص57. - [10] فرانسوا ارمنيكو، المقاربة التداولية، ت، سعيد علوش، مركز النتماء القومي، المغرب، ص7. - [11] آن روبول، جاك موشلار، التداولية اليوم(علم جديد في التواصل)تر، سيف الدينزغفوس، محمد لشيباني مراجعة، لطيف زيتوني، دار الصيغة، بيروت، لبنان ،ط1،2003، ص27. - [12] نعمان بوقرة، محاضرات في المدارس الليسانية المعاصرة،ص175. - [13] آن روبول، جاك هوشلار، التداولية اليوم، ص28. - [14] محمود احمد نخلة، آفاق جديدة في البحث الغوي المعاصر، دار المعرفة الجامعيةن 2002، ص9ز - [15] قويدر شنان، اتلاتداولية في الفكر الانجلوسكسوني، المنشأ الفلسفي والمآل اللساني،مجلة اللغة والآداب(ملتقى علم النص)، العدد17،17/01/2006، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الجزائر، ص12. - [16] نعمان بوقرة، محاضرات في المدارس الليسانية المعاصرة، ص175. - [17] قويدر شنان، التداولية في الفكر الانجلو سكسوني، المنشأ الفلسفي والآل اللساني ، ص 13. _----------------------------------------------------------------------------------- المصدر التداولية مفهومها وتعريفها (الليسانيات) http://www.startimes2.com/f.aspx?t=16060414

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق