الخميس، 12 مايو، 2011

التداولية ومقاصد الخطاب الأدبي. مقاربة مقارنة بين علم المقاصد العربي وأفعال الكلام البراغماتي

التداولية ومقاصد الخطاب الأدبي. مقاربة مقارنة بين علم المقاصد العربي وأفعال الكلام البراغماتي أ.د.حبيب مونسي* ------------------------------------------------------------------------------------ تقديم : إذا كانت القراءة ونظرياتها المختلفة تقيم التواصل بين القارئ وموضوع القراءة وحسب، فاتحة بذلك المجال أمام هيمنة القارئ على المقروء، وتعدد القراءات، وإغراقها في التأويل المشتط، فإن علم المقاصد -في شكله القديم- والتداولية -في منازعها الحاضرة- تقيم التواصل بين الباث والمتلقي، معيدة الاعتبار إلى مقاصد المؤلف، وسياقاتها النفسية والاجتماعية، التي توجه خطابه في الرسالة المبثوثة. إنها بذلك تحد من شطط القراءات، ومن تهور التأويلات، وتعيد الاعتبار مجددا إلى المبدع الذي قتلته مقاربات النقد الجديد. 1-بين اللغة والكلام: لقد أفلحت اللسانيات السوسيرية منذ البدء في التفريق بين اللغة والكلام، حين رأت في الكلام الجانب المنجز من اللغة الذي يرفعه الاستعمال إلى التلقي. غير أن الدراسات اللسانية ظلت حبيسة الإطار اللغوي محاولة منها اكتشاف القوانين الثابتة التي تسير المنظومة اللغوية، وإدراجها في أطر علمية تصدق على اللغات كلها. غير أنها في تغاضيها عن الكلام ابتعدت عن التفاعل الحي بين اللغة -باعتبارها مخزونا كامنا- والمجتمع، حين يكون الكلام ذلك الطرف الفاعل في عمليات التواصل بين المتخاطبين. ومن ثم فإن أسئلة التداولية الحقة تقع في المتتالية التالية:« ماذا نفعل عندما نتكلم؟ ماذا نقول عندما نتكلم؟ من يتكلم؟ ومع من يتكلم؟ ولماذا يتكلم بهذا الشكل وليس بذاك؟ كيف يمكن أن نقول شيئا مغايرا لما كنا نقصده؟ هل يمكن الاطمئنان إلى المعنى الحرفي لكلام ما؟ ما هي الاستعمالات الممكنة للغة؟..» ([1]) فإذا حللنا عناصر المتتالية السابقة سينتهي بنا التحليل حتما إلى أن التداولية هي ذلك النشاط اللساني الذي:« يهتم بالبعد الاستعمالي أو الإنجازي للكلام ويأخذ بعين الاعتبار المتكلم والسياق.» ([2]). وإذا نحن رحنا نؤرخ لميلاد هذا الفرع من المعرفة اللسانية ألفينا "فراسواز أرمونغود" تقول أنه:« تخصص شاب، غزير، ذو حدود غامضة.» ([3]) وهي الإشارة التي تنبه الدارس إلى انفصال هذا الحقل المعرفي عن الرؤية التي تأسست عليها اللسانيات الكلاسيكية، في تعاملها مع اللغة أساسا، وإهمالها جانب الكلام، حتى وإن كانت إشارات دي سوسير تؤكد على البعد الاجتماعي للغة. وقد أضاف اللغويون قسماً ثالثاً أطلق عليه اسم "التداولية" وهو يعنى بعلاقات العلامة اللغوية بمستخدميها :« ويعود الفضل في إنشاء هذه العلاقة الثلاثية إلى الفيلسوف الأمريكي موريس C. Morris وإلى كتاب نشره سنة 1938 بعنوان أسس نظرية العلامات اللغوية (Foundations of the Theory of Signs) وفي هذا الكتاب أشار الفيلسوف إلى أهمية دراسة "ما يصنعه" المتكلم عن طريق اللغة.‏ ثم ازدهر هذا الفرع الجديد من الألسنيات ازدهاراً اعتباراً من سنوات العقد السادس من قرننا هذا. ولنكتف بالإشارة إلى كتابين أساسيين في هذا المجال أحدهما للانكليزي أوستين J.I.Austin بعنوان كيف نصنع أشياء بالكلمات (1962) (How to do things with words) والآخر للفرنسي دوكرو O. Ducrot وهو بعنوان القول والفعل (1984).‏» ([4]). وكأننا إذا تأملنا مصادر النشأة ألفينا الاهتمام بالجانب التواصلي الكلامي يضرب في أعماق فلسفية قبل أن يكون ذا منزع لساني محض. فالتفكير الفلسفي من شأنه أن يكشف عن القضايا التي تتجاوز حدود اللغة وحدود اهتماماتها العلمية. ومن ثم فإننا سنتوقف عند مسألة المعنى في إطار التصور التداولي حتى لا ينشعب بنا البحث في القضايا الأخرى التي أثارتها التداولية في تتبعها لأفعال الكلام. واختيارنا للمعنى ألصق باهتمامنا بالخطاب ومقاصده. 2-نظرية المعنى في التداولية: يرى "دانيال كلود بيلونجيه"" Danielle-Claude Bélanger " ([5]) أنه يجب علينا تحصيل أربعة مفاهيم من أجل فهم دور فعل الكلام في إنتاج المعنى: 1-Il faut distingué deux niveaux dans la signification d’un énoncé: la sémantique propre à chaque mot et le niveau plus globale qui comprend le vouloir-dire du destinateur. Le sens de la parole n’existe que dans l’interaction social. إنه يتعين علينا حين نقترب من الملفوظ التمييز بين مستويين للدلالة: مستوى الدلالة الخاصة بكل كلمة، حين ننظر فيها شرطي الوضع والاستعمال. وكأننا نبحث فيها عن تاريخها الخاص تأثيليا، ومن ثم تقدم لنا الكلمات حقولها الدلالية التي تفتح أمامنا سبل القصد الكامن فيها. غير أن هذا المستوى لا يؤدي حق المعنى منفردا. بل علينا أن نتجاوزه إلى تخمين القصد الذي أنشأ الكلام في جملته. وهو ضرب من التقمص يتيح لنا تعيين المقام، والاستبصار بمكوناته المادية والمعنوية، مادام معنى الكلام لا يتحقق أخيرا إلا في سياق يتيح التعالق والتواصل الاجتماعي. وسواء أكان الكلام قولا أو خطا، فإن البحث عن المعنى لن يهمل محاولة إعادة إنشاء الظرف الذي أنتج الكلام، بل وحتى الملابسات التي تؤثر فيه سلبا أو إيجابا. 2. Deux éléments composent le sens de la parole : les connaissances antérieures accumulées par le sujet et la sémantique spécifique des mots et des phrases employés. يحدد الشرط الثاني عنصري المعنى في الكلام، ذلك أن المعرفة القبلية المكتسبة للغة واستعمالاتها المختلفة في المواقف المتعددة ينشئ عند المتلقي ضربا من القابلية التي تتيح له إدراك الدلالة الكامنة في فعل الكلام. وتأتي المعرفة الخاصة بدلالة الألفاظ لتزيد من قوة العنصر الأول وتدعمه. ويكون للمتلقي في هذا الشرط بعدين: بعد المعرفة المكتسبة، وبعد العلم الخاص بالدلالات. لأن المعنى لا يمكنه أن يكون تاما من غير هذا العلم الذي يفتح في اللغة أبعادها الثقافية والاجتماعية، ويمكن ظلها التاريخي من حشد مقاصدها أثناء عمليات التكلم. 3. Le contexte et les connaissances a priori permettent au sujet de prévoir le déroulement d’un discours. ومن خواص المعرفة القبلية المكتسبة إمكانية مد المتلقي بفيض من التوقعات التي تسبق عمليات التلفظ، فيسهل على المتلقي إدراك نهايات الكلام. إنها أشبه شيء بقراءة النص السردي الذي تفصح أحداثه عن النتائج قبل وقوعها. فيكون التلقي متابعة لسلسلة من التوقعات التي نادرا ما تخيب. والذي يجعل هذا الشرط قائما، هو تلك المعرفة القبلية التي تفتح سجلات الكلام على الكيفيات المعتادة في أساليب التواصل. 4. Nous possédons une mémoire collective qui est constituée : d’un contexte conceptuel, de connaissances partagées que l’on suppose semblables à celles de nos interlocuteurs, et de la connaissance intrinsèque des règles de l’interaction sociale concernant l’acte de parole. إن امتلاكنا لذاكرة جمعية مؤلفة من سياق مفاهيمي، ومن معارف مشتركة يفهمها المتحاورون، وما يتصل بها من قواعد تخص أفعال الكلام قمين بأن يجعل قضية المعنى قضية سهلة المكسب. ذلك أن الحقل المفاهيمي يتيح للمتلقي إدارة المعاني في أنساق خاصة يسمح بها الموقف الذي يحتضن الفعل الكلامي. ومن ثم فإن المحاور والمتلقي مضبوطان على وتيرة واحدة تتحدد فيها ومن خلالها المقاصد التي تحملها الكلمات ويشي بها السياق العام للمحاورة. بيد أن المعنى الذي نريد محاصرته في نطاق التداولية، والذي نروم الاستفادة منه في حقل تحليل الخطاب، يفرض علينا التوقف قليلا للتساؤل عن حقيقة المعنى ذاته ما هو؟ وكيف نميزه عن غيره؟ وكيف نقبض عليه في الكلام؟. يضيف "دانيال كلود بيلونجيه"" Danielle-Claude Bélanger قائلا: 1. Le sens est le produit de la compréhension, c’est d’abord une perception, donc un objet psychologique. فإذا تساءلنا عن طبيعة المعنى، كان لنا منه أولا أنه ناتج الفهم، ومن ثم فهو إدراك. وهو بذلك موضوع سيكولوجي. ولا يتسنى لنا فهم هذا الطرح إن لم ننظر في الإدراك على أنه مخامرة الكلام للذات واختلاطه بمكوناتها الخاصة. وكأن الكلام يدخل إلى مخبر الذات ليخالط فيها عناصرها النفسية: من مزاج، واقتدار، وثقافة، وعواطف تجاه الباث، وردود أفعال تجاه القصد. وبذلك لن يكون المعنى إلا متشربا لهذه الأخلاط التي تعطيه صبغته النفسية أخيرا. وهذا التعيين يحدد البعد النفسي للمعنى، ويجعله أولا في كل تلقي، وعليه تبنى المواقف والردود. ولن يكون للقصد من فاعلية إلا من خلال هذا التكوين الذي نراعي فيه القبول أو الرفض. التصديق أو التكذيب. 2. Le sens est aussi un objet social que nous pouvons étudier. حين يغدو المعنى موضوعا نفسيا، ويتم الإعلان عنه، يتحول المعنى إلى موضوع اجتماعي تلتفت إليه الدراسات لاستكشاف حقيقته. وهي الدراسات التي تبحث فيه عن البواعث التي مكنت إدراكه على هذا الشكل دون غيره من الأشكال المختلفة الممكنة. ذلك أننا حين نقرأ نصا ونزعم أننا قد فمنا منه قصد محددا، فإن تعيين ذلك القصد وتحديد ذلك المعنى، يتراجع في الدرس إلى أسباب تتصل بالجانب الاجتماعي اتصالا قويا. فالتصديق والتكذيب، والقبول والرفض لا ينشأ استجابة لنزوة ذاتية بقدر ما يستجيب لإطار اجتماعي يملي على الذات مقدمات اعتقاداتها. إننا حين نعلن عن معنى ما، نعلن في الحقيقة عن انتماء ثقافي، وسياسي، وأيديولوجي .. قرر فينا هذا القدر من المعنى دون غيره. 3. Il n’est pas nécessaire de percevoir le support du sens pour capter ce dernier. إنها حقيقة أخرى قد تغاضت عنها اللسانيات التقليدية، حين أوقفت اهتمامها عند حدود اللغة وحدها. لأننا ونحن نقرأ نصا نتجاوز الحاجز اللغوي لنطل على المشهد الذي تحمله اللغة. فاللغة تتراجع إلى الخلف فاسحة المجال أمام المشهد الذي يعرضه الكلام. ولا يزعم قارئ أنه يتابع اللغة وحدها، وأن اللغة هي التي تعرض عليه المعنى. بل ينبثق المعنى ويرتفع ليحجب اللغة. ذلك هو قول المنظر حين يقول أنه ليس ضروريا أن نعاين الحامل للإمساك بالمعنى. لأن ما يقفز إلى الذهن هو المحمول أولا. 4. Nous oublions le support alors que le sens demeure en mémoire. وحقيقة ما أشرنا إليه سابقا تتجلى حين نسأل قارئا عن نص قرأه منذ زمن، فلا يذكر لنا إلا المعنى الذي ارتسم في الذاكرة. أما الحامل الذي عرض عليه ذلك المعنى فلا وجود له في ذاكرته. إنه الأمر الذي يفرض علينا أن نعيد النظر في اللغة ذاتها. إن كونها حاملا يجعل الاستعمال فيها أكثر حضورا من اعتبارها كيانا قائما بذاته، منفصلا عن الذوات المتكلمة. بل اللغة ذلك الاستعمال الذي تسعى القواعدية لتقعيد أساليبه وحسب. 5. Le sens est composé à la fois du sens intenté et du sens reçu. بيد أن هناك حقيقة أخرى، لابد لدارس الخطاب أن فقهها جيدا. إن المتكلم يسعى عبر كلامه إلى الإفصاح عن فكرة يعانيها، فيختار لها من الكلام ما يراه لبوسا وافيا يؤدي حقها. والفكرة في النفس غير الفكرة في الكلام، قد تتخونها اللغة فلا تؤديها على الوجه الحسن، وقد تصرفها عن قصدها بسبب التشويش الحاصل من الثرثرة والحشو. ذلك هو قصد المنظر حين بشير إلى المعنى المقصود " sens intenté ". أما المعنى الذي تم التقاطه فهو مرهون بالفهم والمخالطة النفسية لذات المتلقي. ومن ثم يكون المعنى الكلي هو ناتج تلاقي الاثنين معا. وكأننا أمام معنيين على أقل تقدير: المعنى المراد، والمعنى الملتقط، وبينهما من الفروق ما يجعل عملية التواصل قائمة على الاعتقاد. إنه الشرط الذي أضافه الأصوليون لعملية التواصل. 6. Nous ne traduisons que le sens, jamais ce que l’auteur aurait voulu dire ou l’effet qu’il aurait voulu avoir sur son auditoire… إن الشرط الخامس يحتم علينا أن نبصر في المعنى أبعادا أخرى غير التي عرضت حتى الآن. لأننا حين نقبل على كشف المعنى أو ترجمته، لا يتسنى لنا أبدا إدراك المعنى الأولي الذي خامر المتكلم وأراد التعبير عنه. وليس بين أيدينا سوى الكلام الذي ألبسه المتكلم لبوسا لفكرته. وهو حاصل لا نعلم عنه استفاءه للمراد أو انتقاصه. فما أراده المتكلم أولا بعد غيبي، وكذلك الشأن بالنسبة لما انتظره من ردود أفعال في المتلقي. لأننا قد نعاين في قول أراد صاحبه أن يستثير غضبنا غير أنه لم يحدث من ذلك شيئا. لأنه أسسه على اعتقاد لا توجد فينا أسبابه. فالمعنى -أخيرا- هو ذلك الموضوع النفسي الذي وجدته الذات حين تلقيها القول. 7. Le sens n’est pas un élément distinct comme une idée ou un contenu mais bien le résultat d’un processus. On inclue les effets prosodiques, les affects véhiculées dans le discours, etc. Bref, c’est à la fois le contenu et la forme. أخيرا ليس المعنى عنصرا منفصلا شأن الفكرة والمضومون، بل هو حاصل سياق تتقاطع فيها آثار شتى يجلبها الخطاب في تياره المتواصل. تلك الحركة التي تعيد تعيين المعنى على أنه الشكل الذي يرد فيه الكلام، والمضمون الذي يحمله في آن. فإذا ميزنا بين الشكل و المضمون أفقدنا المعنى جميع أبعاده الأساسية التي تكونه. 3-فعل الكلام عند الأصوليين: لقد كان البحث عن كيفيات تلقي الخبر وفهم القصد المترتب عليه، الشاغل الأول عند علماء الأصول. ذلك أن اهتمامهم بالنص الشرعي ينصرف أولا إلى المعنى المتضمن فيه أمرا أو نهيا، ترغيبا أو ترهيبا. ومنه كان من عادتهم:« التعرض لمباحث اللغات في كتبهم. وذلك لأن هذه المباحث هي كالمدخل إلى أصول الفقه، من جهة أنه أحد مفردات مادته وهي الكلام والعربية، وتصور الأحكام الشرعية .» ([6]) وإذا توقفنا قليلا عند عبارة المؤلف، ألفينا وعيا مبكرا بأطراف المشكلة التواصلية كما عرضتها التداولية. فالكلام هو الطرف المنجز من اللغة الذي يجريه الاستعمال. أما العربية فهي اللغة في صورتها التي تقابل الكلام بما تتضمنه من قواعد. غير أن الشطر الأخير الذي يقوم على التصور فمرهون بالتلقي حين يكون الفهم ضربا من التصور تنشئه الذات في تعاملها مع المعنى. ألم تحدد التداولية المعنى بأنه موضوع سيكولوجي، أي تصورا قائما في الذات للموضوع الملفوظ. تلك هي الحقيقة الأولى التي يمكن الاستناد إليها في تصور مباحث علم الأصول اللغوية على أنها الفتح الأول في مجال استكشاف طرق الكلام وتلقيه في آن؟. وإذا تأملنا فلسفة التعامل اللغوي عند علماء الأصول، أمكننا استنتاج رؤية متقدمة لما أنتجته الفلسفة اللغوية عند أمثال الفيلسوف الأمريكي موريس C. Morris، والانكليزي أوستين J.I.Austin، والفرنسي دوكرو O. Ducrot. في انصباب الاهتمام على فرعين متصلين بأفعال الكلام: ماهيته، وكيفيته. بيد أن الماهية والكيفية لا يتحققان إلا من خلال الدلالة الوضعية. لذلك نجد الرازي يقول: « اعلم أن البحث إما أن يقع عن ماهية الكلام أو عن كيفية دلالته. ولما كانت دلالته وضعية، فالبحث إما أن يقع عن الواضع، أو عن الموضوع أو عن الموضوع له، أو عن الطريق الذي به يعرف الوضع.» ([7]) وكأن التوزيع الذي تسلكه التداولية العربية القديمة يضع في اعتباره أربعة شعب: 1-الوضع ( دلالة الكلمات). 2-الموضوع (دلالة الخطاب، الكلام). 3-الموضوع له ( المتلقي). 4-الطريق الذي به يعرف الوضع ( قواعد الاستعمال وطرائقه). وهي الشعب التي تنتظم فعل الكلام في جملته، حين يحيط البحث بالدلالة في الألفاظ، وبالقواعد المستعملة في إنتاجه، وبالملفوظ الذي يرفد الخطاب، وبالمتلقي الذي يفترض فيه قابلية إدراكه. وهي الفلسفة اللغوية التي لا تعطي الأولوية للغة في شكلها العام، بقدر ما تنصرف إلى الاستعمال الذي يكتنفه السياق المحدد نفسيا واجتماعيا. لأن مدار البيان كما يقول أبي بكر الصيرفي:« إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي» ([8]) وهو تعبير آخر عن الجهد المذول من طرف المتكلم في تعيين المقاصد التي يتوخاها في كلامه. إذ البيان أخير ليس مجرد إفهام وتفهيم بقدر ما يكون ابتغاء لسلوك مترتب عليه، ينشأ من الاعتقاد فعلا نزوعيا إلى غاية. لأن للكلام عندهم حد صارم مانع لا يبقي في الذهن شكا. يقول الجويني في أقسام الكلام أن أقل :« ما يتركب منه… اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف. والكلام ينقسم إلى أمر، ونهي، وخبر، واستخبار. وينقسم أيضا إلى تمن، وعرض، وقسم. ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز. فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة. والمجاز ما تجوز عن موضوعه. والحقيقة إما لغوية، وإما شرعية، وإما عرفية. والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان، أو نقل أو استعارة.» ([9]) وهو الحرص العلمي الذي يرينا في التحديد وظائف الكلام أولا في اتجاهه إلى المتلقي، ثم يلفتنا إلى طبيعته من حيث الحقيقة والمجاز. وكأننا بذلك لا نرى للكلام من وجود خارج الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، ولا دون التمني، والعرض، والقسم. إذ هي وظائف تحدد أنماط التواصل الكلامي وأنساقه في آن. بيد أنه الكلام قد يسلك سبل الحقيقة والمجاز، مما يحتم على التحديد العلمي تداركهما لإبقاء الحقيقة في إطار الوضع الأول للفظ والاصطلاح، وإخراج المجاز إلى الزيادة أو النقصان أو الاستعارة. فإذا تعين لدينا منذ البدء أن أفعال الكلام تنتهي غايتها إلى التأثير في المتلفي لتغيير موقف، أو لإكساب سلوك، أو لإبطال اعتقاد. فإننا واجدون في تحديد علماء الأصول للأمر والنهي إشارة أكيدة لذلك التحول في المتلقي. فالجويني يرى في الأمر:« استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. وصيغته افعل. وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، تحمل عليه إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة.» ([10]) وفي النهي:« استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. ويدل على فساد المنهي عنه. وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة، أو التهديد، أو التسوية، أو التكوين.» ([11]) وتحديد الفعل في التعريف، يشير صراحة إلى الغاية التي تتوخاها المقاصد من الكلام. إنه الأمر الذي يعود بنا إلى تحديد التداولية للمعنى من كونه موضوعا للإدراك قبل كل شيء. فإن تم له ذلك تحول إلى موضوع نفسي ينشأ عنه النزوع الفعلي للتغير سلبا أو إيجابا. ولم يكن علم المقاصد عند علماء الأصول إلا سعيا وراء هذه الوظائف المتعددة المنوطة بالكلام وأفعاله. ولكي يتبين لنا الأمر جليا نناقش مسالة اللغة استعمالا من منظور أصولي لنكتشف فيها التمفصلات الأساسية لعملية التواصل. 4-المعارف اللغوية وفعل الكلام: يقسم علماء الأصول المعارف اللغوية في أفعال الكلام إلى ثلاثة أقسام: الوضع، والاستعمال، والحمل. ولسهيل متابعة الرؤية الأصولية نعمد إلى الخطاطة التالية: ( صفة اللغة) ( صفة المتكلم) ( صفة المتلقي) اعتقاد أولي منقول لغوي شرعي عرفي إصابة خطأ مرتجل لعلاقة (مجاز) لغير علاقة ( اعتباط). قد تسهل علينا الخطاطة إدراك أبعاد التعامل مع اللفظ الواحد في توزعه على الوضع والاستعمال والحمل. وكأن التفكير الأصولي يدرك أن التعامل مع الكلام لابد له من الانطلاق أولا من المعارف المشتركة التي تختزنها الذاكرة الجمعية في استنادها إلى مخزون لغوي واحد، تتضح فيه المقابلة بين طرفي الوضع: أوليا ومنقولا. ذلك أن اللفظ وهو يتحرك بين الأولية الوضعية و النقل المجازي يحرك الإدراك والتصور من مجال الثبات والاستقرار إلى مجال التحول في الدلالة بما تقتضيه مرونة التجوز في الإفراد تشبيها واستعارة، أو إطلاق اسم الكل على البعض، أو تسمية السبب بالمسبب، أو تسمية المسبب بالسبب، أو التسمية أو الوصف بالمستقبل، أو التسمية أو الوصف بالماضي. أما في التركيب، فتسمية المجاور باسم مجاوره، أو إطلاق الكل على البعض. وهي حقيقة لغوية تدرك من خلال الاستئناس بالقواعد المنبثقة من الاستعمالات القديمة في اللغة، والتي تستسيغها الذائقة الجماعية. يذهب أبو المعالي الجويني إلى أن علماء الأصول والمتكلمين خاصة درجوا على تقسيم الألفاظ إلى أقسام تشمل الوضع والاستعمال معا، حين يقول: « وقالت المعتزلة الألفاظ تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها الألفاظ الدينية وهي الإيمان، والكفر، والفسق. فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين. فالإيمان في اللسان التصديق. والكفر من الكفر، وهو الستر. والفسق الخروج… والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية، وهي القارة على قوانين اللسان. والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية، وهي الصلاة، والصوم، وأخواتها. فهي مستعملة في فروع الشرع.»([12]) ويكفل مثل هذا التصنيف الدقيق للألفاظ جدولة اللغة -فيما يخص الفقه على الأقل- الإدراك الشمولي لحركيتها في إطار التواصل الكلامي. فذهن المتلقي تحرك دوما بينها -أثناء تلقيه الكلام- لينزلها منازلها الخاصة. فلا يلتبس عليه أمر إحداها بين دينية أو لغوية، أو شرعية. وإنما تصب كل واحدة منها في الحقل الخاص بها بحسب مقصد المتكلم أساسا. غير أننا واجدون عندهم توقفا دقيقا مع كل فرع من فروع التقسيم الأول في الخطاطة. وكأنهم يحتاطون بذلك لدرء التوهم والإشكال في الفهم. وما عقدهم للمباحث اللغوية في مقدمات كتبهم إلا دليل على ذلك الحرص الذي لا يجد مبرره إلا في جعل الكلام مصيبا لمقاصده إصابة دقيقة، إحقاقا للبيان. يقول الشيرازي في اللمع:« اعلم أن الأسماء واللغات تؤخذ من أربع جهات: من اللغة، والعرف، والشرع، والقياس. فأما اللغة: ما تخاطب به العرب من اللغات. وهي على ضربين: فمنها ما يفيد معنى واحدا، فيحمل على ما وضع له اللفظ كالرجل، والفرس، والتمر، والبر، وغير ذلك. ومنه ما يفيد معاني، وهو على ضربين: أحدهما ما يفيد معاني متفقة: كاللون يتناول البياض والسواد وسائر الألوان. والمشرك: يتناول اليهودي والنصراني، فيحمل على جميع ما يتناوله، أما على سبيل الجمع، إن كان اللفظ يقتضي الجمع، أو على كل أحد منه، على سبيل البدل إن لم يقتض اللفظ الجمع، إلا أن يدل الدليل على أن المراد شيء بعينه، فيحمل على ما دل عليه الدليل. والثاني ما يفيد معاني مختلفة كالبيضة تقع على الخوذة وبيض الدجاجة والنعامة، والقرء يقع على الحيض والطهر. فإن دل الدليل على أن المراد به واحد منهما بعينه حمل عليه، وأن دل الدليل على أن المراد به أحدهما ولم يعين لم يحمل على واحد منهما إلا بدليل، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وإن لم يدل الدليل على واحد منهما حمل عليهما. وقال أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة: لا يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين. والدليل على جواز ذلك أنه لا تنافي بين المعنيين واللفظ يحتملهما، فوجب الحمل عليهما، كما قلنا في القسم الذي قبله فصل. وأما العرف فهو ما غلب الاستعمال فيه على ما وضع له في اللغة بحيث إذا أطلق سبق الفهم إلى ما غلب عليه دون ما وضع له كالدابة.» ([13]). إن إحلال المتلقي للكلام مكانة أولية في عملية التواصل وتبيان المقاصد، حتم على علماء الأصول عدم إغفال شروط التلقي، وما يكتنفها من وضعيات قد تحول دون الفهم السليم للملفوظات. فإذا نحن فحصنا على سبيل المثل مبحثا واحدا اشترك فيه الأصوليون والبلاغيون، كالتكرار مثلا، أدركنا دقة التحري في عرض الأسباب التي تلجئ المتحدث إليه، وترغمه على معاودة اللفظ أو العبارة في صيغة ذاتها. وقد نحتاج إلى كثير من الاختصار لمعالجة هذا المثال. وقد تشفع لنا فيه ضرورته. 5-التكرار والتوكيد التواصلي: يذهب الزركشي إلى أن: « التكرار على وجه التأكيد، وهو مصدر كرر إذا ردّد وأعاد، هو تَفعال بفتح التاء، وليس بقياس بخلاف التفعيل. وقال الكوفيون هو مصدر فعل والألف عوض من الياء في التفعيل. والأول مذهب سيبويه. وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنا أنه لا فائدة له. وليس كذلك، بل هو من محاسنها لاسيما إذا تعلق بعضه ببعض.» ([14]) وإذا نحن تجاوزنا المعطى اللغوي في التكرار، استقبلتنا إشارة الزركشي إلى انقسام الدارسين –في مسألة التكرار- إلى قسمين: قسم يعده من أساليب الفصاحة، وقسم يرى فيه العي والحصر الذين يفضيان بصاحبهما إلى تكرار القول عيّا أمام الانطلاق والاسترسال. وهي مسألة تجد حجتها في كلا الموقفين من المعاينة لأحوال التواصل والمتواصلين في الخطابات العادية والرسمية. وكأن المتكأ الذي تقام عليه الحجة في التقرير والنفي، إنما يقوم على الهيئة التي يتلبَّسها المتحدث أثناء الحديث في السياق الذي يُجري فيه تواصله، وفي الظرف النفسي الذي يرفد كل ذلك في اتجاه المتلقي. ساعتها نكون أمام شبكة محكمة التعقيد، لا يمكن النظر من خلالها إلى المسألة من جانب دون الالتفات إلى الجوانب الأخرى، كأنْ نرصد شبكة العواطف التي تربط المتحدث بالمتلقي من جهة، وشبكة العلاقات العاطفية بينه وبين الموضوع الذي يعالج. إذ كلما بلغت المشاعر درجة من الحدة والتوتر، أملت على المتحدث ضربا من "الترجيع" الذي ينتهي به سريعا إلى التكرار، سواء في شكله المحمود أو المذموم. فيكون "التقرير" شكلا للأول، ويكون الاحتباس صفة للثاني. وقد فطن الأوائل إلى هذه المسألة التواصلية، فراموا تفسيرها في الهيئات التي يرصدونها في الخطباء والشعراء ابتداء. يقول الزركشي متابعا حديثه:« وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذ أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، كررته توكيدا. وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه، أو الاجتهاد في الدعاء عليه، حيث تقصد الدعاء. وإنما نزل القرآن بلسانهم، وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض. وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة. وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد، لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة، وكلها داعية إلى الشهوات. ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع.» ([15]) ففصاحة التكرار آتية من التوكيد والتقرير وإحكام الحجة على المتلقي من خلال ضرب من "القرع" الذي يؤديه اللفظ المكرر، أو العبارة المرددة. إنها في تواليها تقع على النفس أول الأمر موقع التنبيه، ثم تعود لتحتفر معناها عميقا في النفس، محدثة لونا من التعالق بين صوتها ودلالتها التي حددها السياق والهيئة التي كستها من انفعال الباث وتوتره. ولسنا في التكرار نتلقى اللفظ في وتيرة واحدة أول الإلقاء وبعده، بل لنا في كل تردّد نبر خاص ووتيرة خاصة. وكأن اللفظ لا يكرر حقيقة، وإنما يعاد إخراجه مرة أخرى في ثوب جديد. إذ ليست مهمته –حين التردد- التنبيه، أو الإخبار، بل مهمته حفر الاعتقاد الجديد في عمق النفس، وتمكين الأثر المتوخى فيها. إنها الحقيقة التي يتوقف عندها الزركشي حينما يباشر الظاهرة في القرآن الكريم، فيبدأها بقوله:« وفائدته العظمى التقرير. وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر. وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن، فقال: ) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون( وقال وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا( وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى خشية تناسي الأول لطول العهد به.» ([16]) فإذا كان التقرير هو الفائدة العظمى التي يجنيها المتلقي من التكرار، فإننا نستشف من آي القرآن الكريم فوائد أخرى ألصق بالتواصلية في بعديها النفسي والاجتماعي. ذلك أن الله U يصرح بلفظ التوصيل الذي يتضمن الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. بيد أن للتوصيل مرام أخرى غير التقرير الذي جعله الزركشي فائدة عظمى. إنها في "التذكر" و"التقوى" و"الذكر" وكأن كل لفظ من هذه الألفاظ يطوي مجالا شاسعا من مجالات النفس البشرية في تعاملها مع الغيب، والدين، والله U. فالتذكر مقرون بالماضي، يختص بالأخبار التي ترفعها القصص والأمثال بما فيها من عبر وعظات. والتقوى ترتبط بالسلوك اليومي الذي يتوخى المزالق والسقطات. فالذي عاين أحوال الغابرين، وعرف مساقطهم وأسبابها، يتوقى في معاشه ما يكون مثيلا لها، شبيها بوقائعها، فيبتعد عنها كما يتوقى السائر أشواك الطريق. وينصرف الذكر إلى الله U لمعرفة قدره وجلاله. وحين نرى في التكرار هذه المرامي التي تغطي الماضي والحاضر والمستقبل، وتربط الذات بالخالق U ندرك أن المراد فيه ليس مطلبا تقتضيه الفصاحة وحدها، وإنما هو مطلب تواصلي يتأسس على معطيات النفس والاجتماع معا. كل ذلك ونحن مع اللفظ يُردّد مرتين أو أكثر. ومع العبارة تُستعاد في وتيرة معينة. فإذا تغير هذا الشأن وتحوّل فلسنا أمام الظاهرة التي تسمى تكرارا. وما يُحمد للزركشي –في هذا المقام- التفاته إلى ما يؤسس اليوم في الفهم الحديث حقيقة التوتر النفسي الذي يجد في المكتوب والمنطوق آثاره الدالة عليه. فهو يقول:« فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه. كقوله تعالى قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه( فأعاد قوله قل الله أعبد مخلصا له ديني( بعد قوله قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين( لا لتقرير الأول، بل لغرض آخر. لأن معنى الأول الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها. ومعنى الثاني أنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص. ولذلك قدم المفعول على فعل العبادة في الثاني وأخر في الأول لأن الكلام أولا في الفعل وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل» ([17]) لأن تحول المراد من هدف إلى آخر لا يبقي تواتر اللفظ والعبارة في دائرة التكرار، بل ينصرف بها إلى حال أخرى تجعل العبارة الثانية "نصا" جديدا كل الجدة. نقابل فيه دلالة مستجدة تطرأ على الملفوظ. 6-التكرار بين النحو والبلاغة: يقسم مصطفى الصاوي الجويني اهتمام النحاة والبلاغيين بالتكرار إلى قسمين. فيجعل من نصيب النحاة الاهتمام بأثر العوامل، والالتفات إلى المتلقي ومقامات الخطاب من شغل البلاغيين. ذلك حين يرى أن التكرار:« ظاهرة لغوية يتبينون فيها أثر العوامل، بينما يرعى البلاغيون مقام الخطاب، أو نفسية السامع شكا وإنكارا أو تكذيبا.» ([18]) فإذا كان انشغال النحاة ينصب على النسق الذي يرد فيه التكرار بنية، فإن البلاغيين يتحرون الصلة التي تمتد بين الباث والمتلقي في ظرفها النفسي: شكا وإنكارا وتكذيبا. وإلى السياق الذي يتأسس فيه الخطاب، أو ما يسمونه بالمقام. وكأننا حين نتدبر هذه العلاقات في إنشاء التكرار أسلوبا، نفتح أمام أنفسنا دائرتين على أقل تقدير. دائرة المشاعر المتبادلة بين الباث والمتلقي، وكأننا نجد فيها -على الرغم من تباينها- قياس التوترات التي يحملها الخطاب وهو يحاول إقناع المتلقي، أو زحزحته عن اقتناع سابق، أو تصحيح اعتقاد فاسد.. أو غير ذلك من الوضعيات التي يناسبها التكرار تأكيدا وإصرارا. وهي الدائرة التي يحدثنا عنها علم النفس الاجتماعي في رصده لمثل هذه التقاطعات بين المشاعر، والتي من شأنها تحوير الخطاب والعدول به عن القصد المؤسس له أولا. وحين نقسم دائرة التواصل بين المقام والمعطى النفسي المتبادل بين الباث والمتلقي، فإننا نقيم لظاهرة التكرار بعدها الثقافي المعرفي. فكل خطاب يلجأ إلى التكرار، إنما يصنع ذلك استجابة إلى الداعيين: داعي المقام، أو داعي النفس. ولكننا قد نقبل هذا الفهم فيما يتصل بالحديث العادي الذي يتقابل فيه الطرفان، فكيف بنا نقبل به إذا كان التواصل قائما على المكتوب؟ إن المشاعر تأخذ حدتها من المشافهة والمقابلة، ولكنها لا تملك أن تفعل ذلك من المكتوب. هنا يعيد التفكير القائم على الوعي النفسي إعادة طرح مشكلة "المخاطَب" "القارئ" في النصوص. ذلك الشخص الافتراضي الذي حاول كثير من النقاد إقصاءه من الدائرة الإبداعية، مدعين أن لا وجود له. وأنه إن وجد، فوجوده يؤرق المبدع، ويفرض عليه ضربا من الرقابة التي تحول دون انطلاق الإبداع في مسارب التجديد. غير أن التفكير فيه –مرة أخرى- ومن زاوية تقنية التكرار الأسلوبية، يفتح فيه وظيفة أخرى. إن وجوده ليس للمراقبة، ولا للتنغيص على المبدع، بل وجوده محك لأساليب الإقناع التي يتذرّعها المبدع في عمله وأساليبه. إنه يجرب عليه فعاليتها وقوة حجتها. إنه يتحسس فيه جميع الردود التي يمكن أن يصادفها في غيره من القراء. لذلك فهو يتخير له مستوى ثقافيا معينا يلبي من خلاله جميع المستويات. إننا نتخيل قارئا ضمنيا.. افتراضيا.. وما شئنا له من مسميات.. لا ليكون أنيسنا في رحلة الإبداع، بل ليكون المحك الذي نشحذ عليه جميع أدواتنا الأسلوبية، وحججنا الإقناعية.. نرقب فيه التوتر والانفعال.. ونتحسس الشك والريبة.. والإقبال والإدبار.. فنكرر.. ونؤكد.. لأننا نريد زحزحته عن اعتقاده القديم.. وليس من مقياس لنجاح صنيعنا إلا مقدار الزحزحة التي نجريها في ذاته ومواقفه. وإذا نحن عدنا إلى حفيف اللغة نتصنّت إلى معانيها الحافة التي تشيعها ألفاظها في طيف الاستعمالات المتعددة، رأينا كيف تكتسب اللفظة ذاتها دقتها الإشارية لتأكيد هذا الفهم. فالراغب الإصبهاني يعدد معاني "وكّد" "وكّدت":« القول والفعل أكدته: أحكمته. والسير يشد به القرموس يسمى التأكيد، ويقال توكيد. والوكاد حبل يشد به البقر عند الحلب. قال الخليل: أكدت في عقد الإيمان أجود، وكّدت في القول أجود. تقول إذا عقدت أكدت، وإذا حلفت وكّدت» ([19]) وكأن المعاني الحافة التي يشيعها التوكيد تنصرف كلها إلى لون من التعامل الشديد مع الموضوع قصد شده وتوثيقه. والأسلبة في الإبداع والكتابة عموما، عمل فيه من القوة التي تتولى المتلقي لشدِّه إلى فكرة الإقناع والتأثير. وكأننا حين نكرر اللفظ والعبارة، إنما نعمد إلى ليِّ الوثاق مرة بعد مرة على القصد الذي نتوخى. وحضور القارئ في مخيلتنا حين العملية الإبداعية يعاني ما في اللفظ من شد وإحكام. ذلك أن التأكيد تمكين. يقول يحي بن حمزة العلوي في "الطراز":« واعلم أن التوكيد تمكين الشيء من النفس، وإماطة الشبهات عما أنت بصدده.» ([20]) غير أن هذه العملية الدقيقة التي تتوخى في المتلقي حالات القبول والإذعان، أو حالات الشك والإنكار، تتطلب من المبدع الكثير من الحيطة والدقة في إجراء التكرار توكيدا، وابتغائه أسلوبا وفصاحة. إنها الفكرة التي نصادفها عند الخطيب القزويني حين يوكل العملية إلى ضرب من المقادير تُصَبُّ في المكتوب قدر الحاجة إليها، لئلا تكون محض حشو ينقلب سحره على الساحر، فيكون عيّا وحصرا. وكأنها التركيبة الصيدلانية التي تسعى لأن تكون دواء ناجعا إذا هي احترمت المقادير، قبل أن تنقلب إلى سم ناقع إذا هي تجاوزتها وأفرطت فيها. فهو يقول:« ينبغي أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، فإن كان خالي الذهن من الحكم أو التردد فيه استغني عن مؤكدات الحكم. وإذا كان مترددا فيه طالبا له، حسُن تقويته بمؤكد. وإن كان منكرا وجب توكيده بحسب الإنكار.» ([21]) والجديد في عبارة الخطيب مشاكلته بين الحسن والوجوب. يكون الأول مع الطلب، ويكون الثاني مع الإنكار. وكأننا ونحن نراقب قارئنا نتحسس فيه مواطن الطلب فنقدم له فيها التكرار استحسانا لطلبه، ونقدمه وجوبا أمام إنكاره. ولسنا نرى في التفكير النقدي أدق من هذا الالتفات إلى القارئ والمتلقي أثناء الإنشاء الأسلوبي لنص المرسلة ذاتها. وكأن البلاغي العربي القديم لم يكن يصدر في تعامله مع اللغة أسلوبا عن معيارية جاهزة تملي عليه القواعد والقوالب، وإنما كان محط اعتماده على العملية التواصلية أثناء سريانها الإبداعي الأول. ففيها وحدها يتقرر المقدار والدرجة التي سيصيبها الصنيع من نفس المتلقي. وهي وحدها التي تفصح لنا عن مواطن الحسن في التكرار، ومواطن الهجنة فيه. وإذا نحن سايرنا هذا الفهم عند البلاغيين القدامى، وجدناهم يمضون فيه إلى غايات متقاربة، تصب كلها في الاحتفال القوي بالمتلقي. وكأن الهاجس الذي كان يسكن الباث يتجاوز الصنيع الفني إلى الإفصاح والإبانة والوضوح. يقول الزمخشري:« إن جدوى التأكيد أنك إذا كررت فقد قررت المؤكد ما علق في نفس السامع، ومكنته من قلبه، وأمطت شبهة بما خالجته أو توهمت غفلته عما أنت بصدده فأزلته.» ([22]) وفي حديث الزمخشري إشارات تتصل بالعامل النفسي اتصالا يفتح في الدرس البلاغي نافذة تجاوز المعيار إلى الاستعمال، وقياس الفوز بالقصد والإبانة بدرجات المُكنة التي يحدثها الأسلوب في المتلقي. فهو يتحرك من "الذهن" إلى "القلب" وكأن الفكرة التي يقبلها الذهن ويذعن لحجتها ومنطقها الخاص، تستقر أخيرا في القلب اعتقادا. وكأننا بذلك نلحظ في الفهم العربي تدرجا في أساليب الإقناع، لا يريد للفكرة أن تظل حبيسة العقل وحده، بل يريد لها أن تنزل إلى قرار آمن.. قرار القلب، ففيه تماط الشبهات، وتمحي الغفلة. *كلية الآداب والعلوم الإنسانية/جامعة سيدي بلعباس.الجزائر هوامش: [1] -حسن يوسفي. المسرح والتداولية. ص:2.1. موقع محمد أسليم. [2] -م.س.ص:2. Armengaud Françoise. La pragmatique. Que-sais-je?. PUF. 1985.P:3.-[3] [4] -حسن مصطفى سحلول. نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق.2001. الموقع على الشبكة. [5] – Danielle-Claude Bélanger. Résumé de lecture. Texto.com sur le livre de GARCIA-LANDA, Mariano, "La théorie du sens», théorie de la traduction et base de son enseignement" in DELISLE, Jean, réd., L’enseignement de l’interprétation et de la traduction : de la théorie à la pédagogie, Cahiers de traductologie no 4, éditions de l’Université d’Ottawa, Canada, 1981, 296 p, pp.123-129. [6] -عبد القادر بن بدران الدمشقي. المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ج: 1 ص: 170(ت) عبد الله بن عبد المحسن التركي. مؤسسة الرسالة. ط2.1401. [7] -محمد بن عمر بن الحسين الرازي. المحصول في علم أصول الفقه. ج: 1 ص: 233 (تح) طه جابر فياض العلواني. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.ط1. 1400. الرياض. [8] -محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد. كتاب المنخول. ص:63. (تح) محمد حسن هيتو. ط2. دار الفكر.1400. دمشق. [9] – عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني. الورقات ج: 1 ص: 11.( تح) عبد اللطيف محمد العبد. [10] -م.س.ص: ج: 1 ص: 13. [11] -م.س.ص: ج: 1 ص: 15. [12] -عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني. البرهان في أصول الفقه. (تح) عبد العظيم محمود الديب. ج: 1 ص: 133. ط4. دار الوفاء.1418. المنصورة. مصر. [13] -أبو أسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي. اللمع في أصول الفقه. ج: 1 ص: 9. ط1. دار الكتب العلمية.1405/1985. بيروت. [14] -الزركشي. البرهان في علوم القرآن. ج3 ص:8. (تح) محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعرفة.1391. بيروت. [15] -الزركشي. م.س.ج3.ص:9. [16] -الزركشي. م.س.ج3.ص:10. [17] -الزركشي. م.س.ج3.ص:11.10. [18] -مصطفى الصاوي الجويني. البلاغة العربية تأصيل وتجديد.ص:69 منشأة المعارف الإسكندرية. 1985.مصر. [19] -الراغب الإصبهاني. المفردات في غريب القرآن. (تح) محمد أحمد خلف الله.ص:843. مكتبة الأنجلومصرية. القاهرة. (دت). [20] -يحي بن حمزة العلوي. الطراز.ج2.ص:176. مطبعة المقتطف. القاهرة.1322/1914. [21] -الخطيب القزويني. التلخيص في علوم البلاغة.(ش) عبد الرحمن البرقوقي. ص:41. دار الكتاب العربي. بيروت.(دت). [22] -الزمخشري. المفصل في علم العربية.ص:112.111. دار الجيل ط2. بيروت. (دت).

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق