الجمعة، 6 مايو، 2011

التلفظ والإنجاز

---------------------------------------------------------------------------------- التلفظ والإنجاز عبد السلام اسماعيلي علوي ----------------------------------------------------------------------------------- تقديــم: لقد ساد في مجال البحث اللساني، إلى حدود أواسط القرن المنصرم، الاهتمام بالنحو كنظرية للقدرة. وترتب عن ذلك أن لا يتجاوز الأمر حدود ما يؤكد مصداقية هذه الفكرة، فلم تقم الحاجة حينئذ إلى أكثر من دراسة صورية تقوم على تجريد اللغة وتحاول تقديم مستعمليها باعتبارهم نماذج فارغة ومجردة. إلا أن هذا التوجه ما فتئ يفقد سيطرته على الأبحاث اللسانية، بعدما ظهرت إلى الفضاء اللساني دراسات تتجاوز القدرة إلى الإنجاز، ولا تفصل اللغة عن استعمالها أو تفصل استعمالها عما يلابسه ويتعلق بما هو نفسي أو اجتماعي أو ثقافي أو غيره داخل الفضاء العام للتواصل. وفي إطار ما سارت إليه هذه الدراسات –ماتعلق منها بالإشكال العام للتواصل- سنقف في هذه المقالة على بعض معالم الإجابة اللسانية لسؤال الفعل والإنجاز: (ماذا نحن فاعلون حينما نستعمل اللغة؟) 1- فعل التلفظ أو اللغة في الاستعمال. لقد كانت الدراسات اللغوية قبل لسانيات التلفظ تجعل من اللغة موضوعها الخالص. لقد كانت تهتم بها لذاتها ولأجل ذاتها. إلا أنه، ومع تطور البحث، سرعان ما قامت الحاجة إلى النظر في اللغة لا باعتبارها كيانا قارا وثابتا بل باعتبارها واقعة تواصلية تحكمها حيوية الاستعمال. وبه، تم النظر باهتمام إلى الجانب الذي يجعل من هذا الكيان الأداة الفعلية لتحقيق التواصل، أي لقد أُعيد الاعتبار إلى النظر في الكلام –parole-. باعتباره التجسيد الفعلي لِما كان في حيز الإمكان، أي للسان –Langue- وإذا كان التجسيد عموما يمثل حدثا فعليا، فإن الأمر في تجسيد اللسان بالكلام يتعلق بحدث فعلي هو حدث التلفظ –énonciation-. وعليه، "إن العملية التلفظية هي حيث يوظَّف اللسان بواسطة فعل الاستعمال…، وإن اللسان قبل الاستعمال لا يمثل إلاّ إمكانية لِلسان". [1] إن التلفظ إذن هو المجال الحيوي للقائمين على استعمال اللسان، إنه المجال الذي من خلاله يتحدد النشاط الاستعمالي، ومن خلاله يحدد مستعمل اللسان وضعه ويجسد صورته وخصائصه الفردية بالكلام.[2] وبهذا يكون التلفظ مجالا لمتابعة حركية السلوك اللغوي في الكلام، على أنقاض الثبات الذي يعرفه اللسان. وإن شئت نوعا من التجريد: إن التلفظ –على غرار الإخراج المسرحي- إخراج لساني، إلا أنك لا تجد في نموذج الإخراج هذا وظيفة للمخرج وأخرى للممثل، بل تجد وظيفة واحدة توحد هاتين وهي وظيفة المتلفظ. ويبقى أن نتساءل عن طبيعة وخرْج هذا الإخراج، أو بالتعبير الأصل، أن نتساءل عن طبيعة التلفظ ونتيجته. 1-1- بين الجملة والملفوظ. يمكن أن نقف في التمييز اللساني أولاً، على الفرق بين مفهومي الجملة –phrase- والملفوظ -énoncé -, إذ أن الفصل المنهجي الذي أُقيم بين اللسان والكلام قد أفضى بالتحليل إلى التمييز بين ما هو للسان وخالص له، وبين ما هو للكلام وناتج عنه. وترتب عن ذلك إذن التمييزُ بين الجملة والملفوظ كوحدتين تحليليتين تتعلق الأولى باللسان، وتتعلق الثانية بالكلام. ولعل "O.Ducrot" كان من الذين وقفوا على هذا التمييز الحاصل بين الجملة والملفوظ، إذ اعتبر الجملة كيانا لسانيا مطلقا ومطابقا لذاته عبر مختلف تحققاته، وتكون قيمته خالصة للدلالة اللسانية. أما الملفوظ فقد اعتبره عرضا كلاميا خاصا، أي اعتبره الناتج الذي يأتي عليه التحقيق الفعلي للجملة داخل العملية التلفظية. ولَمَّا كانت قيمة الجملة خالصة للدلالة اللسانية، فإن قيمة الملفوظ هي التي تمثل المعنى -le sens-.[3] وعليه فإن متوالية مثل (1) تعتبر جملة قبل الاستعمال وتعتبر ملفوظا بعده. إذ الملفوظ "هو كل متوالية لغوية تامة صادرة عن متكلم ما".[4] (1) السماء سوداء. فهذه المتوالية خارج الاستعمال تظل خالصة للدلالة على نسبة السواد للسماء وفقط. وأما مع مراعاة الاستعمال، فإن ما كان منها جملة يصير ملفوظا، ويُعْدَل عما كان فيها من دلالة لسانية إلى ما للملفوظ من معنى كأن تدل بحسب الاستعمال على: أ‌- السماء غائمة. ب‌- السماء ملوثة. ج‌- الوقت ليل. وهذه كلها معان لجملة واحدة وملفوظات مختلفة. وهكذا فإن الجملة (1) تظل حاملة لدلالتها اللسانية (نسبة السواد للسماء). أما المعاني (أ، ب، ج) فإنها لا تتعلق بذات الجملة، وإنما هي متعلقة بالملفوظات الناتجة عن تحقيق هذه الجملة. وإذا كانت الجملة الواحدة يمكن أن تستعمل استعمالات متعددة بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وكان لكل استعمال خرج -output- يتمثل في الملفوظ فإن هذا يثبت تعدد الملفوظات للجملة الواحدة، ويترتب عن هذا ثبوت تعدد المعاني للدلالة اللسانية الواحدة. ويمكن أن نصور هذا في الصياغة التالية: جملــة استعمال (1) Ü جملة محققة = ملفوظ (1) ¬ معنى (1) استعمال (2) Ü جملة محققة = ملفوظ (2)¬ معنى (2) استعمال (3) Üجملة محققة = ملفوظ (3) ¬ معنى (3) استعمال (ن) Ü جملة محققة = ملفوظ (ن) ¬ معنى (ن) دلالة لسانية وللتمثيل هَبْ أن متكلما قال: (2) الجو صحو. فإنه إذن قد استعمل الجملة محققا بذلك ملفوظا. وهبْ أن مخاطبه ألح عليه بإعادة قوله. فإن هذا المتكلم لَمَّا يستجيب فسوف لن يعيد نفس الملفوظ، بل سيعيد تحقيق نفس الجملة محققا بذلك ملفوظا جديدا، إنه يكرر الاستعمال ولا يكرر إنتاج نفس الملفوظ.[5] وعليه، يمكن أن نخلص إلى ما يلي: - إن كل رسالة شفهية تحدد باعتبارهاملفوظا انبثق عن الجملة بواسطة التلفظ. - إن الجملة الواحدة يمكن أن يتكرر استعمالها باستمرار. - إننا نحقق ملفوظا جديدا في كل مرة نعيد فيها استعمال نفس الجملة. - إن الملفوظ الواحد لا يتحقق إلا مرة واحدة. 1-2- تعلُّق الملفوظ بالتلفظ. لقد لاحظنا كيف يختلف مفهوم الجملة عن مفهوم الملفوظ، تبعا لاختلاف النظر في الظاهرة اللغوية. ولاحظنا أن النظر في هذه الظاهرة من حيث الاستعمال هو الذي أفرض الاهتمام بالملفوظ على ضوء اختلافه عن الجملة. ثم لاحظنا أن استعمال اللغة يتمثل في تحقيق اللسان بالكلام، وأن التحقيق الكلامي هو ما يمثل التلفظ. فكيف نثبت بهذا الاعتبار تعلق الملفوظ بالتلفظ إذن ؟ هذه مناسبة لرفع بعض اللبس الذي يخلقه ما يشبه الترادف المصطلحي بين "القول" و"التلفظ". فقد نلاحظ في بعض الكتابات العربية توارد المصطلحين معا لمقابلة المصطلح الأجنبي "l’énonciation"، حيث يقابَل هذا الأخير عند بعض الباحثين ب "القول" ويقابله بعضهم الآخر ب "التلفظ". أضف إلى أن المصطلح "قول" قد استعمل عند كثيرين كمقابل للمصطلح "énoncé"، ولعل هذا يفضي إلى بعض الخلط، إذ لا ندري، إذا استعمل مصطلح "القول، ما إن كان يراد به "l’énonciation" أو "l’énoncé". وبهذا كان أولى لمن استعمل "القول" مقابلا ل "l’énonciation" أن يستعمل "المقول" مقابلا ل "l’énoncé"، على نهج من قابله ب "الملفوظ". وهنا نتساءل: بماذا نقابل المصطلحين "le dire" و"le dit"، إذا كنا نقابل "l’énonciation" و"l’énoncé" ب "القول" و"المقول"؟ إننا لا نبحث عن إجابة، وإنما نود أن نشير هنا إلى أنه يجب تخليص "التلفظ" و"الملفوظ" لمقابلة "l’énonciation" و"l’énoncé"، حتى تتسنى لنا مقابلة "le dire" و"le dit" ب "القول" و"المقول". هذا بخصوص الاصطلاح، أما بخصوص المفاهيم، فإن معرفتي لا تجد فرقا جوهريا واضحا بين القول والتلفظ، كما لا تجده بين الملفوظ والمقول، فكلا الزوجين من هذين ينسحبان على نفس الماهية، فالقول هو العملية التي يقوم بها القائل، والتلفظ هو العملية التي يقوم بها المتلفظ، وكل من القائل والمتلفظ متكلم يجسد تحقيق اللسان بالكلام. فأن تتكلم يعني أنك تقول أو تتلفظ، فيكون المقول هو عين الملفوظ. ويترتب عن هذا إن شئت الترادف التالي: القول = التلفظ. (فعل القول = فعل التلفظ)* = (قال = تلفظ). (فاعل القول = فاعل التلفظ) = (قائل = متلفظ). (مفعول القول = مفعول التلفظ) = (مقول = ملفوظ). وبهذا يكون القول أو التلفظ حدثا أو عملية تقوم –فضلا عن الزمكان- على فعل وفاعل ومفعول. ويمكن صياغة هذا في البنية التالية: (3) فعل، فاعل، مفعول. ويمكن أن نستبدل عناصر هذه البنية ب: (4) قال قائل مقولا. ويمكن أن نتابع هذه البنية باستبدال بعض عناصرها كالتالي: (5) قال زيد مقولا. وحين يتعلق الأمر باستبدال العنصر (مقول) بما قيل فعلا فستظهر المزدوجتين في البنية لتعيين المقول كالتالي: (6) قال زيد: "السماء سوداء". فقد يتجسد الفرق بين القول والمقول أو بين التلفظ والملفوظ بواسطة المزدوجتين في الكتابة، كما يتجسد بواسطة فقاعات القراءات المصورة، فالمقول أو الملفوظ هو ما يكتب داخل المزدوجتين أو في قلب الفقاعة، أما القول أو التلفظ فإنه يتجسد بوضوح في القراءات المصورة في كون الفقاعة تخرج من فم شخصية ما.[6] هذا، وقد انتبه علماء العربية إلى هذا التفريق في نظرتهم إلى ما عرف عندهم ب "جملة القول" أو "مقول القول". وذلك واضح في الإعراب الذي يعربون به جملة مثل (6)، إذ تعرب هذه الجملة كالتالي: قال: فعل ماض… زيد: فاعل… السماء: مبتدأ… سوداء: خبر…، وجملة المبتدإ والخبر في محل نصب مفعول به لفعل القول. وهكذا يتميز عندهم القول عن المقول. وقد يظهر هذا التمايز أيضا في اللامعقولية التي نجدها في تحقيق بعض الجمل مثل: (7) إني نائم. (8) لقد مت. إذ يستحيل قبول هذه كملفوظات، اللهم إذا أخذناها على المجازية، ذلك أن ضمير المتكلم في المقول (7) أو (8) لا يمكن أن يكون هو فاعل على القول.[7] ثم إن العملية التلفظية تكون وراء كل ملفوظ، إذ لا ملفوظ بدون تلفظ. ويمكن أن نجد مؤشرا لهذه العملية في تقدير قضية يكون الحكم فيها إثباتا للتلفظ، وقد تكون هذه القضية المقدرة من نوع: (أقول) أو (أتلفظ)، وكلما ظهرت هذه القضية كلما تعين تقدير أخرى فوقها، وهذه قد تمثل بداية لتقديرات لا تنتهي.[8] ويمكن أن نمثل لهذه السيرورة التقديرية في المثال (1) كالتالي: (1) السماء سوداء. (9) (أقول بأن) [السماء سوداء]. (10) (أقول بأني أقول) [بأن السماء سوداء]. و سجلْ في هذا أن ما بين المعقوفتين هو الملفوظ، وأن ما بين القوسين قضية مقدرة تشير للتلفظ. ومن بين مؤشرات التلفظ كذلك ما نجده من مبهمات وإشاريات كالأنا والآن وهنا وغيرها، وهذه تسجل في الملفوظ ويتوقف معناها توقفا تاما على ملابسات التلفظ.[9] وبهذا وغيره تظهر معالم التلفظ في الملفوظ، فكما أن كل فعل أو حدث يشهد عليه أثره، فكذلك الملفوظ يمثل الشاهد الحقيقي على التلفظ.[10] وهكذا تظهر معالم القول والمقول أو التلفظ والملفوظ واضحة، فقد ظهر إلى هنا تمايز التلفظ عن الملفوظ، إذ يكون الأول هو العملية أو الحدث الذي بموجبه يتم تحقيق اللسان تحقيقا فعليا، في حين يكون الملفوظ أو المقول هو حاصل هذه العملية أو خرجها. 1-3- فعل التلـفظ – acte d’énonciation-. وهنا أيضا يمكن أن نقف على اشتباه آخر بين مصطلح "فعل التلفظ" ومصطلح "فعل القول"، فكلاهما استعمل لمقابلة المصطلح "acte d’énonciation"، في حين نجد أن "فعل القول" قد استعمل كذلك لمقابلة "l’acte de dire" وأيضا لمقابلة "l’acte locutoire". وبهذا فإن الأمر يشتبه على مصطلح "فعل القول"، إذ يُستعمل ولا ندري أي مصطلح من الثلاثة يراد به. وإذا كان مصطلح "فعل التلفظ" قد استعمل خالصا لمقابلة "l’acte d'énonciation" فسنجعله خالصا له، وسنعدل عن مقابلته ب "فعل القول" حتى يتسنى لنا تخصيص "فعل القول" لمقابلة "l’acte de dire". أما مصطلح "l’acte locutoire" فسنجعل له مقابلا في "الفعل الكلامي" كما سنرى. وللإشارة، فإن ما قد يحصل من خلط في الاصطلاح يمكن أن يعزى إلى تماهي المفاهيم التي تختلف عليها هذه المصطلحات، إذ قد لا تجد فرقا واضحا بين مفهوم "فعل القول" ومفهوم "فعل التلفظ"، حيث لم تجده بين "القول" و"التلفظ". وتبقى فقط بعض الحساسية أو ما يشبه التمايز حين يتعلق الأمر ب "الفعل الكلامي – acte locutoire-" كما حددته نظرية الفعل وسنرى هذا في حينه. وعلى العموم، فإن ما قد يظهر من فرق بين هذه المفاهيم، لا يرجع إلى ما بين يدي المفاهيم ذاتها بقدر ما هو راجع إلى نوع من التجريد النظري، حيث إن كل نظرية –إن لم نقل كل منظر- تحتاج فضلا عن تحديد موضوعها ومنهجها إلى تحديد مفاهيمها وتجريد مصطلحاتها الخاصة. وعليه إن الإطار الذي من خلاله تشتغل هو الذي يحدد نوعية المصطلح الذي تستعمل، ثم إن استخدامك لاصطلاح لا يحدده هذا الإطار لا يلزمك بنفس الإطار. وهكذا فما استعمالنا للمصطلح "فعل التلفظ" إلا التزام بنظرية الفعل. لقد قامت نظرية الفعل على فرضية أساس مفادها أن كنه الكلام لا يكمن في تبادل المعلومات وفقط، بل هو أيضا تحقيق فعلي للحدث، تحقيق تحكمه القواعد وتوجهه الأهداف.[11] فأن تتلفظ يعني أنك تفعل، وكما أننا لا نفعل لأجل لا شيء، فإنناكذلك لا نتلفظ لأجل لا شيء، إننا نتلفظ لأجل غايات وأهداف محددة كأن نخبر أو نسأل أو نعد. وكما أن فعل التلفظ كباقي الأفعال ليس فعلا مجانا، فإنه كذلك ليس حرا، إن له قانونا ينظمه كما لباقي الأفعال قوانينها المنظمة. وبهذا يفترض الموقف التداولي أن التلفظ هو الفعل، أو هو نوع من الفعل، وبذلك سوف لن يُستخدم اللسان ليحيل على نفسه. بقدر ما يستعمل ليعكس فعل التلفظ. وهكذا فإن معنى كلامي سوف لن يتوقف إلاَّ على قيامي بفعل التلفظ وعلى ما يستتبع هذا السلوك. 2-الإنشاء أو إنجازية التلفظ . لقد أفرد "J.L.Austin" الفصل الأول من كتابه"How to Do Things with Words "** لتفنيد ما كان من وهمٍ فلسفي في تصنيف القضايا باعتبار الصدق والكذب. هذا الوهم الذي قام على افتراض مفاده أن أحكام القضايا لا تخلوا إما أن تكون وصفا لحالة واقعية أو تكون إثباتا لواقعة عينية. وبهذا كان الفلاسفة والمناطقة لا يعتبرون من القضايا إلا ما كان يحتمل أن يكون الحكم فيه صادقا أو كاذبا. ثم إنهم ورغم تشبثهم بالنظر في "أحكام القضايا"، لم ينكروا الاصطلاح النحوي: "الجمل". وهم بذلك لم ينكروا ما ذهب إليه النحاة من أن هناك من الجمل ما يفيد استفهاما وما يفيد تعجبا، وما يفيد غيره إضافة إلى ما يفيد الإثبات أو الوصف. وقد كان كل من الفلاسفة والنحاة مُدركا صعوبة الفصل في الجمل بين ما كان للوصف أو الإثبات وما كان لغير ذلك. أضف إلى أن ما كان من الجمل أو القضايا محسوما في أمر كونه خالصا للوصف أو الإثبات، وقابلا للتصنيف باعتبار الصدق والكذب، هذه القضايا أو الجمل –يقول "Austin"- أصبحت محل نقاش، فإذا كان الحكم على الوقائع بالوصف أو الإثبات يعد حكما وجوديا وواقعيا، فإنه وبموجب كونه كذلك، أمكنت مقاربته واقعيا وإخضاعه للتحقيق ما أمكن. وقد أثبتت تجربة التحقيق هذه أن عددا من القضايا كانت تعتبر ذات أحكام قابلة لاحتمال التصديق أو التكذيب، وما هي في الحقيقة كذلك، إذ إن ما كان يظهر فيها على أنه حكم ما هو في الحقيقة إلا شبه حكم. وعليه إن عددا كبيرا مما كان من الملفوظات أو التعابير يعد وصفيا –descriptif-، أو بالاصطلاح المأثور لدى "Austin" يعد خبريا –constatif-*، قد انكشف من أمره أنه ليس خالصا للوصف أو الإثبات ولم يعد الحسم في كونه كذلك ممكنا، وهذا واضح مع بعض القضايا التي تظهر على أنها وصفية أو إثباتية، وما هي في الحقيقة كذلك، إذ نجد أنها لا تصف حالة، ولا تثبت واقعة مطلقا، وهي رغم ما تظهر عليه من ذلك لا تقبل تصديقا ولا تكذيبا[12] ومن أمثلتها ما يلي: (11) أقبل بهند زوجة لي. (12) أراهنك على أن السماء ستمطر غدا. فحينما أتلفظ بعبارات مثل هذه، فإن الأمر لا يتعلق بكوني أصف حالي لحظة قيامي بفعل التلفظ، ولا بكوني أريد إثبات قيامي بأي فعل، بل إن تلفظي بمثل هذه العبارات هو في الواقع إنجاز لها. إنني حين أتلفظ بالعبارة (13) مثلا لا أصف حالة، ولا أثبت واقعة، ولا يحتمل ما تلفظت به شيئا من التصديق أو التكذيب. فماذا نسمي عبارة أو جملة من هذا النوع إذن؟ لقد اقترح "Austin" لأجل ذلك مصطلح "عبارة إنجازية" أو "إنشائية" –performative-.[13] وهكذا فإن الفعل الذي يمكن أن أكون قد قمت به لحظة تلفظي بعبارة من قبيل (13) أو (14) ليس فعلا للوصف أو الإثبات، وإنما هو إنجاز أو إنشاء لذات التلفظ، وإن التلفظ هو عين ما فعلت. لقد أدى اعتبار الصدق والكذب إذن إلى التمييز بين القضايا وأشباه القضايا إذ تكون القضية قضية إذا كان الحكم فيها حكما، وتكون مجرد شبه قضية إذا كانت لا تشتمل على أي حكم، أو تشتمل على ما يشبه الحكم وليس بحكم. والحكم هو ما نستطيع الحسم في تصديقه أو تكذيبه باعتبار الواقع، وشبه الحكم هو ما لا نستطيع تكذيبه ولا تصديقه. ويمكن أن نمثل للقضية ذات الحكم، وشبه القضية ذات شبه الحكم، ولشبه القضية غير ذات حكم، على التوالي كالتالي: (13) ضرب زيد عمرا. (14) أصابت اللعنة زيدا. (15) كم الساعة؟ والحكم في القضية (15) هو إثبات ضرب زيد لعمر، وهو حكم يصدق إذا أثبت الواقع أن زيدا ضرب عمرا فعلا، ويصنف كاذبا إذا لم يثبت الواقع ذلك. أما شبه الحكم في شبه القضية (16) فهو إصابة اللعنة لزيد، ولا يثبت الواقع له تصديقا ولا تكذيبا، أي إن الواقعة التي يثبتها هذا الحكم ليست واقعة عينية حتى نستطيع ملامسة ما إن كانت حادثة بالفعل أم لا. وأما شبه القضية (17) فإنها لا تنطوي على أي حكم أصلا. وخلاصة الأمر أن التمييز قائم بين القضايا وأشباه القضايا. وعلى هذا الاعتبار أقام "Austin" تقسيمه الثنائي للتعابير اللغوية.[14] فما انسحب عليه مفهوم القضية كان تعبيرا إخباريا، وما انسحب عليه مفهوم شبه القضية كان تعبيرا إنشائيا. وهذان صنفان متمايزان: - التعابير الإخبارية، وهي نوعان: وصفية وإثباتية، فالوصفية هي ما كان الحكم فيها وصفيا. والإثباتية هي ما كان الحكم فيها إثباتيا. وأمثلة هذه على التوالي: (16) السماء صافية. (17) مات زيد. حيث (18) تمثل وصفا لحالة واقعية، أي وصفا لحالة السماء. و(19) تثبت واقعة عينية، أي تثبت وقوع موت زيد. والمثالان معا يحتملان تصديق الحكم فيهما أو تكذيبه. - التعابير الإنشائية، وهي كذلك نوعان، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك. فمنها ما كان يعد إخباريا وثبت أنه ليس كذلك، وهو ما أشرنا إليه بأشباه القضايا ذات أشباه الأحكام. ومنها ما هو خالص للإنشاء كأن يكون التعبير استفهاما أو تعجبا أو وعدا أو غيره، وهذا ما أشرنا إليه بأشباه القضايا غير ذات أحكام. وقد مثلنا لصنفي الإنشاء هذين على التوالي بالمثالين (16) و(17)، وكلاهما كما لاحظنا لا يحتمل تصديقا ولا تكذيبا. وإذا كانت التعابير الخبرية تراز باحتمالها الصدق أو الكذب، فإن المعيار الذي يراعى في الإنشائية هو مدى مطابقتها لمقتضى الحال. فالتعابير الإنشائية من حيث كونها إنجازات فإنه يمكن الحكم عليها شأنها شأن باقي الإنجازات بالاستحسان أو عدمه، وهذا ما مكن من متابعتها تحت مقولة مطابقة مقتضى الحال.[15] ثم إن التعابير الإنشائية تنقسم إلى أولية وصريحة: - تعابير إنشائية أولية، وهي تعابير تأتي للإنشاء ولا يتم التصريح فيها بذلك، كأن تكون العبارة (20) للوعد وتأتي على الشكل التالي: (18) سأزورك غدا. - تعابير إنشائية صريحة، وهي ما يصرح فيها بفعل دال على إنشائيتها، كأن يصرح بفعل الوعد في (20) على نحو (21) كالتالي: (19) أعدك بأني سأزورك غدا. ويشترط في هذا الفعل أن يكون على صيغة المضارع ومبنيا للفاعل المتكلم،[16] كما في (أعدك). ولا يصح أن يكون على أية صيغة أخرى. وإن حدث أن كان، فإن التعبير سيكون للإخبار وليس للإنشاء كما في (22) أو (23). (20) وعدتك بأني سأزورك غدا. (21) يعدك بأنه سيزورك غدا. هذا، وبعد تمحيص طويل استغرق ثلاثة فصول من كتاب "Quand dire c’est faire"، يخلص "J.L.Austin" إلى صعوبة الحسم في المعيار الذي بواسطته نستطيع تمييز الإنشاء عن الخبر، يقول: "لقد فشلنا في إيجاد الضابط أو المعيار الذي يمكننا من تمييز العبارات الإنشائية عن الخبرية".[17] فقد اتضح له أن معيار مطابقة مقتضى الحال يصدق على الخبر كما يصدق على الإنشاء. وأنه لا المعايير النحوية ولا المعجمية تحسم فيما إذا كان التعبير إخبارا أم إنشاء، إذ ليس من السهل في معظم الحالات أن نتأكد من أن التعبير المتلفظ به خالصا للإنشاء، ليبقى السياق المقامي للتفظ هو الكفيل بهذه المهمة، ذلك أنه حتى التعابير الإنشائية الصريحة في ظاهرها وصورتها يشتبه الأمر معها فيما إذا كانت للإنشاء هي أم للإخبار، هذا فضلا عن كونها تختلط مع غيرها من التعابير الإخبارية التي تأتي على صورتها وتستوفي شروطها، أي يتصدرها هي كذلك فعل مضارع ومبني للفاعل المتكلم، نحو : (24) أو(25). (22) أثبت بأني سأزورك غدا. (23) أخبرك بأني سأزورك غدا. فهذه تعابير إخبارية وإن جاءت على الصيغة الإنشائية الصريحة كما رأينا في (21)، أضف إلى أنه حتى التعابير الإنشائية الصريحة التي بدت خالصة للإنشاء يمكن أن تؤخذ باعتبار السياق المقامي على أنها أخبارا كأن يؤخذ التعبير (21) على أنه إثبات للوعد بالزيارة. هذا وأمثلة اختلاط الإنشاء بالخبر لا تنحصر إذ يمكن في كل لحظة أن يؤخذ الإنشاء على أنه إخبار، والإخبار على أنه إنشاء، فقط باعتبار السياق المقامي. هكذا تتجلى صعوبة الحسم في فصل قاطع بين الإنشاء والإخبار. وعلى كل حال، إننا عندما نصدر تعبيرا ما أيا كان إنشائيا أو إخباريا، فإننا نفعل شيئا ما، إن مجرد إصدار التعبير هو إنجاز له، فكانت هذه مناسبة لتناول التعابير بهذا الاعتبار، أي لتناولها كإنجازات لأفعال، بغض النظر عن كونها للإنشاء أو للإخبار. يقول "Austin": "لقد واجهتنا بعض الصعوبات تتعلق بتحديد ما إذا كانت الجملة أو العبارة خالصة للإنشاء أو مترددة بينه وبين غيره، وقد تبين أنه من المناسب أن نرجع إلى احتكام آخر، وأن ننظر كم هي الجهات التي يمكن معها أن ندعي بأن قول شيء ما هو إنجازه".[18] 3- في الفعل اللغوي. 3-1- مفهوم الفعل اللغوي. للإشارة أولا، لقد أثار مصطلح "speech acts" الذي جاء به "J.Searle"* مصدر قلق وحيرة بالنسبة للترجمات التي تناولته، إذ اختلفت على هذا المصطلح المقابلات الفرنسية التالية: "actes de langage"، "actes de parole" و"actes de discours"، وعلى هدي هذا القلق سارت الترجمات العربية، إذ قوبل المصطلح ب "أفعال اللغة"، "أفعال الكلام" و"أفعال الخطاب". فإذن على أي من هذه المقابلات يمكن حمل المصطلح؟ لقد انتبه "O.Ducrot" إلى هذا القلق، وفي هذا السياق يذهب إلى أن حمل هذا المصطلح على مقابلته ب"أفعال الكلام –les actes de parole" سيضطرنا إلى نوع من التناقض، على اعتبار أن "Searle" نفسه يجعل هذا الفعل جزءا من اللسان. وإذا حملناه على مقابلته ب "أفعال اللسان –Les actes de langue"، فإن مقابلته بهذا ستكون تافهة وغير مرضية. ولا يبقى إلا أن نحمله على مقابلته ب "أفعال اللغة – actes de langage-"، وهذا يجنب المصطلح من الوقوع في النسقية السوسورية.[19] هذا ما ذهب إليه "Ducrot" بشأن الاصطلاح، ومالنا نحن إلا أن نأخذ بهذا، وليس لهذا التبرير فقط، بل أيضا لأن "أفعال اللغة" هو المقابل الذي راج بشكل كبير في أوساطنا اللسانية. وعلى العموم فإن الاصطلاح هذا يأتي على مفهوم تداولي ينسحب على ما يحققه مستعملو اللغات الطبيعية في مقاماتهم التواصلية من فعل، إنه يتمثل في ما يصدر عن الاستعمال، ولا تكمن طبيعته "الفعلية" أو الحدثية هذه في كونه إنجازا أو ممارسة فيزيولوجية وفقط، بل لأنه، فضلا عن ذلك، سلوك لغوي أو ممارسة يستطيع المتكلم تجسيدها عبر العملية التواصلية، فلا يختلف الفعل اللغوي عن باقي الأفعال الإنسانية غير اللغوية. ووفق هذا التصور الذي أرسى دعائمه "J.L.Austin" وأجلى معالمه "J.Searle"، أصبحت اللغة تمثل فضاء للإنجاز والممارسة والفعل، حيث الأمر والنهي والإخبار والاستفهام وغيرها تمثل إنجازات لغوية، وحيث الملفوظات اللغوية لا تنفك تجسد هذه الإنجازات. وبهذا أمكن للنظرية اللغوية أن تشكل جزءا من النظرية العامة للفعل، والسبب في ذلك يقوم على افتراض مفاده" أن التكلم في حد ذاته يمثل شكلا من أشكال السلوك الإنساني المنظم".[20] 3-2- خصائص الفعل اللغوي. لقد أصبحت الوحدة الأساسية للتواصل تتمثل –على غير ما كان يعتقد- في الفعل اللغوي. ذلك أن الفعل -l'acte- يمثل الوحدة الأولية لكل تفكير تصوري. وحيث اللغة تستعمل لتمثيل الفكر، فإنه لا وجود لملفوظ إلا وهو تجسيد لإنجاز الفعل. أضف إلى أن الفعل اللغوي يمثل كباقي الأفعال شكلا من أشكال السلوك الاجتماعي، إنه يمثل الممارسة اللغوية والتفاعل التواصلي. وعليه إن دراسة تهتم بالعبارات اللغوية هي في الحقيقة ولنفس الأسباب دراسة للأفعال اللغوية، وإن شئت قلت دراسة للوحدات الشاملة لعناصر التواصل اللغوي.[21] ولعل بهذا الاعتبار اكتسب الفعل خاصيته الجوهرية التي جعلت منه وحدة التواصل الأساسية. ثم إن الفعل اللغوي من حيث الإنتاج يعتبر مساهمة في مشروع شامل للتواصل يدشنه المتكلم، هذا الذي ينظم ما هو جاهز داخل قدرته التواصلية، انسجاما مع نظام العلاقات الاجتماعية، بما يخوله هذا النظام من حريات ويفرضه من قيود وإرغامات.[22] وعليه إن أي إنتاج أو تحقيق ناجح للفعل يجب أن يعتمد على مجموع التعاقدات الاجتماعية. ولعل فكرة التعاقد هذه تقتضي أن يكون للأفراد المنتمين لنفس جماعة الفعل الاجتماعي، قابلية للتفاهم حول العروض اللغوية الممكنة لهذا الفعل. فإذا كان هناك تعاقد مادي، وإذا تترب عن التعاقد اشتراك في المعارف، فإن شرط نجاح الفعل اللغوي يكون بذلك مضمونا. وإذا لاحظنا كيف لا يتحقق نجاح الفعل إلا باستيفاء شرط التعاقد. فإن هذا يثبت للفعل اللغوي الخاصية التي تجعل منه فعلا مؤسساتيا أي فعلا خاضعا للتعاقد الاجتماعي. وإذا تحدد الفعل اللغوي بخاصيته هذه كإخراج يخضع لتعاقد اجتماعي فإنه بذلك يمثل سلوكا منظما تحكمه القواعد وتوجهه المبادئ المتعارف عليها. وهكذا فإن تحقيق الفعل اللغوي يستوجب التقلد بما يخوله نظام التقعيد المتعارف عليه، وهنا تكمن الخاصية التي تجعل من الفعل اللغوي فعلا مقيدا وليس حرا.[23] إن الفعل اللغوي باعتبار ما سبق إذن، يمثل فعلا مقيدا. هذا ويمكن أيضا أن نخلص باعتبارات أخرى إلى أنه فعل قصدي. فبناء على أننا لا نتكلم لأجل لا شيء، وأننا نتكلم بالضبط لأجل غايات وأهداف محددة،[24] فإن الفعل اللغوي بهذا الاعتبار يمثل سلوكا مقصودا ينتج عن رغبة لأجل غايات منشودة. وإذن هذه خاصية أخرى تنضاف إلى ما سبق وتتمثل في كون الفعل اللغوي فعلا قصديا. إلى هنا يتحدد الفعل اللغوي من خلال خصائصه كحدث يتوقف تحقيقه على مراعاة نظام التعاقد الاجتماعي من جهة، وعلى استراتيجيات محددة تخول للمتكلم إخراج مقاصده بالطريقة التي تمكن المخاطب من إدراك تلك المقاصد من جهة أخرى. وعليه، أن تتكلم يعني أنك تراهن رهانا مزدوجا: تراهن من جهة على مدى استيعابك للتعقاد أو المواضعة، وتراهن من جهة ثانية على نجاح تأثير ما تعتمده من استراتيجيات.[25] وإذن ما هي العوامل الحقيقية التي تضمن نجاح هذا الرهان؟ أي إذا كان نظام التعاقد واعتماد الاستراتيجيات لتمرير القصد، تمثل عوامل لتحقيق الفعل اللغوي، فما هي العوامل التي تضمن نجاح هذا التحقيق؟ إذا كان إدراك المقاصد عموما يتوقف على مدى انسجام المتكلم مع السياق والسياق المقامي بشكل عام، وعلى مدى انتباه المخاطب لهذا الانسجام، فإن هذا نفسه هو ما يتوقف عليه نجاح تمرير القصد الإنجازي، وهو بالتالي ما يتوقف عليه نجاح تحقيق الفعل اللغوي. فإذا كانت "الجملة الواحدة يمكن أن تستعمل لإنجاز الإخبار أو الإنكار أو التوبيخ… فإنه يجب أن نعرف ليس الجملة فحسب، بل المقام المستعملة فيه لمعرفة ما ينجره متلفظها بها من فعل".[26] ولعل بهذا يتضح مدى توقف الفعل اللغوي على السياق المقالي والسياق المقامي معا، وبهذا يتضح أن للفعل اللغوي خاصية تجعل منه فعلا سياقيا مقاميا. وهكذا يمكن أن نعرض بعض خلاصات ما سبق في الأفكار التالية. - إن الفعل اللغوي فعل ينتج عن تحقيق الحدث -L'action-. - إنه فعل قصدي –Intentionnel-. - إنه فعل خاضع للمواضعة والتعاقد –conventionnel-. - إنه من طبيعة سياقية مقامية -–cotextuelle et contextuelle.[27] 3-3- مستويات الفعل اللغوي: لقد سار "J.L.Austin"* إلى أن الفعل اللغوي يمثل وحدة مركبة من ثلاث عناصر فعلية مرتبطة فيما بينها ولا يمكن فصل بعضها عن بعض إلا إجرائيا، وهذه العناصر هي: - الفعل الكلامي - –L’acte Locutoire - الفعل الإنجازي - –L’acte Illocutoire - الفعل التأثيري - –L’acte perlocutoire وهذه تبرز معالمها في متابعة ما تثيره التساؤلات التالية: - بأي وجه يكون مجرد القول فعلا؟ - بأي وجه نكون منجزين لفعل ما بقولنا لشيء ما؟ - بأي وجه يمكن أن نفعل شيئا ما بتأثير ما ننجز بما نقول؟[28] أ‌- الفعل الكلامي: ألسنا فاعلين لشيء ما عندما نصدر عبارة ما؟ أليس إصدار العبارة هذا في حد ذاته يمثل تصرفا عمليا؟ أليس إصدار العبارة هو قولها أو النطق بها؟ وإذن ألا يعني النطق بشيء ما حصول تعلق المفعولية، إذ التصرف هنا يحتاج في حدوثه إلى النطق؟ لاشك في أن الأمر في النطق يتعلق بنوع من الفعل طبعا. ويمكن توضيح ذلك في التفريق بين من فعل ومن لم يفعل: فمن فعل هو من تكلم، ومن لم يفعل هو من لم يتكلم. فقد تكتفي بالتفكير في الشيء دون أن تعبر عما فكرت فيه، وهذا يعني أنك لم تحقق الفعل الكلامي. ولما تتجاوز التفكير إلى التعبير، فإنك حينها تقوم بالفعل، والفعل الذي قمت به طبعا هو الفعل الكلامي. والخلاصة في هذا أن الفعل الكلامي يتمثل في حصول الكلام عن المتكلم[29]. هذا، إلا أن الفعل الكلامي ليس على البساطة التي قد يظهرها هذا التحديد. إنه فعل معقد وينسحب على تركيبة ثلاثية العناصر، وعناصر هذه التركيبة هي: - الفعل التصويتي – L’acte phonétique-. - الفعل التأليفي – L’acte phatique-. - الفعل الإحالي - –L’acte rhétique. فالفعل التصويتي يتمثل في إصدار أصوات معينة من مخارج صوتية معلومة، ويمثل هذا الفعل عنصرا من الفعل الكلامي، لأن الكلام يقتضي إحداث الأصوات. وللتدقيق إذا كان الفعل الكلامي يتمثل في قول شيء ما، فإن قول شيء ما معناه إحداث هذا الشيء على الوجه الذي يضمن ثبوته في الواقع، ولعل التصويت هو الذي يضمن ثبوت قول الشيء. وبهذا ينسحب الفعل الكلامي في جانب منه على الفعل التصويتي. وإذا كان الفعل التصويتي هذا يتمثل في إصدار الأصوات، فإن الفعل التأليفي يتمثل في إصدار متواليات الأصوات طبقا لنظام تأليف هذه المتواليات، إنه يتمثل في إحداث هذه المتواليات على الطريقة التي يسمح بها النظام الفونولوجي والتركيبي والمعجمي، ليشكل بذلك العنصر الثاني داخل الفعل الكلامي، وأما الفعل الإحالي فإنه يتمثل في مراعاة ارتباط الوحدات التأليفية بالمراجع الخارجية للدلالة على معاني مخصوصة[30]. كان هذا مجرد فصل إجرائي للعناصر الفعلية التي يقوم عليها الفعل الكلامي، والثابت أن هذه العناصر ترتبط مع بعضها ارتباطا وثيقا لدرجة يصعب معها فصل عنصر عن آخر فصلا تطبيقيا، إذ نلاحظ أن تحقيق الفعل الإحالي يتوقف على تحقيق الفعل التأليفي، ولا يتحقق الفعل التأليفي إلا بتحقيق الفعل التصويتي[31]. فهذه أفعال متلازمة يؤدي تحقيق واحد منها إلى تحقيقها كلها، وهذا التحقيق الكلي هو ما يمثل تحقيق الفعل الكلامي. وعليه، إن الفعل الكلامي يتمثل في قول شيء ما عن طريق التصويت وطبقا لنظام التركيب والدلالة. ب‌- الفعل الإنجازي: إن تحقيق الفعل الكلامي بوجه عام هو في ذات الوقت إنجاز لفعل ما، إنجاز تؤديه الصيغة التعبيرية الناتجة عن تحقيق الفعل الكلامي، أي الناتجة عن قول شيء ما. ويتعلق الأمر هنا بالوظائف التي تؤديها التعابير اللغوية في سياقات استعمالها، كأن تكون للاستفهام أو الإخبار أو الوعد أو غيرها. ثم إن الفعل الذي يحققه مستعمل اللغة بهذا المعنى هو ما يسميه "Austin" بالفعل الإنجازي. وإذن إننا بقولنا لشيء ما نكون منجزين لفعل ما، إننا كلما حققنا فعلا كلاميا في سياق استعمالي معين، نكون منجزين للفعل، كأن نخبر أو نعد أو نتساءل[32]. وهكذا، فإذا كان الفعل الكلامي يتمثل، كما لاحظنا، في تحقيق تعابير لغوية في حدود الدلالات المرجعية، ودون مراعاة للسياقات الاستعمالية، فإن الفعل الإنجازي يتمثل في تحقيق تعابير لغوية تنطوي –فضلا عما يخوله مستوى الفعل الكلامي من دلالة –على قوى إنجازية-forces illocutoires- قد يمثلها الإخبار أو الاستفهام أو غير هذا، هذه القوى الإنجازية هي التي تمثل القصد التداولي من تحقيق الفعل اللغوي. وبهذا يكون الفعل الإنجازي هو الفعل الذي من خلاله تبرز معالم اعتبارات الاستعمال[33]. ج- الفعل التأثيري: يتعلق الأمر هنا بالفعل الذي نحققه بواسطة قولنا لشيء ما وتحقيقنا للفعل الإنجازي. والشاهد على تحقيقنا لهذا الفعل يظهر في وقع القول أو في الآثار التي يحدثها القول على المخاطب. فأن نقول شيئا ما يترتب عنه عادة إحداث بعض الآثار على الآخرين بتعديل أنظمتهم المعرفية وعاداتهم السلوكية.[34] وإذن إن إحداث التأثير بالقول هو مناط الفعل التأثيري الذي يمثل العنصر الثالث في التركيبة الثلاثية للفعل اللغوي. هذا، ويمكن أن نميز بين الفعل الإنجازي والفعل التأثيري في متابعة الفرق بين الصياغتين التاليتين. -في حال قولي كذا فقد حققت إخبارا أو وعدا أو تحذيرا… -بواسطة قولي كذا فقد أزعجت مخاطبي أو أفرحته أو أقنعته….[35] إذ تنسحب الصياغة الأولى على الأفعال الإنجازية، وتنسحب الثانية على الأفعال التأثيرية. كانت هذه مستويات الفعل اللغوي عند "Austin" ولعل الوقوف عليها يوضح كيف أن هذا الفعل اللغوي يمثل جنسا أو مقولة كلية[36] تندرج تحتها عناصر فرعية. ويمكن أن نمثل لهذه العناصر في متابعة تحقيق الجملة التالية: (24) لقد نجح أخوك. إن المتكلم لما يحقق جملة كهذه فإنه يكون محققا للفعل اللغوي بمستوياته الثلاثة ويمكن أن نجرد صياغة إجرائية لهذا التحقيق كالتالي: أ‌- إنه قال لي: "لقد نجح أخوك". ب‌- إنه أخبرني بنجاح أخي. ج- إنه أفرحني بقوله الإخباري هذا. إن المتكلم في المستوى الأول يحقق فعلا كلاميا كما يتضح من خلال (أ) وبتحقيقه للفعل الكلامي هذا يكون محققا للفعل الإنجازي متمثلا في الإخبار كما هو واضح في (ب)، ويترتب عن هذا أن المتكلم قد أحدث في نفسي أثرا طيبا، لأن في قوله الإخباري هذا مسرة لي. وهو بالتالي قد حقق الفعل التأثيري كما توضحه الصياغة الإجرائية (ج). د- الفعل القضوي -–L’acte propositionnel عند "J.Searle". لقد لاحظنا مع "Austin" أن تركيبة الفعل اللغوي تقوم على ثلاثة عناصر هي: الفعل الكلامي والفعل الإنجازي والفعل التأثيري. ولاحظنا معه أيضا أن للفعل الكلامي تركيبة ثلاثية تنسحب على فعل تصويتي وفعل تأليفي وآخر إحالي. فما موقع الفعل القضوي من هذا إذن؟ إن إدراج الفعل القضوي في الصيغة التركيبية للفعل اللغوي كان محاولة من "Searle" لتدارك الالتباس الحاصل بين الفعل الإحالي والفعل الإنجازي. إننا لا نجد أي صعوبة في تصور الفعل التصويتي والفعل التأليفي لأن نظام التصويت والتأليف يظل في الواقع هو هو، سواء تعلق الأمر بإنجاز الطلب أو الوعد أو الاستفهام أو غيره.[37] أي إن القواعد الفونولوجية والنحوية تظل هي هي في تحقيق جميع الأفعال الإنجازية، وإن التصويت يظل تصويتا والتأليف يظل تأليفا. وهكذا فإلى حدود الفعل التصويتي والفعل التأليفي ليس هناك أي إشكال، إلا أن الصعوبة تظهر مع الفعل الإحالي ما دام يقوم على إدراج المعنى وإدراجه قبل القوة الإنجازية. وقد أشار "O.Ducrot" إلى هذا في تساؤله حول ما يقدمه الفعل الإحالي من دلالة، يقول: "ما هي هذه الدلالة؟ وكيف ستكون علاقتها مع القوة الإنجازية؟".[38] هذا، ولتجاوز هذا الالتباس ذهب "Searle" إلى إعادة صياغة تركيبة الفعل اللغوي كالتالي: أ‌- أن تتكلم، يعني أنك تحقق الفعل التلفظي. ب‌- أن تسند الكلمات إلى بعضها وتحيل بها على مراجعها، يعني أنك تحقق الفعل القضوي. ج‌- أن تخبر أو تعد أو تستفهم: معناه أنك تحقق الفعل الإنجازي.[39] وإلى هذه العناصر الثلاثة ينضاف الفعل التأثيري بنفس صيغته الأوستينية. هكذا أمكن لهذه الصايغة أن تستوعب نوعاً ما ما جاء عند "Austin"، مع مراعاة أن الفعل الإحالي والفعل الكلامي يندرجان معا تحت ما عرف عند "Searle" بالفعل القضوي.[40] لقد ساعد التعديل الذي جاء به "Searle" هذا، في ملاحظة الفرق بين المحتوى القضوي والقوة الإنجازية. إذ يمكن للمحتوى القضوي الواحد أن يظهر مع تحقيق أفعال إنجازية مختلفة. ويمكن أن نمثل لهذا بما يلي. (25) خرج زيد. (26) هل خرج زيد؟ (27) ليخرج زيد. فهذه ملفوظات ذات محتوى قضوي واحد ناتج عن تحقيق الفعل القضوي بإسناد الخروج لزيد. إلا أن هذه الملفوظات رغم قيامها على نفس المحتوى القضوي تختلف من حيث قواها الإنجازية، حيث القوة الإنجازية في (27) هي الإخبار، وهي في (28) الاستفهام، وفي (29) الأمر. وهذا يعني أن تحقيق هذه الملفوظات معناه تحقيق ثلاثة أفعال إنجازية مختلفة حيث يتكرر مع تحقيق كل واحد منها تحقيق نفس الفعل القضوي، هذا الأخير الذي يمكن أن يتحقق مع العديد من الأفعال الإنجازية الأخرى. وبهذا استطاع "Searle" أن يجرد للفعل الإنجازي الصيغة المنطقية التالية: - ق (م ق). حيث (ق) يمثل رمزا للقوة الإنجازية ويمثل (م ق) رمزا للمحتوى القضوي.[41] وبناء عليه فإنه حينما تؤخذ هذه العناصر بعين الاعتبار في البناء التركيبي الجملي. نجد أن من العناصر التركيبية داخل الجملة ما يشير للقوة الإنجازية، ومنها ما يشير أو يمثل المحتوى القضوي. ويمكن أن نلاحظ هذا في بنية الملفوظ (28) حيث تمثل أداة الاستفهام (هل) مؤشرا للقوة الإنجازية كما مثله لام الأمر في (29)، في حين يمثل المركب الإسنادي (خرج زيد) المحتوى القضوي في المثالين معا. إلا أن ظهور هذه المؤشرات التركيبية لا يطرد مع كل استعمال لغوي، إذ يمكن أن يضمر مؤشر القوة الإنجازية كما نلاحظ في (27)، ويمكن تقديره بفعل مضارع مبني للفاعل المتكلم، كأن نقدر (أخبر أو أثبت) بالنسبة للمثال (27). وكما يمكن أن تضمر مؤشرات القوى الإنجازية، فكذلك يمكن أن يتحقق الفعل الإنجازي دون أن يظهر في بنية الملفوظ أي محتوى قضوي. كتحقيق التعجب في المثال (30). (28) آه ! هذا، ولما يتميز الفرق بين الفعل القضوي والفعل الإنجزي، ويترتب عنه تمييز الفرق بين المحتوى القضوي والقوة الإنجازية، ولما يكون الصدق هو المعيار الذي تقاس به المحتويات القضوية، فإن للأفعال الإنجازية معيارا تقاس به يتمثل في مدى استيفائها لشروط وقواعد التحقيق. 3-4- الشروط والقواعد المنظمة للإنجاز. إن أي تحقيق ناجح للفعل يقتضي –فضلا عن إصدار الكلام- الاحتراز من الوقوع في الخطأ الذي قد ينتج عن عدم مراعاة مقتضى الحال. ثم إن الاحتراز من الوقوع في هذا يقتضي مراعاة مجموعة من القواعد والشروط اللازمة والضرورية. وفي هذا الإطار حاول "Austin" أن يضع قائمة من الشروط التمهيدية، يرى أنه بموجب استيفائها يمكن للإنجاز أن يكون مناسبا لما يقتضيه الحال، ويكون بالتالي إنجازا ناجحا. وقائمة الشروط هذه هي: أ-1-1- يجب أن يكون هناك توافق أو تواضع مسبق حول نظام متعارف عليه ينظم التواصل باعتبار المناسبات. أ-1-2- يجب في كل مناسبة أن يراعي الأشخاص المعنيون ما يناسب ملابساتهم الخاصة حتى يتسنى التمسك بالنظام المقرر للاحتكام. أ-2-1- يجب أن تنفذ تعليمات النظام بشكل مضبوط. أ-2-2- يجب أن يكون هذا التنفيذ تاما وكاملا. ب-1- يجب أن يكون سلوك الفرد ناتجا عن تنفيذ مقصود لتعليمات النظام المعهود. ب-2- يجب أن يتحمل الفرد تحملا عمليا مسؤولية ما قد يلزم عن سلوكه من التزامات.[42] هذه قائمة الشروط التي صاغها "Austin" وهي تنقسم كما هو واضح إلى فئتين: الفئة (أ) وتمثل الشروط الضرورية التي يجب استيفاؤها أولا كي يثبت وجود الإنجاز فعلا. وكلما تم الإخلال بواحد من شروط هذه الفئة. أدى ذلك إلى استحالة وجود الإنجاز على الإطلاق. وهناك طرق كثيرة للإخلال بهذه الشروط، منها مثلا: - إصدار الكلام بصياغات غير صحيحة أو غير تامة. - محاولة إنجاز أفعال في سياقات لا تسمح بذلك. الفئة (ب) وتمثل الشروط المفروضة لضمان صلاحية الإنجاز. فالفعل لما يستوفي الشروط (أ) فإنه يكون قد تحقق بالفعل، إلا أن تحقيقه هذا لا يكون تاما وناجحا إلا باستيفائه للشروط (ب). إن الإنجاز مع غياب القصد إليه أو مع عدم تحمل مسؤوليات تبعاته يعتبر غير مستوف لشروط إنجاحه. ومن أمثلة عدم الاستيفاء هذه: - أن يكون الإنجاز حاصلا عن سوء قصد، كأن يصدر الفرد كلاما يحتمل إنجازا غير مقصود. -أن يعد الفرد وهو ينوي عدم الوفاء بوعده. وهكذا فإن الإخلال بالشروط (أ) يطعن في إمكانية وجود الإنجاز، ويطعن الإخلال بالشروط (ب) في صلاحية الإنجاز، وعليه كي يكون الإنجاز محققا فعلا وناجحا يجب أن يكون مستوفيا لشروط الفئتين معا.[43] هذا ويمكن أن نخلص مع "Austin" إلى أنه لا إنجاز إلا بشروط، والخلاصة هذه نفسها تثبت عند "Searle". فقد أفرض هذا الأخير مجموعة من الشروط يجب استيفاؤها كي يتسنى تحقيق الأفعال الإنجازية بنجاح، وقد ميز في هذه الشروط بين نوعين، بنفس الاعتبار الذي أخذ به "Austin" تقريبا. لقد ميز بين شروط تأسيسية –Conditions constitutives- وشروط معيارية -–conditions normatives ورتب على كل من هذه و تلك مجموعة من القواعد. فالقواعد التأسيسية هي التي تحكم وتوجه إخراج الإنجاز إلى الوجود، والمعيارية هي التي تحكم وتوجه الإنجاز في الوجود. أي إن القواعد التأسيسية توجه الفرد قبل الشروع في الإنجاز، والمعيارية توجهه لحظة الشروع في الإنجاز.[44] وفي ما يلي ما صاغه "Searle" من شروط وما رتبه من قواعد باعتماد نموذج "الوعد" كفعل إنجازي: في البداية: يتوقف تحقيق ما سيلي من شروط على ضرورة تحقيق الشرط الذي ينص على ضرورة توفر العناصر الضرورية والظروف المواتية لإتمام التواصل، ومن هذه: - ضرورة وجود متكلم ومخاطب. - ضرورة وجود قناة تواصلية. - يجب أن يكون المشاركون على علم باللغة المستعملة للتواصل. - يجب أن يكون المشارك مدركا لسلوكه وقادرا على إدراك سلوك غيره في التواصل. - يجب أن يكون التواصل قائما على أدوار واقعية وجادة على عكس ما هو في المسرح وما يشابهه. - يجب أن لا يكون هناك أي عائق مادي يحول دون إتمام التواصل.[45] ولما يتعين تحقيق هذه العناصر الشرطية فإن ارتياد التواصل يصبح ممكنا، إلا أن إنجاح الإنجاز حسب "Searle" لا يتسنى إلا باستيفاء شروطه التالية: أ – الشرط التمهيدي – préliminaire-: - يجب أن يكون المتكلم في الوضع الذي يسمح له بتحقيق الإنجاز. - يجب أن يراعي ظروف مخاطبه واستعداداته. ب- شرط المحتوى القضوي: - يجب مراعاة العلاقات الإسنادية التي تضبط المحتوى القضوي. ج- شرط الجدية –sincérité-: - يجب أن يكون المتكلم جادا في كلامه. - يجب أن يكون قاصدا إلى تحقيق إنجازه. د- الشرط الأساسي- essentielle-: - يجب أن يكون المتكلم عازما على تحمل تبعات إنجازه.[46] إلى هنا نكون قد وصلنا إلى إبراز المعالم الأساسية التي قامت عليها نظريتا التلفظ والإنجاز. لقد ثبت لدينا إلى هنا، أن التلفظ نشاط لغوي استعمالي، وأن الإنجاز شكل من أشكال السلوك الإنساني. وقد لاحظنا أن الأمر في كل ذلك يتعلق بالحدث أوالفعل. وقد تسنى لنا تحديد هذا المفهوم وتمييزخصائصه ومستوياته, كما تسنى لنا تحديد الشروط والقواعد المنظمة لتحقيقه وإنجاحه. -[1] E. Benveniste : Problèmes de linguistique générale. T II, éd Gallimard, Paris. P 80-81. [2] - P. Charaudeau : Langage et discours, éléments de sémiolinguistique. éd Hachette, Paris P 59. [3]- O. Ducrot : « Les lois de discours ». in langue française n°42, éd Larousse. P 21. [4] - J. Dubois et al : Dictionnaire de linguistique. éd Larousse, P 191. [5] - O. Soutet : Linguistique. (P.U.F), 2ème éd 1997, P : 158. * - يتعلق الأمر في "الفعل" هنا ب "le verbe" وليس ب "l’acte". [6] - أنظر، أوليفي روبول: "من الذي يتكلم؟" من كتابه "Langage et idéologie"، ص ص 81-88. ترجمه "مبارك حنون" في مقال لمجلة علامات ع12، س 1999، ص ص 37،43. [7] - أنظر أوليفي روبول: "من الذي يتكلم". وقد أورد لتزكية ذلك الطريفة التالية: "لقد كنا توأمين متشابهين تمام الشبه، مات أحدنا في الطفولة في المغطس، ولم نعرف أبدا من مات منا أنا أم أخي". ص: 39 من نفس المرجع. [8] - J. Courtés : Analyse sémiotique du discours. Ed Hachette, 1991, P 148. [9] -G. Spielmann (2001) « L'énonciation ». Sur : http://www.georgetown.edu/spilman/courses/comm/enonciation.htm [10] - C.K. Orecchioni : l’énonciation de la subjectivité dans le langage. éd Armand Colin, Paris. P 30. [11] - Ibid. P 185. ** - How to do things with words. Oxford University Presse, 1962. وقد اعتمدنا ترجمته الفرنسية: -Quand dire c’est faire. Tr G. Lane. éd Seuil, 1970. * - لقد تغاضى "Austin" عن المصطلح "وصفي" لأنه ينسحب على التعابير الوصفية ولا ينسحب على الإثباتية، وآثر المصطلح "خبري" لأنه ينسحب على الوصف والإثبات معا. [12] - J.L.Austin : Quand dire c’est faire. P 38. [13] -Ibid, P 41. [14] - Ibid, P 38… [15] - Ibid. P 48-54. [16] - Ibid, P 86. [17] - Ibid. P 107. [18] - Ibid. P 109. * - J.Searle : Speech acts. Ed Cambridge, University Presse, 1969. Tr, F : Les actes de langage. Par H. Pauchard ; préface O.Ducrot ; éd Hermann, 1972. [19] - O.Ducrot : Les actes de langage. « Préface », P 7… [20] - J.Searle : les actes de langage. P 59. [21] - Quand dire c’est faire. P 109. [22] - P. Charaudeau : langage et discours. P 50. [23] - O. Ducrot : dire et ne pas dire. éd Hermann, Paris, 2ème éd 1980. P 8. [24] - Ibid, P 10. [25] - P. Charaudeau : Langage et discours. P 50. [26] - O. Ducrot : « Les lois de discours ». P 22. [27] - J. Moeschler : Argumentation et conversation. Ed Hatier, Paris, 1985, P : 24-25. * - اعتمدنا هنا بشكل مباشر الفصل الثامن من "Quand dire c’est faire". [28] - Quand dire c’est faire. P 109. [29] - Ibid, P 108. [30] - Ibid, P 109-110. [31] - Ibid, P 110. [32] - Ibid, P 112-113. [33] - Ibid, P 112-113 [34] - Ibid, P114. [35] - Ibid, P 119-120. [36] - Ibid, P 151. [37] - J. Searle: Les actes de langage. La « Préface » de O.Ducrot, P 26. [38] - Ibid, P 26. [39] - J. Searle : Les actes de langage. P61. [40] - Voir : - F.Récanati :« Qu'est-ce qu'un acte locutionnaire ? » in Communications N°32,1980, P203. - R. Eluerd : La pragmatique linguistique. Ed Nathan P 156. [41] - J.Searle : Les actes de langage. P69-70. [42] - Quand dire c’est faire. P48-49. [43] - Ibid. P 16- 18. [44] - J. Searle : Les actes de langage. P 72,73. [45] - Ibid. P 98. [46] - Voir : J. Searle : - Les actes de langage. P99-105. - Sens et expression. Traduction et Préface par J. Proust, éd Minuit, 1982. P86.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق