الاثنين، 2 مايو، 2011

استراتيجية الخطاب بين الدراسات النظرية والممارسات الواقعية

استراتيجية الخطاب بين الدراسات النظرية والممارسات الواقعية المقدم- عبدالهادي بن ظافر الشهري للغة وظائف كثيرة، وتصنّف هذه الوظائف وفقاً لاهتمام الدارس عادة، مثل وظائف التسمية والتعبير، فاسم هذا الرجل هو محمّد، واسم تلك الباخرة الرياض.. وهكذا. وقد تعددت هذه الوظائف بتعدّد زوايا النظر، ورغم أهمية كل وظيفة، إلا أن للغة من المنظور الاجتماعي (التداولي) وظيفتين رئيستين ترتبطان بمقاصد الإنسان الذي يستعملها وبوضعه الاجتماعي وأهدافه، فالناس عندما يتحدثون لا يفعلون ذلك لمجرد تحريك أعضاء النطق، ولكن ليؤدوا من خلال كلامهم هاتين الوظيفتين، وهما: الوظيفة التعاملية والوظيفة التفاعلية. فالوظيفة التعاملية هي ما تقوم به اللغة من نقل ناجح للمعلومات، تبرز من خلاله قيمة الاستعمال اللغوي، فيركز المرسل جهده نحو بناء الخطاب ليستطيع المرسل إليه أن يأخذ منه المعلومات الصحيحة والدقيقة. وتعدّ هذه الوظيفة إحدى مزايا اللغة الطبيعية التي تمكن الناس بها من تطوير ثقافاتهم من خلال المعلومات المتناقلة، ومن تحقيق التواصل فيما بينهم، سواء أكان ذلك بغرض التوجيه، أم التعليم، أم غيره. كمن يوجّه من سأله عن موقع قيادة كتيبة مدفعيّة الميدان، وذلك بقوله: واصل المسير، تجاوز موقع السريّة الأولى، ثم انحرف يساراً، ستجد موقع قيادة الكتيبة. أما الوظيفة التفاعلية، فهي التي يقيم الناس بها علاقاتهم الاجتماعية، ويحققون لأنفسهم غاياتها، وتتمثل في قدر كبير من المعاملات اليومية التي تحدث بينهم، فقد يقتصر دور اللغة في بعض السياقات على إقامة العلاقات وتثبيتها، وقد يتجاوز إلى التأثير وغيره. ويكمن دورها الرئيس في التعبير عن المقاصد التي ينويها المتكلم، فاللغة هنا لا تؤدي فقط وظيفة مرجعية تحيل إلى مدلول، بل تؤدي وظيفة تداولية تتفاوت بحسب القصد أو الهدف الذي من أجله يسوق المتكلم خطابه، فقد يقتصر هدفه أحياناً على سد الفراغ في المحادثات، أو التعبير عن اللطف والكياسة، أو إعلام الآخر بالاستعداد للدخول معه في أحاديث عفوية يتجاوز مقصده فيها سَوْقَ المعلومات؛ مثل من يريد أن يتعرّف على شخص غريب في أثناء انتظارهما دورهما للدخول عند الطبيب، أو من يريد تزجية وقت الفراغ فيبدأ بالسؤال عن الصحة، والدعاء للناس بالشفاء، ومناقشة بعض التجارب المشتركة، وهلمّ جرّا. ويندرج تحت هاتين الوظيفتين بشكل مجمل، مختلف الوظائف اللغوية التي برزت وفقاً لمختلف الاتجاهات اللسانية. عناصر الخطاب: وتنبني هاتان الوظيفتان، من وجهة نظر تداولية، على كون الخطاب، أي خطاب، قائماً على جملة من العناصر الأساسية، وهي: المرسِل، فبدونه لا يكون هناك خطاب؛ لأنه طرف الخطاب الأول الذي يتّجه به إلى الطرف الثاني ليكمل دائرة العملية التخاطبية، بقصد إفهامه مقاصده أو التأثير فيه. ولذلك فإنه يختار ما يتناسب مع منزلته ومنزلة المرسل إليه، بما يراعيه عند إعداد خطابه، وفق ما يقتضيه موقعه، إمّا الموقع الاجتماعي أو الموقع الوظيفي، أو غيرهما، كما يتوخّى اختيار ما يتناسب مع السياق العام؛ فخطاب التاجر مع زبونه يختلف حتماً عن خطاب تاجر مع آخر مثله؛ كما يختلف خطاب ملك أو أمير مع أحد رعاياه عن خطابه مع شخص آخر من أنداده، وكذلك يختلف خطاب قائد عسكري مع أحد أنداده عن خطابه مع أحد ضباطه أو أفراده، إذ قد يخاطب من هو في درجته من القادة، بأي لفظ يدل على التضامن بينهما، مثل: يا سعادة العقيد فيصل، أو بالاسم الأول مثل: يا فيصل، في حين يخاطب النقيب علي، بوصفه أحد قادة الفصائل بقوله: تأكّد من جاهزية الفصيل الأوّل، أو ما في معناه، أو سؤاله عريف الحضيرة بقوله: لماذا لم تفتّش على نظافة الهندام قبل الاصطفاف؟! كما أن مقاصده وأهدافه تتنوّع بتنوع بعض العناصر السياقيّة، مما يفرض عليه أطراً معينة لابد أن يستجيب لها، فإن كان هدفه الإقناع فإنه يختار من الأدوات اللغوية والآليات الخطابية ما يبلّغه مراده، وإن كان هدفه السيطرة مثلاً، فإنه يعمد إلى الأدوات التي تكفل تحقيقها. وتنعكس هذه العوامل بشتى ضروبها في شكل الخطاب وآلياته، وتصبح عنصراً فعّالاً في تحقيق الخطاب آثاره ونتائجه. المرسَل إليه، وهو طرف الخطاب الثاني، وإليه تتجه لغة الخطاب التي تعبر عن مقاصد المرسل. وعليه فإنه يمارس بشكل غير مباشر دوراً في توجيه المرسل عند اختيار أدواته وصياغة خطابه، وذلك بحضوره العيني أو الذهني، انطلاقاً من علاقاته السابقة بالمرسل وموقفه منه ومن الموضوعات التي يتناولها الخطاب. يتضح ذلك عند اختيار الابن مثلاً لعبارة: لو تكرّمت؛ عندما يطلب من أبيه شيئاً من المال، فعندما يخاطب أباه، فإنّه سيقول له: لو تكرّمت يا أبي، أريد بضعة ريالات، إذ لا يستطيع أن يخاطبه بقوله: أعطني بضعة ريالات، لما لمقام أبيه من رفعة فوق مقامه هو. كل ذلك يترك أثره، بوصفه هو الذي يمارس تفكيك الخطاب، ويؤوّله، لمعرفة مقاصد المرسل وأهداف الخطاب التي يرى أنه يريد تحقيقها. السياق، وهو الإطار العام الذي يسهم في ترجيح أدوات بعينها واختيار آليات مناسبة لعملية الإفهام والفهم بين طرفي الخطاب، وذلك من خلال عدد من العناصر، فمن عناصره العلاقة بين المتخاطبين سواء أكانت سلبية أم إيجابية، ولذلك فعدم وجودها يُعدُّ توجيهاً للمرسل في اختياراته. ومن عناصره الزمان والمكان اللذان يتلفّظ فيهما المرسل بخطابه، فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان آخر، فتحيّة الصباح لا تصلح للمساء، وكذلك تحيّة المساء لا تصلح للصباح، إلاّ إذا كان المرسل يقصد معنيً آخر من خطابه، غير ما يدلّ عليه معنى التحيّة الحرفيّ. وما يناسب مكاناً قد لا يناسب مكاناً آخر؛ فمعرفة عناصر السياق تسهم في عملية التعبير عن المقاصد والاستدلال لإدراكها. وعليه فإن اختيار الأدوات والآليات اللغوية يعد انعكاساً للعناصر التي تشكّل في مجموعها سياقاً معيناً يبرز من خلال لغة الخطاب، وبمعرفته يمكن تفكيك هذه اللغة للوصول إلى المعنى المقصود أو الغرض المراد. الخطاب، وهو ثمرة اجتماع العناصر الثلاثة السابقة، ففيه تبرز الأدوات اللغوية والآليات الخطابية المنتقاة، ومن خلال تتبع خصائصه التعبيرية يمكن معرفة الكيفية التي تعامل بها المرسل مع ذاته، ومع المرسل إليه، هل أجلّه واحترمه أم أهانه وحقّره؟ هل حاول أن يُقرّبه أم يبعده؟ هل حاول إقناع أو فَرَض سلطته عليه مباشرة؟ هل تنازل عن موقعه الاجتماعي أو الوظيفي تقديراً للمرسل إليه أم أنه مكث في عليائه؟ كل هذه الاعتبارات وغيرها تبيّن كيف يمكن للغة الخطاب أن تقود الفاحص إلى إجابات واضحة على هذه التساؤلات، بل إنها تعكس كل ذلك مباشرة بوصفها حقائق حاضرة. ومن جهة أخرى، يسعى الخطاب من خلال وظيفتيه التعاملية والتفاعلية، إلى التعبير عن مقاصد معينة وتحقيق أهداف محددة، إذ يبرز في الخطاب مقاصد كثيرة قد تظهر مباشرة من شكل الخطاب، وقد لا تظهر. وعندها تصبح لغة الخطاب شكلاً دالاَّ يقود إلى المدلولات الثاوية خلفه من خلال المعطيات السياقية، والعلاقات التخاطبية، والافتراضات المسبقة التي يدركها المرسل أو يفترض وجودها، فيبني لغة خطابه عليها، كما يدركها المرسل إليه، ليستدل على المقاصد من خلالها. ما استراتيجيات الخطاب؟ ويتوخّى المرسل لتحقيق ذلك خططاً معينة هي التي يمكن أن نسميها استراتيجيات، وهي استراتيجيات تطّرد بعينها، من خلال أنساق لغوية وأدوات معينة، فتصبح ظاهرة لافتة للنظر، فتكتسب القيمة التي ترشّحها لتستحق الدرس والتحليل في نماذج مختلفة من الخطاب، بوصفها اطّرادات لغوية تجسّدها كفاءة المرسل التداولية في خطابه، وبوصفها ثمرة لسلسلة من الإجراءات الذهنية التي يقوم بها. و يكون في ذلك كله محكوماً بتأثيرات كل العناصر السياقية السالفة، فيغدو الخطاب عندها علامة على مجموعة من هذه الانتظامات التي تعبّر عن التفكير النظري والإنجاز اللغوي الذي يرى المرسل أنه الأمثل من بين الإمكانات التي تتيحها اللغة في جميع مستوياتها، وذلك للارتفاع بأداء القول وتحقيق ما يريده في خطابه. فما الاستراتيجيات الخطابية التي يتوخّاها المرسل؟ هي استراتيجيات قد تفوق الحصر، ومع هذا، إلاّ أنه يمكن تصنيفها تصنيفاً عاماً، لينتظم عقدها حسب معايير واضحة. معايير تصنيفها: تتعدد معايير التصنيف، ولكن يمكن إجمالها في ثلاثة معايير عامة، فمن هذه المعايير: معيار اجتماعي، وهو معيار العلاقات التخاطبية، ومعيار لغوي، وهو معيار شكل لغة الخطاب، ومعيار ثالث هو معيار هدف الخطاب. فهناك مثلاً، معيار العلاقة التخاطبية بين أطراف الخطاب التي تتراوح قرباً وبعداً، علوّاً أو دنوّاً، وعلى ضوء هذا المعيار نستطيع أن نُعيّن استراتيجيات نصطلح على إحداها بالاستراتيجية التضامنية؛ ففيها يصبح طرفا الخطاب وكأنهما من الأقران لغةً، ويمكن أن يُعبّر المرسل عن تلك العلاقة بأدوات لغوية كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، الأدوات الإشارية اللغوية التي تقرّب البعيد أو تقترب منه، وتجمع الأطراف التخاطبية، مثل الضمير (نحن) الذي يدل على الجمع بين طرفي الخطاب، كقول العربي: نحن أكرم الأمم، وأشدّها بأساً، فهو لا يتكلم عن نفسه، بقدر ما يتكلّم بالنيابة عن كل عربي، فكأنه جمع العرب كلهم تحت لواء واحد، دلالة على التقارب بينه وبينهم، حتى أصبح الجميع بمثابة الجسد الواحد. واستعمال الاسم الأوّل غفلاً عن الألقاب والكنى، وآليات الطرفة ومصطلح المهنة التي يمارسها المرسل إليه، أو لهجته، أو ذكر خصائص موقعه الجغرافي، وغير ذلك كثير. وتحت هذا المعيار أيضاً، أي معيار العلاقة التخاطبية، يندرج صنفٌ آخر من الاستراتيجيات هو الاستراتيجية التوجيهية التي تتجسّد من خلال آليات صريحة تسهم في توجيه المرسل للمرسل إليه، مثل: أساليب الأمر والنهي الصريحين، والتحذير، والإغراء، وذكر عاقبة الأمور، ومن خلالها يبرز دور السلطة الاجتماعية وغير الاجتماعية في إعطائها المرسل نفوذاً يمارسه من خلال الأدوات اللغوية. مثل خطاب التعليمات التي يلصقها المصنع عادة بأحد الأجهزة، إذ يوجّه من يستعمله بقوله: لا تخزّنه في درجة الحرارة التي تفوق 40 درجة مئوية. وفي هذا السياق، وباستخدام هذه الاستراتيجية، لا يجد المرسل إليه بداً من الامتثال والتنفيذ، بالرغم من أن هذه الاستراتيجية لا تمارس فعاليتها وقوتها إلاّ بناء على معرفة سياق أطراف الخطاب، ومعرفة العلاقات بينهم. أما المعيار الثاني لتصنيف استراتيجيات الخطاب، فهو معيار دلالة الشكل اللغوي، إذ يكون واحداً من صنفين، إمّا قصداً مباشراً، أي أن القصد يتضح في الخطاب مباشرة، وإما قصداً غير مباشر، بأن يكون المعنى مستلزماً من شكل الخطاب، وبالتالي يصبح شكلاً يستلزم قصداً غير المعنى الذي يدل عليه ظاهر القول أو الكلام، فقد يستخدم المرسل شكلاً ما بقصد تبطين مقاصده ومعانيه، ويرمي من خلاله إلى أمور يتدخّل سياق الخطاب في كشفها وتحديدها، ويمكن أن نصطلح على هذا الضرب من الاستراتيجيات بالاستراتيجية التلميحية. مثل من يقول لزميله: أعتقد أنني نسيت قلمي، وهو لا يريد أن يخبر زميله عن نسيان القلم، بقدر ما يريد أن يحثّه، بطريقة مؤدبة، على أن يعيره قلمه للحظات محدّدة. ومن أبرز الأدوات اللغوية المستخدمة في ذلك أساليب الاستفهام التي لا يقصد السائل منها أن يسأل عن مجهول، وإنما الخروج عن ذلك إلى مقصد آخر مثل الالتماس، أو دفع المرسل إليه للاشتراك في الخطاب بما يريده المرسل أن يتفوّه به، أو أن يفرض الأمر الواقع عليه، ويدخل في ذلك إنجاز الأفعال اللغوية غير المباشرة، كما هي عند بعض فلاسفة اللغة، ومنهم البلاغيُّون والفقهاء والأصوليّون، و (أوستين وسيرل) حديثاً، ومن آلياتها اللغوية الكثيرة ما يسمّى عند الأصوليّين بالمفهوم بنوعيه: مفهوم الموافقة إذ يفهم من التعليمات التي تقول: ممنوع أن تهمس في قاعة الطعام، أن الحركة أو الكلام أو الضحك هي ممنوعة، من باب أولى في ذلك السياق تحديداً، وأن النظام يعاقب عليها أكثر من معاقبته على مجرد الهمس. وعليه، تتّفق هذه الأفعال مع فعل الهمس في كونها كلها ممنوعة، وإن كانت تعلوه بدرجات متفاوتة، تعويلاً على أثرها الذي يتجاوز أثر الهمس في إحداث الفوضى بوصف الفوضى هي مناط علّة المنع في الأصل. وكذلك مفهوم المخالفة، إذ يفهم من الخطاب التالي: يمنع دخول الطلبة إلى هذا القسم، أنه يجوز أن يدخل غير الطلبة. وما يسمّى حديثاً بالالتزام الحواري عند (جرايس)، فإذا اشتكى عبدالله لصديقه يزيد بقوله: أحسّ بصداع في رأسي، فإن يزيد قد يردّ عليه بقوله: هناك صيدليه على بعد ثلاثة أكيال من هنا. فخطاب يزيد يستلزم في هذا السياق تحديداً: أنه يعرف أن الصيدلية مفتوحة في أثناء الحوار، وأنها تتوفّر على الأدوية التي يمكن أن يداوي بها عبدالله علته، وأن عبدالله يمتلك على الأقل، ثمن الدواء، وأنه يمكن الوثوق بالصيدلي في الاستشارة الطبية حول صلاحية العلاج. وكذلك كافة أنواع المجاز من استعارة وكناية وتعريض. والمعيار الثالث لتصنيف الاستراتيجيات هو: معيار الهدف من الخطاب، ويتجلّى هذا المعيار في الخطاب بشقيّه: المكتوب والشفهيّ، ويعدُّ الهدف الإقناعي من أهم الأهداف التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها، وبذلك يمكننا أن نصنّف استراتيجية نسميها استراتيجية الإقناع، انطلاقاً من أن المرسل يتوخّاها لتحقيق مآرب كثيرة، ويستخدم لذلك آليات متعددة، و "حيلاً" لغوية مختلفة، منها ما يخاطب العواطف، ومنها ما يتعامل مع عقل المرسل إليه، مثل الآليات الحجاجية التي يمكنه عن طريق البراعة فيها أن يتخذ الأقوال أدلة تساق أمام المرسل إليه حتى يقنعه دون تلاعب بعواطفه، أو التغرير به، ويوظّف لها كافة العمليات شبه المنطقية التي تتجسّد باللغة الطبيعية. ويمكن أن يتوخّى المرسل في الخطاب الواحد استراتيجيات مختلفة، أو يتوخّى استراتيجية واحدة في أصناف متعددة من الخطاب، مما يجعل الاكتفاء بالتصنيف التقليدي الذي يقسِّم الخطاب إلى سياسي، وإداري، وديني، وخطاب مراسم أو محافل .. إلخ، غير كاف للكشف عما نريد، فما يبدو خطاباً دينياً من خلال مقاصد المرسل الظاهرة أو أهدافه مثلاً قد لا يبدو كذلك عند توظيف عناصر السياق، كما قد يتوخّى المرسل استراتيجيات تحقق أهدافاً تتناسب مع صنف آخر له بدوره أهداف ومقاصد أخرى، أي أن ظاهر الخطاب الشكليّ لم يعد دليلاً كافياً لتصنيف الخطاب في دائرة معيّنة. وهذا ما يجعل الاستراتيجية إطاراً عاماً ملائماً للتصنيف ينضوي تحته أكثر من صنف من أصناف الخطاب، بحيث يمكن إعادة تصنيف أشكال الخطاب حسب الاستراتيجية إلى خطاب إقناعي، أو تلميحي، أو مباشر. ولا يمكن إغفال دور المرسل إليه الذي يمارس معه المرسل فعله الخطابي، فبالنظر إلى هذا العنصر السياقيّ نستطيع أن نميّز الخطاب ذا الاستراتيجية التضامنية عن الخطاب ذي الاستراتيجية التوجيهية، الذي يتجه من خلال أدواتٍ لغويّةٍ مباشرة إلى فرض الغرض من الخطاب بأسلوب مباشر. مما سبق، يمكن القول إنه لا يمكن تحديد وظيفة اللغة من وجهة نظرٍ تداولية بمعزلٍ عن الاستراتيجيات التي يستخدمها المرسل، ولا يمكن تحديد هذه الاستراتيجيات التي يتوخّاها في الخطاب بمعزل عن المقاصد التي لديه، وعن المرسل إليه، وإجمالاً عن السياق بعناصره المتعددة. أهمية استراتيجيات الخطاب: بهذا، غدا من الواضح إذن، أهمية مناقشة الاستراتيجيات في الخطاب؛ إذ إننا نعيش في عالم أصبح يعتمد على لغة للخطاب بديلة لوسائل أخرى، سواء في الحوارات الدبلوماسية أو في النقاشات السياسية أو في الحياة اليومية. وتحفّ بهذه العوالم من كل حدب وصوب سياقاتٌ مختلفة، وتتدخل هذه السياقات في صياغة الخطاب ولغته. فموضوع استراتيجيات الخطاب من الموضوعات اللغوية المهمة، وتكمن أهميته في كل مجال من مجالات الحياة، ومنها المجال الاجتماعي، والمجال التعليمي، والسياسي، والاقتصادي. فللمجتمع سياقات كثيرة، تتطلب خطابات متنوعة، لترضي أهداف الناس المتباينة، ولذلك فالحاجة قائمة لاكتشاف هذه الاستراتيجيات، ومعرفة كيفية تطويعها واستعمالها، وتطوير ذوات الناس التخاطبية بما يواكب متطلبات السياق، وما يكفل التكيّف مع تقلباته، ونحن أولى المجتمعات بذلك في حياتنا الثقافية، لما للخطاب من دور في تقريب وجهات النظر، وإيضاح الحقائق وتوجيه الناس صوب الوجهة التي نرتضيها، كما أنه غدا توظيف الاستراتيجيات ضرروياً في خطابات الدعوة وتبادل الأفكار بين الناس، بل يعدّ ضرورة حتى في البيت، وفي السوق، وفي الطريق، وفي كل مرافق الحياة. فالمعلم يحتاج إلى استعمال أكثر من استراتيجية في خطابه مع طلاّبه، لاختلافهم في التكوين ولتعدّد ميولهم، ودرجة استيعاب كل منهم في الفهم، وكذلك القائد مع منسوبي وحدته، والأب في بيته، ورجل الإعلام في وسيلته الإعلامية، وغيرهم كُثر. وعليه، فتعدّد هذه السياقات مدعاة لتعدّد الخطابات اللغوية، وهذا مؤشّر إلى ضرورة تعدّد الاستراتيجيات، لما لكل منها من مزايا وآثار حميدة، إذ لا يستطيع الإنسان أن يقتصر على استعمال استراتيجية واحدة في كل سياقات خطابه، فهذا جمود في التفكير، كما أن الاستراتيجيات تتفاضل فيما بينها، وذلك عائد إلى الآليات اللغوية والأدوات التي تتجسّد من خلالها. وقد لا يتنبّه الناس لكل ذلك، كما قد لا يتيسر لهم فهم ومعرفة هذه الاستراتيجيات في سني الاكتساب اللغوي والتداولي، مما يجعل من هذا القصور سبباً في حدوث كل زلاّت اللسان وآفاته، فقد تكمن زلّة اللسان أو آفته في عدم التناسب بين الخطاب وبين السياق، وكفى بذلك إرهاصاً بفشل المرسل في تحقيق أهدافه، أو في بيان مقاصده. ولأهمية تلافي مثل تلك الفلتات واستباق تلك الإخفاقات، فإنه يغدو من الأهمية بمكان جمع هذه الآليات وتصنيف تلك الأدوات ضمن استراتيجيات الخطاب، لينحو الناس إلى إكسابها أطفالهم، وينحوا، كذلك لاستعمالها بدلاً من الجمود على خطاب واحد أو طريقة واحدة. وتتبوأ الاستراتيجيات في الخطاب مكانة مهمّة، فهي طرائق توصّل المقاصد وتعين على إدارة دفة الحديث، أي حديث، وبها يكمن التوافق مع سياق الخطاب أياً كان نوعه، سواء أكان سياقاً عاماً أم سياقاً خاصاً. وتختلف الاستراتيجيات من مرسل إلى مرسل آخر. ويظلّ إنتاج الخطاب وفقاً لها أمراً ضرورياً، خصوصاً في عصرنا الحاضر؛ وعليه فإن من المهم الكشف عنها، وإنزالها منزلتها، ولفت الانتباه إلى قدراتها الكامنة التي تتجلّى من خلال مهارة المرسل وكفاءته التداولية. ولهذا، تُعنَى استراتيجيات الخطاب بدراسة اللغة في الاستعمال، مما يتطلب منهجاً يعتدّ بالسياق الذي تستعمل فيه وأثره على بنية الخطاب ومعناه، وهذا ما يوفّره ما عرف في المناهج اللغوية الحديثة بالمنهج التداولي، كونه يتأسس على مفاهيم عديدة تؤلّف فيما بينها محاوره التي يتشكّل منها وأطره العامة التي توضّح معالمه. المنهج التداولي: المنهج التداولي هو مستوى تصنيف إجرائي في الدراسات اللغوية يتجاوز دراسة المستوى الدلالي، ويبحث في علاقة العلامات اللغوية بمؤوليها، مما يبرز أهمية دراسة اللغة عند استعمالها، وبالتالي فإنه يُعنى بدراسة مقاصد المرسل، وكيف يستطيع المرسل أن يبلّغها في مستوى يتجاوز مستوى دلالة المقول الحرفية، كما يُعنى المنهج التداولي بكيفية توظيف المرسل للمستويات اللغوية المختلفة في سياق معين، حتى يجعل إنجازه موائماً لذلك السياق، وذلك بربط إنجازه اللغوي بعناصر السياق الذي حدث فيه، ومنها ما هو مكوّن ذاتي، مثل: مقاصد المتكلم، ومعتقداته، وكذلك اهتماماته ورغباته، ومنها أيضاً المكونات الموضوعية، أي الوقائع الخارجية، مثل : زمن القول ومكانه، وكذلك العلاقة بين طرفي الخطاب. وتسهم هذه العناصر في تحديد الدلالة عند المرسل إليه، إذ يعتمد عليها في تأويل الخطاب وفهم مقاصده، وبهذا فإن المنهج التداولي يعين على دراسة ما يعنيه الخطاب في سياق معين، كما يعين على معرفة أثر السياق في لغة الخطاب عند إنتاجه. يتضح ذلك عند فحص خطب العرب في مختلف العصور، بالإضافة إلى كثير من النصوص الحديثة التي تعالج القضايا المعاصرة، سواء في الأعمدة الصحفية أو الحوارات المسجلة أو الخطابات العادية، ولا يضير كونها تتنوّع بين خطاب طفل وخطاب شيخ، امرأة ورجل، سياسي ورجل بسيط، حاكم ومحكوم، عسكري ومدني، كما لا يضير تنوّعها زمانياً بين خطاب قديم يمثّله الشعر الجاهلي والخطبة الإسلامية، وبين خطاب حديث في الصحيفة أو الإذاعة أو في الشارع، بين خطاب مكتوب وآخر شفهي؛ فذلك التنوّع هو الدليل على كليّة (استراتيجيات الخطاب) في الكفاءة التداولية من جهة، أي وجودها عند مختلف هذه الفئات، وهو دليل كذلك على عموميتها الزمنية من جهة أخرى. الدراسات التداولية: تبين ندرة الدراسات العربية المختصة والموّصلة للمنهج التداولي، بيد أن هذا لا يعني غيابها تماماً في الدراسات القديمة، بصورة عامة، إذ وردت في صورٍ مبثوثة ومعالجات متفرقة بقصد وبغير قصد، من خلال طرق العرض المتفاوتة، انطلاقاً من ضرورة المنهج اللغوي نفسه، أو من ضرورة المعالجة التي يستدعيها إنتاج الخطاب أو تأويله بشتى ضروبه ومختلف ميادينه. ومن ذلك ما تطرّق له القدماء في المؤلفات اللغوية بصورة عامة، مثلما تجسّد في بعض المؤلفات النحوية، ومنها الكتاب لسيبويه، وشرح المفصل لابن يعيش، وهمع الهوامع للسيوطي، وغيرهم، كما تجسّدت في مواضع متفرقة من الخصائص عند ابن جنّي. وتعدّ الدراسات البلاغية من الأعمال التي تطرّقت إلى ما يقتضيه المنهج التداولي، إذ يتضح ذلك في بعض الأعمال، ومنها: دراسات السكّاكي في مفتاح العلوم، والجرجاني في أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، والجاحظ في البيان والتبيين، والخفاجي في سرّ الفصاحة. كما اقتضت الحاجة في دراسات الأصوليين إلى الإلمام بأدوات المنهج التداولي وآلياته واعتبار متطلباته السياقية واستحضارها، كون دراساتهم قائمة، أساساً، على البحث في خطابات متنوعة ذات سياقات مختلفة، من هنا كانت هذه الدراسات من أبرز الدراسات القديمة التي عالجت بعض جوانب المنهج التداولي، مثل ما يتعلق بإنتاج المعنى وتأويله وشروط ترجيح معنى على معنى آخر، كما في دراسات الشاطبي في الموافقات، والغزالي في المستصفى، والقرافي في التنقيح، ومن نحا نحوهم. ومن جانب آخر، تعدّ أعمال الفقهاء من الأعمال التي لامست بعضاً مما يندرج في الإطار التداولي، من ذلك ما ورد عن ابن تيمية في الفتاوي، وابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، وغيرهم كُثر، فقد تم التركيز لديهم على بعض الجوانب في الأبواب التي تعالج المعاملات والعقود. ومع ورود هذه الشذرات وتعدّد تلك الإشارات، إلاّ أن معالجاتهم كانت متناثرة لا يجمعها رابط، ولا تندرج في إطار معين بوصفها منهجاً دراسياً لغوياً متكاملاً؛ بالرغم من عمقها في بعض المواضيع، وانضباطها في مواضيع أخرى. ووحدة التفكير الإنساني بعامّة وحاجته إلي إفهام الخطاب والقدرة على فهمه وتأويله هو ما يربط هذه الجهود بالدراسات التداولية المعاصرة. ولهذا كان ارتباطها مع هذه الدراسات من قبيل الارتباط الجزئي؛ بالرغم من كثرة الشواهد العملية في التداولية وقدرتها، إذ توزّعت في مواطن عديدة من المؤلفات الأدبية والموسوعات التاريخية والمصادر بمختلف مجالاتها. ولم يغب هذا السبق عن بعض الباحثين المحدثين، عندما استثمره نفر منهم، فأفاد منه في دراساته من خلال المزج الواعي بينه وبين النظريات الغربية، مثلما فعل طه عبدالرحمن في دراساته التداولية التي تعالج الخطاب والحوار والحجاج من وجهة نظر فلسفية وأخرى لغوية. ليس هذا فحسب، بل انبنت على هذه الجهود بعض الدراسات الأخرى مثل دراسة محمد يونس علي، الذي بحث في كيفية تحليل الفقهاء للخطاب الفقهي تحليلاً تداوليا في سبيل استخراج الأحكام الشرعية والتقعيد لها وتصنيف مراتبها، ومنها كذلك، دراسات أحمد المتوكّل الذي اتخذ من النحو الوظيفي إطاراً عاماً لها، فقد حاول أن يوفّق في بعضها بين الدراسات العربية القديمة وبين المناهج الحديثة، مع شيء من النقد والتنقيح. وهناك بعض الدراسات ذات النهج البلاغي، ومن أبرزها دراسات محمد العمري، خصوصاً دراسته: (في بلاغة الخطاب الإقناعي) التي حاول فيها دراسة الخطاب الإقناعي في صدر العهد الإسلامي، بتطبيق ما ورد عند أرسطو عليها، ودراسة مجموعة البلاغة والحجاج في تونس، التي تركّزت على الحجاج في التقاليد الغربية. وهناك بعض المقالات المتنوعة في المجلات والدوريات التي يتباين أصحابها بين اتّباع وجهة معينة وبين ابتداع طريقتهم. أما استراتيجيات الخطاب، وإن كانت تندرج في الإطار اللغوي التداولي، فهي لم تلقَ العناية، ولم تحظ بدراسة مستقلة في اللغة العربية تبرز خصائصها، وتظهر دقائقها، لا في الدراسات القديمة، ولا في الدراسات المعاصرة، فضلاً عن تخصيصها بدراسة مستقلة. وليست الدراسات الغربية بدعاً من ذلك، باستثناء دراسة (جون قمبرز) التي كانت بعنوان: (استراتيجيات الخطاب)، ومع هذا إلاّ أن معالجته لها كانت غير كافية، إذ اكتفى بمعالجة اللغة في مستوياتها المعروفة مثل مستوى التطريز الصوتي والمعجمي. ويعدّ هذا القصور العام حافزاً على المبادرة إلى دراسة استراتيجيات الخطاب في ضوء المنهج التداولي، على اختلاف محاوره، محالة لسدّ هذا الفراغ بدراسة خاصة تتجلّى من خلالها أبعادها وتدرك آثارها، وذلك باستثمار ما يتصل بالمنهج التداولي وتوظيفه، بالتوفيق بين ما ورد عند القدماء وما ورد عند المحدثين من عرب وغيرهم، بغض النظر عن انتماءاتهم العلمية أو تخصصاتهم الفرعية، بغية الوصول إلى تبويب واضح من خلال الطرح النظري المؤسس على شواهد وأمثلة متفرقة، دون أن تخضع الدراسة إلى قيد معين، ودون أن تحصر ذاتها ضمن إطار جزئي بعينه أو تنكفئ على نفسها وفق رؤية باحث ما، ويمكن ذلك من خلال توظيف كل ما يكون صالحاً لخدمة هدف البحث في هذا الإطار، حتى ما ورد عند النحويين من أشكال معينة أو أدوات خاصة بالطريقة التي تتلاءم مع منهج الدراسة وبما يكفل تحقيق الهدف منها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق