السبت، 14 مايو، 2011

من أنــماط الفكــر اللغــوي بالمغــرب

من أنــماط الفكــر اللغــوي بالمغــرب الأستاذ محمد الأوراغي كلية الآداب - الرباط ----------------------------------------------------------------------------------- 0 . استهلال التأريخ للحركة الفكرية في مختلف حقول العلم لا يقل أهمية عن ممارسة العمل المعرفي ذاته. يكفيه نفعاً و إفادة أن يضيء التيارات المتنافسة داخل الحقل الواحد للتفرد بدراسة موضوعه المبحوث فيه. وليس أنجح من أن يكون التأريخ للعلم مصباحا لإنتاج المعرفة، المهمتين نفس الباحث، كأن ينقلب اللساني مثلا مؤرخا للسانيات، كما ينقلب أحيانا "علوميا" حين ينتقل إلى « علم أعلى" ليفحص فيه المبادئ الأولية التي تؤسس مختلف النظريات والنماذج المطبقة في دراسة موضوع بعينه. وقد نبتعد كثيرا عن الصواب إن قلنا إن المغرب، منذ الربع الأخير من القرن العشرين، أخذ الصدارة داخل الوطن العربي فيما يخص البحث اللساني, وقد آن الأوان للشروع في تحديد ملامح الفكر اللغوي في هذا البلد وغيره من بلدان وطننا الكبير، واستجلاء الخصائص الجامعة والفارقة بين النزعات الفكرية في الأبحاث اللغوية وفي غيرها من المجالات المعرفية، وغاية هذا المقال أن يكون دعوة لذوي الاختصاص إلى صوغ تجاربهم حتى تنكشف السبل أمام المقبلين على ممارسة البحث في نحو اللغة العربية. 1. لغة واحدة وأطاريح متعددة من المتعذر منطقيا أن يكون لكل مزاول للبحث في اللغة أو في غيرها تجربة شخصية متميزة. لكنه يفترض في عمل كل لغوي أن يكون منتميا إلى نزعة في البحث اللغوي مخصوصة. يعني هذا أن الحديث عن تجربتنا اللغوية يفرض علينا أن نبدأه بحصرها في التيار اللغوي الذي يشملها. لتحديد أي تيار لغوي لابد من ربطه بالأطروحة التي يتبناها أصحابه، ومن مقابلته بغيره المستند إلى أطروحة مخالفة، إلى حين الإحاطة بكل المشارب المتواجدة. ولا نعني بالتيار اللغوي نظرية لسانية أو نموذجا نحويا، بل نقصد به مجموع الأعمال اللغوية المتميزة داخليا بخصائص إحدى الأطاريح التالية: القديم القارّ، أو الجديد الجابّ أو نقد القديم المستمر. 1. 1. أطروحة القديم القار: تستند أطروحة القديم القار إلى مقدمتين. الأولى يتكرر ذكرها في التراث العربي بصيغتين مشتركتين في القصد. وهما القول بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وقولهم ما ترك الأول للآخر شيئا يقوله. أما المقدمة الثانية فضمنية في التراث اللغوي خاصة. يمكن أن يقال في التصريح بها: معرفة اللغة العربية مرتبطة بمعرفة النحو العربي. وكأن اللغوي الذي يجمع بين تينكم المقدمتين يقول: بما أن النحاة الأوائل وصفوا اللغة العربية وصفا كافيا لم يبق إذن للمتأخرين إلا الرواية عنهم. وبما أن الهدف التعليمي واضح في النحو العربي تعين التمسك به، إذ به تتعزز معرفة العربية؛ اللغة المحفوظة بالقرآن من الانقراض، والثابت نسقُها فلا يتجدد منها سوى قسم المتغير من معجمها. أما القسم الثابت منه فقار مثل نسقها(1) . وبذلك صارت للعربية بين اللغات وضعية خاصة؛ إذ تُعرف بالنحو الموصوف ويُعرف غيرها بالاستعمال الدارج، ويَحفظ الكتابُ نسقها الموصوفَ من نحاتها في كل العصور، وينقرض غيرُها لتحفظ الآثار بقية منها. وقبل المرور إلى الكشف عن بعض المظاهر التي خلفتها أطروحة القديم القار لا بأس من وقفة قصيرة عند مقدمتَيْها. وأول ما ينبغي تسجيله ألاّ تلازم بين طيفكم المقدمتين. فالقول بارتباط معرفة اللغة العربية بمعرفة النحو العربي لا يلزم عنه ضرورة الأخذ بمقدمة ما ترك الأول للآخر شيئا يقوله. لأنه إذا كان عدد الاستعمال الدارج يسوغ الربط بين معرفة العربية ومعرفة نحو سيبويه فإن نسبية المعرفة البشرية لتشكل الدليل القاطع على ضرورة التخلي عن الاعتقاد بأن النحاة الأوائل قد وصفوا اللغة العربية وصفا كافيا فلم يتركوا لأمثالهم المتأخرين شيئا يستدركونه عليهم(2) ، لأن التمسك بهذه المقدمة في أطروحة القديم القار يخلف الكثير من الجوانب السلبية في للاحق من أعمال اللغويين القدماء. وسنختصر القول بذكر أهمها فيما يلي: (I) احتباس الفكر اللغوي: كاد التفكير في اللغة العربية يتوقف بعد سيبويه. وهو ما يفسر التوجه المبكر لأغلب النحاة إلى أعمال لغوية هامشية(أي كل عمل لغوي لا يسهم في تطوير نظرية أو نموذج، ولا في نمو المعرفة اللغوية). ويمكن أن ندخل في اللغويات الهامشية الأصناف التالية: 1) المختصرات ؛ 2) الشروح ومختصراتها؛ 3) حواشي الشروح؛ 4) المنظومات ومختصراتها؛ 5) شروح المنظومات وحواشي شروحها(3) . لكن أغلب هذه الأصناف لعبت دورا رئيسيا في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وفي تعزيز لغة المستعمربين. (II) كثرة الخلاف في المفاهيم النظرية والتحاليل المراسية: لا شك أن اختلاف العلماء أساس تطور المعرفة البشرية إن صعد الخلاف إلى أصول النظريات وانحدر منها إلى أبنية النماذج المتفرعة عنها ليتوقف عند المعرفة المقتنصة بها. أما الجدل في الجزئيات فلا يولد إلا معرفة مشتبهة، خاصة إذا امتد أيضا إلى اللغة الاصطلاحية المستعملة في الوصف. والخلاف النحوي، كما تكشف عنه كتبه سواء أكان بين نحويّين(4) أو بين فريقين(5) أو بين نحوي وباقي النحاة(6) ، لا يتجاوز في عمومه مسائل متفرقة مجزأة، قد ينفع الخوض فيها الباحث أما متعلم اللغة فلا، إذ حتى الوجوه المتناقضة تصير جائزة لديه. يكفي البعض مما سردناه من الجوانب السلبية الملحوظة في التراث اللغوي العربي ليتكون حديثا موقفان منه. يتبنى أحدهم الأطروحة الثانية الموالية. أوراغي 1. 2. أطروحة الجديد الجاب: إذا كانت أطروحة القديم القارّ تخص على الترويج للغويات العربية القديمة، وتدعو النحاة الجدد إلى الاهتمام برواية النحو القديم، وتُرغبهم في تبسيطه لتيسير تعليمه فإن أطروحة الجديد الجابّ تعمل بنقيض ذلك. إذ تلح على نبذ الفكر اللغوي العربي القديم جملة وتفصيلا، وتصر على إخراجه من الحوار الذي يقوم عادة بين التيارات اللغوية قديمها وحديثها. وبذلك تعذر التعايش على هاتين الأطروحتين. فلا تتعرض أحددهما للأخرى إلا من أجل الكشف عن العيوب واختلاف المثالب. وإن الفضل في ابتداع الجديد الذي ينسخ القديم ويمحوه ليرجع إلى الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري. موقفه هذا شكله من دفاعه عن جدوى اللغويات الغربية، ومن سعيه إلى إثبات فشل اللغويات العربية القديمة، وأخيرا من نقدده المتواصل للقائلين بضرورة اعتبار التراث اللغوي لبناء نماذج معاصرة. وقد عبر عن هذا الموقف مرات عديدة في مواضع كثيرة من أعمال(7). قد يفضل البعض الانضمام إلى تيار لغوي كتبت له غلبة الانتشار بشتى الوسائل وله بعد ذلك أن ينشئ ما يحلو له من المبررات لدعم اختياره ورفض اختيارات الآخرين. مبدأ الاختيار هذا وارد. لأنه ما ثبت في تاريخ المعرفة البشرية أن حصل إجماع مطلق حول نظرية، ولا انفرد نموذج بحقل معين من غير منازع، لكن أغير الوارد ابستملوجيا(=عُلُومِيّاً)، هو اضطرار العلم المشتغل بإطار معين إلى استباحة الأطر المخالفة، وتجريح أصحابها، والترخيص باستعمال المتيسر من أساليب الاستخفاف بأعمالهم. أطروحة الجديد الجاب تهيأت لها جميع الأسباب لرفضها. إذ الحكم على التراث بكونه عائقا للنهضة والتطور يقترن في ذهن المثقف، ولو لم يكن مختصا بمرحلة جديدة في حركة الاستشراق التي قامت في الأصل للنيل من الحضارة العربية الإسلامية وتشويه التراث العربي وتحريفه. والأهم من ذلك أن يستند رفض هذه الأطروحة إلى ما يلي من المبررات: (I) النحو الكلي الموضوع لوصف جميع اللغات البشرية، ضمنها العربية، لا يقتنع بكليته غير أصحابه والمشتغلين به. لأن بين الكلي من اللسانيات المتوجهِ بالبحث إلى ما يعم جميع اللغات البشرية، وبين الخاص منها الذي يحصر تأمله في اللغة المعينة، تقع لسانيات نسبية. من شأنها أن تؤطر أنحاء نمطية؛ توضع لوصف اللغات إلى ما لا نهاية، أو افتعال الائتلاف بينها إلى درجة سبكها في بينة نحو واحد يستغرق كل اللغات. من بين هذه التوجهات الثلاثة في البحث اللغوي نأخذ بالنسبي من اللسانيات. (II) السعي إلى بناء نحو نمطي لوصف العربية وما شاكلها من اللغات يفضل لاكتفاء باقتراض نحو موضوع لوصف الإنجليزية من أجل الاستعانة به في وصف العربية. ومن الصعب التشكيك في أسبقية وضع النماذج على استجلابها جاهزة، لما في الأول من حمل للفكر على المساهمة في إنتاج الأنحاء وغيرها من النماذج، بخلاف الثاني الذي يغلب عليه التوقف والاضطرار إلى استخدام المتوفر من الأنحاء وإن لم يطابق بعضها اللغة المحلية، لأنه في حالة عدم التوافق بين النحو المستورد واللغة المحلية توصف هذه الأخيرة بالغرابة لتسويغ تعديلها فتصير كغيرها من "اللغات الطبيعية"(8). وكل تركيب، وإن اطرد استعماله في العربية وقضى نحو سيبويه بسلامة بنيته، فإنه لا يجوز إذا لم يكن له وجه من وجوه النحو الكلي. (III) من خلال التقابل المقام في الفقرة (III) بين تينكم الفئتين من النحاة يظهر من الطبيعي ألاّ يجد المتمسك باستجلاب النحو الجاهز أي ضرورة منهجية أو منطقية تفرض عليه الرجوع إلى "فكر الماضي"، بينما اللغوي المقبل على بناء نحو لوصف نمط العربية يضطر عُلُوميّا (=ابستملوجيا) للرجوع إلى التراث في الميدان الذي يعنيه وغيره من الميادين المجاورة، لأنه بغير ذلك الرجوع كأنه لم يتكلم أحد قط في الموضوع. والواقع شاهد بخلاف ذلك. ولسنا في حاجة إلى التذكير باستثمار مفكري الغرب للتراث اليوناني في بناء نهضتهم. (1v) يضاف إلى ما تقدم من دواعي رفض أطروحة الجديد الجابّ مبررات أخرى مراسية، تعنى بما يترتب عن وصف العربية بنحو مقترض من لغة أخرى منعوتٍ بالنحو الكلي كي يؤثر في اللغات الخاصة ولا يتأثر بها. الاستعانة على وصف العربية باقتراض نحو جاهز يخلف العديد من الآثار السلبية، يمكن تجميعها في صنفين. أحدهما يخص التغييرات المستحدثة في بنية اللغة ذاتها، والآخر يتعلق باللغة الإصلاحية المستعملة في الوصف. وقد يحسن أن نحرر العبارة بمثال يبين القصد ويوضحه. (أ) تشجيع الدخيل. وصف العربية بنحو غيرها يفتح للدخيل جميع مستويات اللغة. فيتسرب التغيير أول إلى أصوات اللغة نطقا وزيادة أو حذفا. وثانيا إلى صرفها، كأن يُفك الإدغام في مثل (مكّكَولي) حيث يجب الإدغام (مكّولي). وعلة ذلك أن اللغة الأصل لا تعرف الإدغام رسما. وثالثا إلى تكوين مركبات، كتقديم المضاف إليه على المضاف في مثل (شومسكي لاحقة) لأن اللغة الأصل تقبله. ورابعا تسريب الدخيل إلى التركيب لحمله على تجويز أن يمثل الفاعل مسبوقا بالعبارة (من قبِل ونحوها) مع الفعل المبني صرفي للمفعول في مثل (شُتِمَ الأهل من قبل الولد). لأن تركيب اللغة الأصل يقتضي بأن يكون هذا البناء على هذا النحو(9) . لأن المثال أن تَدّغَنَ العربية لنسق العطف في غيرها، فلا تدرج أداة العطف إلا مرة واحدة قبل آخر معطوف مهما تعددت المركبات المتعاطفة. من مجموع الدخيل على العربية، وهو كثير، تشكلت لدى أنصار الجديد الجابّ ما يعرف بينهم باللغة العربية المعاصرة. وحقيقة هذه اللغة أنها عربية اللفظ غربية التركيب. أما الخالصة من الشوائب الغربية فهي اللغة العربية القديمة عندهم. (ب) استبدال الرواسم(10) : إحلال لغة واصفة محل أخرى من النتائج اللازمة عن اقتراض النماذج الجاهزة. هذا التغيير في اللغة الاصطلاحية يمكن أن يُلمس بوضوح في مستويين اثنين: أولهما عام يستغرق كل الرواسم. والثاني جزئي يخص رواسم بعينها. أما العام فيتمثل في تخلي أصحاب النحو الكلي عن إدراج الخصائص الوظيفية للغة في تحديد مفاهيم نحوها. بينما نحاة العربية القدماءُ وبعض المحدثين جعلوا من الخصائص الوظيفية نواة للخصائص الصورية(11). فلا تجد كتابا في النحو تناول البناء للمفعول من غير أن يتعرض للسبب الذي لأجله حذف الفاعل(12) . وهذه المسألة لا يثيرها أبدا كتاب يستعين على وصف العربية بنحو كلي. وللاستبدال الجزئي الذي يلحق رواسم بعينها وجوه كثيرة، يمكن أن تجمّع في فئتين: فئة الرواسم المستحدثة لمفاهيم محددة نظريا لا تحيل على واقع لغوي في العربية. من هذا القبيل "الموضوع الضمني"(13)، وفئة الرواسم المنقولة من نحو العربية بعد إفراغها كليا أو جزئيا من محتواها الاصطلاحي، مثل ذلك الفاعل والمفعول. إن البعض من المبررات (IV-I) المسرودة أعلاه عاصم من الانجراف مع تيار الجديد الجاب الذي بدأ أصحابه البحث في "اللغة العربية" بإخراج القديم لغةً ونحواً من الحوار العلمي. وبذلك لم يبق بين أيدينا من الأطاريح السالفة الذكر سوى الثالثة الموالية. 1. 3. أطروحة نقد القديم المستمر: نقد القديم المستمر أطروحة الباحث الذي لا يخرج من مجال بحثه ثقافة عصره لأنها معاصرة، ولا ثقافة عصور سابقة لأنها غير معاصرة. إنه في البدء لا يتقيد بغير هذين الشرطين؛ 1) انتماء العمل بغض النظر عن عصره إلى مجال تخصصه، و 2) إعمال النظر في ذلك العمل بالفحص والاختبار. وفي النهاية لا يرغب في غير بناء القديم بذهنية العصر. إذن المشكل كل المشكل ينحصر في مسألة كيف يُعاد بناء القديم لتحصل منه الفائدة في هذا العصر فيكون مجديا. كلمة القديم تقتضي الحدوث في زمان ولى وانقضى، ولكن إذا نُعت بها الفكر في قولنا "الفكر القديم" لا تفيد ما في لفظة "العتاقة" من معنى التآكل والإشراف على الانقراض. إذ من مميزات الفكر التجرد من الزمان بحكم تناوله للثوابت. إنه خاضع للنشوء في حقبة ما ولكنه لا يبلى ولا يقدُم ما ثبت موافقا لموضوعه المستقر. وإذا احتفظنا للفكر العربي القديم بهذا المعنى سهل علينا الكشف عن الجدوى من إعادة بنائه في حقل اللغة وغيره من الحقول العلمية الأخرى، وتتأتى لنا أن نمثل لأوجه الاستفادة منه بما يلي: 1. 3. 1. إسهام التراث العربي في بناء النظريات المعاصرة: سعى مفكرون مغاربة، داخل حقول معرفية محددة، إلى إدماج التراث العربي القديم في عملية بناء الحضارة البشرية المعاصرة. وقد لا تدرك القيمة الحقيقية لهذا العمل إذا لم يوضع في سياقه التاريخي. من الثوابت الراسية في الفكر الأوربي الذي مهد للحركة التوسعية الادعاءُ بأن شعوب الأرض قسمان: أحدهما يضم الشعوب الأوربية المتميزة في نظرهم بذهنية مبدعة خلاقة. فقيّض الله لهؤلاء أن يحملوا مشعل الحضارة لإنارة العقول المظلمة. وفي القسم الآخر أهملوا باقي الشعوب، وجعلوا داخله الأمة العربية الإسلامية بجامع بينها يتمثل في الاتصاف بالعجز التام في مجال الخلق والإبداع، والالتزام بمنهج التقليد والأتباع. مثل هذه الأمم في نظر الأوربيين محكوم عليها بالانحطاط ومسخرة للاستهلاك، ومنتهى غايتها أن تحسن التقليد، ومبلغ معرفتها أن تجيد فهم علم الغرب. اهتمام بعض المفكرين المغاربة بتحديد سهم التراث العربي في إقامة الحضارة لا يتضح عطاؤه الواقعي خارج هذا السياق التاريخي. فهم من غير قصد منهم كشفوا بقوة عملهم عن زيف أحكام دهاقنة الاستشراق والاستعمار على الفكر العربي القديم. وطريقهم في ذلك فعل التقنين، كما سيأتي، لا أقول الإصلاحيين كما كان من قبل ولإعادة بناء القديم قيمة أخرى داخلية تُلمس بوضوح في ميدان اللغة على وجه الخصوص في الجوانب التالية: 1) إدراج اللغة العربية ضمن اللغات الحية التي تؤثر في بناء النظريات اللغوية الأكفى(14) ، 2) إشراك نحاة العربية القدماء في الحوار العلمي الدائر حاليا بين اللغويين الجدد على اختلاف أوطانهم وألسنتهم(15) ، و 3) الكشف عن التأثير المتبادل بين النحو العربي القديم والأنحاء المعاصرة. ولأهمية هذا العنصر سنقف عنده قليلا. ينحصر التثاقف لدى أنصار الجديد الجابّ في تأثر النحاة العرب، على اختلاف عصورهم، بأمثالهم الغربيين. فأصبح لهذا التثاقف اتجاه واحد؛ لأن أي لغوي رافض للنحو العربي الماضي لا يراه حاضرا في النحو الغربي المعاصر. وقد لا يتأخر في التصدي لكل من يقيم علاقة بين "مبدأ تجنَّبْ الضمير" في نحو شومسكي(16) وبين قول نحاة العربية" متى قدروا على المتصل لم يأتوا مكانه بالمنفصل"(17) . أو من يربط عاملية شومسكي بعاملية سيبويه على الرغم من تماثلهما الملحوظ حتى في اللغة الاصطلاحية(18). ولعل هذه الأمثلة كافية لاستجلاء التثاقف النحوي بمعناه الحقيقي. ولإعادة بناء التراث اللغوي قيمة ثالثة ترتبط بمواصلة النحو العربي في تأدية إحدى وظائفه الرئيسية. ألا وهي توسيله لاكتساب العربية. لأن احتصار هذه اللغة عن الاستعمال الدارج يعوق معرفتها بالتلقي المباشر. فسد النحو، بوصفه طريقة صناعية لمعرفة اللغة، مسد التلقي مباشرة من المحيط اللغوي. إن قيام النحو مقام التجربة في تحصيل المعرفة باللغة المحتصرة ليستمد قيمته الحقيقية من إحجام النظريات اللسانية الحديثة عن اقتحام مجال تعليم اللغات. لأن لها أهدافا حاسوبية، وبيولوجية، وفلسفية، ولها سهمها في علوم الذكاء الاصطناعي، وفي بناء أنساق صناعية للتواصل، ونحو هذا كثير. يعني هذا أن نشر الثقافة اللسانية الحديثة بين المتعلمين قد يفيدهم في أحد الحقول العلمية المسرودة، ولكن لا تنفعهم في تحصيل ملكة اللغة العربية. وإذا اتضحت الحاجة الداعية إلى إعادة بناء التراث اللغوي العربي أمكن الآن النظر في مسألة كيف يكون ذلك البناء. 2. النحو التوليفي بناء على نحو يأتلف ونمط اللغة العربية لا يقوم بغير استثمار التراث اللغوي العربي، وهذا الاستثمار لا يعني الترديد الحرفي للقديم من التحاليل والمفاهيم. لأن التقيد برواية ما خلف السلفُ في حقل اللغة من تقاليد المنتصرين لأطروحة القديم القار. وإنما يعني الاستثمار إعادة قراءة التراث بحيث تكون النتيجة خلقا جديدا. وهكذا أصبحت إعادة قراءة التراث اللغوي العربي، وغير اللغوي أيضا، من الإشكالات المنهجية الملازمة لأطروحة نقد القديم المستمر. ولا بأس من إضاءة ولو قصيرة لاستحضار تجارب سابقة في قراءة التراث. إعادة قراءة التراث اللغوي العربي من الإشكاليات المنهجية التي حظيت باهتمام القليل من اللغويين المغاربة، وبإهمال سواهم من اللغويين العرب. إذ لم نهتد، ضمن من رجعنا إلى أعمالهم، إلى أحد تناول تلك المنهجية وصفا وتطبيقا عدا الدكتورين أحمد المتوكل، وأحمد الإدريسي. من أهداف منهجية القراءة عند هذين اللغويين استجلاءُ النظرية المرصودة من أجل مقارنتها بمثيلتها الحديثة، فتطعيم إحداهما بالأخرى، إلا أن منهجية المتوكل مصمّمة لتناول حقول العلم المتجاورة فعلوم اللغة العربية، بينما منهجية الإدريسي مهيأة لإعادة قراءة لسانيات السكاكي، وصوغ مفاهيمها صياغة صورية لتسهل مقارنتها بتداوليات الخطاب. نكتفي بهذه اللمع(19) إذ أن القصد منها أن نذكر بأعمال سابقة انفردت بالتصدي لإشكال قراءة التراث اللغوي العربي. ونلخص بذلك إلى الحديث عن تجربتنا في الموضوع. 2. 1. أصول استثمار الفكر العربي القديم لإقامة نظريات بشروط الفكر المعاصر لتحديد الأصول المذكورة ننطلق من الفرضيتين المراسيتين الآتيتين: (1) الفكر العربي القديم تعرب حقوله المعرفية جميعا وأشتاتا، بوضوح تام عن انتمائه المذهبي. (2) التراكم المعرفي في كل حقل معرفي يشكل مادة كافية لبناء نظرية تخصه بالشروط المعهودة في نظريات هذا العصر. عملا بالفرضية المراسية (1) يلزم أن ينتمي الفكر العربي القديم إلى أحد المذهبين المتقابلين، على جهة ارتفاع المذهب الثالث، هما: (I) المذهب الطبيعي؛ وهو المؤطر للأنحاء الكلية والمستند إلى فرضية عمل مفادها في علم اللغة أن الملكة اللغوية نسيج خلايا عضو (=العقل) في الذهن البشري. وهي بذلك واحدة في الناس جميعا، تنتقل إلى الولد بالوراثة. ويقترن اكتساب اللغة بنمو عضوها في الذهن، ويتعلق نمو ذلك العضو بتحريض من المحيط اللغوي الخارجي. ولفرضية العمل الطبيعية هذه نفس السياق في النظرية المعرفية. إذ يعتبر العقل خزانا من المعارف المطبوعة خلقة فيه، ومبادئ جميع العلوم منسوجة في خلاياه. ويحصل الفرد عالما بانبعاث المعرفة من ذات العقل بعد عملية التحريض التي يقوم بها العالم الخارجي. (II) المذهب الكسبي؛ وهو المؤطر للأنحاء النمطية، والمؤسس على فرضية مراسية مفادها، في نظرية المعرفة، أن الذهن البشري استعداد طبيعي لاقتناص أوليات من العالم الخارجي المنتظم على وجه كلي. ويصير قادرا على استنباط ثوان يختبر مراسيا صدقها في الواقع، فتحصل له قدرة جديدة على استنباط توالت تشتق من الثواني بقواعد مضبوطة. وكذلك يستمر في تكوين نسق معرفي. ولفرضية الكسب المراسية نفس السياق في علم اللغة، إذ تعتبر اللغة ملكة صناعية يتحلى بها العضو الذهني المهيأ فِطرة لأن تتشكل ذاته ببنيتها بشرط أن تنتظمه "علاقة السماع" بالوسط اللغوي المحيط بالفرد. وإن التأليف العربي القديم ليطالعنا بعدد كبير من النصوص منم حقول علمية مختلفة تشترك جميعها في الإعراب عن انتماء الفكر العربي إلى المذهب الكسبي. منها عبارة لفخر الدين الرازي في سياق نظرية لاكتساب المعرفة يقول فيها: "لاشك أن النفس الإنسانية قابلة للمعارف الكلية والإدراكات المحضة. ثم أنها في أول الأمر تكون خالية من جميع هذه المعارف... ثم أنها في أول الأمر تكون خالية من جميع هذه المعارف... ثم في المرتبة الثانية يحصل فيها العلوم البديهية يمكن التوصل بتركيباتها إلى اكتساب العلوم النظرية"(20) . ومن تلك النصوص ما ورد في سياق علم اللغة وعدّ الملكة اللغوية صفة حادثة من خارج في العضو الذهني المهيأ للتشكل ببنيتها. وهو ما يعبر عنه ابن خلدون بوضوح تام إذ يقول: "الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال فتكون ملكة أي صفة راسخة. كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولً. ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها بعد ذلك. ثم لا يزال سماعه لذلك يتجدد... واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة... هكذا تصير الألسن من جيل إلى جيل"(21) . مما تقدم نستخلص النتيجة (3) الموالية: (3) التراث العلمي العربي، بعلومه الإسلامية والنظرية، يشكل تيارا فكريا كسبيا؛ أساسه الفرضية الكسبية المحافظة على تماسكه الداخلي والضامنة لاستمراره الأبدي موازيا لمقابلة التيار الفكري المؤسس على الفرضية الطبعية التي تؤدي دور مقابلتها الكسبية. وعملا بالفرضية المراسية (2) يلزم أن يشكل الفكر اللغوي المجتمع في التراث العربي مادة كافية لإقامة نظرية لسانية نسبية، في مقابل النظرية اللسانية العامة، ولبناء نحو نمطي، في مقابل النحو الكلي، يخص مجموعه من اللغات المتشاكلة بنيويا. من أصول النظرية اللسانية النسبية وحدة المبادئ المقومة للغات. وهذه المبادئ، كما سيأتي ذكرها كلية؛ بمعنى لا تدخل في تكوين البنية اللغوية فحسب، بل توجد مقومة لماهية سائر الكائنات. وعددها أربعة؛ نذكر كل مبدأ باسمه العام يعقبه بين قوسين مرادفه المناسب للغة، كما يلي: 1) المبدأ المادي (= المبدأ الدلالي)، و (2) المبدأ الغائي (=المبدأ التداولي)، و (3) المبدأ الفاعلي (= المبدأ الوضعي للوسائط اللغوية)، و (4) المبدأ الصوري (= المبدأ الصوري)(22). من أدلة تدخل التداول في تكوين البنية أن لاحظ اللغويون القدماء حضوره خلال تحليلهم لظواهر لغوية من العربية فانعكس في وصفهم لها بصورة واضحة. وهو ما لاحظه بنفس الوضوح كل مهتم بمنهجية إعادة قراءة التراث اللغوي لمقارنة بمثيله من النظريات اللغوية المعاصرة(23). ويكفي الآن هذان الدليلان على عدم الكفاية في وصف العربية بنحو غير تداولي؛ كالنحو التوليدي التحويلي الذي أقصى البُعد الوظيفي للغة الأسباب تقنية بمسألة التمثيل للمعطيات التداولية، كما أبعد في بدايته الدلالة لنفس العلة. إذا كان المبدأ التداولي مسؤولا عن الدمج الضروري لوظيفة التواصل في بنية اللغة فإن المبدأ الوضعي للوسائط اللغوية مسبب الفوارق الموجودة بين اللغات البشرية. وبما أن كل تغاير منتهاه يلزم أن تتجمع اللغات البشرية في أنماط لغوية، قد لا يتجاوز عددها، باعتبار "كبير الوسائط"(24) نمطين اثنين، كما يتضح في ما يلي: عملا بعلاقة التباين، أو عدم المساواة، تضطر كل لغة إلى إيجاد وسيلة للتفريق بين العوارض؛ ح (=1. الأحوال التركيبة كالرفع والنصب، و 2. الوظائف النحوية كالفاعل والمفعول)، و لا وجود في الأصل لأكثر من إمكانيتين، بحيث يكون الإعراب عن العوارض إما بالعلامة المحمولة؛ وهو الوسيط إلى نشوء نمط اللغات التركيبية كالإنجليزية(25) . وليس من الحكمة وجود نمط لغوي ثالث مترتب عن الجمع بين دينكم الوسيطين. وبما أن كل نموذج يتم بناؤه بالقياس إلى حقل معين من الموضوعات، بحيث يصير النموذج مشابها لأصله بنية ووظيفة(26) . يلزم، بدءا، أن تبنى أنحاء نمطية وفقا للأنماط اللغوية، بحيث يكون للنحو التركيبي ولموضوعه اللغات التركيبية بنية قاعدية تتميز بالترتيب القار، ويكون للنحو التوليفة ولموضوعه اللغات التوليفية بنية قاعدية تتميز بالتأليف أتحر من الترتيب القبلي. بصحة المثبت هنا لا مسوغ لبناء نحو كلي. وإذا حصل فهو نحو نمطي معمم. بعد هذا التوضيح المقرب للمفهوم من كل من النظريات اللسانية النسبية، والأنحاء النمطية، والنحو التوليفي نعود للنظر في كيفية استثمار التراث الفكري العربي لإنجاز مشروع النحو التوليفي. كل اللغات البشرية مخيرة قبل الوضع بين إمكانيتين على الأقل. وباختيار لغة لإحداهما يبطل فيها استعمال الإمكانية الباقية(27). وقد اختارت العربية، ضمن مجموعتها اللغوية، وسيط العلامة المحمولة. لأنه يتيح أولا التفريق بين العوارض، ويُمكّن ثانيا من الحصول على بنية قاعدية متميزة بالتأليف الحر من الترتيب القبلي، فتوفرت للتداول إمكانية التأثير المباشر في بنية الجملة بترتيب مكوناتها28) . ما تقدم نصوغه من جديد في الخلاصة (4) التالية: (4) تبين أن اللغات البشرية، تبعا لأحد الوسيطين اللغويين العلامة المحمولة أو الرتبة المحفوظة، موزعة على نمطين اثنين؛ لغات توليفية كالعربية واليابانية، ولغات تركيبية كالإنجليزية والفرنسية. وقد أشار أكثر من لغوي غربي(29) إلى النمطين دون تفسير لذلك أو التعليل. وتبين أيضا أن اللغات التوليفية تختص ببنية قاعدية تتميز بالتأليف الحر من أي ترتيب قبلي. المثبت في هذه الخلاصة نقرنه بأصل معرفي صاغه أبو الحسن الفارسي(30) في الهيثمية (5) التالية: (5) إذا كان الصواب في غيرهما معا. عملا بالهيثمية (5) فإن كل ما يقدمه التراث اللغوي العربي من الاختلاف في المفاهيم النظرية والتحاليل المراسية يصح منه المنسجم مع محتوى الخلاصة(4) ويبطل خلافة المناقض لهذه الخلاصة. وللتوضيح نمثل أولا للاختلاف في المفاهيم النظرية المرتبطة ببنية النحو. عاملية البصريين مقيسة على العلاقة الرتبية القائمة في الطبيعة بين العلل السابقة في الوجود والمعلولات التالية. وبذلك أوجبت تقديم الفعل العامل على الفاعل المعمول ولم تجوز العكس. لأن "رتبة العامل أن يكون قبل المعمول. وكونه عاملا فيه سبب أوجب تقديمه"(31) وبذلك تكون عاملية نحاة البصرة مرتّبة. بخلاف ذلك عاملية الكوفيين المبنية بالقياس إلى العربية، فكانت عاملية محرّرة، لا تقيم علاقة رتبية بين العامل ومعموله. لأن الموقع لا يخلع على الفعل أو عنه خاصية عمل الرفع في مراكبه. كما يظهر واضحا من قولهم: "قولنا(قام) يرفع (زيد) اختصار وتقريب... فعلة الرفع (قام) والعلة لا ينكر تقدمها وتأخرها، إذا كان العامل لا يزايله التقدم"(32) . بعرض تصور كل البصريين والكوفيين للعاملية على الهيثمية (5) يلزم أن يصح أحدهما ويبطل الآخر. وبعرضهما من جديد على محتوى الخلاصة (4) يلزم أن تصح عاملية الكوفيين، إذ تشبه الأصل المقيس عليه (اللغة التوليفية)؛ وأن تبطل عاملية البصريين لانعدام التشابه بينها وبين نمط العربية. وبإخراج العملية المرتبة من الاعتبار لفائدة العاملية الحرة، نلغي بالضرورة كل ما يترتب عنها من المفاهيم الفرعية الكثيرة؛ كمفهوم الضمير المستتر(33) . والعامل المعنوي، فضلا عن تجنب افتعال مبررات غير واردة؛ من قبيل كون الفاعل جزءا من الفعل مانع من تقديمه على عامله. وبما أن المفعول ليس جزءا من الفعل العامل فيه جاز أن يتقدم عليه(34) . كما نتجنب وصف بنية برواسم (=لغة اصطلاحية يتحدد معناها داخل النموذج وتستعمل لوصف موضوعات الحقل أصل ذلك النموذج)، أجنية عن عاملية البصريين المرتبة. من هذا القبيل تكرار مثل قول الجرجاني "وإذا قلت: أنت فعلت، فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو"(35). وصف المركب (أنت) في ذلك الموقع بكونه فاعلا لا يناسب عاملية البصريين المرتبة، وإنما يناسب العاملية المحررة التي وضعها الكوفيون. من هذا المثال الموضح لكيفية المفاضلة بين المفاهيم المختلفة التي يقدمها التراث اللغوي العربي نكون قد كشفنا عن جزء من محتوى أطروحة نقد القديم المستمر. وللزيادة في التوضيح نخضع جملة من المفاهيم المتنافسة لفحص جديد. 2. 2. أصول المفاضلة بين المفاهيم المتنافسة: سبق أن نعتنا أطروحة القديم القار بالحياد تجاه الخلاف المنتشر في النظرية والتحاليل. وتبين قبل قليل أن أطروحة نقد القديم المستمر للخلاف بالمرصاد، إذ تراقبه عن كثب وتتربص به. لكنها لا تفلح في تقوية الوارد وإضعاف منافسه النابي إذا لم ينسق جملة من الأصول الفارقة بين الخالص والزائف. وهو ما سنحاول أن نبينه من تناولنا لما يلي من المفاهيم والتحاليل. (I) ثنائية الكلام والقول(36). لهذه الثنائية، في التراث الفكري العربي، مفهومان مختلفان؛ أحد مفهومي الثنائية يتداوله فلاسفة (الغزال، المعارف العقلية)؛ ومتكلمون (القاضي عبد الجبار، المغني، ج 7، والجويني، الإرشاد)، وبعض النحويين (سيبويه، الكتاب، والجرجاني، دلائل الإعجاز). ويتميز هذا المفهوم (بغض النظر عن فروق طفيفة بين فرق المتكلمين لا تؤثر في معناه)، بقيامه على علاقة التوازي. بمعنى أن شق (القول) من تلك الثنائية يتناول وجه العبارة الحسي الملابس لوجهها المعنوي، في حين يجري شق (الكلام) منها على الوجه المعنوي قبل أن تباشره الألفاظ المعبرة عنه. ولما بينهما من الموازاة والمطابقة يتم أحدهما بتمام الآخر وينقص بنقصانه. أما المفهوم الآخر فقد لأسسه ابن جني، وانتشر في كتب النحو بعده، على علاقة الانتماء التي تقوم أصلا بين عام (= القول بحكم شموله للعبارة التامة والناقصة)، وبين الخاص (= الكلام لتفرده بالدلالة على العبارة التامة دون الناقصة). وإذا ظهر الفرق واضحا لقيام المفهومين على علاقتين متغايرتين لم يبق سوى المفاضلة بينهما. يلزم عن العمل بالهيثمية (5) أن يكون أحد مفهومي تلك الثنائية صحيحا والآخر باطلا، ويكون الفصل بينهما بأصل الإنجاب (6) الموالي: (6) إذا نشأ حول موضوع معين رأيان متغايران قدم الملحوظ في ظواهر أخرى على القاصر الذي لا يتجاوز موضعه. إذا صح الإنجاب هذا يكون المفهوم الثاني للثنائية الذي أقامه ابن جني على علاقة الانتماء باطلا، إذا لم يثبت استعماله في غير موضعه. أما الأول فملحوظ استعماله على نطاق واسع. يكفي أن نذكر انقسام الحذف(37) إلى (أ) الاقتصار؛ وهو خلع مكون أو أكثر من البنية الكلامية وخلع المقابل الذي يدل عليه من البنية القولية، (ب) الاختصار؛ وهو خلع من البنية القولية مع إقامة دليل على ثبوت مقابله المدلول عليه في البنية الكلامية. وبذلك يتضح معنى قولهم؛ المحذوف لدليل كالثابت. كما أن لهذه الثنائية، بمعناها الأول القائم على علاقة الموازاة، امتدادا إلى لسانيي هذا العصر، فتظهر فيما يعرف بينهم بالبنية المنطقية والصورة الصوتية. نخلص مما تقدم ضرورة إهمال فهم ابن جني لثنائية الكلام والقول من أجل الاحتفاظ بالمفهوم المنافس، بحيث يمكن أن نصوغ من جديد فلقي الثنائية كما يلي: الكلام يصدق على البنية الدلالية المستلة من "النطق" لتبليغها ولما تنعكس على المرآة الصوتية. بينما القول يصدق على الصورة الصوتية التي تشاكل الكلام بنيويا وتشخصه حسيا. النتيجة المستحصلة من تلك المفاضلة بين المفاهيم المتنافسة لا تخفى فوائدها الكثيرة لذا سنتخلى عن ذكر أمثلة لها من أجل مواصلة النظر في كيفية استثمار الخلاف لاقتناص المادة المناسبة لبناء نحو توليفي للعربية. (II) عوامل الأحوال التركيبية. العامل ، في التراث اللغوي العربي، ينشأ عن قيام علاقة تركيبية بين عنصرين: أحدهما عامل يجلب الحالة التركيبية، فعلامتها للآخر القابل لهما. وإذا قلصنا الأحوال التركيبية إلى حالتي للرفع والنصب(38) لا يستبعد، بمقتضى أصل المشابهة بين النموذج وأصله، أن تنقسم الأحوال إلى صنفين: أحدهما يضم العامل لحالة الرفع، والآخر يشمل ما يعمل حالة النصب. إلا أن التراث اللغوي العربي يقدم عددا لابأس به من العوامل(39)، بل يكاد يسرد كل ما يخطر بالبال في هذا المجال. فذكر النحاة المتفرقين للرفع عوامل هي: الابتداء ، والمبتدأ، والمركب منهما، والخبر، والفعل، والحرف المشبه بالفعل، والإسناد، والفاعلية، وجعلوا للنصب الفعل، والمشبه به، والمركب من الفعل والفاعل، والمفعولية. وما حظي أي من هذه العوامل بإجماع النحاة ولا سلم أحدها من نقد نحوي يقول بغيرها. وبمقتضى الهيثمية (5) لا يصح من تينكم القائمتين سوى عاملين؛ أحدهما يكون شرطا لحدوث حالة الرفع التركيبية، ويكون الآخر شرطا لجلب حالة النصب. ومن المحتمل بنفس الأصل ألاّ تكون القائمتان نهائيتين. وإذا علمنا أن النظرية اللغوية المعاصرة لا تسوغ الأخذ برأي تقليدا لصاحبها الموثوق بعمله تعين إخضاع تلك العوامل بدون استثناء للفحص والاختبار. ولا يكون ذلك الفحص بغير أصول المفاضلة بين المفاهيم المتنافسة. منها أصل ولادة المثل (7) الموالي(40) . (7) العامل يسبب في توليد نوع واحد من الأثر للقابل أو القوابل المتحدة العوارض. أصل ولادة المثل يقصي من القائمتين كل عامل يُسبب في توليد نوعين من الأثر. إذن الفعل، والحرف المشبه به ليسا من عوامل الأحوال التركيبية. وبموجب أصل الإنجاب (6) يلغى من القائمتين كل عامل قاصر لا يتجاوز موضعه. فلا يعتبر من عوامل الرفع كل عامل مختص بعمل الرفع في قابل دون سواه. فلا يعتبر من عوامل الرفع كل ابتداء، والمبتدأ، والمركب منهما، والخبر، لأن كل واحد لا يتجاوز موضعه لعمل نفس الحالة التركيبية في الفاعل أو في نائبه. ولنفس المبرر نخرج الفاعلية، لأنه هو الآخر لا يتجاوز موضعه ليعمل حالة الرفع في المبتدأ، أو الخبر، أو نائب الفاعل. والظاهر أنه لم يسلم من تلك القائمة سوى الإسناد. وهو ملحوظ في الفاعل ونائبه، وفي المبتدأ وخبره. مما تقدم نخلص بكل اطمئنان إلى النتيجة المصوغة في العبارة (8) الموالية: (8) الإسناد علاقة تركيبية تسبب في توليد حالة الرفع لقوابل تراكبت بهذه العلاقة. يشهد على ورود الخلاصة (8) مسايرتها للعاملة الحرة المنسجمة بدورها في مستلزمات وسيط العلامة المحمولة. والانسجام الداخلي من أقوى مبادئ النظرية والتحاليل. وبنفس المنهجية نفحص أيضا مقترح النحاة فيما يخص عوامل النصب، لننتهي في الأخير إلى إلغاء كل العوامل المذكورة هناك إلا المركب من الفعل والفاعل لا باعتباره هو العامل لحالة النصب، ولكن بوصفه أحد طرفي علاقة تركيبية، طرفها الثاني هو القابل المستلم لحالة النصب. نطلق على هذه العلاقة اسم "الأفضل". وهي علاقة تركيبية تقوم بين مركب إسنادي وبين أي مركب يقبل أن يستلم حالة النصب التركيبية. وبذلك نكون قد أقمنا عاملا للنصب من جنس عامل الرفع إذ كلاهما علاقة تركيبية. وعندئذ نخلص إلى النتيجتين (9) و (10) التاليتين. (9) الإفضال علاقة تركيبية تسبب في توليد حالة النصب لقوابل تُراكب بهذه العلاقة مركبا إسناديا. (10) كل عامل فهو علاقة وليس طرفا في علاقة طرفها الثاني قابل. والواقع طرف علاقة فهو الناسخ الذي يعمل عملا داخليا فيطمس إما علاقة النصب، كحروف الجر، وإما علاقة الرفع، كالنواسخ الحرفية. يفترض في هذه العاملية المبنية بما ذكر من المفاهيم أن تتجاوز جميع مشاكل الخلاف بين النحاة المترتبة عن إيجاد مفسر للعلامة الإعرابية. وبقدر ما تقترب من بنية المكون العاملي في الواقع اللغة يضعف فيها مصدر توليد المشاكل المغلوطة. وبنفس المنهجية المتبعة في المفاضلة بين المفاهيم النظرية يمكن أن نفاضل بين مختلف التحاليل المقترحة لنفس الظاهرة اللغوي. إذ بها تمكنا في السابق من إقامة مبدأ الارتباط والانقطاع العملي لتفسير الكثير من الحالات التركيبية التي ظلت في التراث اللغوي العربي من الموضوعات الشائكة(41) . وبها حاولنا تخليص أبنية القصر من خلاف البيانيين(42) ، وعملنا على معالجة واردة لظواهر لغوية ستظهر في بحث لاحقا إن شاء الله. والله الموفق. (1) في دراسة لبعض مقدمات المعجم التاريخي بيّنا أن المعجم يدّخر في كلماته ثقافة المجتمع، الشيء الذي يمنع قسما من مادته؛ وهو الحافظ لهوية الأمة والضامن لاستمرارها، أن يناله التغيير فلا يصير من الماضي المندثر. مفردات هذا القسم من المعجم تمثل ماضي أهل اللغة المستَحضَرَ، وكيان الأمة المستمر، فثبتت إلى جانب المفردات المتجددة في القسم المتغير من نفس المعجم. للمزيد من التفصيل، اُنظر محمد الأوراغي، "مقدمات المعجم التاريخي"، ضمن مجلة التاريخ العربي، العدد الثاني، ص. 151-171. (2) قديما نبه الجاحظ إلى الضرر الذي يلحق العلم بسبب الأخذ بالمقدمة المذكورة، فقال: "ما على الناس شيء أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئا". اُنظره ومثله في ابن جني، الخصائص، ج 1، ص. 190 (3) الأصناف الخمسة المسرودة أعلاه، نمثل لها بما يلي من الأعمال. ضمن المختصرات نذكر "اللمع في العربية" لابن جني، و"شذور الذهب" لابن هشام، و "مختصر التصريف العربي"، للزنجاني، ولصحاح الجوهري سبع عشرة مختصرا. ومن التلاخيص "نهاية الإيجاز في دراسة الإعجاز"، للرازي، و "تلخيص المفتاح" القزويني، و "عمدة الحافظ وعدة اللافظ" لابن مالك. أما الشروح فإن لها النصيب الأوفر من التأليف اللغوي حتى عزَّ الكتاب غير المشروح، وصارت شروح الكتاب الواحد تُعد أحيانا بالعشرات لجمل الزجاجي تسع وسبعون شرحا). ومن مختصرات الشروح موجز ابن الضائع الذي لخص فيه شرح السيرافي لكتاب سيبويه. ومن حواشيها حاشية البغدادي على شرح الرضي لشافية ابن الحاجب. وبالدخول في مرحلة التذيل والتكميل والتحمير أخذ التأليف في ميدان اللغة يضيق، وكان المخرج في اللجوء إلى نظم المعرفة اللغوية في أراجيز ليسهل على المتعلم حفظها. من أراجيز النحو نظم اليشكوري وألفية ابن معطي الزواوي، والكافية الشافية لابن مالك (2750 بيتا)، ==وقد اختصره في ألفيته التي عارض بها ألفية ابن المعطي. ومن أراجيز علم الصرف "لامية الأفعال" لابن مالك، ومتن الترصيف في علم التصريف" لعبد الرحمن بن عيسى. وقد امتد النظم إلى المعاجم، إذ انبرى ابن معطي لنظم صحاح الجوهري لكنه لم يتمكن من إكماله. وبنشوء الأراجيز اللغوية تجددت حركة الشرح، وشرح الشرح. من قبيل حاشية الرفاعي على شرح بحرق اليمني للامية الأفعال، وحاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك. (4) رد المبرد على سيبويه فيما يعرف بمسائل الغلط. وترتب عن ذلك كتاب الخلاف بين سيبويه والمبرد، نسبه القفطي ( "إنباه الرواة" ، ج 2، ص. 295 ) إلى الرماني؛ وكتاب "الانتصار" لابن ولاد، وقد ألفه لإبطال نقد المبرد، و "تفسير المسائل المشكلة" للفارقي انتصر فيه للمبرد. (5) الخلاف بين نحاة البصرة والكوفة ترك الكثير من كتب الخلاف النحوي، كالإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري، ومسائل خلافية في النحو للعكبري، والمقنع في اختلاف البصريين والكوفيين نسبه القفطي (إنباه الرواة، ج 1، ص. 103) إلى أبي جعفر النحاس. (6) انتقد نحاة في مسائل مخصوصة إجماع غيرهم. منهم ابن جني في الخصائص، "باب القول على إجماع أهل العربية متى تكون حجة"، وابن مضاء القرطبي في كتابه الرد على النحاة. (7) في الدفاع عن اللغويات الغربية قال الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري: "فالنماذج الغربية أثبتت كفايتها الوصفية، وليس هناك ما يمكن أن يشكك فيها بهذه السطحية، ولا أحدد يستطيع بشيء من الجدية (اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بشعوذة) أن يدعي أننا نحتاج إلى نموذج آخر يبنى بالاعتماد على العربية لوصفها". وذكر في رفضه للتراث اللغوي العربي ما يلي: "إلا أنه خلافا لما يعتقد، ليس هناك ضرورة منطقية أو منهجية تفرض علينا توظيف هذا التراث" ومرة أخرى وسع العبارة ليشمل الرفض باقي حقول المعرفة. كما يظهر من قوله: "لا ضرورة منهجية ولا منطقية تفرض الرجوع إلى فكر الماضي وتصنيفاته ومفاهيمه لمعالجة مادة معينة". وفي نقده لمن يقول بالرجوع إلى قدماء لبناء نماذج معاصرة يكرر مثل قوله: "فوصف العربية، في رأيه، ولو كانت معاصرة يستدعي الرجوع إلى القدماء. إلا أنه لا يبين سر اعتقاد ذلك". وللإطلاع على المزيد من أقوال الدكتور عبد القادر الفاسي المدافعة عن نجاعة النموذج الغربي، والواصفة للنحو العربي بالفشل، وللتراث كله بالعائق، اُنظر مداخلاته وتعقيباته في كتاب المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، وكتابه اللسابيات واللغة العربية، ومقاله "الربط الإحالي" ضمن مجلة تكامل المعرفة، عدد 9، وإحالاته في تلك الأعمال، اُنظر أيضا ما نقله عنه الدكتور محمد المختار ولد باه في كتابه تاريخ النحو العربي. (8) من منظور النظرية اللسانية العامة تكون العلاقة بين النحو الكلي واللغات الخاصة علاقة تأثير في اتجاه واحد؛ منطلقها النحو الكلي ومنتهاه اللغة الخاصة. وإذ حصل بينهما تدافع تعين تعديل اللغة لا النظرية. وإذا استعصى تعديل معطيات حُملت زعماً على أنها من "العربية القديمة" وليست من "العربية المعاصرة" أو أنها من الأسلوب الخاص بالقرآن الكريم الذي لا يجوز، في نظرهم ، الاستشهاد بنصوصه. (9) للمزيد من التفصيل، انظر: الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري، البناء الموازي، ص. 181، ومواضع أخرى أحال عليها هناك. (10)الرواسم: من الرسم بمعنى بالخصائص، وهي عبارة عن المفاهيم المحددة نظريا أو مراسيا الواصفة لموضوع الدراسة. (11) للوقوف على حضور البعد الوظيفي في النحو العربي وغيابه في النحو الكلي المطبق على العربية، قارن مثلا أبواب التقديم والتأخير في كتاب سيبويه ودلائل الجرجاني بمفاهيم التبئير والخفق والتفكيك لدى الدكتور الفاسي في كتابه اللغة العربية واللسانيات. (12) السبب الذي لأجله يحدف الفاعل أحد المسائل الستة في البناء للمفعول، اُنظر: ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي وانظر أيضا الزركشي، البرهان. (13) من جملة ما يدل على انتماء راسمة "الموضوع الضمني" إلى النظرية ولا يتعلق به واقع لغوي هو أن ما صدقه فارغ صوتيا ومبهم دلاليا، كما يتضح أيضا من التعريف المقدم له: "الموضوع الضمني في البناء لغير الفاعل هو مقولة ضميرية فارغة ذات تأويل مبهم" (الدكتور الفاسي، اللغة العربية واللسانيات، ص. 183. (14) مفهوم" المركب المتقطع" يرتبط دخوله إلى النحو التوليدي التحويلي باللغة العربية، كما في شومسكي، نظرية العمل والربط، ص. 224 (N. chomsky, Théorie du gouvernement et du liage ). وبالعربية أيضا يرتبط تقليص أنواع البؤرة الستة إلى بؤرتي الجديد والمقابلة، كما في: المتوكل، الوظائف التداولية، ص. 28، ط. 1. (15) من الملغويين المعروفين بسعيهم المبكر إلى إشراك الفكر اللغوي العربي القديم في النقاش العلمي الحديث نذكر أحمد المتوكل، كما يتبين من قوله: "نعتمد في وصفنا للوظائف الخمس... النحو الوظيفي إطارا عاما إلا أننا سنقترض في وصفنا لهذه الوظائف، كلما دعت الحاجة إلى ذلك، تحليلات ومفاهيم من الفكر اللغوي العربي القديم نحوه وبلاغته... وسيمكننا عقد الحوار بين الفكر اللغوي العربي القديم والنحو الوظيفي، فضلا عن تمحيض مشروعيته، من تحقيق هدفين إثنين: إغناء النحو الوظيفي... وتقويم مجموعة من الأوصاف المقترحة في النحو العربي"، الوظائف التداولية، ص. 10. وللتوسع في الموضوع، اُنظر كتابه تأملات في نظرية المعنى في الفكر اللغوي العربي. Réflexions sur la théorie de la signification dans la pensée linguistique arabe. ومن هؤلاء نذكر أيضا الدكتور أحمد الإدريسي، وقد كشف في أطروحته، "تداوليات الخطاب ولسانيات السكاكي"، عن وحدة المفاهيم المؤسسة لكلا المقترحين، وعن التماثل التام في بنية نحوهما. وفضلا عن ذلك بين من خلال "مقارنة الدرس الصوتي الصرفي عند السكاكي بنظيره في اللسانيات المعاصرة أنه يطابق الصوتيات البنيوية في وصف الأصوات مستقلة عن سياقها وأكفى منها وصفيا في وصف الظواهر الصوتية السياقية". وسنجنب أنفسنا عواقب المجازفة بالتعرض لغيرهما من المفكرين المغاربة المشتغل بغير اللغة. (16) مبدأ تجنب الضمير(=Eviter - les- pronoms ) ، اُنظره في شومسكي، نظرية العمل والربط. (17) ابن جني، الخصائص، ج 2، ص. 191. وقد تكررت هذه العبارة في كتب النحو بألفاظ متقاربة عشرات المرات. (18) للوقوف على تطابق العامليتين، انظر الأوراغي، "اللغويات التاريخية والتاريخ اللغوي" ضمن مجلة التاريخ العربي، عدد 1. (19) للتوسع في الموضوع، انظر محمد المتوكل، تأملات في نظرية المعنى في الفكر اللغوي العربي، والدكتور أحمد الإدريسي، لسانيات السكاكي وتوادوليات الخطاب. (20) للتوسع في الأدلة والنصوص الشاهدة على انتماء الفكر العربي إلى مذهب الكبسي انظر القسم الأول من كتابنا اكتساب اللغة في الفكر العربي القديم. (21) ابن خلدون، المقدمة، ص. 289. ولإمعان ابن خلدون في الدفاع عن الفرضية الكسبية تصدى بالنقد لمقاباها الفرضية الطبيعية، إذ قال : "الملكات إذا استقرت ورسخت في محلها ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتها إعرابا وبلاغة أمر طبيعي. ويقول : كانت العرب تنطق بالطبع، وليس كذلك، وإنما ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبة وطبع" (المقدمة، ص. 289). (22) للتوسع في محتويات المبادئ المسرودة أعلاه، في العلاقات القائمة بينها انظر القسم الثاني من كتابنا اكتساب اللغة في الفكر العربي القديم. (23) من أولئك الدكتور أحمد المتوكل كما يظهر بصريح العبارة: "وضعنا لبنة أولى لمنهجية تكمن من إعادة قراءة الفكر اللغوي العربي القديم... توصلنا في هذه المحاولة إلى أن النظرية الثاوية خلف مختلف العلوم اللغوية (النحو، اللغة، البلاغة، فقه اللغة) نظرية تداولية، وأنها بالتالي قابلة للتحاور(بمعنى القرض والاقتراض) مع النظريات التداولية الحديثة بما فيها نظرية النحو الوظيفي"، الوظائف التداولية، ص. 10. ومنهم الدكتور أحمد الإدريس، إذ قال في التقديم لأطروحته تداوليات ولسانيات السكاكي، "هذا البحث يطمع إلى إعادة قراءة لسانيات السكاكي وصياغتها صوريا. ومقارنتها بتداوليات الخطاب". (24) كبير الوسائط يصدق على ما به تتجمع اللغات البشرية في أقل عدد بعد الواحد. وصغيرها يتناول ما به تتجمع لغات النمط الواحد في مجموعات صغرى. (25) بدا لنا مؤخرا أن نغير أسماء بعض المفاهيم فتخلينا عما استعملنا في (الاكتساب، ص. 125) الموضوع الآن بين قوسين كما يلي: وسيط العلامة المحمولة (=أصل الإعراب)، اللغات التوليفية (=اللغات المعربة))، وسيط الرتبة المحفوظة (=أصل الترتيب القبلي)، اللغات التركيبية (=اللغات المرتبة). (26) للتوسع في علاقة النموذج بموضوعه، انظر مقال: judith Milner , « La sémantique Propositionnelle générative de Brekle »,in Langage , N° 26 (27) من النصوص المتوفرة في التراث العربي الشاهدة على المثبت أعلاه قول القاضي عبد الجبار وهو يتحدث في نفس الموضوع: "وأما الذي يتعلق بالواضعة فقد كان يصح فيه أن تقع المواضعة فيه على غير الطريقة التي وقعت عليها. لكن المواضعة إذا استقرت فيه على طريقة صار بمنزلة ما لا يصحح إلا كذلك فيمن يسلك ذلك الطريق. وهذا بين في الكلام والكتابة وسائر الصناعات"، المغني، ج 16. 28) في التراث اللغوي العربي نصوص كثيرة تذكر بصريح العبارة ما أوردناه. من ذلك قول الزجاجي: "إن للأسماء لما كانت تعتورها المعاني فتكون فاعلة ومفعولة... ولم تكن في صورتها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة، جعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني... جعلوا هذه الحركات دلائل عليها ليتسعوا في كلامهم، ويقدموا الفاعل إن أرادوا ذلك أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه وتكون الحركات دالة على المعاني"، الإيضاح في علل النحو، ص. 69. وفي ما يخص اختصاص العربية أي نمطها باستعمال وسيط العلامة المحمولة = أو الإعراب بالحركات، انظر الصاحبي لابن فارس. وممن نبه على أن العربية فضلت وسيط العلامة المحمولة على مقابلة وسيط الرتبة المحفوظة ابن ==يعيش كما يتضح من قوله: "ولو اقتصر في البيان على حفظ المرتبة فيعلم الفاعل بتقدمه والمفعول بتأخره لضاف المذهب، ولم يوجد من الاتساع بالتقديم والتأخير ما يوجد بوجود الإعراب (شرح المفصل، ج 1، ص. 73). وللتحقق من تأثير التداول في بنية الجملة عن طريق ترتيب مكوناتها، انظر باب القديم والتأخير لدى البيانيين كالجرجاني والسكاكي وغيرهم من المفسرين كالزمخشري. (29) اُنظر شومسكي، نظرية العمل والربط، ص. 224، حيث يتناول ما أسماه: Langues configurationnelles et langues non - configurationnelles. (30) أصل العبارة (5) أعلاه قول أبي الحسن الفارسي نقلا عن ابن الهيثم: "كل مذهبين مختلفين فإما أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا. وإما أن يكونا جميعا كاذبين والحق غيرهما جميعا، وإما أن يكونا جميعا يؤديان إلى معنى واحد هو االحقيقة، ويكون كل واحد من الفريقين الباحثين بذينك المذهبين قد قصر في البحث" (تنقيح المناظر، ص 56). (31) ابن يعيش، شرح المفصل، ج 1، ص. 74. (32) أبو علي الفارسي، أقسام الأخبار، ص. 1214؛ رسالة موجودة ضمن مجلة المورد، عدد 3، سنة 1978. (33) اُنظر ابن مضاء، الرد على النحاة، ص. 81، مبحث "رد تقدير الضمائر في الأفعال". (34) اُنظر الأنباري، أسرا العربية، ص. 77، والإنصاف في مسائل الخلاف، ج 11، ص. 78. (35) الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص. 111. (36) سبق أن تناولنا ثنائية الكلام، وثنائية الاستثناء المتصل والمنقطع بنفس أصول المفاضلة بين مختلف المفاهيم المقدمة لهما في التراث اللغوي العربي. للمزيد من التفصيل، اُنظر محمد الأوراغي، اللغويات التاريخية والتاريخ اللغوي" ، ضمن مجلة التاريخ العربي، عدد 1. (37) اُنظر أبواب الحذف في كتب النحو كمغني ابن هشام، والبسيط في شرح جمل الزجاجي لابن أبي الربيع. (38) أثبتنا موضع آخر أن حروف الإضافة والجر تعمل عملا داخليا. بمعنى أن أي حرف من هذه المجموعة يتسلط عمله على مركب معمول بغيره فيطمس أثر العامل القديم ولا يلغيه، لأنه يستلمه من جديد المركب الحرفي المتكون من الجار والمجرور. للمزيد من التفصيل اُنظر محمد الأوراغي، "مقدمات المعجم التاريخي"، ضمن مجلة التاريخ العربي، عدد 2، ص. 151 - 171. (39) اُنظر عبد القادر الجرجاني، العوامل المائة، والأنباري، الإنصاف، والزجاجي، الإيضاح. (40) في مقابل سابق (("إعراب الناسخ الحرفي"، ضمن مجلة كلية الآداب، الرباط، عدد 119) تعرضنا للأصل (7) بصيغة خاصة واختبرنا جدواه هناك، وهو بالصيغة الحالية أورد لعمومه. إذ يستغرق عوامل الأحوال التركيبية، وعوامل الوظائف النحوية، وعوامل الوظائف التداولية، وعوامل العلامات الإعرابية. (41) نذكر في هذا الباب باستعمال ذلك المبدأ لحل مشاكل كثيرة جدا تخص فتح همزة الناسخ الحرفي (ءن) وكسرها (اُنظر في الموضوع مقالنا " إعراب الناسخ الحرفي"، ولحل مشكل الاستثناء المتصل والاستثناء المنقطع (اُنظر مبحث "نسق (إلا) الاستثنائية" ، ص. 252 من كتابنا اكتساب اللغة في الفكر العربي القديم، ومبحث " الاستثناء المتصل والمنقطع" في مقالنا "اللغويات التاريخية والتاريخ اللغوي". (42) قارن بين المعالجة المقترحة لأبنية القصر في القسم الثالث من كتابنا اكتساب اللغة وبين مقترح البيانيين في ذلائل الجرجاني، ومفتاح السكاكي وفي كتابي السيوطي الإتقان في علوم القرآن، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق