السبت، 14 مايو، 2011

موقع اللغة الأمازيغية من التعدد اللغوي بالمغرب

------------------------------------------------------------------------------------ موقع اللغة الأمازيغية من التعدد اللغوي بالمغرب محمد المدلاوي المنبهي ------------------------------------------------------------------------------------ لقد طبع التعددُ اللغوي الفضاء المغاربي عامة والفضاء المغربي خاصة مند أن برزت هذه الفضاءات على رقعة مشهد التاريخ. وفي مناخ ذلك التعدد، وبفضل خصوبة وغنى تربته، أنتجت هذه الرقعة من العالم ما أنتجت، وساهمت بما ساهمت به، في صرح الحضارة الانسانية، في ميادين العلم، والفن، والفلسفة، والأخلاق، والنظم، والملل والنحل، والعمران، وذلك من الملك العالِم يـوبا الثاني – في حدود المعرفة التاريخية الحالية – إلى القديس أغوسطين، إلى إبي الوليد، ابن رشد، وموسى ابن ميمون، وابن البناء المراكشي، وابن سليمان الروداني، وأب السموأل بن يحيى المغربي، ويهودا بن قريش التاهرتي المغربي، وعبد الحمن بن خلدون، والشريف الأدريسي، وابن بطوطة، وحسن الوزان، و إليــا بن أموزيغ وغيرهم، وأخيرا أعمدة العلم والفكر والأدب والفن والنظُم في المغرب الحديث. معالجة أمر التعدد اللغوي في المغرب وقد كانت معالجة أمر هذا التعدد اللغوي في المغرب، إلى حدود منتصف القرن الماضي من باب الأمور العفوية تحكمها العادة، والأعراف، الجارية، والتقديرات المتواطؤ عليها ضمنيا، وذلك من حيث توزيع الوظائف السوسيو-لغوية، والقيم الرمزية على اللغات المؤثثة لفضاء ذلك التعدد، إن تكاملا وإن تنافسا. لكن، ابتداء من الثلاثينات من القرن الماضي، بما عرفته تلك الفترة من بداية تطور سريع، ومن انتشار متزايد بعد ذلك لمؤسسات الاتصال والتكوين والإدارة (مدرسة، قضاء عصري، إدارة، إذاعة، تلفزة)، ومن احتكار السلطة المركزية لماضامين مادة تلك المؤسسات وأدواتها اللغوية، أصبحت معالجةُ المسألة اللغوية معالجة رسمية، وذلك من خلال النصوص والقرارات المنظِّمة لتلك المؤسسات من حيث أبعادها اللغوية؛ وبذلك أصبح الملف اللغوي في النهاية من بين ملفات الشأن العام، يتم التموقع السياسي بشأنه وعلى أساسه على غرار الملفات التقليدية للحكم والسلطان. غير أن المعالجة الرسمية، التي تجلت بالخصوص، بعد تجربة فترة الحماية، في تجربة مشروع التعريب مع بدايات الستينات من القرن العشرين، بما طبع هذه التجربة من إرادوية وشعارية في التعاطي والتناول، ومن أحادية البُعـد في التصور، لم تشرع في استكشاف معالم الطريقة التدبيرية لتناول الملف اللغوي إلا مع المصادقة على نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين في نهاية القرن العشرين، مع ما ترتب عن ذلك من تصورات إصلاحية لمناهج للتعليم عامة (ماي 2000). ولم يشرع هذا التصور ذي النفس التدبيري للملف اللغوي في بلورة تصورات ملموسة فيما يتعلق بالأمازيغية على الأخص إلا بصدور الظهير الملكي المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (17 أكتوبر 2001)، وما تلا ذلك وما انبنى عليه من إخراج فعلي لذلك المعهد إلى حيز الوجود، ومن الشروع في إدماج الأمازيغية في المدرسة، وبداية الاعتراف بها عمليا في المحيط العام. موقع الأمازيغية من وظائفية التعدد، ما بين الميثاق الوطني والظهير الملكي فيما عدا كلمتي "استئناس" و"انفتاح" (المادتان 61، 115 من الميثاق )، الخاليتين - بحكم انعدام الاصطلاح، من أي مضمون سوسيو- ثقافيّ جدّي، ومن أي مضمون تربوي بيداغوجي ملموس - لم يخول الميثاق الوطني للتربية والتكوين أيَّ وضعيةٍ اعتبارية للغة الأمازيغية، وهي لغة وطنية بحكم الواقع، ولا يُسند إليها أيّ وظيفة سوسيو- تربوية أو سوسيو- ثقافية واضحة يمكن أن تـُرسَم على أساسها أهدافٌ تربوية تكون أساسا للتقويم. بينما كان ذلك الميثاق واضحا بالنسبة لوظائف كل من اللغة العربية من جهة، واللغات الأجنبية من جهة ثانية. فلقد حدد الوضعية القانونية للغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد بمقتضى الدستور كما يُـسجّـِل الميثاق نفسه ذلك ويستند إليه من خلال مادته 110، حين نصّص على أن تعليم تلك اللغة "إلزامي لكل الأطفال المغاربة، في كل المؤسسات التربوية العاملة في المغرب، مع مراعاة الاتفاقيات الثنائية المنظمة لمؤسسات البعثات الأجنبية"، وذلك حتى يتسنى "تعزيزها واستعمالها في مختلف مجالات العلم والحياة" (المادة 111، أنظر كذلك المواد 112، 113، 114 من الميثاق). إلى جانب ما سبق، حدد الميثاق وظائف وغايات للغات الأجنبية باعتباره إياها حوامل للمعرفة العلمية الحديثة. ولذلك فإن برنامج التحكم في تلك اللغات وتنمية تدريسها، والرفع من مستوى ذلك التدريس (المادة 117) في إطار ازدواج أو تعدد لغوي مع العربية، قد تَـصوَّره ذلك الميثاق على أساس غايات تتوخى العملَ على رسمـلـة القدرات والملكات التعبيرية العلمية المكتسبة من اللغات الأجنبية بفضل ذلك الازدواج أو التعدد، وتحويلها بالإكساب والتطويع إلى متن اللغة العربية قاموسا وبنيات، في إطار برنامج لتأهيل هذه اللغة تأهيلا علميا؛ وهو تأهيل يلعب فيه التحكم في اللغات الأجنبية دورا أساسيا باعتبار ذلك التحكم وظيفة من الوظائف التربوية الوسائطية المنوطة بالمدرسة المغربية، يُتوخّى من ورائها هدفٌ سوسيو-ثقافي أسمى هو التأهيل العلمي للغة العربية. ومع ذلك يمكن القول بأن مجرد إقدام الميثاق الوطني للتربية والتكوين على إدراج اللغة الأمازيغية - باعتبارها واقعا وطنيا - ضمن أوراق الملف اللغوي، زيادة على اعترافه الصريح للغات الأجنبية بوظائف وأدوار واضحة ومتفاوتة في غاياتها وأهمياتها ومرحلياتها، لهو شيء ينم عن أن المفهوم التدبيري للملف اللغوي كان قد لاح في أفق أذهان الفاعلين الرسميين في الحقل الثقافي والسوسيو-تربوي والسوسيو-لغوي، ولم يعد أمرُ الذهنية على ما كان عليه ابّان تجربة المعالجة الستينية لذلك الملف، والتي كانت أبعد ما تكون عن مفهوم التدبير. التصور التدبيري لمعالجة الملف اللغوي فماذا يعني التصور التدبيري لمعالجة ملف من الملفات؟ إنه يعني الوعي بأن لقطاع الملف المعني وجها معرفيا يتعين إعداد دراسات عنه من باب المعرفة بواقع القضية، وذلك قبل الإقدام على اتخاذ مواقف وقرارات وتدابير بشأن ذلك الواقع، بما في ذلك موقف الإرجاء المرحلي أو اللامبالاة انطلاقا من تقديرات سياسية أو بناء على قناعات أيديولوجية. وبهذا المفهوم، وباعتبار الملف اللغوي الوطني عامة، وموقع اللغة الأمازيغية من ذلك الملف على وجه الخصوص، ملفا من عيار الشأن العام، ومسؤولية وطنية من حيث أنه يتأسس على كيفية تدبيره جُماعُ التوازنات الوطنية الكبرى، وتتحدد بمقتضى كيفية معالجته حظوظُ وآفاقُ ومعالمُ المستقبل، وباعتبار ذلك الملف شأنا لا تعني معالجةُ أمره، في هذا الاتجاه أو ذاك، مجردَ فئة معينة بعينها، لا كفاعلة فيه دون غيرها، ولا كمستفيدة من نتائجه في هذا الاتجاه أو ذلك دون غيرها، بناء على كل ذلك، فإنه يتعين على كل فاعل من الفاعلين في فضاء الشأن العام أن يتوفر على ملف ميداني للمسألة الأمازيغية ليس فقط من باب إعداد عـُدة مهارات التموقعات السياسية - وهذا أمر عادي ومشروع على كل حال - ولكن كذلك من وجهة المعرفة بواقع القضية في حد ذاتها بغض النظر عن حقائق تموقع الأطراف المختلفة إزاءها. والحال أن أوجه واقع الأمازيغية متعددة كما هو شأن بقية اللغات عامة، ومن بينها كونها اللغة التي اخترقت مسافات التاريخ بعبقرية خاصة، بعد أن عايشت، بأوجهها المتعاقبة، كلا من الفينيقية، ثم البونيقية، ثم الأغريقية، ثم اللاتينية، ثم الآرامية، ثم العربية ثم اللغات الإقليمية العالمية المعاصرة، وبقيت عبر الزمن حية بآدابها في الوجدان وعلى اللسان، يشكّـل نبضُ ثقافتها بتجلياته المختلفة ضمانةَ تميـُّزِ أمةٍ متعددةِ الأبعاد والمشارب، وضمانة عدمِ ذوبان تلك الأمة في غيرها من الأطر الثقافية والسياسية، بينما مسّ تاريخُ الأولين كثيرا من تلك اللغات بدراجات متفاوتة من الانقراض أو التحنيط في توابيت متحفه. كما أن من بين تلك الأوجه التي تشكل المعرفة بها شرط قيام تدبير عقلاني للملف اللغوي، المعرفةُ بالواقع السوسيولغوي للغة الأمازيغية (أوجهها، وجوامعها، وخارطة استعمالها، وأطالسها، ووظائفها السويسو-ثقافية والسوسيو-تربوية والسيكو-اجتماعية)، وبواقع مخزونها الأدبي بمختلف أنواعه وأجناسه، وبتاريخ تداول وحفظ تراثها الفكري والأدبي، وتعايشها وتداخلها مع غيرها من اللغات بدرجات متفاوتة، وكذا تاريخ وواقع الداراسات اللغوية والأدبية والأثنوغرافية المتعلقة بها مند قرون، وواقع مكتبتها، المخطوطة منها والمطبوعة، وتاريخ تجاربها مع الكتابة ومع الشفهية عبر القرون، وأخيرا وعلى الخصوص، ما تمثله تلك اللغة عاطفيا بالنسبة للشخصية المغربية، سواء في أوجهها الصريحة باعتبارها لغة العلاقات الحميمية بالنسبة لأعداد واسعة من المغاربة والمغربيات، أم في أوجهها الكامنة وراء مظاهر هي ثمرات من الثمار الطيبة للتاريخ المغربي، كمظهر العربية المغربية الدارجة التي هي أمازيغية بأصواتها، وبكثير من خصائص صرفها، وتراكيبها، وأمثالها، وأحاجيها، وأزجالها، وحتى عروض أزجالها، كما بيّـنـّا ذلك في دراسات سابقة لنا، و كمظاهر كثير من فنون الطرب والغناء المغربي الأصيل كطرب الملحون، والموسيقى المغربية الأندلسية، وليس هنا مقام إثبات ما نذهب إليه هنا مما تمت فيه دراسات كان لنا فيها إسهام، ومنها نصيب. ومن باب العمل على إعداد ملف جدي من الدراسات، يتجاوز التعاطي السياسوي التقليدي مع مفهوم "الملف" - هذا المفهوم الذي يقتصر على تعقب للمواقف والتصريحات الخاصة بالأفراد والهيئات والمؤسسات قصد الاستخدام السياسي - يتعين الاحتراز من تذويب ملف الأمازيغية في صلـصة التعدد الذي ينذر أمره بأن يصبح مجرد شعار استهلاكي، مع أنه واقع قائم لا يحتاج إلا إلى تدبير عقلاني لكي يصبح من نقط القوة ضمن معطيات الواقع العام. فللأمازيغية والعربية في المغرب أبعاد خاصة لا يمكن تذويبها في مجرد مقولة "التعدد" التي أصبحت تندرج تحت قبعتها، في الاستعمال، حتى اللغات الأجنبية. ولقد نبهتُ إلى بعض مظاهر تلك الاتجاهات التذويبية من خلال محاضرة بعنوان "اللغة العبرانية في عشرية تدبير اللغات الأجنبية بالمغرب" كنت قد ألقيتها بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط بدعوة من المنتدى المغربي للمصطلحيات والترجمة (الرباط يوم 09 يونيو 2005 )، وذلك حينما قلت : " فقد كان يتعين أن تكون اللغة العبرانية من بين اللغات المدرجة في أشغال اللجنة المشتركة التي تنكب حاليا على تفاصيل "المخطط العشري للغات" (2000-2010) وكذلك في أشغال برامج الملتقيات التي تنظمها الآن بالضبط بعض المؤسسات الأكاديمية بموازاة مع أشغال تلك اللجنة كمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب، وألا يترك أمر تلك اللغة الاستراتيجية لمجرد العفوية والمبادرات الشخصية، وذلك بدلا من إدراج التخطيط للغة الأمازيغية في أشغال تلك اللجنة وأشغال تلك الملتقيات الأكاديمية كما هو حاصل الآن. ذلك لأن الإطار المرجعي للجنة المشتركة المذكورة لا يمكن أن يتمثل إلا في النقطة السادسة من المادة 117 من الركيزة التاسعة للميثاق الوطني للتربية والتكوين، التي تنص على أنه "يتعين إعداد مخطط عشري للنهوض باللغات الأجنبية قبل يونيو من سنة 2000.". إنه الإطار الوحيد الذي يتحدث عن مخطط عشري للغات، وهو مخطط مقصور بحكم النص على اللغات الأجنبية. ومن المعلوم أن اللغة الأمازيغية ليست لغة أجنبية في المغرب، وأن إدراجها في مثل هذه الأطر ينطوي على غير قليل من الخلط إذا ما صفت النيات، أو على كثير من التبيـيـت والنسف إذا لم يكن الأمر كذلك، وكلتا الحالتين منافية للمصالح العليا للأمة المغربية. التعدد اللغوي والأبعاد الخاصة إن هناك بالفعل تعددا في الوظائف التي تتوزعها اللغات المتعايشة - إن تكاملا وإن تنافسا - في قطاعات السوق اللغوية المغربية كما هو الشأن في كل الفضاءات التي يطبعها التعدد اللغوي. غير أن من الأبعاد والوظائف ما لا تصح فيها المنافسة. إنها الأبعاد الخاصة، تلك التي لا تسمح بأن يتم تذويب لغة وطنية ذات أسس هوياتية في الصلصة العامة للتعدد، على قدم المساواة مع بقية اللغات النفعية، المتقلبة أحوالُها حسب الظرفية (كانت الفينيقية ثم الإغريقة ثم اللاتينية يوما، وغدا قد تكون الصينية أو اليابانية). وفي هذا الصدد يسجل الظهير المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية تقدما كبيرا بالقياس إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث ينص ذلك الظهير تنصيصا على البعد الأمازيغي ضمن أبعادِ الهوية الوطنية (الفقرة 2 من بيان الأسباب الموجبة للظهير). كما أن ذلك الظهير قد جعل من بين أهداف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، العملَ على تسهيل تدريس الأمازيغية وتعلُّمها وانتشارها بشكل يضمن "تكافؤ الفرص أمام جميع أطفال بلادنا في اكتساب العلم و المعرفة ويساعد على تقوية الوحدة الوطنية" (الفقرة 7 من بيان الأسباب الموجبة). وفي هذا الاتجاه يضع من بين مهمات المعهد المؤسَّس مهمة "الإسهام في إعداد برامج للتكوين الأساسي والمستمر لفائدة الأطر التربوية المكلفة بتدريس الأمازيغية، والموظفين والمستخدمين الذين تقتضي مهنتهم استعمالها، وبوجه عام كل من يرغب في تعلمها" (الفقرة 5 من المادة 3). كما أن الظهير يُسند وظائف أخرى للغة الأمازيغية ويتصور لها موقعا في الفضاء السوسيو- لغوي العام، زيادة على تسطيره لأبعادها الهوياتية ولوظائفيتها القطاعية، وذلك حين تحدث عن سياسةٍ يتعاون من خلالها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مع السلطات الحكومية والمؤسسات المعنية، "تساعد على إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية وضمان إشعاعها في الفضاء الاجتماعي والثقافي والإعلامي الوطني والجهوي والمحلي" (المادة الثانية من الظهير). الصعوبات الحالية في تدبير ملف الأمازيغية لقد تم قطع أشواط مهمة في إطار تدبير شأن اللغة الأمازيغية، وإن كان ذلك يتم لحد الآن بمقتضى التجريب، وتحت ضغط وطأة رأي الشارع، وليس على أساس وعلى ضوء دراسات وتصورات استراتيجية منجمة على القطاعات، وممرحلة في الزمن، حسب الأولويات. فلقد فُــكَّـــت العقدة على المستويات السياسية العليا بعد إبرام اتفاقية الشراكة بين وزارة التربية الوطنية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيعية (23 يونيو 2003) وذلك تأسيسا على نص وروح الظهير المؤسس لهذا المعهد الملكي وعلى مختلف النصوص الأخرى التي مهدت له. وبفضل التراكم الأكاديمي لجيل كامل من اللسانيين المغاربة في ميادين النظرية اللسانية العامة، وعلوم الأصوات، والصرف، والتركيب، والمعجم، والإملائية، تمكن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، على المستوى العملي والأدواتي، من معيرة الإملائية الأمازيغية، ومن معيرة نصيب من المفردات الأساسية، ومن التراكيب الأسايسة على طريق الانتقال باللغة الأمازيغية من وضعية غلبة الشفهية إلى وضعية اللغة المكتوبة وعلى طريق تجاوز إشكالات اختلاف الأوجه المحلية؛ كما أُعدت أدوات المصاحبة البيداغوجية (مدخل إلى الأمازيغية، معيرة الأمازيغية، كتب التلميذ والأستاذ 1، 2، 3)، وتم إصدار ما يفوق أربعين مؤلفا في مدة قياسية من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مما له تعلق بالثقافة الأمازيغية. ثم شـُرع في التجربة الميدانية لإدماج الأمازيغية في المدرسة بشكل فعلي مند سبتمبر 2003، ولو أن ذلك قد تم وما يزال يتم باللجوء إلى إجراءات موقتة على مستوى تكوين الأساتذة، وهو أمر كان لابد منه لضمان البدء وتكسير بعض الحواجز السيكولوجية المترسبة من تكوين ثقافي وتربوي سابق لم يكن في توافق مع الواقع المغربي. إلا أن جرأة تلك المبادرة بالبدء في ميدان التكوين والتخطيط التربوي خاصة، بما استتبعته من إجراءات مؤقتة كان لا مفر منها في البدء، كما قلت، نظرا للظرفية الخاصة لتأسيس هياكل المعهد على الخصوص، قد أصبحت تبدو منذ أكثر من سنة وكأنها قد رسّمت تلك الإجراءات الموقتة واتخذتها نهجا ومنهاجا قارين لتكوين المكونين في باب تدريس الأمازيغية. فليس من باب التدبير الرشيد لإدراج الأمازيغية في مكانتها من المدرسة ومن المحيط عامة في إطار تدبير عقلاني وطني للملف اللغوي في أفق تنمية وإعداد العنصر البشري، أن يتم الاستمرارُ، للسنة الثالثة على التوالي، في استنزاف ميزانية المعهد، وفي هدر وتبذير الطاقات الفكرية والفيزيقية لباحثيه - وهم بضعة أفراد في كل من مركز التهيئة اللغوية ومركز البيداغوجيا - عن طريق البعث المنهجي بهؤلاء في كل مرة، على حين غرة منهم (ونصفهم نساء)، متنقلين ومتنقلات في كل الأصقاع بمصبّ مسار العملية التكوينبة ما بين مدن العيون، وورززات، ووجدة، وطنجة وما بينها جميعا من مدن أخرى، ليقيموا ويقمن بالفنادق بضع ليال وبضعة أيام يلتقي الواحد منهم خلالها لما متوسطه ثلاثة أيام بجمهور عريض من المدرّسين المرشَّحين للتكوين في منهجية الأمازيغية، وهم في الغالب من ذوي أعمار متقدمة، بما في ذلك عمر من يشرف على التقاعد، ويتم استقدامهم بدورهم من مختلف الآفاق في ظروف استعجالية، وانطلاقا من لوائح اعتباطية لا يمكن معها لمؤطري الدورات التكوينية المضيّ في متوالية متدرجة (évolution progressive)؛ ذلك لأن المستفيدين غالبا ما يتراوحون ما بين من سبق لهم أن استفادوا من دورة أو دورتين، ومَن مارسوا تعليم الأمازيغية بشكل عصامي لسنة أو لسنتين في مستوى واحد او مستويين، والذين يشعرون بسبب تلك التجربة بملل التكرار، وما بين من لم يسبق لهم أن استفادوا من أي دورة سابقة والذين يجدون صعوبة في مواكبة مضامين التكوين على ما تتصف به من تكرار بالنسبة للصنف الأول. وليس من التدبير الجدي والمسؤول في شيء أن يتم المضي في مثل تلك الترقيعات وأن يـُدرَج على انتظار طفـوّ أزمة وقيام ضجة إعلامية ظرفية على هذا المستوى أو ذاك لإعادة الروح إلى اللجنة المشتركة ما بين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ووزارة التربية الوطنية وينادى من جديد على الباحثين من المركزين المذكورين بالمعهد ليتوزعوا من جديد في الأصقاع في التاريخ الفلاني المعيّـن في غيبة عنهم، وبقطع النظر عن رزنامات البرامج العلمية لذينك المركزين، وذلك لأداء ما يشبه "رقصة التكوين" بشكل فولكلوري إعلامي يوهم فيه كل طرف من الطرفين بأنه قد أدى ما عليه من مسؤوليته. ولقد سبق لي، في محاضرة أخرى بالمعهد الجامعي للبحث العلمي (الرباط – 27 يناير 2005) نُشر نظيرُها في النشرة الإخبارية للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية "ينغميسن ن وسيناﮒ" ، ع: 3-4 مارس 2005، أن قلت ما هو قريب مما يلي، انطلاقا من تجربتي الميدانية في تلك العمليات التكوينية الترحالية مند تدشينها في صيف 2003 بالرباط (30 ماي – 1 يونيو؛ ثم 1-11 يوليوز) : »إن الخطة الاستعجالية للتكوين السريع (أي دورات تستدعى إليها مصالحُ الوزارة مجموعاتٍ من"المكلفين بتدريس الأمازيغية"، و يؤطرها باحثون من المعهد الملكي لما بين 3 أيام وأسبوع) قد استنفدت كل إمكانياتها. وإن الاستمرار في المراهنة عليها وحدها بالرغم من التوسع السنوي المنتظر لدائرة الخارطة المدرسية المنتظَر تغطيتها بمقتضى الخطة الوزارية التي تراهن على التعميم الأفقي والعمودي للأمازيغية في حدود 2010، لهو أمرٌ فيه إهدار لطاقات الموارد المادية والبشرية للمعهد، وفيه شغلٌ لتلك الطاقات عن إنجاز مهام البحث في ميادين معيرة اللغة والمساهمة - بتنسيق وتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والتربوية المعنية - في توفير الأدوات البيداغوجية اليومية وكذا أدوات الإرشاد والتقويم. كما أن من شأن الاستمرار في المضي في ذلك النهج الاستثنائي الاستعجالي أن يعمل على تدنّ مستمر لمردودية ذلك التكوين نفسه، الذي يتم لحد الآن في سافلة العملية ومصبها (أي في الميدان) بدل أن يتم في عاليتها (مراكز التكوين ومدارس الأساتذة)«؛ إنه تدنّ من شانه أن يترسخ ويحتد كلما اتسعت الخارطة المدرسية وتعددت المستويات"، إلى درجة قد تفضي في النهاية إلى إعلان الإخفاق التام كاحتمال ممكن. و قد أضفت في تلك المحاضرة قائلا » بأن الوقت قد حان للانتقال من خطة استعجالية واستثنائية للتكوين في فضاءات عابرة تـُحشر فيها من حين لآخر ليومين أو ثلاثة جموعٌ غفيرة من المرشحين للتكوين، ونزر قليل من المكونين الرّحّل، نحوَ خطة عادية لتخريج الأطر الشابة فـي مراكز التكوين الأولي، وفي المراكز التربوية الجهوية، وفي المراكز الجامعية لتكوين المكونين، التي تنص عليها المادة 116 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، خطة عادية يساهم فيها المعهد هذه المرة بـتأطير يتم في العالية بشكل مركزي أكثر ترشيدا ومردودية، ويتناسب مع إمكانيات المعهد وموارده البشرية كمّاً وكيفاً.«، بدلا من استنزاف طاقات تلك الموارد البشرية والمادية بإقحامها الميداني الموسمي من حين لآخر في فضاءات تضارب الاختصاصات، والمبادرات، وحتى المواقف أحيانا ما بين بعض المصالح الإقليمية والجهوية لوزارة التربية الوطنية (نيابات، أكاديميات). هذا وإن الأطر المرجعية لتلك الخطة العادية لمتوفرة، ويكفي توجيه الجهد التدبيري والتشاركي في اتجاه تفعيل ما تتيحه تلك الأطر من إمكانيات العمل؛ إذ تقول المادة 116 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين مثلا ما يلي: "تحدث في بعض الجامعات بدءا من الدخول الجامعي 2000-2001 مراكز تعنى بالبحث والتطوير اللغوي والثقافي الأمازيغي، وتكوين المكونين وإعداد البرامج والمناهج الدراسية المرتبطة بها" و في إحالة واضحة على المادة الأخيرة أعلاه، تحدد المادة 3 من الظهير المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية المهمةَ السادسة من مهام المعهد في: "مساعدة الجامعات إن اقتضى الحال، على تنظيم المراكز التي تعنى بالبحث والتطوير اللغوي والثقافي الأمازيغي وعلى تكوين المكونين". خلاصـــــــــــة معنى كل هذا أن مسألة الصعوبات العملية الحالية لإدراج الأمازيغة في مكانتها الوطنية كما يقتضي ذلك التدبير الوطني العقلاني للملف اللغوي هي أكبر من مجرد مسألة "ثغرات" لوجيستيكية أو أدارية (عدم تعميم توزيع الكتاب المدرسي، تقاعس هذه الأكاديمية أو تلك عن الإعلان عن دورة تكوينية ، الخ) كما رددت ذلك أطراف كثيرة من بينها مجلس إدارة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في دورته العادية لشهر مارس (24-25) 2005؛ كما أنها ، من جهة أخرى، ليست متعلقة بانعدام الأطر المرجعية والقانونية للعمل، إذ أنه، وإن كانت هناك قُـبـُلٌ للعمل والتدبير ما تزال تنتظر نصوصا تؤطرها في الوثائق المرجعية (مسائل الوضع والاعتباري، والوظائف و الأهداف، وما يتعلق بها)، فإنه لم تـُـستنفَـد بعدُ جميعُ الإمكانيات التي يوفرها مجردُ النصوص الموجودة حاليا بما تسمح به تلك النصوص من استراتيجيات للتخطيط والعمل (مخطط جدي لأعداد الخارطة المدرسية المتدرجة على أسس سوسيو-إحصائية، مخطط لتخريج مكونين شباب ما بين الجامعة ومراكز التكوين بتشارك مع المعهد الملكي، الخ.). وبذلك يبقى الأمر، إذن، مجرد مسألة مدى توفر الإرادات، والمبادرات، في هذا القطاع أو ذلك، وعلى هذا المستوى أو ذلك من مستويات المسؤولية المؤسسية أوالفردية. وتجدر الإشارة بهذا الصدد مثلا إلى ما تنص عليه الفقرة 7 من الخطاب الملكي بأجدير (17 أكتوبر 2001) من "أن النهوض بالأمازيغية مسؤولية وطنية"، أي أن جميع المؤسسات التي يعنيها الأمر، سياسيةً كانت أم ثقافية مدنية، أم تشريعية، أم حكومية، أم أكاديمية، مدعوةٌ إلى تحمّـل مسؤولياتها بالمشاركة الفعالة في هذه الورشة الوطنية، وأنّ إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يتعين ألا يُعتبر إعفاءً لأي طرف مِن تحمّـُل نصيبه من المسؤولية بما أن المواطنة واجب عينيّ وليست مما يجزي فيه البعض بالكفاية عن بعض. ---------------------------- (محاضرة ضمن مائدة التعدد اللغوي بالمغرب. مؤسسة علال الفاسي - الرباط. 29 أكتوبر 2005)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق