الاثنين، 9 مايو، 2011

تقديم الأبعاد التداولية في شروح التلخيص للقزويني

تقديم الأبعاد التداولية في شروح التلخيص للقزويني صابر الحباشة يندرج هذا العمل ضمن سُنّة البحث بالجامعة التونسية في قراءة التراث البلاغيّ قراءة معاصرة تستثمر بعض المناهج اللسانية المستحدثة. وتتوجّه الدراسة إلى جزء من ذلك التراث عُدّ كالمهمل عند المحدثين، ونعني "الشروح البلاغية" وقد اعتمدنا مدونة مخصوصة هي شروح التلخيص للقزويني (ت. 739هـ). وقد واجهتنا عدّة صعوبات عند محاولتنا الاقتراب من "الأبعاد التداولية في شروح التلخيص للقزويني" منها عسر تناول المتن، فقد ضمّ خمسة شروح تتآلف وتختلف، تجتمع وتفترق، وخشينا أن نضيع في الفويرقات القائمة فيما بينها (والبحث في هذا الأمر مشروع) فعمدنا إلى النظر إليها وكأنّها جسد واحد أو صياغات متقاربة لرؤية عامّة واحدة، فجعلناها كالمتعاوضة. ومن الصعوبات الأخرى شساعة المتن البلاغيّ، فحاولنا تجنّب التشتت بتركيز النظر على مبحث مخصوص يندرج في علم المعاني: هو أحوال المسند إليه واتخذنا بعض النماذج من تلك الأحوال (الحذف والذكر والتعريف والتأخير) وقد بحثنا في غايات إيراد المسند إليه على كل حال من الأحوال السالفة الذكر. وعلّقنا على تلك الغايات مقارنين إياها بمقاربات غربية اهتمّت ببعضها وذلك كلّما توافرت لنا تلك المقاربات. وكانت المقارنة ضربا من التنبيه إلى نقاط التقاطع أو نقاط التنابذ بين الرؤية والتطبيق التراثيين والرؤية والتطبيق الحديثين المنتسبين إلى التقاليد التداولية. كما اعترضتنا صعوبات أخرى تتصل بالمنهج التداوليّ وهو شديد الثراء والتنوع حتى ليعسر تحصيل فكرة شاملة عنه وقد تعددت التيارات التي تنتظم هذا المنهج وكثُر الأعلام الذين أسسوا له فلسفيا وإبستيمولوجيا والباحثون الذين أجروه تطبيقيا فضلا عن اللسانيين الذين نقدوه نقدا داخليا و/أوخارجيا. لذلك وجدنا عنتا في المسك بزمام هذا المنهج، وحاولنا الإفادة من بعض المصنّفات الأصول التأسيسية في هذا الباب كما لم نغفل عن الأخذ بخلاصات احتوتها مؤلّفات مدرسية غربية قرّبت الشقّة بيننا وبين المنهج. وقد حرصنا على تجنّب الإسقاط المنهجيّ لذلك بقينا متردّدين بين رؤية نهائية إلى التداولية ورؤية متنامية تسمح بفتح الآفاق نحو التعديل بعض المقاربات وتوجيهها نحو الإفادة بشكل أجدى نفعا. وقد أقمنا هذه الدراسة على افتراضين مختلفين: · أحدهما: أنّ شروح التلخيص تشتمل على أبعاد تداولية، فعلينا أن نستخرجها منها ونتبين طبيعتها. · الآخر: أنّ شروح التلخيص تخلو من الأبعاد التداولية، ونحن سنضطلع بإضفائها عليها وذلك بإثراء المقاربة التراثية بتسليط أضواء جديدة عليها تنتحي منحى تداوليا، يخلو من الإسقاط والتقويل. · ولما نظرنا في المدوّنة المخصوصة ونعني أحوال المسند إليه (الذكر والحذف والتعريف والتأخير) وجدنا أن القطع بأحقّية أحد الافتراضين على الآخر أمر يُجافي الصواب، فعدّلنا نظرتنا وزاوجنا بين كليهما، فاستخرجنا ما وجدناه من أبعاد تداولية دون أن نقع في وهم نسبة الطارف إلى التليد وعلقنا على ذلك. كما لوّنّا بعض غايات إيراد المسند إليه على حال من الأحوال المدروسة تلوينا تداوليا أتيناه نحن دون أن نقلّد القدامى في ما شرحوه طريقةً وغايةً. وقد ربطنا العلاقة بين ظواهر اختصّ بها المتن البلاغيّ وأخرى اختصّ بها المنهج التداوليّ كلّما وجدنا إمكانية الربط واردةً (كما فعلنا بين مبحث الحذف ومبحث الضمنيّ) ولعلّ ما قمنا به لا يخلو من تقحّمٍ محفوف بالمزالق. والذي يشرّع لهذا الضرب من المقارنة الذي أتيناه، أنّه ماثل في كلّ نشاط علميّ أو سلوك بشريّ (كما يرى غي جوكوا Jucquois ، أورده ف. بلانشيه :"التداولية" ص.125) ولعلّ التفريقات التقليدية بين الاختصاصات العلمية في العلم و الإنسانية ولا سيما اللسانية منها صارت لاغية، فأصبحنا نقف على دراسات تسوي بين علمين عدا سابقا منفصلين ومختلفين نحو ما فعلته الباحثة أنّا جوبير Anna Jaubret في قراءتها بعض آثار جون جاك روسو قراءة أسلوبية تداولية[1].ولعلّها في ذلك إنما تشايع مذهب مواطنتها كربرات أوريكيوني التي عرّفت البلاغة بأنها "قبل كل شيء هي نظرية "الوجوه" (figures) ونظرية طرق تحريف الكلام وتحويله ولكنها أيضا في نطاق الإرث الأرسطي (الذي تابعه برلمان وتيتيكاه قي مؤلّفهما: "مصنّف في الحجاج: البلاغة الجديدة") هي دراسة فنّ الإقناع ودراسة الوسائل الناجعة للتعبير: إنّ الصور والوجوه البيانية تُعلَّل تداوليا" ("التلفظ بالذاتية في اللغة" باريس، 1980 ، ص203) ولئن اعترفت أوريكيوني بالبعد التداولي في اللغة (langage) معتبرة أنه لم يعد بحاجة إلى الاستدلال عليه، فإنها بالمقابل حذرت من المغالاة في "العقيدة التداولية" (ص217) . إذ اعتبار الممارسة اللغوية مجرّد عمل نفعيّ، مصلحيّ، غائيّ قد يقلّل من شأن الوظيفة الإخبارية للغة، فأن نتكلم هو إن نفعل قطعا، ولكن هو إن نقول ما نعتقد أنه صحيح، هو أن نطلب تزكية الآخر لنا وهو أن نكون على حق فقط دون إن نطلب تزكية الآخر لنا، ثم إن بعض الاستعمالات اللغوية مجانية ذلك انه إذا كان ممكنا أن نتلك دون إن نقول شيئا، فإنه من الممكن أيضا إن نتكلم دون إن يكون لكلامنا مقصد عملي" (نفسه، ص-ص217-218) فإذا كان هذا النقد للبعد التداولي في الاستعمال اليومي للغة صادقة، فإنه لا يستساغ في القول الشعري بله النص القرآني، وهما عمدة التحليل ومناط النظر لدى البلاغيين. ولما كانت التداولية علم استعمال اللغة في المقام كما تظاهر على القول بذلك كثير من اللسانيين وفلاسفة اللغة، فقد أفردنا لمبحث المقام قسم التأليف لا بوصفه جامعا لما بحثناه من تحليل الشراح لمقامات ورود أحوال المسند إليه، فحسب، بل لأننا نرجو أن يكون المقام مبحثا يفتح لنا آفاق ولوج علامات حضوره في مدوّنات تراثية أوسع من شروح التلخيص، ونعني سائر علوم العربية وحتى بعض العلوم المقاصد كأصول الفقه والتفسير (وقد ألمعنا في بحثنا إلى نقاط تداخل بين العلم الأول (أصول الفقه) والنحو والبلاغة)، فلقد روعي المقام لا في صياغة القول فحسب، بل وفي طريقة تشكيل اللغة للعالم. أما عن مستوى تناول مبحث المقام في "شروح التلخيص"، فقد رأينا أنه لا يتعدى الوقوف عند النواحي الاصطلاحية التفسيرية: و لا يتم الوقوف عند تعريف المقام تعريفا دلاليا وكأن الشراح يعتمدون على ظهور هذا المعنى وجلائه لكونه أقرب ما يكون إلى المعروف بالضرورة. وقد تناول الشراح المقام في علاقة ثنائية مقارنته بالحل (كما نشير إلى تفريق الدسوقي بين الحال والملكة جاعلا الأخيرة متميزة بمعنى الرسوخ ونستنتج من السياق أن الحال تعادل الكيفية النفسية "لأن الكيفية النفسانية لا تسمى ملكة إلا بعد الرسوخ إذ في ابتداء حصولها تسمى حالا" (شروح التلخيص، حاشية الدسوقي، ج1 ص.153) فقد ضم المقام والحال ضم الزوجين وقارن الشراح بينهما وفرقوا بينهما اعتمادا على جملة من الأسس: *الحال تقترن بالزمان الحاضر / الحال ما عليه الإنسان من الصفات * المقام يقترن بالمكان / المقام بمعنى الرتبة والتفاوت بين المقامات يستتبع تفاوتا في الحالات والعكس صحيح، فالحال النفسية للمخاطب (خلو الذهن أو الشك أو الإنكار) تقتضي مقاما (مرتبة من مراتب الكلام) مناسبا (التأكيد أو الخبر العاري من المؤكدات،...) وقد ينزل المخاطب غير الحال التي يعلم المتكلم أنه عليها فيورد المقام طبق الحال التي نزلها المخاطب غير المخاطب لا طبق حاله الأصلية وذلك تحقيقا لغرض من الإغراض التي نزلها المخاطب لا طبق حاله التي نصطلح على اعتبارها أبعادا تداولية. وسماها البلاغيون "خروجا عن مقتضى الظاهر". وإنّنا لم نر الشراح يعنون بجرد المقامات فضلا عن وضع أصنافية تستقصيها، بل هم في الغالب يعرضون بعضها عرضا سرديا الغاية منه إفادة القارئ المتعلم وإقناعه بوجاهة القول باستتباع تفاوت المقامات لتفاوت الأحوال، والحال أن الأمثلة الواردة على ذلك في بعض الشروح (عروس الأفراح للسبكي، ج1، ص130) إنما تشير إلى تفاوت المقامات في حد ذاتها فقط دون تعليق لها بالأحوال (وقد يكون سبب ذلك شدة ظهور الأحوال لأن الأمثلة الواردة إنما هي قرآنية كثيرة التداول كقوله تعالى" كما أرسلنا إلى فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول" (المزمل، الآيتان 15 و16) فإيراد (الرسول) معرفا بـ"لام العهد الخارجي الصريحي" كما يقول الشراح يحقق فضلا عن انسجام الخطاب وتمتين لحمته، يحقق تأدية المعنى المطلوب دون الحاجة إلى استخدام طريقة في التعريف أقوى (كالتعريف بالعلمية)، والحال إن المقام يقتضي التعريف باللام فحسب، فلو قيل (فعصى فرعون موسى) لأوقع ذلك في اللبس ولأمكن عدم المطابقة بين مدلول (رسولا) ومدلول (موسى)، والحال أنهما متطابقان: فقد سكت عن إيراد اسم العلم- رغم كونه مقصودا ورغم كونه أرفع درجة في التعريف- واستعمل التعريف باللام بشكل يناسب مقام التعريف وحال معرفة السامعين انطلاقا من حصيلة معارفهم الإيديولوجية بأنّ الرسول الذي أرسل إلى فرعون هو موسى. والحاصل أن المخاطب يتذكر موسى دون أن يقرأ اسمه في الآية، بشكل أبلغ وأضمن مما لو أنه قرأه فيها، ولعل ذلك يذكرنا بمصطلح "الإستراتيجية التداولية" عند هرمان باريه[2]. وقد يقول قائل إنّ هذا المثال المحلل لا يحتوي حالا من أحوال المسند إليه، ولا نردّ عليه إلا بما قاله الدسوقي "ولكنه تنظير مناسب من حيث العهد الصريح" (حاشية الدسوقي، ج1، ص 322). وبعد، فلقد وقفنا من خلال نظرتنا إلى مدونة شروح التلخيص على حقيقة مؤداها ثراء التراث البلاغي العربي، وعلى حقيقة أخرى، هي حاجتنا اليوم إلى التسلح بالصبر وكد الرؤية في سبيل الملاءمة بين روح التراث من جهة ومقتضيات الرهانات العلمية في هذا العصر الذي جلله تصاعد مهول في العلوم اللغوية كما وكيفا، حتى لا نكاد نلم بنظرية حتى تزحف عليها نظريات تفد فتحل محلها وتراجع أشد مصادرات النظرية السابقة بداهة، وهكذا دواليك، من جهة أخرى. وربما رجونا- نحن دارسي البلاغة العربية- في هذا العصر الذي تقاس فيه اللغات بمواقعها على الشبكة العنكبوتية وبمكتباتها الافتراضية وباعتمادها في العلوم الحيوية رجونا أن يشاطرنا الناس رأي أبي الريحان البيروني (ت440هـ) أن "الفضيلة الذاتية للشيء غير المنفعة العارضة لأجله" (أورده د.محمود فهمي حجازي في مقال البيروني" البحث عن الفضيلة في العلم المطلق" مجلة العربي، العدد 516، نوفمبر، 2001، ص.1). ولكن الثابت لدى الباحثين أن وضع البلاغة الحرج ليس أمر طارئا ألم يقل أنطوان كمبانيون[3] في فصل تعارض خاتمته عنوانه الذي هو "إعادة الاعتبار للبلاغة في القرن العشرين" يقول في خاتمته "وهل كان تاريخ البلاغة إلا سلسلة طويلة من عمليات سوء الفهم لطبيعة البلاغة ولوظيفتها المتجادل عنهما دائما؟" (ورد في تاريخ البلاغة في أوروبا الحديثة من سنة 1950، إشراف مارك فامارولي، P.U.F، 1999، ص1280). [1]Anna Jaubert: la lecture pregmatique,p.5. [2] H.Parret: Prolégomènes à la théorie de l'énonciation, Peterlang, Berne, 1987,p.221. [3] Antoine Compagnon

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق