الاثنين، 9 مايو، 2011

التواصل اللغوي والمجتمع

التواصل اللغوي والمجتمع محمد الناجي “فــي البــدء كـانـت العـلاقـــة” (Martin Buber) “يحيى اللسان ويتطور في التواصل اللفظي الملموس، وليس في النظام اللسني المجرد لصيغ اللسان وأشكاله، ولا حتى في النفسية الفردية للمتكلمين” (M.Bakhtine) mesure ou j’existe pour autrui. A la limite exister c’est aimer” (Mounier) “Ainsi donc non pas les hommes et leurs moments mais les moments et leurs hommes” (E.Goffman) تقــديم عــام: يعتبر مفهوم التواصل- المنبني أساسا على اللغة- أحد أهم المفاهيم المرتبطة بالإنسان دون غيره من الكائنات، لدرجة يمكن معها القول: إن التواصل هو الحياة، ولا يمكن أن يوجد حي من دون تواصل، فالإنسان يتواصل منذ أن يكون جنينا في بطن أمه مع الأصوات التي يسمعها من الخارج، وخاصة صوت أبيه وأمه، وهو في الأصل ثمرة لتواصل والديه (جسديا وعاطفيا ولغويا)، وبعبارة أخرى: إن التواصل حاجة ملحة، مثلها مثل الحاجات البيولوجية التي ينبغي إشباعها وما الأحاديث التي تكون غالبا خالية من المعنى في المقاهي والأماكن العمومية سوى إشباع لهذه الحاجة الملحاحة. غير أن الأمر المثير في هذا السيل التواصلي المستمر (المحادثات التواصلية) هو أننا – ونحن نتواصل مع الآخر- لا نعي كيف يهتك هذا الستر الذي يدثر نفوسنا، ويجعلها محجوبة عن الآخرين، مما يجعلنا أمام إشكال يطرح نفسه بحدة: ما الذي يحدث عندما نطلق العنان لألسنتنا أمام مخاطب ما ؟ هل فعلا نبلغه ما نريد فقط تبليغه إياه؟ أم أن بنات شفاهنا تخوننا بإفشاء أشياء لا نرغب وصولها إليه ؟ ولمحاولة إنزال هذا الإشكال إلى بساط التحليل والمناقشة نقترح هذا العرض المبسط الذي سيحاول في البداية وضع مفهومي التواصل والسوسيولسانيات في سياج التحديد، لأنهما أساسيان داخل هذا العرض، ساعين بعد ذلك إلى الإجابة عن إشكالنا باستخلاصها من بعض أفكار كل من باختين وبرنشتاين. ومع آملين أن يدفعنا هذا العرض المبسط نحو شق طريق التقصي والتحليل العميقين لمختلف الإشكالات التي تحوم حول موضوع “التواصل”. 1 – مفهــوم التـواصـل: سنسعى تحت هذا العنوان إلى إيراد مجموعة من التعاريف تتوخى وضع مفهوم التواصل في سياج التحديد، ولنبدأ بالتعريف التالي:”التواصل هو تبادل أدلة بين ذات مرسلة وذات مستقبلة، حيث تنطلق الرسالة من الذات الأولى نحو الذات الأخرى، وتقتضي العملية جوابا ضمنيا أو صريحا عما نتحدث عنه، الذي هو الأشياء أو الكائنات، أو بعبارة أشمل “موضوعات العالم”، ويتطلب نجاح هذه العملية اشتراك المرسل والمرسل إليه في السنن، حتى يتم الإسنان والإستسنان على الوجه الأكمل كما أراد له المجتمع اللغوي، كما تقتضي العملية قناة تنقل الرسالة من البات إلى المتلقي”[1]. ويقصد بالاشتراك في السنن، هنا، ليس السنن اللغوي وحده بل وحتى “الاجتماعثقافي”[2]. وغير بعيد عن هذا التعريف نجد باشمان وزملاءه في كتاب “اللغة والتواصل الاجتماعي” يعتبرون فعل التواصل (communiquer) بمثابة مسار اجتماعي معقد، يضم عناصر أخرى لا تقبل الاختزال إلى المرسل والمستقبل[3]. وفي التمييز بين ما هو “تواصلي” وما هو “توصيلي” نجد أن “ميزة التواصل تكمن بالأساس في كون العلاقة فيه بين المتلقي والمرسل علاقة تفاعلية (مزدوجة) عكس ما هو عليه الحال في “التوصيل” حيث تتخذ العلاقة فيه بعدا واحدا (الأحدية)، ويرجع “التواصل” إلى ذلك الانتماء الذي يحسه الفرد كأنا فردية إلى الأنا الجماعية، حيث مع انعدام هذا الإحساس ينعدم التواصل[4]، وبعبارة أخرى، إن “التواصل” هو: “حقيقة التفاعل الفكري واللغوي بين وجود الذات (أنا)، ووجود الآخر (أنت وهو)، وبين هذا وذاك والمجتمع (نحن وأنتم).[5] ويبدو هذا البعد التفاعلي للتواصل بارزا لدى الباحث السوسيولساني “كوفمان” (E.Goffman) في كتابه: (Les rites d’interaction)، حيث اختتم تصدير هذا الكتاب بالجملة التالية: “… ليس الناس ولحظاتهم، وإنما اللحظات وأناسها” في اعتقاده أن دراسة التواصل ينبغي أن ترتكز على العلاقات (Les relations)، وليس على الأفراد (Les individus)، ونفسياتهم، إن ما يهم حسب كوفمان هو هذا المنطق (grammaire)، الذي يبدو أنه ينظم أفعال الأشخاص[6]. وحتى وإن رجعنا إلى معجم سيكولوجي متخصص فلن نجد لمادة “commnication” تحديدا يخرج عما سطره كوفمان، حيث يعرف “sillamy”[7] التواصل بأنه “علاقة بين الأفراد” ويضيف أنه من دون تواصل تصبح الحياة الاجتماعية مستحيلة، ويضرب مثلا للفصامي (le schoizophréne) الذي فقد القدرة على التواصل مع الغير، والذي بانزوائه داخل عالمه الخاص، يصبح غريبا على مجموعته وبالتالي يحتاج إلى أن يحجز في ملجأ”. 2 – مفهوم السوسيولسانيات: في “المعجم الموسوعي للعلوم اللغوية”[8] نجد أن السوسيولولسانيات (sociolinguistique) هي ذلك المبحث الذي يربط العلاقة بين فكرتين متفرقتين: اللغة والمعجم (أو الثقافة)، ويدرس أحدهما عبر الآخر (On etudie l’une a travers lautre) ، أحدهما سببا والآخر نتيجة، وتدرس النتيجة بالرجوع إلى السبب، (وفي غالب الأحيان يكون المجتمع هو الهدف). وحسب وجهة النظر الأكثر تقليدية، المجتمع هو الذي يحدد اللغة، وبالتالي دراسة المتغيرات اللسنية ستسمح بتحديد المتغيرات الاجتماعية (أو الثقافية) التي أنتجتها، وهكذا ففي اللغة العربية مثلا نستطيع أن نخاطب أحدا باستعمال”ضمير المخاطب بالجمع، لاحترام مكانته الاجتماعية” أو “بالمفرد” أو بمناداته “زيد”، “عمرو” ،”السيد عمرو” ،”السيد زيد”، “سيدي” الخ…، إن تحليل هذه الإمكانيات المختلفة (والتي افتتحت من طرف أعمال “Roger Brown”)، ستسمح في التحكم في بعض المقولات “Catégories” لوصف فعل التواصل في المعجم المعطى. ومن أعمال هامبولدت W.V.Humboldt في القرن 19 أنتج منظور معاكس: اللغة ليست انعكاس للبنية الاجتماعية والثقافية والنفسية، إنها أصبحت سبب (cause)، ف”هامبولدت” سيعلق على اللغة أهمية كبيرة مختلفة عن سابقيه، إننا لا نستعمل اللغة فقط للإشارة إلى واقع كان موجودا من قبل “préexistante”، وإنما هي من ينظم لنا العالم من حولنا. ويمكن أن نستشهد في هذا المنظور بأعمال مجموعة ” الهمبولدتية الجديدة” “néo-hamboldtien” حيث اعتبروا اللغة –من وجهة نظرهم- مربوطة برؤية عامة للعالم، وكما توجد لكل أمة لغة فإن دراسة كل لغة ستسمح بالتعرف على فكر (l’esprit) الأمة التي تتكلمها، وعلى سبيل المثال الألمانية بالتعارض مع الفرنسية… الخ. 3 – باختين والتواصل الاجتماعي: يمكن أن نعثر على مفهوم التواصل كما حددناه سالفا، في كتاب “الماركسية وفلسفة اللغة” لميخائيل باختين، حيث يعرض لعلاقة اللغة بالمجتمع منظورا إليها من مكان جدلية الدليل اللغوي مفعولا للبنيات المجتمعية، على حد تعبير محمد البكري[9]، وهو ما حدى بجاكبسون في تقديمه للكتاب إلى القول بأن باختين سبق كل المآثر والفتوحات المنجزة اليوم في اللسانيات الاجتماعية، وهذا ما يكشفه العنوان الفرعي بصحيح عبارته: “القضايا الأساسية لتطبيق المنهج الاجتماعي في علم اللغة”[10]، لكن ما يهمنا هنا هو أن نمسك ببعض تجليات التواصل الاجتماعي في هذا المتن الباختيني. يرى باختين[11] أن لكل كلمة وجهين، أي أنها “بقدر ما تتحدد بكونها صادرة عن شخص ما، فإنها أيضا تتحدد بكونها موجهة إلى شخص ما” وهنا نقف على الثنائية التفاعلية بين المتكلم/ المرسل و المستمع/ المتلقي، حيث ستغدو الكلمة بمثابة حصيلة تفاعل بين المتكلم والمستمع، وكل كلمة ستصلح تعبيرا للواحد بالنسبة للآخر، ومن تم تصبح “عبارة عن جسر يصل بيني وبين الآخرين”، إنها ذلك الموطن الذي يشترك فيه المتكلم والمخاطَب. وبناء على هذا لا يبقى مجال للقول بانتماء الدلالة إلى الكلمة في حد ذاتها وإنما هي تنتمي إلى الكلمة بوصفها صلة وصل بين المتكلمين، أي أنها لا تتحقق إلا في سيرورة الفهم الفعال المؤدي إلى جواب، ولا توجد الدلالة في الكلمة ولا في روح المتكلم، ولا حتى في روح المخاطَب، بل هي أثر لتفاعل بين المتكلم والمتلقي يمارس على مادة مركب صوتي معين[12]. من هنا سيعيد باخثين الاعتبار لما غيب في اللسانيات البنيوية، باستحضاره لمختلف العناصر المكونة للخطاب من قبيل المظهر اللغوي والمقام وعلاقة المتخاطبين ببعضهم، يقول باخثين في هذا الصدد: “إن المركز العصبي لكل تحدث ولكل تعبير ليس داخليا ولكنه خارجي، إنه يقع في المحيط المجتمعي الذي يحيط بالفرد ولا ينبع من الداخل، من الجهاز العضوي {الفيزيولوجي} للفرد المعزول سوى الصرخة الحيوانية والتي لا يمكن تحليلها، إنه رد فعل عضوي خالص ليس له طابع أو سمة إيديولوجية”[13]. إن حقيقة التحدث، إذن، هي نتاج للتفاعل الحاصل بين فردين منظمين مجتمعيا، وإن الوضع المجتمعي الأكثر مباشرة والبيئة المجتمعية الأوسع هما اللذان يحددان كليا بنية التحدث[14]، وهذه البنية لا تتحقق لوصفها كذلك إلا في تيار التواصل اللفظي، وهنا يوضح باخثين أن أي تحدث مهما كان دالا وتاما بذاته لا يكوَُن سوى جزء من تيار التواصل اللفظي المستمر[15]، وهذا التواصل لا يشكل بدوره سوى عنصر من عناصر التطور الشامل والمستمر لفئة مجتمعية معينة، ويصوغ لنا باخثين عدة أمثلة من عبارات الحياة اليومية التي تكون جزءا لا يتجزء من الوسط المجتمعي، إذ هي عناصر في الحفلة، وأوقات الفراغ، والعلاقات التي تنعقد في الفندق والمعامل، ولهذا نجد أنوعا خاصة من الصيغ المسكوكة، التي تستجيب لحاجيات أشكال الحياة العامة كحديث الصالونات (وهو حديث تافه لا تترتب عنه أية التزامات، وحيث كل المشاركين متآلفين متعارفين فيما بينهم، وكحديث الزوج وزوجته، أحاديث السمر في البادية، وأحاديث العمال أثناء الغذاء…)[16]. إن “لكل مقام راسخ – كما يقول باخثين- بصفة دائمة في العادات جمهوره السماعي المنظم بكيفية من الكيفيات، وله بالتالي قائمة من الصيغ الصغيرة الجارية على الألسن، وفي كل مكان تستقر الصيغ المسكوكة في الموضع المخصص لها في الحياة المجتمعية، عاكسة إديولوجيا نوع وبنية وأهداف الجماعة وتركيبها المجتمعي”[17]، بمعنى أن البنية الاجتماعية لمتكلم ما هي كامنة بنوع أو بآخر، داخل سلوكاته اللسانية، وبالتالي بإمكاننا بناء على هذا الكلام، أن ندرج المقاربة الباختينية ضمن ذلك المنظور السوسيولساني الذي يعتبر المجتمع هو المحدد الأساسي للغة، وبالرجوع إلى لإشكال الذي استصدرنا به المقدمة، فإن “باختين” سيجيبنا، بناء على التحليلات السابقة، بالقول: إن ما ينفلت من ألسننا عندما نتخاطب مع الآخر هو بنيتنا الاجتماعية، أو إن شئنا، طريقة ونمط عيشنا الاجتماعي. 4 – برنشتاين والتواصل اللغوي: لقد كان برنشتاين (B.Bernstein)وهو انجليزي متخصص في سوسيولوجية التربية، أول من ربط الانتاجات اللسنية الواقعية بالوضعية الاجتماعية للمتكلمين –حسب لويس كالفي[18]-، ومن تم بدأ يحلل الإنتاجات (les production) اللسنية للأطفال ليصل إلى تحديد شفرتين: شفرة محدودة (un code restreint) وشفرة منظمة (un code elaboré)، الشفرة الأولى تخص فقط الأطفال المنحدرين من الطبقة الفقيرة أو المهمشة (défavorisés)، بينما تخص الشفرة الثانية أطفال الطبقة الميسورة، وما يوضح بجلاء هاتين الشفرتين هو الاختبار الذي خص به برنشتاين بعض الأطفال إذ قدم لهم قصة بالصور خالية من التعليق اللغوي(une bond dessineé muette)، فطلب منهم وصفها، فلاحظ أن الأطفال المنحدرين من الطبقات العاملة(الفقيرة) أنتجوا نصا لا يبتعد كثيرا عما هو معتمد في الصور”يلعبون بالكرة، قذف، تكسرت الزجاجة…الخ”، بينما الأطفال المنحدرين من الأوساط الغنية أنتجوا نصا مستقلا (autonome): “الأطفال يلعبون بالكرة أحدهم سددها، الكرة عبرت النافذة وكسرت الزجاجة، أطلت امرأة من النافذة فهرب الأطفال…الخ”[19] هاتان الشفرتان تسمحان بإعطاء فكرة عن الأشكال النحوية، فالشفرة المحدودة تمتاز بالجمل المختصرة، وبدون تبعية (subordination)، وبالتالي ستشكل المصطلحات المحدودة لمتكلميها عائقا في تعليمهم، وفي رؤيتهم للعالم[20]. ومن هنا انكب برنشتاين على تحليل العلاقات بين البنية الاجتماعية والاستعمال اللغوي والسلوك الناجم عنهما (المشكل المعقد للعلاقة بين اللغة والمجتمع)، وحسب “باشمان” (Bachman) فإن نقطة انطلاق أعمال برنشتاين ابتدأت من الإشكال التالي:”هل النجاح “الاجتماعي لأفراد المجتمع ودخولهم في الامتيازات الاجتماعية هو على ارتباط مباشرة بدرجة تنظيم رسائلهم اللسنية؟”[21]. إن كل الأعمال التي حملت برنشتاين ومجموعته في “معهد التربية” بلندن (Institute of Edication) كانت بدافع الاختبار التجريبي لتلك الأطروحة وذلك بمقارنة اللغة المستعملة عن طريق الجماعات التجريبة والمتضادة اجتماعيا حيث انكبت مجهوداتهم على بيان اختلاف استراتيجيات الاستعمال اللسني، وتعدد المؤشرات (les indicateurs) اللسنية التي تعود إليها، كالبنية التركيبية والتنظيم المنطقي للخطاب، عدد الوقفات (pauses) وطبيعة الترددات (hésitatins)، وأيضا المعجم (lexique) المستعمل. هذه الاختبارات خلصت تدريجيا إلى القول إن أفراد الطبقة الشعبية لهم قدرات لسانية أكثر محدودية من هؤلاء الذين ينتمون إلى الطبقات العليا (الغنية)، وبالتالي يستعملون شفرة محدودة عكس الطبقات العليا التي تستعمل شفرة منظمة. إن أحد الأبعاد الأساسية التي تنبني عليها هاتين الشفرتين هو مفهوم الوضوح (la notion d’explicitation) أو ثنائية “الوضوح/ الإضمار” (implicite/ explicite) التي استعارها من شاتزمان وستراوس (Schatzmann et Strauss) اللذين قدما دراسة حول هذا %

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق