الجمعة، 6 مايو، 2011

المسـرح والتداوليـة

---------------------------------------------------------------------------------- المسـرح والتداوليـة د. حسن يوسفـي ----------------------------------------------------------------------------------- 1 - التداوليـة حقل لسـاني ملتبـس: من الأشياء المثيرة في حديث اللسانيين عن التداولية، استعمالهم للاستعارة الجارحة لوصف هذا الحقل اللساني. في هذا السياق نجد لسانيا إيطاليا يعتبرها بمثابة صندوق قمامة بالنسبة للأبحاث اللسانية المعاصرة، بمعنى أن كل ما يشكل فضلة بالنسبة لهذه الأبحاث يدخل ضمن الحقل التداولي. وللتخفيف من الطابع الجارح لاستعارة القمامة، ترى كاترين كربرت أورشيوني Catherine Kerbrat-Orecchioni أن الوصف الأقرب والأقل تجريحا هو اعتبار التداولية بمثابة «مأوى إسبانيAuberge espagnole للسانيات، قابل لأن يستقبل في فضائه مختلف الإشكالات الأكثر أو الأقل اختلاطا» (2-46). إلا أنها بالمقابل، تؤكد على أن التفكير اللغوي الأكثر أهمية، والأدوات الوصفية الأكثر إجرائية تبلورت في الحقل التداولي أكثر من الحقول اللسانية الأخرى. إلا أن هذا الحديث الاستعاري عن التداولية لا يزيد، في الواقع، إلا في تعتيم هذا الحقل وترسيخ التباساته بحيث يصعب على المتتبع لتطور اللسانيات المعاصرة أن يعرف الحدود الفاصلة بين المجالات اللسانية المعروفة وبين التداولية، ويستعصي عليه بالتالي تحديد موضوع هذه الأخيرة وإبراز نماذجها النظرية وأجهزتها الإجرائية. ولعل ما يزيد في تزكية هذا الالتباس هو أن بعض الدراسات التي أقيمت من أجل التعريف بالتداولية تجد نفسها تؤكد أن هذه التداولية: «تخصص شاب، غزير، ذو حدود غامضة» (1-3). وتعبر صاحبة هذه الدراسة عن إشكالية غموض الحدود التداولية بالأسئلة التالية: «هل يمكن القول، أولا، التداولية أو التداوليات؟ هل هي تخصص أو ملتقى تخصصات مختلفة؟» (1-9). والإجابة على هذه التساؤلات لن تزيد سوى تعميق الالتباس خصوصا عندما يتم التأكيد على أن «الإجماع لم يتحقق بعد بين الباحثين فيما يخص تحديدها وفرضياتها ولا حتى فيما يخص مصطلحاتها. يلاحظ بجلاء، على العكس من ذلك، إلى أي حد تشكل ملتقى غنيا لتداخل الاختصاصات بين اللسانيين، المناطقة، السيميوطيقيين، الفلاسفة، علماء النفس وعلماء الاجتماع» (1-9/10). وعلى الرغم من هذه الالتباسات وهذه التداخلات، فقد تمَّ تحديد بعض القضايا اللغوية التي تخوض فيها التداولية كما تمَّت صياغة مجموعة من الإشكالات التي تشكل موضوعا لها، فهي تجيب عن أسئلة من مثل: ماذا نفعل عندما نتكلم؟ ماذا نقول عندما نتكلم؟ من يتكلم؟ ومع من يتكلم؟ ولماذا يتكلم بهذا الشكل وليس بذاك؟ كيف يمكن أن نقول شيئا مغايرا لما كنا نقصده؟ هل يمكن الاطمئنان إلى المعنى الحرفي لكلام ما؟ ما هي الاستعمالات الممكنة للغة؟، إلخ. كل هذه الأسئلة التي تثير قضايا لغوية متعددة الأبعاد، تتم الإجابة عنها في التداولية بشكل يتلاءم والطابع المتجدد والجدالي لهذا الحقل اللساني باعتباره حقلا يعيد النظر في المبادىء التي تتأسس عليها الأبحاث اللسانية السابقة، وهي: «- أولوية الاستعمال الوصفي والتمثيلي للغة. - أولوية النسق والبنية على الاستعمال. - أولوية القدرة على الإنجاز. - أولوية اللسان على الكلام» (1-7). من هذا المنطلق، يمكن القول - بنوع من الاختزال - إن التداولية حقل لساني يهتم بالبعد الاستعمالي أو الإنجازي للكلام ويأخذ بعين الاعتبار المتكلم والسياق. إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذا الاهتمام في حد ذاته ليس منسجما وموحدا، لأنه يتوزع بين مجالات تداولية مختلفة ميزت فيها أورشيوني بين ثلاث تداوليات أساسية متجاورة هي: 1 - التداولية التلفظية «Pragmatique énonciative» (أو لسانيات التلفظ») التي - بسيرها في خط شارل موريس - تهتم بوصف العلاقات الموجودة بين بعض المعطيات الداخلية للملفوظ، وبعض خصائص الجهاز التلفظي «Dispositif énonciatif» (مرسل - متلقي - وضعية التلفظ) التي يندرج ضمنها الملفوظ. 2 - التداولية التخاطبيـة «Pragmatique illocutoire» (أو نظرية «أفعال اللغة») التي - بتتبعها هذه المرة لأوستين وسيرل - تخصص لدراسة القيم التخاطبية المنكتبة داخل الملفوظ والتي تسمح له بالاشتغال كفعل لغوي خاص. 3 - التداولية التحاورية «Pragmatique conversationnelle» التي «نتج تطورها الحديث جدا عن استيراد الحقل اللساني للأفكار المؤسسة، أصلا من لدن الإثنولوجيين وإثنوميتودولوجيي التواصل ]...[ والتي تهتم بدراسة اشتغال هذا النمط الخاص من التفاعلات التواصلية الذي هو ''الحوارات'' (وهي تبادلات كلامية تقتضي خصوصيتها أن تنجز بمساعدة دوال لفظية Signifiants verbaux ولفظية موازية Para-verbaux» (2-46). 2 - إشكالات التداولية المسرحيـة: إذا كان تحديد التداولية، عموما، كحقل لساني يطرح إشكالات معقدة من حيث حدوده وفرضياته ومجالاته، وأدواته، فإن دراسة هذا الحقل في علاقته بالمسرح باعتباره نصا أدبيا وفرجة في آن واحد، يطرح إشكالات لا تقل عن سابقاتها خصوصا وأن الاهتمام بالبعد التداولي للمسرح حديث جدا يمكن ربطه زمنيا بعقد الثمانينيات. فجل الدراسات المنجزة في السياق الثقافي الغربي باعتباره المرجع الأساس لهذا النوع من الدراسات تعود إلى هذه الفترة. ويمكن حصر الإشكالات التي أفرزها الاهتمام الحديث بالتداولية المسرحية في ثلاث هي: - الإشكال الإبستيمولوجي. - الإشكال النظري. - الإشكال الإجرائي. فإبستيمولوجيا، هناك تساؤل يفرض نفسه بخصوص العلاقة بين المسرح والتداولية هو: أيهما يشكل نموذجا «Modèle» بالنسبة للآخر؟ هل التداولية استعملت كوسيلة لدراسة الخطاب المسرحي وحسب أم أنها استعملت التلفظ المسرحي نموذجا تفكر عبره في مختلف القضايا اللغوية التي تعرض لها؟ إن ما يدفعنا إلى طرح هذا التساؤل هو النتيجة المثيرة التي توصل إليها دومنيك مانغونو Dominique Maingueneau بعد تحليله للتلفظ المسرحي تحليلا تداوليا، والتي جاء فيها: «أردنا استعمال التداولية من أجل تحليل التلفظ المسرحي، فاكتشفنا أنها تفكر في اللغة عبر نموذج هذا التلفظ المسرحي نفسه» (6-157). ولعل ما يزكي هذه الخلاصة - في نظرنا - هو ما لاحظناه على مختلف المقاربات التداولية التي تتناول الخطاب الأدبي عامة، من كونها تركز في أمثلتها على النص المسرحي، أي أنها تقيم تحليلاتها وتختبر مفاهيمها التداولية بالاشتغال على مقاطع نصية مأخوذة من كتابات درامية كلاسيكية وحديثة على حد سواء. وفي مقابل هذا، يلاحظ أن «كتابة مسرحيي اليوم (ميشال فينافير، مثلا) مبنية على استراتيجية أفعال الكلام. وهي حالة يلاحظ فيها أن النظرية والممارسة تسيران بخطوات موحدة» (3-283). لكن، على الرغم من هذا الترابط بين النموذج المسرحي والمقاربة التداولية الذي قد يوحي بسهولة الحسم في اختيار المظاهر الخطابية المدروسة، هناك إشكال نظري يفرض نفسه على مختلف الدراسين للخطاب المسرحي من زاوية التداولية، ويتلخص في التساؤل التالي: أي شكل من أشكال التداولية يمكن استغلاله في إطار نظرية المسرح؟ ولعل ما يزكي صعوبة الاختيار هو طبيعة الظاهرة المسرحية نفسها التي تجعل لهذا الإشكال النظري امتدادات حتى على المستوى الإجرائي. فالإشكال الإجرائي يطرح نفسه بإلحاح من جانب محدد هو علاقة التداولية كجهاز مفاهيمي إجرائي بالمسرح كفن يقوم على ثنائية نص / عرض. فالنموذج اللساني المسيطر على التداولية لا يمكِّنُها من مقاربة المسرح إلا من زاوية النص الأدبي ويستعصي عليها بالتالي دخول منطقة العرض لأن من شأن هذا الدخول أن يثير إشكالات جديدة إبستيمولوجية ومنهجية. يتحدث باتريس بافيس Patrice Pavis عن هذه المسألة قائلا: «تتجه التداولية اللسانية نحو أخذ النص الدرامي وحده بعين الاعتبار مقلصة العرض إلى نص. من السهولة، في الواقع، نقل الدراسات التداولية للبرهنة في الخطاب العادي - (بعـض الـروابـط المنطقيـة مثـل: لكـن، مـادام، إذا، عند ديكـرو Ducrot مثلا (1980-1984) - إلى مستوى النص الدرامي وتبقى النتائج المستخلصة جد صحيحة بالنسبة لهذا النص الخصوصي وليس بالنسبة للعرض ككل. لهذا، تقصى الوضعية المشهدية «Scénique»، مع العلم أن الاستعمال المحسوس للتلفظ المشهدي هو العنصر الذي يحدد المعنى التداولي للنص المعروض. يستحسن، إذن، اختيار الروابط المنطقية - تحت أي شكل كانت - التي استعملت من لدن الممثل الواحد والخشبة لمعرفة ماذا غيَّرَت في الروابط المنطقية للنص» (5 - 297). إن هذا الإشكال الذي تحدّثَ عنه بافيس هو الذي يفسر لماذا تقف مختلف المقاربات التداولية للمسرح عند حدود النص الدرامي مثلما وقفت مقاربات أخرى، كالمقاربة السيميائية التي رغم محاولات أصحابها للاقتراب من الكون العلامي للعرض إلا أنهم وجدوا أنفسهم يدورون في فلك النص. هذا الاستخلاص يجعلنا نقول إن العرض المسرحي منطقة مكهربة يصعب على المقاربات النقدية مهما بلغ نضجها النظري الاقتراب منها مما يجعل النقد المسرحي المستوحى لهذه المقاربات يقع في أزمة أو مأزق نظري وإجرائي في آن واحد لا يتم التحايل عليه إلا عن طريق اختيار النص كموضوع للدرس والتحليل. 3 - مقارابات تداولية للمسـرح: 3 - 1 - أوبرسفيلد (1982): خصوصية أفعال اللغة في المسرح: انسجاما مع منطلقاتها النظرية التي تعلن عنها في مقدمة كتابها «قراءة المسرح Lire le théâtre»، والتي يحكمها هاجس البحث عن الخصوصية المسرحية، وفي سياق انفتاحها على مستجدات الحقل اللساني والأدبي، خصَّصَت آن أوبرسفيلد Anne Ubersfeld - في الطبعة المزيدة من كتابها المذكور الصادرة سنة 1982 - لتداولية المسرح فصلا بعنوان: «نحو تداولية للحوار المسرحي» حاولت، من خلاله، صياغة تصور حول البعد التداولي للخطاب المسرحي انطلاقا من خلفية نظرية تجد مرجعيتها في إحدى أهم النظريات التداولية هي «نظرية أفعال اللغة Actes de langage» التي يعد أوستن Austin منظرا رئيسيا لها من خلال كتابه «How to do things with words». في إطار هذا التصور التداولي، تصوغ أوبرسفيلد مجموعة من المنطلقات النظرية نلخصها في ما يلي: - الكلام لا يعبر عن شيء فقط، وإنما يفعل أيضا، فالكلام فعل. - لا يمكن فهم أي ملفوظ إلا بمعرفة وضعية تلفظه Situation d'énonciation التي تتضمن المتخاطبين والسياق. - لا يشتغل التبادل الكلامي بين متخاطبين إلا إذا اتفقا - ضمنيا - على عدد من المفترضات «Présupposés». - يعد الفعل الذي يحققه الكلام جزءا من المعنى المعبر عنه. - معرفة العلاقات المتبادلة بين الشخصيات أساسية لفهم وتأويل ملفوظاتها. ولتوضيح هذه المنطلقات النظرية المستقاة من نظرية أفعال اللغة، تقوم أوبرسفيلد بتحليل لملفوظ «A ce soir» المنقوش على جدار ما حيث تتناوله من مختلف الزوايا التداولية بمراعاة المتخاطبين، السياق، التلفظ، العلاقات ثم الكلام كفعل. علاوة على هذا، تتبنى أوبرسفيلد تصور أوستين عن أفعال الكلام التي يتم إنجازها من خلال ملفوظ معين وهي: الفعل التعبيري «Locutoire» المتمثل في المحتوى الدلالي المعبر عنه في الملفوظ، والفعل التأثيري «Perlocutoire» المتمثل في القدرة التعبيرية والانفعالية للملفوظ، والفعل التخاطبي «Illocutoire» المتمثل في تأسيس ميثاق أو اتفاق مع الآخر من خلال الملفوظ. وعلى الرغم من كونها توجه انتقادات إلى هذا التصور باعتباره يركز على قصدية «Intentionnalité» المتكلم التي هي إشكالية ذات طابع سيكولوجي وليس لساني، بالإضافة إلى كونه لا يهتم بإحدى أهم وظائف اللغة وهي الوظيفة الشعرية، على الرغم من كل هذا فإن أوبرسفيلد تعترف بأهمية هذا التصور في تحليل الخطاب المسرحي حيث تقول: «إن نظريات أفعال اللغة أتت بإضافات دقيقة لتحليل الخطاب المسرحي» (3-282). انسجاما مع هذا الاعتراف، تستوحي أوبرسفيلد هذه التصورات في دراسة الخطاب المسرحي للكشف عن خصوصيته حيث ترى أن للتلفظ المسرحي خصوصية تميزه تتجلى في تراكب «Superposition» وضعيتين للتلفظ: وضعية التلفظ التخيلي «fictif» ووضعية التلفظ المشهدي (فوق الخشبة) والمسرح هو الفن الذي يكشف عن اللغة في علاقتها بوضعية ما حتى ولو كانت هذه الوضعية متخيلة. إن هذا التراكب بين وضعيتين تلفظيتين يعني أخذ كل من النص والعرض بعين الاعتبار، لهذا ترى أوبرسفيلد «أن تداولية الخطاب النصي في المسرح تعود مباشرة نحو الممارسة على الخشبة» (3-286)، لهذا تحاول تحليل مقطع من مسرحية كلاسيكية هي «فيدر» لراسين اعتمادا على أفعال اللغة وبمراعاة الوضعيتين التلفظيتين التخيلية والمشهدية. ولإبراز خصوصية أفعال الكلام في المسرح، ترى أن الفعل التعبيري يتضمن - في المسرح - إجراءين مختلفين: إلقاء الكلام وإعطاء معنى لهذا الكلام. أما الفعل التأثيري فيتجلى في إحداث أثر فعلي واقعي على المتفرج في حين لا يحدث سوى أثر مصطنع على من يتقاسم الدور مع الممثل فوق الخشبة. أما الفعل التخاطبي، فإنه صعب خصوصا وأن الفعل اللغوي بكل تأثيراته الدقيقة على المتلقي يبدو فعلا مموها وليس حقيقيا. من هنا، فإن الخصوصية المميزة لكل تداولية مسرحية هي ضرورة تمييزها بين النص والعرض، أي بين وضعيتين للتلفظ، لذا تقول أوبرسفيلد: «لفهم وضع الخطاب المسرحي، ينبغي التمييز بين المشهدي والتخيلي، فهذا الأخير يفترض وجود أفعال كلام تمتلك كل قوتها التخاطبية. فإذا أقسمت الشخصية قائلة «أقسم» فإن لكلامها داخل التخيل كل قوته التخاطبية من حيث كونه قسم، غير أن الممثل، بالطبع، غير ملزم بالقسم المتلفظ به من طرف الشخصية. وإذا قال الممثل للمتفرجين «انهضوا»، فإنه سيخرج عن دوره» (3-289). وحتى لا تبقى المقاربة التداولية للمسرح منغلقة على ذاتها، تحاول أوبرسفيلد فتح آفاق جديدة تتجلى في تحليل الإيديولوجي والشعري في علاقتهما بالأفعال التي يحققها كل ملفوظ في إطار وضعية تلفظية معينة. إلا أن ما قدمته بهذا الخصوص لم يتجاوز حدود الافتراض العابر الذي يحتاج إلى وقفة تأملية خاصة. 3 - 2 - أورشيوني (1984): خصوصية الجهاز التلفظي في الحوار المسـرحي: في دراسة متميزة تحت عنوان: «من أجل مقاربة تداولية للحوار المسرحي»، تحدد أورشيوني Orecchioni أهم التوجهات التي عرفها الحقل التداولي بما فيها التداولية التلفظية، والتداولية التخاطبية والتداولية التحاورية، مؤكدة أن النص المسرحي يمكن أن يشكل موضوعا أساسيا لهذه التداوليات الثلاث، وذلك للاعتبارات التالية: 1 - خصوصية التواصل المسرحي تفرض اعتباره جهازا تلفظيا «Dispositif énonciatif». 2 - القول «Dire» في المسرح فعل «Faire» بامتياز. 3 - النص المسرحي يقدم نفسه باعتباره حوارا بين شخصيات متفاعلة. انطلاقا من كون كل واحد من هذه الاعتبارات يدخل في إطار إحدى التداوليات الثلاث، تعمل أورشيوني على اختيار مجموعة من المفاهيم الوصفية المندرجة ضمن هذه التداوليات من خلال تطبيقها على النص المسرحي، في شكله المكتوب بالخصوص. والهدف من هذه العملية الاختبارية هو البحث في خصوصية الجهاز التلفظي المسرحي انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أننا «لا نتحاور في المسرح مثلما نتحاور في الحياة اليومية، ولا ينبغي أخذ هذه التصنعات المصطنعة على أنها نسخ محاكية تماما للتبادلات الكلامية التي تجري في الحياة العادية» (2-47). في إطار تحليل الجهاز التلفظي للتواصل المسرحي، تؤكد أورشيوني أن ثمة فرقا أساسيا بين الحياة العادية وبين المسرح من حيث الإرسال والتلقي. فالحوار اليومي يتم عادة بين مرسل ومتلقي، في حين يتعلق الأمر، في المسرح، بسلسلة من المرسلين - المتلقين، أي بنوع من الدمج «Emboîtement» لدعامات تلفظية متعددة. ففي جهة الإرسال هناك المؤلف، الشخصية والممثل، وفي جهة التلقي هناك الممثل والشخصية والجمهور. ومن بين أهم العناصر التي تضفي الخصوصية على الجهاز التلفظي المسرحي دعامة الجمهور باعتبارها دعامة خارج - ركحية «Instance extra-scénique» في مقابل المتلقين الداخل - ركحيين «Intra-scénique». تتوقف أورشيوني، إذن، عند المتفرج الذي تعتبره مرسلا إليه غير مباشر بالنسبة للمؤلف والممثل، ومتلقيا زائدا «Récepteur additionnel» بالنسبة للشخصية باعتباره متطفلا أو مستمعا أو مشاهدا، وتقصد بالمتلقي الزائد المتلقي الذي ينفلت حضوره في تيار التواصل من وعي المرسل، أي لا يحسب له حساب. ولعل من أهم خصوصيات المسرح كون لغته مفاجئة تشتغل انطلاقا مما تسميه أورشيوني «شكل الصورة التواصلية Mode du trope communicationnel» المتمثل في قلب التراتبية العادية لمستويات المرسل إليه (مثلا حين يتحول المرسل إليه المباشر إلى مرسل إليه غير مباشر) خصوصا وأن الخطاب المسرحي يتميز بكونه يوحي بأنه موجه نحو شخصيات معينة في حين يكون موجها، في الحقيقة، نحو المتفرج. لهذا، فمراعاة لهذا الاتجاه التلفظي المضاعف، ترى أورشيوني أن ما يسمى بـ«قانون الإخبار Loi d'information» ينبغي أن يشتغل في الاتجاهين معا، أي اتجاه الشخصيات والجمهور، خصوصا وأن هذا الأخير عندما يدخل لمشاهدة مسرحية ما تكون معرفته بالكون التخيلي للشخصيات ناقصة، لذا لابد من إخباره هو أيضا بما يجري. ويبدو أن لجوء المؤلفين المسرحيين إلى ما يسمى بـ«المشاهد التقديمية Scènes d'exposition» يعكس الرغبة في تحقيق هذا الهاجس الإخباري في العلاقة مع المتفرج. وقد عرف تاريخ الكتابة الدرامية إجراءات مختلفة هدفها تحقيق هذا الهدف الإخباري بالنسبة للمتفرج، من ذلك، مثلا، ما نجده في المسرح الكلاسيكي حيث يتم وضع «شخصية جاهلة» فوق الخشبة يكون إخبارها بأشياء معينة إخبارا للمتفرج في آن واحد. وفي حالة ما إذا كانت كل الشخصيات عارفة بما يجري تكون الحيلة التي يتم الالتجاء إليها لتحقيق قانون الإخبار هي اللعب بواسطة المفترضات في الحوار التي باكتشاف المتفرج لها يوضع في الصورة ويعرف ما يجري أمامه. وفي إطار التمييز بين الحياة العادية والمسرح تتحدث أورشيوني عن إجراء تلفظي آخر هو المونولوغ. فهذا الأخير الذي قد يجلب لصاحبه في الحياة اليومية، نعوتا من قبيل الجنون - (إنسان يحدث نفسه غالبا ما يتم اعتباره مجنونا) - فإنه في المسرح، يعبر عن مضاعفة للشخصية، أي أن هذه الأخيرة تشكل مرسلا ومتلقيا لخطابها في آن واحد. إن هناك رخصة مسرحية تسمح للشخصية بمحاورة ذاتها دون أن تكون مجنونة بالضرورة وحوارها الذاتي هذا هو الوسيلة ليعرف المتفرج عنها أشياء كثيرة، وبدونه لا يمكن أن يتوصل إلى أي شيء خصوصا وأنه «في المسرح لا يوجد سوى ما يقال، ما يعبر عنه، ما تنطق به الشخصية» (2-54). لذا، فإن الصورة التواصلية للمونولوج المسرحي تشتغل بشكل مختلف عن المونولوج في الحياة العادية. وفي سياق تحليلها للحوار المسرحي من زاوية التداولية التحاورية ترى أورشيوني أن ما يميز هذا الحوار عن الحوار العادي هو كونه «موضوعا أدبيا، أي مكتوبا، مفكرا فيه، مخدوما، أي أكثر انسجاما، بشكل كبير، من الحوار العادي» (2-55). ولعل هذا ما يجعله يخضع بسهولة للتحليل التحاوري الذي ينطلق من مبدأ أساسي يعتبر الحوار طقسا اجتماعيا يتجسد شفويا ويخضع لمجموعة قواعد منها ما ينظم البنية الداخلية للتبادل الحواري ومنها قواعد الخطاب أو ما تسميه أورشيوني بـ «المبادىء التحاورية Maximes conversationnelles» التي تنظم مجموع السلوكات الخطابية والتي تشكل سننا على المتحاورين معرفته للدخول في اللعبة اللغوية. وتتنوع هذه القواعد بتنوع الأصل الجغرافي، والوسط الاجتماعي والخصائص السيكولوجية للمتحاورين. كل هذه العدة النظرية التداولية التي تصوغها أورشيوني لإبراز خصوصية الحوار المسرحي، تعمل على اختيارها من خلال النص المسرحي في بعده المكتوب حيث تختار مقطعا من مسرحية لماريفو هي «لعبة الحب والمصادفة». 3 - بوتيجـان (1984): الاشتغال الدلالـي - التداولي للحـوار المسـرحي: في دراسة متميزة تحت عنوان «الحوار في المسرح»، يعمل أندريه بوتيجان André Petit-Jean على وصف وتحليل الاشتغال الدلالي - التداولي «Sémantico-pragmatique» للحوار المسرحي من خلال أمثلة نصية مأخوذة من الريبرتوار المسرحي الكلاسيكي والمعاصر. وانطلاقا من نفس الخلفية النظرية التي انطلقت منها أورشيوني، يحاول بوتيجان بالاعتماد على أفعال الكلام، والتحليل التحاوري ونظرية المبادىء التفاعلية، تقديم تحليل هاجسه الأساس إبراز التماثلات بين الحوارين العادي والمسرحي من جهة، والاختلافات من جهة أخرى، وذلك بهدف تحديد الخصوصيات المميزة للحوار المسرحي باعتباره «نتاجا لعمل الكتابة وللسياقية النصية Contextualisation textuelle» (4-63). ففي المرحلة الأولى، ركَّز بوتيجان على التشابه بين الحوار العادي والحوار المسرحي مبرزا عناصر التماثل بينهما في ما يلي: - الوحدة الأساسية للحوار فيهما هي الدور الكلامي الذي يخضع تبادله لنوع من التنظيم. - أخذ الكلمة في الحوارين مرتبط بالوضع الرمزي - الاجتماعي للمتحاورين. - صورة المتحاورين داخلة في اللعبة الحوارية، أي صورتهم عن أنفسهم والصورة التي يريدون تقديمها للآخرين عن أنفسهم. - يمكن للحوارين العادي والدرامي أن يتحققا عن طريق عمليات نصية جد واسعة (سرد، وصف، برهنة...). ويتوقف بوتيجان عند كل عنصر من هذه العناصر لتحليله بناء على تمييز أساسي بين مستويين لاشتغال الحوار هما (4-64): 1 - المستوى الدلالـي: ويتم فيه تحليل التماسك الموضوعاتي للأدوار الكلامية وإبراز محتويات القضايا التي تتضمنها. 2 - المستوى التداولي: ويتم فيه وصف سلوكات المتحاورين وقيمها التخاطبية خلال التبادل الكلامي. وفي المرحلة الثانية، يقوم بوتيجان بتحليل الحوار المسرحي باعتباره كتابة خصوصية تختلف عن الحوار العادي حيث يركز على صفتين أساسيتين هما: 1 - الحوار المسرحي نص مكتوب يلقى صوتيا «à vocaliser» بالاعتماد على تقنيات مضبوطة هي قوة الصوت، إيقاعه والحركة المصاحبة له، إلخ. 2 - الحوار المسرحي نص تخييلي. لإبراز الخصوصية في الصفة الأولى، يقارن بوتيجان بين مقطع مأخوذ من نقاش داخل فصل دراسي ومقطع من مسرحية «في انتظار غودو» لبيكيت حيث يبين أن الأول يضاعف الخصائص المميزة للشفوية «oralité» بما فيها التكرارات، التأكيد، التصحيح، الضغط الصوتي، الملفوظات غير التامة والقطائع، في حين أن الثاني بخضوعه لنظام المكتوب «scriptural» تنعدم فيه هذه الخصائص. أما بخصوص الصفة الثانية، أي البعد التخيلي للحوار المسرحي، فإن بوتيجان يؤكد - مستوحيا تصور أورشيوني - أن المقصود بهذا البعد هو كون الحوار نتاج إجراء تواصلي معقد تتعدَّد فيه المستويات التلفظية (بين الشخصيات أولا، وبين الممثلين، ثم بين المؤلف والجمهور). وهذا الإجراء التواصلي يتميز بثلاث خصائص هي (4-78): - إن المتفرج، دائما، هو المرسل إليه غير المباشر للتبادلات الكلامية. - قواعد الحوار منظمـة في الغالب. - الخطاب المسرحي ممارسـة كتابيـة. ولإبراز هذه الخصائص، يقوم بوتيجان بدراسة نصية للمشهد التقديمي، وسوء التفاهم «quiproquo» ومسرح العبث. والخلاصة الأساسية التي ينتهي إليها هي أن الحوار المسرحي - على الرغم من تشابهه مع الحوار العادي - يمتلك، بعض الخصائص المميزة المرتبطة بوضعه ككتابة تخيلية. 3 - 4 - مانغونو (1990): التلفظ المسرحي والقراءة المضاعفـة: خصص دومنيك مانغونو Dominique Maingueneau فصلا من كتابه «تداولية الخطاب الأدبي» للمسرح حيث عنونه بـ«ازدواجية الحوار المسرحي». وكما يتضح من هذا العنوان نفسه، فالازدواجية «Duplicité» هي الخاصية المميزة للحوار المسرحي لأنها تجعله يمتلك وضعيتين تلفظيتين في آن واحد: الأولى يتوجه فيها مؤلف إلى جمهور عبر العرض باعتباره فعلا تلفظيا، والثانية أي الوضعية المعروضة تتبادل فيها الشخصيات أقوالا في إطار تلفظي يتميز باستقلاليته بالنسبة للعرض (6-141). وفي إطار تحليله لخصوصية التلفظ المسرحي يرى مانغونو «أن الأمر يتعلق بمتحاورين يبدون مستقلين في حين أن مجموع ملفوظاتهم، بل والمسرحية كلها، ترجع إلى مصدر تلفظي غير مرئي يمكن تسميته - مع م. إساكاروف - «جامع التلفظ Archiénonciateur» (6-141). هذا التداخل على مستوى التلفظ يفرض قراءة مضاعفة للعمل المسرحي: قراءة القارىء الذي يجد نفسه أمام نص - وليس أمام خطاب - يتعامل معه كفضاء قابل للاختراق في كل الاتجاهات بحيث يمكنه القفز على المشاهد أو العودة إلى الوراء أو القيام بمقارنات بين المقاطع. ثم قراءة المتفرج الذي يتلقى الملفوظات متتابعة بشكل لا يمكن قلبه أو تغييره. وفيما يخص التلفظ فوق الخشبة يرى مانغونو ضرورة أخذ المرسل إليه المضاعف بعين الاعتبار: المحاور والجمهور. وعليه فكل تحليل للحوار المسرحي ينبغي أن يأخذ الملفوظات باعتبارها حوارا بين شخصيات من جهة، وملفوظات موجهة من مؤلف إلى جمهور من جهة أخرى. ولهذه الازدواجية انعكاسات واضحة على تفكيك الضمني «Déchiffrement de l'implicite» في الملفوظ. يقول مانغونو في هذا الإطار: «خلافا لما يجري في الحوارات المندرجة ضمن السرود، فإن جمهور المسرح لا يتوفر، قبليا، على دعامات متواطئة لتفكيك المتضمنات» (6-148)، لأنه لا يوجد سارد يوجهه في الاتجاه الصحيح عن طريق تعليقاته وشروحاته. ولهذه الازدواجية انعكاسات على اللغة الدرامية كلها. في هذا الإطار يتوقف مانغونو عند مشكلة المقطع الطويل «Tirade» باعتباره ملفوظا طويلا يبدو كما لو أنه موجه نحو المتفرج عن طريق الشخصيات. كل هذه الأبعاد التي حلَّلَها مانغونو تنطلق من كون الخطاب المسرحي جزءا من الخطاب الأدبي وإن كان يتميز عنه بطابعه التلفظي المزدوج. ومن جانب آخر، يلاحظ أن مانغونو يعيد النظر في التقابل الوثوقي بين الخطابين العادي والـمسـرحـي لأن «الخطاب العـادي نفسـه يختــرقـه التمسرح Théâtralité» (6-157). ويبدو أن هذا الموقف هو الذي يجعل مانغونو متميزا في تحليله عن تحليلات كل من أورشيوني وبوتيجان بخصوص التمييز بين الخطابين العادي والمسرحي. 4 - تركيـــب من خلال استعراض هذه التصورات حول تداولية المسرح، يلاحظ أن ثمة ثلاثة هواجس أساسية تتحكم في أصحابها هي: - وضوح المنطلقات النظرية: ويتجلى ذلك في تحديد الاختيار التداولي المراد استغلاله في دراسة الخطاب المسرحي، سواء كان اختيارا تلفظيا أو تحاوريا أو تخاطبيا. - التركيز على النص المسرحي في بعده المكتوب لاختيار العدة النظرية التداولية مما يعني صعوبة القيام بدراسة تداولية انطلاقا من العرض المسرحي خصوصا وأن النموذج المسيطر في الأبحاث التداولية إلى حد الآن وهو النموذج اللساني، والعرض، كما هو معلوم، يقوم على أنساق مختلفة لغوية وغير لغوية. - حضور هاجس البحث عن الخصوصية، أي خصوصية الخطاب المسرحي عبر وصف الاشتغال اللغوي لهذا الخطاب ومقارنته بخطابات أخرى وخصوصا منها الخطال العادي. مثل هذه التصورات النظرية المتعلقة بتداولية الخطاب المسرحي أساسية بالنسبة إلى خطابنا النقدي الراهن لأنها تفسح المجال للمهتم بالظاهرة المسرحية كي يكشف عن أبعادها التداولية وكي يبني خطابا نقديا علميا يلامس خصوصية المسرح كنوع أدبي وكفنٍّ يقوم على الفرجة. * فصل من كتاب( المسرح مفارقاته) ، مكناس، مطبعة سنـدي، الطبعة الأولى، 1996 الهوامـش والمـراجع 1 - Armengaud, Françoise, La pragmatique, Que-sais-je?, PUF, 1985. 2 - Kerbrat-Orecchioni, Catherine, «Pour une approche pragmatique du dialogue théâtral, in Pratiques, N° 41, mars 1984. 3 - Ubersfeld, Anne, Lire le théâtre, Messidor/Editions Sociales, Paris, 1982. 4 - Petit-Jean, André, «La conversation au théâtre», in Pratiques, N° 41, mars 1984. 5 - Pavis, Patrice, Dictionnaire du théâtre, Messidor/Editions Sociales, Paris, 1978. 6 - Mainguenau, Dominique, Pragmatique pour le discours littéraire, Bordas, 1990

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق