الاثنين، 16 مايو، 2011

الحضارة بين الهيمنة والتواصل

الحضارة بين الهيمنة والتواصل الدكتور عباس الجراري عضو أكاديمية المملكة المغربية كلية الآداب - الرباط ------------------------------------------------------------------------------------ تعتبر العولمة ظاهرة العصر المميزة لما سينتهي به القرن الحالي، وما سيستهل به القرن المقبل إن شاء الله. وهي متولدة عن مخاضات واقع سياسي واقتصادي واجتماعي، وكذا واقع ثقافي وتقني وإعلامي، كانت كلها تعتمل في الساحة الدولية بشتى عواملها المتضاربة وظروفها المتناقضة، وبجميع ما يكتنفها من طموح لبسط النفوذ وتوسيع السيطرة. وهي إذا ما توافرت لها أسباب النجاح، فستفرض سلطانها، أي سيفرض قادتها والمتحكمون في زمامها هيمنتهم على الآخرين، سواء أكان هؤلاء الآخرون من شبه الأقوياء المتطلعين إلى أن يكون لهم موقع لائق في المجال العالمي يؤهلهم لدور ما في العولمة، أم كانوا من الضعفاء الذين لا يقدرون على مواكبتها والمنافسة في حلبتها والمساهمة، والذين سيجتازون - نتيجة ذلك - أزمة عامة قد تمس نموهم وتطورهم، وربما أثرت على وجودهم بما سيكون لها من انعكاس حضاري وثقافي، وبما سيولده هذا الانعكاس في نفوسهم من نزاع داخلي لا شك أن معاناته ستفضي إلى مواجهة تحديات كبيرة وعميقة. في نطاق هذه المواجهة بما تؤسس عليه من فعل ورد نابعين من الحدب على الهويات من أن تمحى أو تذاب يكمن الموقف من العولمة، ويكمن كذلك المصير الذي ينتظرها والذي لن يكون لصالحها إن هي سارت في خيار التسلط والاستبداد ووحدة الرأي والقرار، مع ما يعنيه هذا الخيار من رفض وإلغاء للذين يكونون غير قادرين على مسايرتها وتحقيق مكاسبها الآنية، وإن أبدوا كامل الرغبة والاستعداد للاندماج في سياقها، تحفزا من كيانهم وما لهم فيه من خصوصيات. وإيمانا بإمكان التوفيق والتكامل بين المحلية والعالمية. في هذا الإطار، ونظرا لأن العولمة ظاهرة حضارية وثقافية تدخل الإنسانية اليوم أول المراحل لخوض غمارها، يصبح ضروريا فتح الآفاق واسعة لمعرفة ما للحضارات والثقافات الأخرى من رؤى وقيم وتوجهات بقصد التعامل معها - أقصد مع هذه الحضارات والثقافات - ومع المنتمين إليها، بما هي جديرة به وما هم خليقون به من مراعاة واعتبار. من هنا كانت هذه الدراسة التي أحاول عبرها إثارة الانتباه إلى ما للإسلام من منظور يمكن القول منذ البدء إنه يرفض الهيمنة ويدعو إلى التواصل، ويرى الإنسانية تسير على الدوام في خط التطور المؤدي إلى الأفضل والأشمل. وحتى تتبين أبعاد هذا المنظور، فإني سأتناوله من خلال قسمين: في الأول، عرض أهم القضايا الحضارية وفق ما يراه الإسلام. وفي الثاني، أناقش - بناء على هذه الرؤية - مسألة العولمة وما يمكن أن يكون لها من توجه إيجابي أو سليب. * * * * أبدأ بالقسم الأول، وفيه أثير أربع نقط: الأولى عن المنطلقات، ذلكم: 1 - أن الله لم يخلق الإنسان عبثا: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}(1) . ولكن خلقه لعبادته: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }(2) . 2 - وحتى تتم هذه العبادة على النحو الصحيح، فإنه تعالى استخلف الإنسان في الأرض: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}(3)، { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان }(4) . 3 - في نطاق هذا الاستخلاف أمره أن يعمر الأرض ويستثمرها ويسير بها في طريق الصلاح: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها }(5) ، {وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه }(6) ، {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}(7) . وإنه ليبدو من السياق القرآني لخلق الكون والإنسان أن هذا الخلق كان متتابعا، إذ يتضح أن الله خلق آدم واستخلفه مباشرة بعد خلق السماوات والأرض: {هو الذي خلق لكم في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم. وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة }(8) فقوله عز وجل { لكم } يدل على أن الله خلق الأرض للإنسان حتى يعمرها ويستثمرها، واتباعه جعل الخليفة مباشرة بعد خلق السماوات والأرض دليل على أن أول ما خلق الله بعدهما هو الإنسان أي آدم الذي سيستخلفه الله على الأرض. الثانية عن الدعائم التي يراها الإسلام لقيام الحضارة، إذ بها يكون الصلاح وتكون العمارة، ويكون الاستخلاف، وتكون العبادة التي بها تتحقق الغاية من الخلق. عن هذه الدعائم تحدث القرآن الكريم، على نحو ما ورد في إحدى أقصر سورة، وهي سورة العصر التي يقول عز وجل في آياتها الثلاث: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر }. وهي آيات تشير كل منها إلى إحدى تلك الدعائم: 1 - الإيمان، ويتضمن شعبا كثيرة تبدأ مما حدده رسول الله r في الحديث(9) الذي أجاب فيه النبي الكريم جبريل عليه السلام حين سأله عن الإيمان، إذ قال r: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". ومن الإيمان التصديق برسالة سيدنا محمد r وما جاء به من أحكام وتشريعات، ومنه كذلك ما به يتبلور، أي أداء مختلف الطاعات والعبادات والفروض التي أوجبها الله على عباده. وعندي أن هذا هو المضمون الذي ذهب إليه الذين يرون أن الإيمان قول وفعل، أي هذا النطاق من الفعل المتعلق بالواجبات، وليس مطلق العمل الذي سيأتي بعد، موصوفا بالصالح. 2 - العمل الصالح، وقد جاء في آيات كثيرة مقرونا إلى الإيمان؛ ومجاله واسع، ويكفي للدلالة على أهميته في الإسلام أن نسوق الحديث(10) الذي يحثنا فيه رسول اللهr على أدائه ولو في آخر لحظة من الحياة: "إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسلة فليغرسها"، أي قضيب من كرم صالح الغرس؛ و"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل". 3 - السلوك الحسن وفق القيم الخلقية التي جاء بها الإسلام، والتي بلورها رسول الله r في سلوكه الذاتي ومع الغير. ولإبراز المكانة التي يعطيها الإسلام لهذا الجانب، تكفي الإشارة إلى الحديث الشريف(11) "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وتأكيدا لهذه المكانة جاء في حديث آخر لصيقا بالإيمان: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(12) . وإن هذه الدعائم الثلاثة هي التي ساقتها سورة العصر: 1 - عن الإيمان جاء فيها {إلا الذين آمنوا}. 2 - وعن العمل الصالح {وعملوا الصالحات}. 3 - وعن السلوك جاء {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. وإذا كانت هذه الدعائم تجمع ما جاء به الإسلام من وعقيدة وشريعة السلوك، فإن خلاصتها تكمن في "الخير". وهي كلمة جامعة لما ينبغي أن تكون عليه الحياة ويكون عليه الناس. {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}(13) ، {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله}(14) ، {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر}(15) . في هذا الخير يتبلور مدلول الحضارة، إذ تتجلى - حسب المفهوم التوضيحي المعاصر - في مجموع مظاهر التقدم الذي يحققه شعب أو أمة في مختلف ميادين الحياة المادية، وكذا المجالات الفكرية التي قد تندرج في معنى الثقافة عند من يميزون بين مصطلحي الحضارة والثقافة. الثالثة عن وسائل إقامة الحضارة، وتقوم على نهج التوسط والاعتدال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}(16) ، {خير الأمور أوسطها}(17) ، كما تقوم على تجاوز كل أسباب الاختلاف مع الآخر والتعايش معه في تآزر وتناصر يتسنى بهما التعارف الكامل: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}(18) . وإن هذا التعارف لينبع من إدراك حقيقة الوجود القائم على الاختلاف، وحق الغير في هذا الاختلاف:{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات}(19) . ومن ثم يستفاد من هذا الغير ويقتبس كل ما هو صالح عنده، في عملية أخذ وعطاء متبادلين. وهذا هو الذي يجعل الحضارة في منظور الإسلام قائمة على التواصل بما يعتمل فيه من تداخل وتفاعل وفق شروط تكاد أن تكون من سنن الكون وطبيعة الحياة البشرية، على ما قد يرتبط بهذه الظاهرة أو ينتج عنها من قبول أو رفض. على أساس هذا التواصل تكونت الحضارة الإسلامية، وفي سياقه تشكلت وتتشكل الحضارة الإنسانية وإن تعددت محطاتها المنسوبة إلى شعوب بعينها، مهما يكن مستوى هذه المحطات. ذلكم أن الحضارة واحدة، وقد اجتازت وتجتاز مراحل منذ ما قبل التاريخ أو العصر الحجري القديم، حين وجد الإنسان الذي أشعل النار، والذي اهتدى إلى نحت الصخر وإلى صنع الأسلحة من هذا الصخر أو من العظام. وإن الآثار المكتشفة لتدل على أن بيننا وبين هذه المرحلة زمنا يقدر بنحو مليون عام أو أكثر، وكان اختراع الكتابة قبل نحو من سبعة آلاف سنة قد دخل بالحضارة إلى طور جديد متداخل الحلقات. وإذا كان المنظور القرآني يقيم الحضارة على التواصل في صيغة يعتبر بها هذا التواصل هدفا يتحقق بشيء غير قليل من التلقائية والحتمية، فإنه لا ينفي وجود الصراع والحوار ويراهما من السبل المفضية إليه، وقد كثر الحديث عنهما في هذه السنين الأخيرة عبر مقولة صراع الحضارات أو حوارها. فعن الصراع يقول تعالى: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}(20) ، {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا}(21) . وعن الحوار يقول: {وقولوا للناس حسنا }(22) {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}(23) ، {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}(24) ، {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}(25) . الرابعة عن انهيار الحضارة: إنه إذا كان الإسلام يدعو إلى إقامة الحياة والحضارة على هذا النحو، مما يحقق السعادة والازدهار والأسباب التي تكون خلف ذلك، فإنه يبين كيف تنهار الحياة وتنحط الحضارة وتنتهي وتموت. وقد أخبرنا القرآن الكريم عن حضارات بادت بعد أن سادت، وحدثنا عن أسباب انهيارها، مما يمكن أن ننظر إليه اليوم ونعرضه ونحلله بمنطق التاريخ. وتكفي الإشارة إلى الأقوام الذين أورد القرآن الكريم ذكرهم في سورة الفجر، وهم عاد وثمود وفرعون: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد}(26) . وقد بدأت هذه الآيات باستفهام تقرير يهدف إلى تثبيت النبي r ، وهو موجه خطابا له: 1 - فعاد أهل إرم الذين كانوا معروفين بالقوة والشدة، وبحصونهم وقصورهم المرفوعة على الأعمدة، وكان الله قد بعث فيهم هودا. 2 - وثمود قوم صالح أولئك الذين كانوا مشهورين بنحت الجبال وإقامة البنايات الضخمة من الحجارة. 3 - وفرعون الذي ذاع صيت قوته وبطشه وشدة تعذيبه لخصومه، وما كان له في ميدان العمران والبناء، وقد بعث الله لهدايته وتحرير بني إسرائيل من استعباده موسى عليه السلام وأخاه هارون. هؤلاء جميعا طغوا وتجبروا على عباد الله وعلى أنبيائه الذين كان يبعثهم، وأكثروا الفساد في الأرض بما كانوا يرتكبون من فواحش وآثام ومظالم، فكان أن أهلكهم وأبادهم: 1 - أهلك عادا بالريح {فأهلكوا بريح صرصر عاتية}(27) . 2 - وأهلك ثمودا بالصيحة أو الطاغية: {فأهلكوا بالطاغية}(28) . 3 - وأهلك فرعون بالغرق: {فغشيهم من اليم ما غشيهم}(29) . لماذا فعل الله بهم ذلك؟ لأنه عز وجل لا يفوته شيء، وهو يراقب الكون والخلائق، ويحقق إرادته في إقامة عمارة الأرض على الخير، ويجزي كلا بما فعل، في إنصاف لا ظلم فيه. إن هذا الموقف القرآني الحكيم يتفق مع منطق التاريخ، أو بالأحرى أن منطق التاريخ يتفق معه، كيفما كانت مناهج تحليله؛ وتؤكده مسيرات الحضارة والثقافة في كل زمان ومكان. وقد تسنى لنا في المرحلة المعاصرة أن نعيش تفتت قوى كبرى وانهيار دعائمها، ولما تعمر أكثر من ستة عقود، بسبب التوجه الإلحادي الذي قامت عليه، والذي قاد إلى الزوال شعاراتها الخلابة وكل مظاهر القوة المادية التي كانت إليها مستندة. وإن أية حضارة أخرى ستنهار إذا هي ظلت بعيدة عن الإيمان والقيم النابعة منه، وسارت في طريق الاستكبار والاستعلاء وإبطال الحقوق وظلم الضعفاء. وللإسلام في هذا النطاق موقف متسامح يحثني - في استطراد خفيف - على أن أذكر أن القرآن في الوقت الذي تحدث عن الحضارات البائدة، تحدث كذلك عن غير المسلمين من الذين استقام سلوكهم، ونوه بهذا السلوك على نحو ما توضحه آيتان كريمتان: الأولى:{ومن أهل الكتاب من أن تامنه بقنطار يؤده إليك}(30) ، وهي آية تعرض لتعامل المسلمين مع أحد اليهود، وفيها إشادة بأمانة هذا اليهودي، وهو عبد الله بن سلام وقد أسلم يوم دخل رسول الله r المدينة، ورسول الله r هو الذي سماه الحصين. وكان قد أودع عنده أحد المسلمين ألف أوقية من الذهب فأعادها إليه. الثانية: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون}(31) ، وهي آية تدل على أن من بين النصارى علماء وعباد متواضعين لا يتكبرون. وإننا من خلال هاتين الآيتين ينبغي أن نفهم الواقع الذي نعيشه والذي نرى فيه غير المسلمين يتفوقون ويتقدمون في مضمار الحضارة، لولا أنهم يريدون جعلها حضارة العصر الوحيدة، في فرض لها عبر نظام عالمي جديد، وفي رفض لما عند الآخرين، ومنهم المسلمون، نحن الذين نشعر في أعماقنا بإحساس لا نخفيه، يتأرجح عندنا بين العجز عن إدراك تفوق الغرب واللحاق به وبين إمكان هذا الإدراك وإن بصعوبة. من هنا أنتقل إلى القسم الثاني من الدراسة، معتبرا أنه كيفما كانت معالم الواقع الراهن تدعو في ظاهرها وبالمعايير الآنية إلى التشاؤم وربما إلى اليأس من الاقتدار على الخروج من مأزق الموقع الذي نحن فيه، فإن للتاريخ مقاييس هي التي تتحكم في مسيرته؛ وفي ضوئها يتحرك المد الحضاري صعودا وهبوطا. وهي التي جعلت حضارات كبرى تندثر وتنهار حتى بلغت أوجها وأصاب أصحابها داء الغطرسة والتجبر. وهي في النهاية ومهما يكن اختلاف الرؤى ودرجات الوعي ومناهج التحليل وأشكال الخطاب، مؤدية إلى ما شاءه العلي القدير، وأراده للإنسان منذ الأزل إلى فناء العالم، ونبه إليه في كتبه السماوية عبر تجارب الأمم السابقة والشعوب الغابرة وما كان لها من حضارات بلغت أوجها بمصادمة غيرها والتغلب عليها، إلا أنها بعد تأكيد الهيمنة وبسط السلطان، استبد بها شعور أناني ومتعنت لم يلبث أن قادها إلى البغي والطغيان وإكثار الفساد، فكان أن آل أمرها إلى الخراب والفناء. قد يرى البعض أن في هذا توجها دينيا يعارض خط سير العقل والتاريخ، ولكن الحقيقة أن أي تفسير - ولو كان نابعا في ظاهره من هذا الخط - هو لا بد متأثر بفكر إيديولوجي متوسل بأدوات وتعابير حتى وإن بدت مخالفة لما يتوسل به ذلك التوجه، فإنها في آخر المطاف تصل إلى النتيجة نفسها، مما يجعل صيغة العلم تؤكد صيغة الوحي، ويحث بالتالي على عدم إغفال الخلفية الدينية في تحليل المرحلة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى ما عند حكماء الدارسين الغربيين للحضارة من أن في طليعة أسباب انهيارها التسلط والفساد الروحي، وأن خلف ازدهارها عاملين هما الدولة المنظمة وقوة الجانب الديني. ولعل المنظور الإسلامي يبدو أكثر دقة وتحديدا وأوسع شمولية واكتمالا حين يعتبر دعامات قيام الحضارة - كما مر - مرتكزة على العقيدة المتمثلة في الإيمان، وعلى العمل الصالح الذي يقتضي تنظيم حياة الفرد والمجتمع في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها وفق الشرع، ثم على القيم السلوكية المحققة للتواصل الذي من مظاهره الاعتراف بالآخر والأخذ معه والعطاء في غير بغي ولا طغيان أو تجبر. وإنه ليتضح من المسيرة المعاصرة في جميع ما يشغلها من قضايا وأوضاع، أنه إذا كان الغرب غير مهتم - ظاهريا - بالحضارات الأخرى، إما لمحدوديتها أو ضعفها أو عدم توقع منافستها وخطرها في المدى القريب على الأقل - كما هو الشأن في عموم تعامله مع البلاد الآسيوية وهو مخطئ في ذلك - فإنه يبدو مهموما بحضارة الإسلام، سواء أصرح بذلك أم أخفاه، لإدراكه مدى توافرها على جميع طاقات الإنتاج والإبداع وشتى إمكانات الانتشار والامتداد، بحكم طابعها الإنساني النابع عن تعاليم السماء. وهو طابع لا يتعارض مع وجود حضارات أخرى، بل يتضمن استعدادا لقبولها والتعارف معها والتنافس في طريق الخير المفضي إلى التواصل. وما تسامح الإسلام مع الديانات الأخرى مما هو معروف إلا أحد مظاهر هذا الاستعداد. ومن ثم فإن الغرب، في إطار هذا الهم الحضاري، مدعو إلى أن يتأمل أمرين اثنين: الأول : أن الإسلام الذي كان الحافز والباعث على صنع حضارة كبرى ما زال قائما ينبض بالحياة، وأن المسلمين اليوم - على الرغم من الوضع الذي يعانونه - يجتازون مرحلة صحوة مبشرة ببعث كبير، إذا ما تسنى وعي صحيح بهذه الصحوة، ووجهت في الطريق القويم، ملتزمة خط التوسط والاعتدال، ومحافظة على توازن لا تردد فيه ولا انجراف. ومن الوعي إدراك ضرورة تجديد أمر الدين وأهمية هذا التجديد، أي تصحيح المنظور له بالعودة إلى أصوله لتعريف غير المسلمين به وتصحيح ملامح الصورة التي رسموها مشوهة في ذهنهم عنه، ثم للانطلاق من روح تلك الأصول للتعامل مع قضايا العصر، ولتصفية الذهن الإسلامي من الشوائب التي علقت به على امتداد الحقب، لا سيما عبر عصور التوقف، حتى يستطيع المسلمون أن يتجاوزوا عواقب هذا التوقف. الثاني : أنه لا بد من التمييز بين ما هو مكون ومؤسس للحضارة الإسلامية وبين ما هو تراث ناتج عن مقومات التكوين والتأسيس، حتى لا يقع أي خلط بين المقدس وغيره. فالمقدس ما جاء به الدين من عقيدة وشريعة ومنظومة سلوك مبنية على مبادئ وقيم خلقية، وما سواه هو ما أبدعه المسلمون من علوم وفنون وآداب وما مارسوه من عادات وتقاليد، مما يمثله الإرث الضخم الذي امتد إنتاجه عبر قرون تفاوتت ازدهارا وانهيارا، ومعها تفاوت التراث جودة ورداءة. على أننا في هذا النطاق لا نخفي الإحساس بمدى العبء الذي يثقل كاهلنا لضخامة هذا التراص بغثه وسمينه، وكذا الإحساس بحيرة الاختيار فيه بين الجانبين، أو في الحقيقة بحيرة الفصل في الاختيار، مما يجعلنا نبدو وكأننا نتخبط في تيه لا تقود مسالكه إلا إلى الارتطام داخل شعاب الذات، مستشعرين صعوبة الخروج من هذا التيه لمتابعة السير في ضوء العصر ومستجداته والمساهمة في هذه المتابعة، بما لنا من إمكانات وطاقات، وبما لنا من رصيد صاف وحي. وإن هذا الرصيد الباقي من الحضارة الإسلامية قادر - بعد أن أمد حضارة الغرب في الماضي - على أن يتفاعل معها اليوم. وهو تفاعل تشجع عليه التحولات الكبيرة التي يعرفها المسلمون في حياتهم المعاصرة، وما يشهدون فيها من تطور يؤدي في مجمله إلى النمو والتقدم على الرغم من كل التحديات التي تواجه هويتهم. وإن أكبر هذه التحديات اليوم هو الظن المشاع بأن الحضارة الوحيدة في عصرنا هي حضارة الغرب، وأن ثقافته بالتالي هي التي تسود أو ينبغي أن تسود، أي أنه لا مجال للحديث عن حضارة أخرى أو ثقافة مخالفة. ولكن النظر إلى الحضارات في بعدها الإنساني، وكذا الثقافات، يبطل مثل هذا الظن الإحباطي والمتغطرس؛ لأن الحضارة الحق - وما معها من ثقافة - هي التي تكون قادرة على التعايش والتساكن، ثم على التحاور والاستمداد بما يحقق لها التواصل اللازم للاستمرار، وبما يكسبها مزيدا من الغنى والثراء، حتى ولو كانت تشعر بالتفوق والغلبة، إذ في الوقت الذي يكون المغلوب مضطرا إلى الأخذ والاقتباس، فإنه بما له من خصوصيات ثقافية يبقى قادرا على أن يحاور، أي قادرا على أن يعطي الآخر ما عنده ويساعد هذا الآخر - نفسيا - على الشعور بذلك التفوق وتلك الغلبة. فكيف إذا كان الآخر - كشأن المسلمين - صاحب حضارة وثقافة تألقتا خلال عصور كثيرة، وكانتا من بين أهم الأسس التي قامت عليها حضارة الغرب وثقافته. هذا بغض النظر عما يذهب إليه الذين يرون في إجراء الحوار مع الضعيف - أو بالأحرى مع من يعتبرونه ضعيفا - إنما هو مجرد وسيلة لفهمه وإدراك جوانب ضعفه لمزيد من التحكم فيه والتمكن منه، لا سيما حين يقع التركيز في التبادل معه على المظاهر الاحتفالية والظواهر الفلكلورية والإلحاح فيهما على ما هو محرف أو مشوه. والدعوة إلى التواصل لا تعني عدم الشعور بموقعنا في السياق الحضاري المعاصر، وبحاجتنا إلى أن نأخذ ونقتبس ونستفيد من تقدم الغرب، ولكن تعني اعتبار الشمولية التي يتسم بها هذا السياق، وما لنا من مساهمة فيه، سواء في أصله حين نشأ يستمد من حضارة المسلمين، أو بممارستنا لمنجزاته واستهلاكنا لها، وكذا بما تقدمه الأدمغة الإسلامية المهاجرة. وتعني كذلك اقتناعنا بحاجة حضارة الغرب اليوم إلى المكونات الإيمانية التي افتقدها إذ تخلى عنها، وعزمنا على إمكان إغنائها بما لدينا من خصوصيات وما لنا من قدرات للإبداع؛ دون إغفال معطيات أخرى معروفة قيمتها على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري، كعدد سكان الأقطار الإسلامية وأهمية مواقع هذه الأقطار وغنى ثرواتها، إضافة إلى ما للغرب فيها من مصالح آنية ومستقبلية. إن الحضارة وإن كانت مزدهرة في فترة محددة لدا شعب معين أو في ظل فكر متميز - كما هو الأمر بالنسبة لحضارة الغرب المعاصرة - فإنها في حقيقتها موسومة بالطابع الإنساني الذي يتشكل عبر تراكمات السابقين. ثم إن الحضارة الحق ليست هي التي إذا أدركت يتيح لها التوسع في العمران والشعور بالقوة طمعت في بسط النفوذ وفرض السيطرة على الآخرين والتحكم فيهم، ولكنها التي إذا ما تسنى لها هذا التقدم الحضاري ألحمته بالقيم الروحية والمقومات الفكرية، أي بكيان ثقافي هو الذي يكمل إطار الحضارة ويمكنها من الاستمرار والتواصل، بدءا مما يجليه هذا الكيان من تمثل للحياة والكون، وما يكون به قادرا على توجيه المنجزات الحضارية والتصرف فيها بميزان الضبط والعدل. لقد أثبت التاريخ أن الحضارات على اختلافها كانت تسعى إلى اكتساب مزيد من التوسع والنفوذ، وأن منها ما يتجاوز هذا الحد وتطلع إلى اكتساح الغير والتغلب عليه. ولعل ذلك كان أحد أسباب الصدامات التي عرفتها البشرية على امتداد العهود. ومن ثم فإنه لا سبيل لإنكار الصراع الحضاري الذي عاشته الإنسانية، وهو صراع لم يكن يتسم دائما بتدمير الآخر، والمقصود به المغلوب الذي تبقى له آثار قائمة بالإضافة إلى ما يكون امتصه الطرف الغالب من معالم وملامح يغني بها ذاته، مما ينم عن مظهر للتواصل الحضاري والثقافي حتى في ظل الصراع والغلبة. إن العالم الذي نعيش فيه عرف ويعرف نزاعات دموية وحروبا باردة تدخلت وتتدخل في نشوبها عوامل شتى سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، وكذلك أسباب بيئية وتنموية ترتبط بتفاوت نسب السكان، وإساءة توزيع الثروات، والإجحاف في استغلال الموارد، وما يترتب على ذلك من فقدان التوازن ثم انعدام المساواة، مما يقود إلى ظهور تحديات في جانب تعكس الطغيان المادي المجرد من القيم الروحية، ومواجهة لهذه التحديات في جانب آخر نتيجة الشعور بالظلم ورغبة في التمسك ببعض تلك القيم، وهو الواقع الذي تكرسه الدعوة إلى العولمة وما يرافقها أو تتكئ عليه من حضارة. * * * * إنه لا إنكار أن هذه الحضارة - أي حضارة الغرب - أتاحت للإنسان أن يتمتع بحريته وحقوقه، ويسرت له أنماطا من مظاهر الرقي والرفاه، وطوت له أبعد المسافات بفضل ثورة وسائل الاتصال، وحققت غير ذلك من المنجزات التي يتحتم علينا أن نسارع ليس فقط لاكتسابها والاستفادة منها، ولكن لامتلاكها وتجاوز إمكان مسايرتها إلى القدرة على المساهمة فيها بالإنتاج والإبداع. إلا أنها مع ذلك تبقى حضارة فردية الزعامة والقطبية وأحادية المنطلق والرؤية، تستمد من المادة وإليها تعود، وتستبعد التوجه الديني بما يمكن أن يمدها به من مبادئ مثالية ومعان روحية. وإن العالم اليوم - وهو واقع فريسة المخالب الفتاكة لهذه المادة - يتطلع إلى من ينقذه منها ويبشر بالحل، أن يهفو إلى من يحمل مشعل الرسالة التي شاءت إرادة الله منذ الأزل أن ينيطها بالإنسان، حتى تقوم عمارة الأرض، ويعم العدل، وتسود المساواة، وتتحقق كرامة هذا الإنسان أينما كان وكيفما كان. وإن مكمن هذا الحل ينبغي أن ينطلق من إدراك أن سنة الله في الكون تقتضي استحضار وجوده، والإيمان به، والعمل بتعاليمه، والنهوض بأمانة الاستخلاف في طريق النفع والإصلاح، ووفق معايير الحق والخير. وإن أي حل آني أو مستقبلي لا يراعي هذه المعطيات محكوم عليه بالخيبة والفشل، إن لم نقل بالانهيار والدمار؛ وهو ما يهدد الإنسانية إذا هي ظلت تراعي المعطيات الدنيوية المادية فقط، وأصرت على موقفها المناهض للدين، في غير اعتبار لما فيه من قيم نبيلة ومقومات سامية، ودون اهتمام لما له من منظور سديد ومتكامل للإنسان والحياة. (1) سورة المومنون (الآية 116). (2) سورة الذاريات (الآية 56). (3) سورة البقرة (الآية 29). (4) سورة الأحزاب (الآية 72). (5) سورة هود (الآية 60). (6) سورة الملك (الآية 15). (7) سورة الأعراف (الآية 55). (8) سورة البقرة (الآيتان 28و 28). (9) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب. (10) أخرجه ابن حنبل عن أنس. (11) رواه مالك في "الموطإ"؛ وابن حنبل في "مسنده" عن أبى هريرة. (12) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس. (13) سورة آل عمران (الآية 104). (14) سورة آل عمران (الآية 110). (15) سورة الحج (الآية 39). (16) سورة البقرة (الآية 142). (17) رواه الديلمي عن ابن عباس، وأخرجه ابن السمعاني عن علي مرفوعا بلفظ "خير الأمور أوسطها". (18) سورة الحجرات (الآية 13). (19) سورة المائدة (الآية 50). (20) سورة البقرة (الآية 249). (21) سورة الحج (الآية 38). (22) سورة البقرة (الآية 82). (23) سورة الإسراء (الآية 53). (24) سورة النحل (الآية 125). (25) سورة العنكبوت (الآية 46). (26) سورة الفجر (الآية 6-14). (27) سورة الحاقة (الآية 5). (28) سورة الحاقة (الآية 4). (29) سورة طه (الآية 77). (30) سورة آل عمران (الآية 74). (31) سورة المائدة (الآية 84).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق